فضل بذل الطعام لإفطار الصوم
والاستظهار للصيام بإصلاح الطعام(*)
اعلم أنّ فضل إطعام الطعام معقول فضله بأنوار العقول المصدّقة
للأنبياء والمرسلين (صلوات الله عليهم أجمعين) ؛ ذلك إنّ القيام لأهل
الصيام بالطعام كأنه تملّك لطاعتهم , وسلب منهم لعبادتهم ؛ فإنّ القوة
الموجودة في الأجساد الذين تؤثرهم بالزاد تصير كأنها قوة العبد
المطعم لهم التي في جسد مهجته .
فكما إنّ قوّة جسده كلّما حصل بها كان معدوداً من عبادته ، فكذا يكون
كلّما صدر عن القوة بتفطير الصائم تكون مكتوبة لمن يطعمه في ديوان طاعته
، فكأنك قد اتّخذتهم مماليك يتعبون في خدمتك وأنت ساكن ، ويحملون
ذخائرك إلى دار إقامتك وأنت قاطن ، ويخافون في مصلحتك وأنت آمن ،
وحسبك أن تبتاع كلَّ مملوك منهم بمقدار طعامه وشرابه ، وهذا فضل عظيم يعجز
القلم عن شرح أبوابه وثوابه .
أقول : وأمّا من طريق المنقول فقد روينا بإسنادنا إلى محمّد بن
يعقوب الكليني ، وأبي جعفر محمّد بن بابويه ، وجدي أبي جعفر الطوسي (رضي
الله عنهم) ، بإسنادهم إلى الإمام الصادق (عليه السّلام) أنه قال :
(( مَن فطّر
صائماً فله أجر مثله ))(1) .
وبالإسناد عن أبي الحسن (عليه السّلام)
أنّه قال : (( تفطيرُك أخاك
الصائم أفضل من صيامك ))(2) .
وبالإسناد المتقدم أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السّلام)
أنّه قال لسدير : (( هل
تدري أيّ ليال هذه ؟ )) .
قال : نعم جُعلت فداك ! هذه ليالي شهر رمضان
, فما ذاك
؟
فقال له : (( أتقدر على
أن تعتق في كلِّ ليلة من هذه الليالي عشر رقاب من
ولد إسماعيل ؟ )) .
فقال له : بأبي أنت واُمّي ! لا يبلغ مالي ذلك
.
فما يزال
ينقص حتّى بلغ به رقبة واحدة ، في كلِّ ذلك يقول : لا أقدر عليه ، فقال
له : (( أفما تقدر أن تفطّر في كلِّ ليلة رجلاً مسلماً ؟
)) .
فقال له : بلى وعشرة .
فقال (عليه السّلام) له :
(( فذلك الذي أردت يا سدير ؛ إفطارك أخاك المسلم
يعدل رقبة من ولد إسماعيل ))(3) .
والإسناد أيضاً عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال :
(( مَن فطّر في هذا
الشهر مؤمناً صائماً كان له بذلك عند الله (عزّ وجلّ) عتق رقبة مؤمنة ، ومغفرة
لما مضى من ذنوبه )) .
فقيل له : يا رسول الله , ليس كلّنا نقدر
أن نفطّر
صائماً .
فقال : (( إنّ الله تبارك وتعالى كريم
, يُعطي هذا الثواب منكم مَن لم
يقدر إلاّ على مذقة(4) من لبن يفطّر بها صائماً ، أو شربة من ماء عذب ، أو تُميرات لا يقدر على أكثر من ذلك
))(5) .
أقول : واقتدِ في هذا الشهر بملك أهل الفضائل
؛ فقد رويت عن جماعة
منهم ابن بابويه قال : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا دخل شهر
رمضان أطلق كلّ أسير , وأعطى كلَّ سائل(2)
.
وأمّا الاستظهار للصيام بإصلاح الطعام
, فاعلم أنّني إنّما ذكرت أنّ ذلك
من المهام ؛ لأنّني وجدت الداخلين في الصيام (شهر رمضان) , باعتبار ما
تقوّوا به من الطعام والشراب , عدة أصناف :
ـ صنف منهم كانت قوّته على الصوم من طعام حرام ، فدخوله في الصيام
كنحو مَن وجب عليه الحج وفرّط فيه ، فأخذ جَمَلاً حراماً حجَّ عليه .
