الثاني: إحياؤها بالصلاة والدعاء والاستغفار كما كان يصنع الإمام زين العابدين
(عليه السلام). وفي الحديث: من أحيا هذه الليلة لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.
الثالث: زيارة الحسين (عليه السلام)، وهي أفضل أعمال هذه الليلة وتوجب غفران
الذنوب، ومن أراد أن يصافحه أرواح مائة وأربعة وعشرين الف نبي فليزره (عليه السلام)
في هذه الليلة، وأقل مايزار به (عليه السلام) أن يصعد الزائر سطحاً مرتفعاً فينظر
يمنة ويسرة ثم يرفع رأسه إلى السماء فيزوره (عليه السلام) بهذه الكلمات: [
السَّلامُ عَلَيْكَ يا أَبا عَبْدِ الله السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ الله
وَبَرَكاتُهُ ].
ويرجى لمن زار الحسين (عليه السلام) حيثما كان بهذه الزيارة يكتب له أجر حجة وعمرة،
ونحن سنذكر في باب الزيارات مايختص بهذه الليلة منها إن شاء الله.
الرابع: أن يدعو بهذا الدعاء الذي رواه الشيخ والسيد وهو بمثابة زيارة للإمام
الغائب صلوات الله عليه: [ اللّهُمَّ بِحَقِّ لَيْلَتِنا وَمَوْلُودِها وَحُجَّتِكَ
وَمَوْعُودِها الَّتِي قَرَنْتَ إِلى فَضْلِها فَضْلاً فَتَمَّتْ كَلِمَتُكَ
صِدْقاً وَعَدْلاً، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِكَ وَلا مُعَقِّبَ لآياتِكَ نُورُكَ
المُتَأَلِّقُ وَضِياؤُكَ المُشْرِقُ وَالعَلَمُ النُّورُ فِي طَخْياء الدَيْجُورِ،
الغائِبُ المَسْتُورُ جَلَّ مَوْلِدُهُ وَكَرُمَ مَحْتِدُهُ وَالمَلائِكَةُ
شُهَّدُهُ وَالله ناصِرُهُ وَمُؤَيِّدُهُ إذا آنَ مِيعادُهُ وَالمَلائِكَةُ
أَمْدادُهُ، سَيْفُ الله الَّذِي لايَنْبُو وَنُورُهُ الَّذِي لا يَخْبُو وَذُو
الحِلْمِ الَّذِي لايَصْبُو مَدارُ الدَّهْرِ وَنَوامِيسُ العَصْرِ وَوُلاةُ
الأمْرِ وَالمُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ مايَتَنَزَّلُ فِي لَيْلَةَ القَدْرِ وَأَصْحابُ
الحَشْرِ وَالنَشْرِ تَراجِمَةُ وَحْيِهِ وَوُلاةُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
اللّهُمَّ فَصَلِّ عَلى خاتِمِهِمْ وَقائِمِهِمْ المَسْتُورِ عَنْ عَوالِمِهِمْ،
اللّهُمَّ وَادْرِكْ بِنا أَيَّامَهُ وَظُهُورَهُ وَقِيامَهُ وَاجْعَلْنا مِنْ
انْصارِهِ وَاقْرِنْ ثَأْرَنا بِثَأْرِهِ وَاكْتُبْنا فِي أَعْوانِهِ وَخُلَصائِهِ
وَاحْيِنا فِي دَوْلَتِهِ ناعِمِينَ وَبِصُحْبَتِهِ غانِمِينَ وَبِحَقِّهِ
قائِمِينَ وَمِنَ السُّوءِ سالِمِينَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَالحَمْدُ للهِ
رَبِّ العالَمِينَ وَصَلَواتُهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّنَ
وَالمُرْسَلِينَ وَعَلى أَهْلِ بَيْتِهِ الصَّادِقِينَ وَعِتْرَتِهِ النَّاطِقِينَ
وَالعَنْ جَمِيعَ الظَّالِمِينَ وَاحْكُمْ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ يا أَحْكَمَ
الحاكِمِينَ ].
الخامس: روى الشيخ عن إسماعيل بن فضل الهاشمي قال: علّمني الصادق (عليه السلام) هذا
الدعاء لادعو به ليلة النصف من شعبان: [ اللّهُمَّ أَنْتَ الحَيُّ القَيُّومُ
العَلِيُّ العَظِيمُ الخالِقُ الرَّازِقُ المُحْيِي المُمِيْتُ البَدِيُ البَدِيعُ،
لَكَ الجَلالُ وَلَكَ الفَضْلُ وَلَكَ الحَمْدُ وَلَكَ المَنُّ وَلَكَ الجُودُ
وَلَكَ الكَرَمُ وَلَكَ الاَمْرُ وَلَكَ المَجْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ وَحْدَكَ لا
شَرِيكَ لَكَ، ياواِحُد ياأَحَدُ ياصَمَدُ يامَنْ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ ؛ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ
وَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاكْفِنِي ما أَهَمَّنِي وَاقْضِ دَيْنِي وَوَسِّعْ
عَلَيَّ فِي رِزْقِي، فَإِنَّكَ فِي هذِهِ الليْلَةِ كُلَّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
تُفَرِّقُ وَمَنْ تَشاءُ مِنْ خَلْقِكَ تَرْزُقُ فَارْزُقْنِي وَأَنْتَ خَيْرُ
الرَّازِقِينَ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَأَنْتَ خَيْرُ القائِلِينَ النَّاِطِقينَ:
وَاسْأَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ فَمِنْ فَضْلِكَ أَسْأَلُ وَإِيَّاكَ قَصَدْتُ
وَابْنَ نَبِيِّكَ اعْتَمَدْتُ وَلَكَ رَجَوْتُ فَارْحَمْنِي ياأَرْحَمَ
الرَّاحِمِينَ ].