ـ وصنف منهم كانت قوّته على الصوم من طعام حرام مختلطاً
؛ فإنّ دخوله
في الصيام كمن وجب عليه الحج وفرّط فيه ، فأخذ جملاً له بعضه بقدر الحلال
من الطعام , ولغيره بعضه بقدر الحرام وحجَّ عليه .
ـ وصنف منهم كانت قوّته على الصيام بطعام حرام
, لا يعلم كونه حراماً أو
مختلطاً من حلال وحرام ، لا يعلم ذلك , ويعتقد حلالاً ، فهو كنحو مَن وجب
عليه الحج ففرّط فيه , واستأجر جملاً لا يعلم أنّ الجمال غصبه ، أو كان ثمنه
من حلال أو حرام ، واشتراه بعين الذهب ، فإذا ظفر صاحب الجمل أو الشريك
بالجمل استعاده ومنعه من العمل, أو شركه فيما حصل من الأمل .
ـ وصنف كانت قوّته على الصيام بطعام حلال ، لكنه كان يأكله أكل
الدواب بمجرد الشهوات ، فحاله كحال من دخل حضرة الملوك حين استدعوه
للحضور لمجالستهم وضيافتهم وكرامتهم ، وما تأدّب في المجيء إليهم في
دوابه وثيابه وأسبابه ، وكان في طريقه غافلاً عنهم , ومهوناً بآداب السلوك
إليهم ، وقد كان قادراً أن يركب من الدواب ويلبس من الثياب ، ويستعمل من الأسباب ما يقرّبه إليهم فلم يفعل
, وأتلف ما
أكله بالشهوات , وأتلف ساعات من عمره كانت من بضائع السعادات ، وخاصة إذا
كان السلطان مطّلعاً عليه في طريقه ، ناظراً إلى سوء توفيقه ؛ فإن عاتبوه
فبعدلهم ، وإن أكرموه فبفضلهم ، وحسبه أنّه نزل عن أن يكون ملكاً يقرّ
بعين ربِّ الأرباب ، ورضي أن يكون كالدواب .
ـ وصنف دخل في شهر رمضان بقوّة طعام كان اكتسبه بالمعاملة لمولاه
(جلّ جلاله) ، وعمل فيه برضاه ، وأكل منه بحسب ما يقوّيه على خدمة مالكه ،
فهذا دخل دار ضيافتهم وكرامتهم من الباب الذي أرادوه ، واقتضى عدلهم
وفضلهم أن يكرموه .
ـ وصنف دخل في الصيام من طعام كان تارة يكون فيه معاملة لله (جلّ
جلاله) ، وتارة معاملاً للشهوات ، فله معاملة المراقبة فيما عامل مولاه
به ، وعليه خطرات المعاتبة فيما ترك فيه معاملة مولاه بسوء أدبه .
واعلم أنّ هذه الأصناف المذكورة على أصناف
اُخر :
ـ صنف لمّا كان دخوله بطعام حرام , وكان فطوره على حرام أو مختلط من
حلال وحرام ، فله حكم الإصرار .
ـ وصنف لمّا كان طعامه على ما لا يعلمه حراماً أو مختلطاً
, وفطوره على
مثل الذي ذكرنا ، فله وسيلة العذر بأنّه ما تعمّد سخط مولاه .
ـ وصنف لمّا كان طعامه على مقتضى الشهوات
, وكان فطوره كذلك ، فهو قريب
من الدواب في تلك الحركات والسكنات . والصنف الذي عامل الله (جلّ جلاله) في الطعام والفطور وجميع الاُمور
فهو الذي ظفر برضا مولاه وتلقّاه بالسرور .
ـ وصنف لمّا كان طعامه على طرق مختلفة
؛ تارة معاملة لله (جلّ جلاله) ،
وتارة للشهوة , وفطوره كذلك ، فحاله كما قلناه في طعامه في نقصه وتمامه .