السادس: ادع بهذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في هذه
الليلة: [ اللّهُمَّ اقْسِمْ لَنا مِنْ خَشْيَتِكَ مايحَوُلُ بَيْنَنا وَبَيْنَ
مَعْصِيَتِكَ وَمِنْ طاعَتِكَ ماتُبَلِّغُنا بِهِ رِضْوانَكَ وَمِنَ اليَّقِينِ
مايَهُونُ عَلَيْنا بِهِ مُصِيباتُ الدُّنْيا، اللّهُمَّ أَمْتِعْنا بِأَسْماعِنا
وَأَبْصارِنا وَقُوَّتِنا ما أَحْيَيْتَنا وَاجْعَلْهُ الوارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ
ثأْرَنا عَلى مَنْ ظَلَمَنا وَانْصُرْنا عَلى مَنْ عادانا وَلا تَجْعَلْ
مُصِيبَتَنا فِي دِينِنا وَلا تَجْعَلْ الدُّنْيا أَكْبَر هَمِّنا وَلا مَبْلَغَ
عِلْمِنا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنا مَنْ لا يَرْحَمُنا بِرَحْمَتِكَ ياأَرْحَمَ
الرَّاحِمِينَ ].وهذه من الدعوات الجامعات الكاملات، ويغتنم الدعاء به في سائر الاوقات. وفي كتاب (عوالي
الّلالي) أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو بهذا الدعاء في كافة
الأوقات.
السابع: أن يقرأ الصلوات التي يدعى بها عند الزوال في كل يوم.
الثامن: أن يدعو بدعاء كميل الذي أثبتناه في الباب الأوّل من الكتاب، وهو وارد في
هذه الليلة .
التاسع: أن يذكر الله بكل من هذه الاذكار مائة مرة: سُبْحانَ الله وَالحَمْدُ للهِ
وَلا إِلهَ إِلاّ الله وَالله أَكْبَرُ، ليغفر الله له ما سلف من معاصيه ويقضي له
حوائج الدنيا والآخرة.
العاشر: روى الشيخ في (المصباح) عن أبي يحيى في حديث في فضل ليلة النصف من شعبان
أنه قال: قلت لمولاي الصادق (عليه السلام): ماهو فضل الأدعية في هذه الليلة ؟ فقال:
إذا صلّيت العشاء فصلِّ ركعتين تقرأ في الأوّلى [الحمد] و[سورة الجحد – وهي سورة –
قل ياأيها الكافرون]، وفي الثانية [الحمد] و[سورة التوحيد – وهي سورة – قل هو الله
أحد]، فإذا سلّمت قلت: [ سُبْحانَ الله] ثلاثاً وثلاثين مرة، و[ الحَمْدُ للهِ ]
ثلاثاً وثلاثين مرة، [ وَالله أَكْبَرُ ] أربعاً وثلاثين مرة ثم قل:[ يامَنْ إِلَيْهِ مَلْجأُ العِبادِ فِي المُهِمَّاِت وَإِلّيْهِ يَفْزَعُ الخَلْقُ
فِي المُلِمَّاتِ ياعالِمَ الجَهْرِ وَالخَفِيَّاتِ يامَنْ لاتَخْفى عَلَيْهِ
خَواطِرُ الاَوْهامِ وَتَصرُّفُ الخَطَراتِ يارَبَّ الخَلائِقِ وَالبَرِيَّاِت
يامَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ الأَرْضِينَ وَالسَّماواتِ، أَنْتَ الله لا إِلهَ إِلاّ
أَنْتَ أَمُتُّ إِلَيْكَ بِلا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ فَيا لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ
اجْعَلْنِي فِي هذِهِ الليْلَةِ مِمَّنْ نَظَرْتَ إِلَيْهِ فَرَحِمْتَهُ وَسَمِعْتَ
دُعائَهُ فَأَجَبْتَهُ وَعَلِمْتَ اسْتِقالَتَهُ فَأَقَلْتَهُ وَتَجاوَزْتَ عَنْ
سالِفِ خَطِيئَتِهِ وَعَظِيمِ جَرِيرَتِهِ فَقَدْ اسْتَجَرْتُ بِكَ مِنْ ذُنُوبِي
وَلَجَأْتُ إِلَيْكَ فِي سَتْرِ عُيُوبِي، اللّهُمَّ فَجُدْ عَلَيَّ بِكَرَمِكَ
وَفَضْلِكَ وَاحْطُطْ خَطايايَ بِحِلْمِكَ وَعَفْوِكَ وَتَغَمَّدْنِي فِي هذِهِ
اللَّيْلَةِ بِسابِغِ كَرامَتِكَ وَاجْعَلْنِي فِيها مِنْ أَوْلِيائِكَ الَّذِينَ
اجْتَبَيْتَهُمْ لِطاعَتِكَ وَاخْتَرْتَهُمْ لِعِبادَتِكَ وَجَعَلْتَهُمْ
خالِصَتَكَ وَصَفْوَتَكَ، اللّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ سَعَدَ جَدُّهُ وَتَوَفَّرَ
مِنَ الخَيْراتِ حَظُّهُ وَاجْعَلْنِي مِمَّنْ سَلِمَ فَنَعِمَ وَفازَ فَغَنِمَ
وَاكْفِنِي شَرَّ ما أَسْلَفْتُ وَاعْصِمْنِي مِنَ الازْدِيادِ فِي مَعْصِيَتِكَ
وَحَبِّبْ إِلَيَّ طاعَتَكَ وَما يُقَرِّبُنِي مِنْكَ وَيُزْلِفُنِي عِنْدَكَ.
سَيِّدِي، إِلَيْكَ يَلْجَأُ الهارِبُ وَمِنْكَ يَلْتَمِسُ الطَّالِبُ وَعَلى
كَرَمِكَ يَعِّولُ المُسْتَقِيلُ التائبُ أَدَّبْتَ عِبادَكَ بِالتَّكَرُّمِ
وَأَنْتَ أَكْرَمُ الاَكْرَمِينَ وَأَمَرْتَ بِالعَفْوِ عِبادَكَ وَأَنْتَ
الغَفُورُ الرَّحِيمُ، اللّهُمَّ فَلا تَحْرِمْنِي ما رَجَوْتُ مِنْ كَرَمِكَ وَلا
تُؤْيِسْنِي مِنْ سابِغِ نِعَمِكَ وَلا تُخَيِّبْنِي مِنْ جَزِيلِ قِسَمِكَ فِي
هذِهِ اللَّيْلَةِ لاَهْلِ طاعَتِكَ وَاجْعَلْنِي فِي جَنَّةٍ مِنْ شِرارِ
بَرِيَّتِكَ. رَبِّ، إِنْ لْم أَكُنْ مِنْ أَهْلِ ذلِكَ فَأَنْتَ أَهْلُ الكَرَمِ
وَالعَفْوِ وَالمَغْفِرَةِ وَجُدْ عَلَيَّ بِما أَنْتَ أَهْلُهُ لا بِما
أَسْتَحِقُّهُ فَقَدْ حَسُنَ ظَنِّي بِكَ وَتَحَقَّقَ رَجائِي لَكَ وَعَلِقَتْ
نَفْسِي بِكَرَمِكَ فَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَكْرَمُ الاَكْرَمِينَ،
اللّهُمَّ وَاخْصُصْنِي مِنْ كَرَمِكَ بِجَزِيلِ قسمِكَ وَأَعوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ
عُقُوبَتِكَ وَاغْفِرْ لِي الذَّنْبَ الَّذِي يَحْبِسُ عَلَيَّ الخُلُقَ وَيُضيِّقُ
عَلَيَّ الرِّزْقَ حَتّى أَقُومَ بصالِحِ رِضاكَ وَانْعَمَ بِجَزِيلِ عَطائِكَ
وَأَسْعَدَ بِسابِغِ نَعْمائِكَ، فَقَدْ لُذْتُ بِحَرَمِكَ وَتَعَرَّضْتُ
لِكَرَمِكَ وَاسْتَعَذْتُ بِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وبِحِلْمِكَ مِنْ غَضَبِكَ
فَجُدْ بِما سَأَلْتُكَ وَأَنِلْ ماالتَمَسْتُ مِنْكَ أَسْأَلُكَ بِكَ لا بِشَيٍْ
هُوَ أَعْظَمُ مِنْكَ ].
ثم تسجد وتقول: [ يارَبّ ] عشرين مرة، [ يا الله ] سبع مرات، [ لا حَوْلَ وَلا
قُوَّةَ إِلاّ بِالله] سبع مرات، [ ما شاءَ الله] عشر مرات، [ لا قُوَّةَ إِلاّ
بِالله] عشر مرات، ثم تصلي على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وتسأل حاجتك،
فوالله لو سألت بها بعدد القطر لبلّغك الله عزَّ وجلَّ إياها بكرمه وفضله.
الحادي عشر: قال الطوسي والكفعمي: يقال في هذه الليلة: [ إِلهِي تَعَرَّضَ لَكَ فِي
هذا اللَّيْلِ المُتَعَرِّضُونَ وَقَصَدَكَ القاصِدُونَ وَأَمَّلَ فَضْلَكَ
وَمَعْرُوفَكَ الطَّالِبُونَ وَلَكَ فِي هذا اللَّيْلِ نَفَحاتٌ وَجَوائِزُ
وَعَطايا وَمَواهِبُ تَمُنُّ بِها عَلى مَنْ تَشاءُ مِنْ عِبادِكَ وَتَمْنَعُها
مَنْ لَمْ تَسْبِقْ لَهُ العِنايَةُ مِنْكَ، وَها أَنا ذا عُبَيْدُكَ الفَقِيرُ
إِلَيْكَ المُؤَمِّلُ فَضْلَكَ وَمَعْرُوفَكَ، فَإِنْ كُنْتَ يامَوْلاي تَفَضَّلْتَ
فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ عَلى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ وَعُدْتَ عَلَيْهِ بِعائِدَةٍ
مِنْ عَطْفِكَ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ الطَيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ
الخَيِّرِينَ الفاضِلِينَ، وَجُدْ عَلَيَّ بِطَوْلِكَ وَمَعْرُوفِكَ يارَبَّ
العالَمينَ، وَصَلَّى الله عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ
الطَّاهِرِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً، إِنَ الله حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اللّهُمَّ إِنِّي
أَدْعُوكَ كَما أَمَرْتَ فَاسْتَجِبْ لِي كَما وَعَدْتَ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ
المِيعادَ ].وهذا دعاء يدعى به في الاسحار عقيب صلاة الشفع.
الثاني عشر: أن يدعو بعد كل ركعتين من صلاة الليل وبعد الشفع والوتر بما رواه الشيخ
والسيد.
الثالث عشر: أن يسجد السجدات ويدعو بالدعوات المأثورة عن النبي (صلّى الله عليه
وآله وسلم)، منها مارواه الشيخ عن حماد بن عيسى عن أبان بن تغلب قال: قال الصادق
(صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ): كان ليلة النصف من شعبان وكان رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلم) عند عائشة، فلما انتصف الليل قام رسول الله (صلّى الله عليه
وآله وسلم) عن فراشه فلما انتبهت وجدت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد قام
عن فراشها، فداخلها ما يدخل النساء ـ أي الغيرة ـ وظنّت أنه قد قام إلى بعض نسائه،
فقامت تلفّفت بشملتها، وأيم الله ماكانت قزّاً ولا كتّاناً ولاقطناً ولكن سداهُ
شعراً ولحمتُه أوبار الإبل فقامت تطلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في حجر
نسائه حجرة حجرة، فبينا هي كذلك إذ نظرت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)
ساجداً كثوب متلبّد بوجه الأَرْض، فدنت منه قَرِيباً فسمعته يقول في سجوده:[ سَجدَ لَكَ سَوادِي وَخَيالِي وَآمَنَ بِكَ فُؤادِي هذِهِ يَدايَ وَما جَنَيْتُهُ
عَلى نَفْسِي ياعَظِيمُ تُرْجى لُكُلِّ عَظيمٍ اغْفِرْ لِيَ العَظِيمَ فَإنَّهُ لا
يَغْفِرُ الذَّنْبَ العَظِيمَ إِلاّ الرَبُّ العَظِيمُ ].
ثم رفع رأسه وأهوى ثانياً إلى السجود وسمعته عائشة يقول:
[ أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَضائَتْ لَهُ السَّماواتُ وَالأَرْضُونَ
وانْكَشَفَتْ لَهُ الظُّلُماتُ وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الأوّلِينَ وَالآخِرِينَ
مِنْ فُجأَةِ نَقِمَتِكَ وَمِنْ تَحْوِيلِ عافِيَتِكَ وَمِنْ زَوالِ نِعْمَتِكَ،
اللّهُمَّ ارْزُقْنِي قَلْباً تَقِيّاً نَقِيّاً وَمِنَ الشِّرْكِ بَرِيئاً لا
كافِراً وَلا شَقِيّاً ].ثم عفّر خديه في التراب وقال: عَفَّرْتُ وَجْهِي فِي التُّرابِ وَحُقَّ لِي أَنْ
أَسْجُدَ لَكَ.
فلّما همَّ رسول الله بالانصراف هرولت إلى فراشها وأتى النبي إلى الفراش، وسمعها
تتنفس أنفاسا عالية ! فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ماهذا النفس
العالي ؟ تعلمين أيّ ليلة هذه ؟ ليلة النصف من شعبان، فيها تقسم الأَرْزاق وفيها
تكتب الآجال وفيها يكتب وفد الحاج، وإنّ الله تعالى ليغفر في هذه الليلة من خلقه
أكثر من شعر معزى قبيلة كلب، وينزل الله ملائكته من السماء إلى الأَرْض بمكة.