ـ وصنف لمّا كان طعامه إمّا حراماً أو مختلطاً أو للشهوة ، لكنه هذّب
فطوره ، فكان في فطوره على حال معاملة لله (جلّ جلاله) ، فحاله حال
المراقبين أو التائبين ، وهو قريب من المسعودين .
ـ وصنف لمّا كان طعامه معاملة لله , وكان فطوره للشهوة ، فحاله كحال من
كان مجالساً للملوك أو قريباً منهم ، ثمّ فارقهم وقنع أن يكون بهيمة من
الأنعام , أو مفارقا للأنام وبعيداً عنهم .
أقول : وإذا كان الأمر هكذا في خطر الطعام ، وكان قد تغلّب بنو
اُميّة
وولاة كثيرون على فساد أموال أهل الإسلام ، ونقلها عن وجوهها الشرعية , حتّى لقد روينا من كتاب مسائل الرجال لمولانا أبي الحسن علي بن محمّد الهادي
(عليهما السّلام) ، قال محمد بن الحسن : قال محمّد بن هارون الجلاب :
قلت له : روينا عن آبائك أنه يأتي على الناس زمان لا يكون شيء أعزّ من
أخٍ أنيس , أو كسب درهم من حلال .
فقال لي : (( يا أبا محمّد
, إنّ العزيز موجود
، ولكنك في زمان ليس فيه شيء أعسر من درهم حلال أو أخ في الله (عزّ
وجلّ) )) .
أقول : فقد روي عن خواص العترة النبوية
أنّ إخراج الخمس من الأموال
المشتبهات سبب لتطهيرها من الشبهات ، وهذا الوجه ظاهر في التأويل ؛
لأن جميع الأموال ومن هي في يده مماليك لله (جلّ جلاله) ، فله سبحانه أن
يجعل تطهيرها بإخراج هذا القدر القليل ، ويوصل إلى كلِّ ذي حقٍّ حقّه ؛ لأجل
الإيثار بالخمس لرسوله (صلوات الله عليه وآله) ولعترته ؛ ولأجل معونتهم
على مقامهم الجليل .
أقول : وقد نصّ الله (جلّ جلاله) في القرآن الشريف على لسان رسوله
(صلوات
الله عليه وآله) أنّ الدعاء طريق إلى القبول وبلوغ المأمول ، فينبغي أن
يدعو بعد الاستظهار بإخراج الخمس من كلِّ ما يتقلب فيه ، بما سنذكره عند
وقت الإفطار من دعوات لزوال الشبهات .
ـــــــــــــــ
(*) تجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقال مقتبس من كتاب إقبال الأعمال ـ
للسيد ابن طاووس
, مع
مراجعة وضبط النص
(موقع معهد الإمامين الحسنين) .
1 ـ الفقيه 2 / 134 ، الكافي 4 / 68 ، التهذيب 4 / 201 ، مصباح
المتهجد 2 / 626 ، وأخرجه عن المصادر الوسائل 10 / 138 .
2 ـ الفقيه 2 / 134 ، الكافي 4 / 68 ، التهذيب 4 / 201 ،
وعنهم الوسائل
1 / 140 ، رواه في مصباح المتهجد 2 / 626 ،
المحاسن / 396 ، عنه البحار 96 / 317 ، ورواه في البحار 96 / 317 عن
مكارم الأخلاق / 157 .
3 ـ الفقيه 2 / 134 ، الكافي 4 / 68 ، التهذيب 4 / 201 ، المقنعة
/ 54
، وعنهم الوسائل 10 / 139 .
4 ـ مذقة اللبن : مزجه بالماء ، سقاه المذق أو
المذقة : أي اللبن الممزوج بالماء
5 ـ الفقيه 2 / 135 ، الكافي 4 / 68 ، التهذيب 3 / 57 و 4
/ 201 ،
مصباح المتهجد 2 / 627 ،
المحاسن / 396 ، وعنهم الوسائل 10 / 138 .
6 ـ رواه الصدوق في أماليه / 57 ، ثواب الاعمال / 96 ، فضائل الأشهر
الثلاثة / 75 ، وعنهم الوسائل 10 / 315 .
|