الرابع عشر: أن يصلّي صلاة جعفر الطيار، كما رواه الشيخ عن الرضا صلوات الله عليه.
الخامس عشر: أن يأتي بما ورد في هذه الليلة من الصلوات وهي كثيرة منها مارواها أبو
يحيى الصنعاني عن الباقر والصادق (عليه السلام) ورواها عنهما أيضاً ثلاثون نفراً
ممن يوثق بهم ويعتمد عليهم، قالوا: قالا (عليه السلام): إذا كانت ليلة النصف من
شعبان فصلِّ أربع ركعات تقرأ في كل ركعة الحمد و قل هو الله أحد مائة مرة، فإذا
فرغت فقل: [ اللّهُمَّ إِنِّي إِلَيْكَ فَقِيرٌ وَمِنْ عَذابِكَ خائِفٌ
مُسْتَجِيرٌ، اللّهُمَّ لا تُبَدِّلْ اسْمِي وَلا تُغَيِّرْ جِسْمِي وَلا تَجْهَدْ
بَلائِي وَلا تُشْمِتْ بِي أَعْدائِي، أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقابِكَ وَأَعُوذُ
بِرَحْمَتِكَ مِنْ عَذابِكَ وَأَعُوذُ بِرِضاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَأَعُوذُ بِكَ
مِنْكَ جَلَّ ثَناؤُكَ أَنْتَ كَما أَثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ وَفَوْقَ ما يَقُولُ
القائِلُونَ ].
وإعلم أنه قد ورد في الحديث فضل كثير لصلاة مائة ركعة في هذه الليلة، تقرأ في كل
ركعة الحمد مرة والتوحيد عشر مرات، وقد مرّ في أعمال شهر رجب صفة الصلاة ست ركعات
في هذه الليلة يقرأ فيها سورة الحمد ويَّس وتبارك والتوحيد.
يوم النصف من شعبان
وهو عيد الميلاد، وقد ولد فيه الإمام الثاني عشر إمامنا المهدي الحُجّة بن الحسن
صاحب الزمان صلوات الله عليه وعلى آبائه، ويستحب زيارته (عليه السلام) في كل زمان
ومكان والدعاء بتعجيل الفرج عند زيارته، وتتأكد زيارته في السرداب بسرّ من رأى، وهو
المتيقّن ظُهُورُهُ وتملكه، وأنّه يملأ الأَرْض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً
وجوراً.
أعمال ما بقي من هذا الشهر
عن الرّضا (صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ) قال: من صام ثلاثة أيّام مِن آخر
شَعبان ووصلَها بِشَهرِ رَمَضانَ كتبَ الله تعالى لَهُ صيام شَهرين متتابعين. وعن
أبي الصّلت الهروي قالَ: دخلت على الإمام الرّضا (عليه السلام) في آخر جمعة مِن
شَعبان، فقالَ لي: ياأبا الصّلت، إنَّ شَعبان قَدْ مضى أكثره، وهذا آخر جمعة فيه،
فتداركْ فيما بقي تقصيركَ فيما مضى مِنه، وعليك بالاقبال على ما يعينك، وأكثرْ من
الدعاء والاستغفار وتلاوة القران وتبْ الى الله مِن ذنوبِكَ ليقبل شَهر رَمَضان
إليكَ وأنتَ مخلص لله عزَّ وجلَّ، ولاتدعَنّ أمانة في عنقكَ إلاّ أدّيتها ولا في
قلبكَ حقداً على مؤمِن إلاّ نزعته ولاذنباً أنتَ مرتكبه إلاّ اقلعت عَنهُ، واتق
الله وتوكّل عَليهِ في سرِّ أمركَ وعلانيتكَ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلى الله فَهُوَ
حَسْبُهُ إِنَّ الله بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيٍْ قَدْراً.
وأكثر من أن تقول في ما بقي مِن هذا الشّهر: [ اللّهُمَّ إِنْ لَمْ تَكُنْ غَفَرْتَ
لَنا فِيما مَضى مِنْ شَعْبانَ فَاغْفِرْ لَنا فِيما بَقِيَ مِنْهُ ]، فانّ الله
تباركَ وتعالى يعتق في هذا الشّهر رقاباً مِن النّار لحرمة هذاالشّهر.وروى الشَيّخ عن حارث بن مغيرة النضّري ؛ قالَ: كانَ الصّادق (صَلَواتُ الله
وسَلامُهُ عَلَيهِ) يدعو في آخر لَيلَةٍ مِن شَعبان وأوّل لَيلَة مِن رمضان:
[ اللّهُمَّ إِنَّ هذا الشَّهْرَ المُبارَكَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآنُ
وَجُعِلَ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى وَالفُرْقانِ، قَدْ حَضَرَ
فَسَلِّمْنا فِيهِ وَسَلِّمْهُ لَنا وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا فِي يُسْرٍ مِنْكَ
وَعافِيَةٍ. يامَنْ أَخَذَ القَلِيلَ وَشَكَرَ الكَثِيرَ اقْبَلْ مِنِّي اليَسِيرَ.
اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي إِلى كُلِّ خَيْرٍ سَبِيلاً، وَمِنْ
كُلِّ مالاتُحِبُّ مانِعاً ياأَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، يامَنْ عَفا عَنِّي وَعَمَّا
خَلَوْتُ بِهِ مِنَ السَّيِّئاتِ، يامَنْ لَمْ يُؤَاخِذْنِي بارْتِكابِ المَعاصِي ؛
عَفْوَكَ عَفْوَكَ عَفْوَكَ، يا كَرِيمُ! إِلهِي وَعَظْتَنِي فَلَمْ أَتَّعِظْ،
وَزَجَرْتَنِي عَنْْ محارِمِكَ فَلَمْ أَنْزَجِرْ، فَما عٌذْرِي ؟ فَاعْفُ عَنِّي
ياكَرِيمُ، عَفْوَكَ عَفْوَكَ عَفْوَكَ. اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ
عِنْدَ المَوْتِ، وَالعَفْوَ عِنْدَ الحِسابِ، عَظُمَ الذَّنْبُ مِنْ عَبْدِكَ
فَلْيَحْسُنِ التَّجاوُزُ مِنْ عِنْدِكَ يا أَهَلَ التَّقْوى وَيا أَهْلَ
المَغْفِرَةِ، عَفْوَكَ عَفْوَكَ عَفْوَكَ.
اللّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ بْنَ عبدِكَ بْنُ أَمَتِكَ ضَعِيفٌ فَقِيرٌ إِلى
رَحْمَتِكَ، وَأَنْتَ مُنْزِلُ الغِنى وَالبَرَكَهِ عَلى العِبادِ قاهِرٌ
مُقْتَدِرٌ أَحْصَيْتَ أَعْمالَهُمْ، وَقَسَّمْتَ أَرْزاقَهُمْ، وَجَعَلْتَهُمْ
مُخْتَلِفَةً أَلْسِنَتُهُمْ وَأَلْوانُهُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ،
وَلايَعلَمُ العِبادُ عِلْمَكَ، وَلايَقْدِرُ العِبادُ قَدْرَكَ، وَكُلُّنُا
فَقِيرٌ إِلى رَحْمَتِكَ فَلا تَصْرِفْ عَنِّي وَجْهَكَ، وَاجَعَلْنِي مِنْ صالِحِي
خَلْقِكَ فِي العَمَلِ وَالاَمَلِ وَالقَضاء وَالقَدَرِ. اللّهُمَّ أَبْقِنِي
خَيْرَ البَقاءِ، وَأَفْنِنِي خَيْرَ الفَناءِ عَلى مُوالاةِ أَولِيائِكَ،
وَمُعاداةِ أَعْدائِكَ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ وَالرَهْبَةِ مِنْكَ، وَالخُشُوعِ
وَالوَفاءِ وَالتَّسْلِيمِ لَكَ، وَالتَّصْدِيقِ بِكِتابِكَ، وَاتِّباعِ سُنَّةِ
رَسُولِكَ. اللّهُمَّ ماكانَ فِي قَلْبِي مِنْ شَكٍّ أَوْ رِيْبَةٍ أَوْ جُحُودٍ
أَوْ قُنُوطٍ أَوْ فَرَحٍ أَوْ بَذَخٍ أَوْ بَطَرٍ أَوْ خُيَلاَء أَوْ رِياءٍ أَوْ
سُمْعَةٍ أَوْ شِقاقٍ أَوْ نِفاقٍ أَوْ كُفْرٍ أَوْ فُسُوقٍ أَوْ عِصْيانٍ أَوْ
عَظَمَةٍ أَوْ شَيٍْ لا تُحِبُّ فأَسْأَلُكَ يارَبِّ أَنْ تُبَدِّلَنِي مَكانَهُ
إِيماناً بِوَعْدِكَ، وَوَفاءً بِعَهْدِكَ، وَرِضاً بِقَضائِكَ ، وَزُهْداً فِي
الدُّنْيا، وَرَغْبَهً فِيما عِنْدَكَ، وَأَثَرَةً وَطمْأَنِينَةً وَتَوْبَةً
نَصُوحاً، أَسْأَلُكَ ذلِكَ يارَبَّ العالَمِينَ.
إِلهِي أَنْتَ مِنْ حِلْمِكَ تُعْصى ، وَمِنْ كَرَمِكَ وَجُودِكَ تُطاعُ
فَكَأَنَّكَ لَمْ تُعْصَ، وَأَنا وَمَنْ لَمْ يَعْصِكَ سُكّانُ أَرْضِكَ فَكُنْ
عَلَيْنا بِالفَضْلِ جَواداً، وَبِالخَيْرِ عَوَّاداً، ياأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ،
وَصَلّى الله عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ صلاةً دائِمَّةً لاتُحْصى وَلاتُعَدُّ
وَلايَقْدِرُ قَدْرَها غَيْرُكَ ياأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ].
الفصلُ الثّالثُ
في فَضلِ شَهرِ رَمَضان وأعمالهِ
روى الصدوق وبسند مُعتبر عَن الرّضا (عليه السلام) عَن آبائِه عَن أمير المُؤمنين
عَليهِ وعلى أولاده السَّلام، قالَ: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)
خطبنا ذات يَوم فقالَ: أيها النّاس إنّه قَدْ أقبل إليكم شَهرُ الله بالبركةِ
والرحمة والمغفرة شَهر هُوَ عِندَ الله أفَضل الشهور وأيامه أفضلُ الايام ولياليهِ
أفَضل الليالي وساعاته أفَضل الساعات، هُوَ شَهر دعيتم فيهِ إلى ضيافة الله وجُعلتم
فيهِ مِن أهْل كرامة الله.
أنفاسكم فيهِ تسبيح ونومكم فيهِ عبادة وعمَلكم فيهِ مقبُول ودعاؤكُم فيه مستجاب،
فسلوا الله ربّكم بنيّات صادقة وقلوب طاهره أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابهِ، فان
الشقّي مَن حرم غفران الله في هذا الشّهر العَظيم، واذكروا بجوعكم وعطشكم فيهِ جوع
يَوم القيامة وعطشه، وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقرّوا كباركُم وارحموا
صغاركُم، وصلوا أرحامكم واحفظوا السنتكم وغضّوا عمّا لايحلّ النّظر إليهِ أبصاركم
وعمّا لايحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننّوا على أيتام النّاس يتحنّن على أيتامكم،
وتوبوا إليهِ مِن ذنوبكم، وارفعوا إليهِ أيديكم بالدّعاء في أوقات صلواتكم، فانّها
أفضَل السّاعات ينظر الله عزّوجلّ فيها بالرّحمة الى عبادهِ يُجيبَهم إذا ناجوه.
ويلبيهم إذا نادوه ويستجيب لهم إذا دعوه.
أيّها الناس: إنَّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، وظهوركُم ثقيلة مِن
اوزاركُم فخفّفوا عنها بطولِ سجودكُم، واعلموا أنّ الله تعالى ذِكرَه اقسم بعزّته
أن لايعذّب المصلّين والسّاجدينَ، وأن لايروعهم بالنّار يَوم يقوم النّاس لرب
العالمين.
أيهّا النّاس: مَن فطَّر منكم صائماً مؤمناً في هذا الشّهر كانَ لَهُ بذلِكَ عِندَ
الله عتق رقبة ومغفرة لما مضى مِن ذنوبهِ.
قيل: يارسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ولَيسَ كلّنا يقدر على ذلِكَ، فقالَ
(صلّى الله عليه وآله وسلم): إتقوا النّار ولو بشقّ تمرة، اتقوا النّار ولو بشربة
مِن ماء، فإنّ الله تعالى يهب ذلِكَ الاجر لمن عمل هذا اليسير إذا لَمْ يقدر على
اكثر مِنهُ.
ياأيهّا النّاس: مَن حسّن منكم في هذا الشّهر خُلقه كانَ لَهُ جواز على الصراط يَوم
تزلُّ فيهِ الاقَدْام، ومَن خفّف في هذا الشّهر عما ملكت يمينه خفّف الله عَليهِ
حسابه، ومَن كفّ فيهِ شرّه كفّ الله عَنهُ غضبه يَوم يلقاه، ومَن أكرم فيهِ يتيماً
أكرمه الله يَوم يلقاه، ومَن وصلَ فيه رَحِمَه وصله الله برحمته يَوم يلقاه ومَن
قطع فيهِ رَحمه قطع الله عَنهُ رحمته يَوم يلقاه، ومَن تطّوع فيهِ بصلاة كتبَ لَهُ
براءة مِن النّار ومَن ادّى فيهِ فرضاً كان لَهُ ثواب مَن ادى سبعينَ فريضة فيما
سواه مِن الشهّور، ومَن اكثر فيهِ من الصلاة عليّ ثقل الله ميزانه يَوم تخف
الموازينَ، ومَن تلا فيهِ آية مِن القرآن كانَ لَهُ مثل أجر مَن ختم القُران في
غَيرَه مِن الشهور.
أيها النّاس، إنّ أبواب الجنان في هذا الشّهر مفتحة فسلوا ربّكم أن لايغلقها
عَلَيكُم، وأبواب النيران مغلقة فسلُوا ربّكم أن لايفتحها عَلَيكم والشيّاطين
مغلولة فسلوا ربّكم أن لايسلّطها عَلَيكُم....الخ.
وروى الصّدوق رض: أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان إِذا دخل شَهر رَمَضان
فكّ كلّ أسير وأعطى كلّ سائل.
أقول: شَهر رَمَضان هُوَ شَهر الله ربّ العالمين، وهُوَ أشرف الشّهور شَهر يفتح
فيهِ أبواب السماء وأبواب الجنان وأبواب الرَّحمَة، ويغلق فيهِ أبواب جهنّم. وفي
هذا الشّهر لَيلَة تكون عبادة الله فيها خَيراً مِن عبادته في ألف شَهر.
فانتبه فيهِ لنفسكَ وتبصر كيف تقضي فيهِ ليلكَ ونهاركَ ؟ وكيف تصون جوارحكَ
وأعضاءكَ عَن معاصي ربّكَ ؟ وإيّاكَ وأن تكون في ليلتكَ مِن النائِمين وفي نهاركَ
مِن الغافلين عَن ذِكر ربّكَ فَفي الحديث: أنّ الله عزَّ وجلَّ يعتق في آخر كُلِّ
يَوم مِن أيام شَهر رَمَضان عِندَ الافطار ألف ألف رقبة مِن النّار، فإذا كانَت
لَيلَة الجمعة ونهارها أعتق الله مِن النّار في كُلِّ ساعة ألف ألف رقبة ممّن قَدْ
أستوجب العَذاب، ويعتق في اللّيلة الاخَيرة مِن الشّهر ونهارها بَعدد جَميع مَن
أعتق في الشّهر كلّه فإيّاكَ ياأيها العزيز وأن ينقضي عَنكَ شَهر رَمَضان وقَدْ بقي
عَلَيكَ ذنب مِن الذُّنوب ! وإياكَ أن تُعدُّ مِن المذنبين المحرومين مِن الاستغفار
والدُّعاء ! فَعَن الصادِقِ (عليه السلام): أَنهُ مَن لَمْ يُغفَر لهُ في شَهرِ
رَمَضانَ لَمْ يُغفَر لهُ إلى قابلٍ إلاّ أن يشهَدَ عَرفَةَ. وصن نفسكَ ممّا قَدْ
حرّمه الله ومِن أن تفطر بمحرّم عَلَيكَ، واعمل بما أوصى بهِ مولانا الصادق
(صَلَواتُ الله وسَلامُهُ عَلَيهِ)، فقالَ: إذا أصبحت صائماً فليصم سمعكَ وبصركَ
وشعركَ وجلدكَ وجَميع جوارحكَ ـ أي عَن المحرّمات بل المكروهات أيضاً ـ .
وقال (عليه السلام): لايكون يَوم صومِكَ كيوم إفطاركَ وقالَ (عليه السلام): إنّ
الصِّيام لَيسَ مِن الطّعام والشراب وحدهما، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عَن الكذب
وغضّوا أبصاركُم عمّا حرّم الله، ولاتنازعوا ولاتحاسدوا ولاتغتابوا ولاتماروا
ولاتخالفوا (كذباً بل ولاصدقاً)، ولاتسابّوا ولاتشاتموا ولاتظلموا ولاتسافهوا
ولاتضاجروا ولاتغفلوا عَن ذِكر الله وعَن الصلاة، والزموا الصمت والسّكوت والصّبر
والصّدق ومجانبة أَهل الشّر واجتنبوا قول الزّور والكذب والفري والخصومة وظنّ
السّوء والغيبة والنميمة، وكونوا مشرفين على الآخرةِ منتظرين لايّامكم ظهور القائم
(عليه السلام) مِن آلِ مُحَمّدٍ (صلوات الله عليهم أجمعين) منتظرينَ لما وعدكُم
الله متزوِّدينَ للقاءِ الله، وعَليكُم السّكينة والوقار والخشوع والخضوع وذلّ
العبيد الخُيَّف من مولاها خائِفين راجين ولتكن أَنتَ أيهّا الصائِم قَدْ طَهر قلبك
مِن العيوب وتقدّست سريرتكَ من الخبث ونظف جسمكَ مِن القاذورات وتبرات إلى الله
مّمن عداه، وأخلصت الولاية وصمتّ مما قَدْ نهاكَ الله عَنهُ في السّر والعلانية،
وخشيت الله حق خشيته في سرّكَ وعلانيتكَ، ووهبت نفسكَ الله في أيّام صومِكَ وفرغت
قلبكَ لَهُ ونصبت نفسكَ لَهُ فيما أمركَ ودعاكَ إِليهِ. فاذا فعلت ذلِكَ كُلَّه
فأنت صائِم لله بحقيقة صومه صانع لَهُ ما أمركَ، وكلما نقصت منها شيئاً فيما بيّنت
لَكَ فَقد نقص مِن صومِكَ بمقدار ذلِكَ.
وإنّ أبي (عليه السلام) قال: سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) امرأة تسابّ
جارية لها وهي صائمة فدعى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بطعام، فقالَ لها:
كلي، فقالت: أنا صائِمة يارسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فقالَ: كيف تكونين
صائمة وقَدْ سببتِ جاريتكَ ؟ إن الصّوم لَيسَ مِن الطعام والشّراب وإنما جعل الله
ذلِكَ حجاباً عَن سواهما مِن الفواحش مِن الفعل والقول.
ما أقلّ الصّوم وأكثر الجّوع وقالَ أمير المُؤمنين (صَلَواتُ الله وسَلامُهُ
عَلَيهِ): كم مِن صائم لَيسَ لَهُ مِن صيامه إلاّ الظماء، وكم مِن قائم لَيسَ لَهُ
مِن قيامه إلاّ العناء ؟ حبذا نوم الاكياس وإفطارهم.
وعَن جابر بن يزيد عَن الباقر (عليه السلام) ؛ قالَ: قالَ النبي (صلّى الله عليه
وآله وسلم) لجابر بن عبد الله ياجابر، هذا شَهر رَمَضان من صام نهاره وقامَ ورداً
مِن ليلته وصان بطنه وفرجه وحفظ لسانه لخرجَ مِن الذُّنوب كما يخرجُ مِن الشّهر.
قالَ جابر: يارسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ما أحسنه مِن حديث ! فقالَ
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): وما أصعبها من شروط.
وأما أعمال هذا الشهر فسنعرضها في مطلبين وخاتمه:
المطلب الأول: في أعمال هذا الشهر العامة
وهي أربعة أقسام:
القسم الأول: ما يعمّ اللّيالي والأيام
روى السيّد ابن طاووس رض عَن الصادق والكاظم (عليهم السلام)، قالا: تقول في شَهر
رمضان مِن أوله الى آخره بَعد كُلِّ فريضة:
[ اللهُمَّ ارْزُقْنِي حَجَّ بَيْتِك الحَرامِ فِي عامِي هذا وَفِي كُلِّ عامٍ ما
أَبْقَيْتَنِي فِي يُسْرٍ مِنْكَ وَعافِيَةٍ وَسَعَةِ رِزْقِ، وَلا تُخْلِنِي مِنْ
تِلْكَ المَواقِفِ الكَرِيِمَةِ وَالمَشاهِدِ الشَّرِيفَةِ، وَزِيارَةِ قَبْرِ
نَبِيِّكَ صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَفِي جَمِيعِ حَوائِجِ الدُّنْيا
وَالآخرةِ فَكُنْ لِي. اللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِيما تَقْضِي وَتُقَدِّرُ مِنَ
الاَمْرِ المَحْتُومِ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ القَضاء الَّذِي لايُرَدُّ
وَلايُبَدَّلُ أَنْ تَكْتُبَنِي مِنْ حُجَّاجِ بَيْتِكَ الحَرامِ المَبْرُورِ
حُجُّهُم، المَشْكُورِ سَعُيُهُم،المَغْفُورِ ذُنُوبُهُم، المُكَفَّرِ عَنْهُمْ
سَيِّئاتُهُمْ، وَاجْعَلْ فِيما تَقْضِي وَتُقَدِّرُ أَنْ تُطِيلَ عُمْرِي
وَتُوَسِّعَ عَلَيَّ رِزْقِي، وَتؤَدِّيَ عَنِّي أَمانَتِي وَدَيْنِي، آمِينَ رَبَّ
العالَمِينَ ].
وتدعُو عقيب كُلِّ فريضة فتقول:
[ ياعَلِيُّ ياعَظِيمُ، ياغَفُورُ يارَحِيمُ، أَنْتَ الرَّبُّ العَظِيمُ الَّذِي
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيٌْ وَهُوَ السَمِيعُ البَصِيرُ، وَهذا شَهْرٌ عَظَّمْتَهُ
وَكَرَّمْتَهُ وَشَرَّفْتَهُ وَفَضَّلْتَهُ عَلى الشُهُورِ وَهُوَ الشَّهْرُ
الَّذِي فَرَضْتَ صِيامَهُ عَلَيَّ وَهُوَ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أَنْزَلْتَ
فِيهِ القُرْآنَ هُدىً لِلناسِ وَبَيِناتٍ مِنَ الهُدى وَالفُرْقانِ، وَجَعَلْتَ
فِيهِ لَيْلَةَ القَدْرِ وَجَعَلْتَها خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ فَياذا المَنِّ
وَلا يُمَنُّ عَلَيْكَ مُنَّ عَلَيَّ بِفَكَاكِ رَقَبَتِي مِنَ النّارِ فِي مَنْ
تَمُنُّ عَلَيْهِ وَأَدْخِلْنِي الجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ
].
وروى الكفعمي في (المِصباح) وفي (البلد الأمين) كما روى الشيخ الشهيد في مجموعته
عَن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنّه قالَ: مَن دعا بهذا الدُّعاء في رَمَضان
بَعد كُلِّ فريضة غفر الله لَهُ ذنوبه الى يَوم القيامة: [ اللّهُمَّ أَدْخِلْ عَلى
أَهْلِ القُبُورِ السُّرُورِ، اللّهُمَّ أَغْنِ كُلَّ فَقِيرٍ، اللّهُمَّ اشْبِعْ
كُلَّ جائِعٍ، اللّهُمَّ اكْسُ كُلَّ عُرْيانٍ، اللّهُمَّ اقْضِ دَيْنَ كُلِّ
مَدِينٍ، اللّهُمَّ فَرِّجْ عَنْْ كُلِّ مَكْروَبٍ، اللّهُمَّ رُدَّ كُلَّ غَرِيبٍ،
اللّهُمَّ فُكَّ كُلَّ أَسِيرٍ، اللّهُمَّ أَصْلِحْ كُلَّ فاسِدٍ مِنْ أُمُورِ
المُسْلِمِينَ، اللّهُمَّ اشْفِ كُلَّ مَرِيضٍ، اللَّهُمَّ سُدَّ فَقْرَنا
بِغِناكَ، اللّهُمَّ غَيِّرْ سُوءَ حالِنا بِحُسْنِ حالِكَ، اللّهُمَّ اقْضِ عَنّا
الدَّيْنَ وَأَغْنِنِا مِنَ الفَقْرِ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيٍْ قَدِْيرٌ ].
وروى الكليني في الكافي عَن أبي بصير، قال: كانَ الصادق (عليه السلام) يدعو بهذا
الدُّعاء في شَهر رمضان: [ اللّهُمَّ إِنِّي بِكَ وَمِنْكَ أَطْلُبُ حاجَتِي،
وَمَنْ طَلَبَ حاجَةً إِلى النّاسِ فَإِنِّي لا أَطْلُبُ حاجَتِي إِلاّ مِنْكَ
وَحْدَكَ لاشَرِيكَ لَكَ، وَأَسْأَلُكَ بِفَضْلِكَ وَرِضْوانِكَ أَنْ تُصَلِّيَ
عَلى مُحَمَّدٍ وَأَهْل بَيْتِهِ، وَأَنْ تَجْعَلَ لِي فِي عامِي هذا إِلى بَيْتِكَ
الحَرامِ سَبِيلا حِجَّةً مَبْرُورَةً مُتَقَبَّلَةً زاكِيَةً خالصةً لَكَ تُقَرُّ
بِها عَيْنِي وَتَرْفُعُ بِها دَرَجَتِي ، وَتَرْزُقَنِي أَنْ أَغُضَّ بَصَرِي
وَأَنْ أَحْفَظَ فَرْجِي وَأَنْ أَكُفَّ بِها عَنْ جَمِيعِ مَحارِمِكَ حَتَّى
لايَكُونَ شَيٌ آثَرَ عِنْدِي مِنْ طاعَتِكَ وَخَشْيَتِكَ، وَالعَمَلِ بِما
أَحْبَبْتَ وَالتَّرْكِ لِما كَرِهْتَ وَنَهَيْتَ عَنْهُ، وَاجْعَلْ ذلِكَ فِي
يُسْرٍ وَيَسارٍ وَعافِيَةٍ وَما أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيِّ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ
تَجْعَلَ وَفاتِي قَتْلا فِي سَبِيلِكَ تَحْتَ رايَةِ نَبِيِّكَ مَعَ أَوْلِيائِكَ،
وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَقْتُلَ بِي أَعْدائكَ وَأَعْداءَ رَسُولِكَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ
تُكْرِمَنِي بِهَوانِ مَنْ شِئْتَ مِنْ خَلْقِكَ، وَلا تُهِنِّي بِكَرامَةِ أَحَدٍ
مِنْ أَوْلِيائِكَ. اللّهُمَّ اجْعَلْ لِي مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا، حَسْبِيَ الله
ما شاءَ اللهُ ].
أقول: هذا الدُّعاء يسمى دعاء الحج، وقَد رواه السيّد في (الاقبال) عَن الصادق
(عليه السلام) لليالي شَهر رَمَضان بَعد المغرب.
وقالَ الكفعمي في (البلد الامين) يُستَحب الدُّعاء بهِ في كُل يَوم مِن رَمَضان وفي
أول لَيلَة مِنهُ، واورده المفيد في (المقنعة) في خصوص اللّيلة الأوّلى بَعد صلاة
المغرب.
وأعلم أنّ أفضَل الاعمال في لَيالي شَهر رَمَضان وأيامه هُوَ تلاوة القرآن الكَريم،
وينبغي الاكثار مِن تلاوته في هذا الشّهر ففيه كانَ نزول القرآن، وفي الحديث: أن
لكل شيء ربيعاً وربيع القرآن هُوَ شَهر رَمَضان، ويُستَحب في سائر الأيام ختم
القرآن ختمة واحدة في كُل شَهر وأقل ما روى ذلِكَ هُوَ ختمه في كُل ستة أيام، وأما
شَهر رَمَضان فالمَسنون فيهِ ختمه في كُل ثلاثة أيام، ويحسن ـ إنْ يتيسر لَهُ ـ أن
يختمه ختمة في كُل يَوم.
وروى العلامة المجلسي (رض): أنّ بعض الأئمة الاطهار (عليهم السلام) كانوا يختمون
القرآن في هذا الشّهر أربعين ختمة وأكثر مِن ذلِكَ، ويضاعف ثواب الختمات إن أُهديت
الى أرواح المعصومين الأَرْبعة عَشر (عليهم السلام) يخص كُل منهم بختمة ؛ ويظهر مِن
بعض الروايات أنَّ أجر مهديها أن يكون معهم في يَوم القيامة، وليكثر المر في هذا
الشّهر مِن الدُّعاء والصلاة والاستغفار ومِن قول: [ لا أِلهَ إِلاّ اللهُ ].وقَد رُوي أن زينَ العابدين (عليه السلام) كانَ إذا دخل شَهر رَمَضان لايتكلم إلاّ
بالدعاء والتسبيح والاستغفار والتكبير. وليهتم إهتماماً بالغاً بالمأثور مِن
العبادات ونوافل الليالي والايام.
القسم الثاني: مايُستَحب اتيانه في لَيالي شَهر رَمَضان
وهِيَ أمور:
الأول: الافطار ويُستَحب تأخَيره عَن صلاة العشاء إلاّ إذا غلب عَليهِ الضعف أو
كانَ له قوم ينتظرونه.
الثاني: أن يفطر بالحلال الخالي مِن الشبهات سّيما التمر ليضاعف أجر صلاته أربعمائة
ضعف، ويحسن الافطار أيضاً بأيٍّ مِن التمر والرطب والحلواء والنبات والماء الحار.
الثالث: أن يدعو عِندَ الافطار بدعوات الافطار المأثورة منها: أن يَقول: [
اللّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ]. ليهب
الله لَهُ مثل أجر كُل مَن صام ذلِكَ اليَوم. ولدعاء: [ اللّهُمَّ رَبَّ النُّورِ
العَظِيمِ ]، الَّذي رواه السيّد والكفعمي فضل كبير.
وروي أن أمير المُؤمنين (عليه السلام) كانَ إذا أراد أن يفطر يَقول: [ بِسْمِ الله
اللّهُمَّ لَكَ صُمْنا وَعَلى رِزْقِكَ أَفْطَرْنا فَتَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ
أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ].
الرابع: أن يقول عند أوَّل لقمة يأخذها: [ بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ياواسِعَ المَغْفِرَةِ اغْفِرْ لِي ]، ليغفر الله لَهُ. وفي الحديث: إنّ الله تعالى
يعتق في آخر ساعة مِن نهار كُل يَوم مِن شَهر رَمَضان ألف ألف رقبة فسل الله تعالى
أن يجعلكَ منهم.
الخامس: أن يتلو [ سورة القَدر ] عِندَ الافطار.
السادس: أن يتصدق عِندَ الافطار ويفطّر الصائِمين ولو بَعدد مِن التمر أو بشربة مِن
الماء.