|
الصفحة 3
كلمة دار النعمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . كانت دار النعمان
وما تزال بين آونة وأخرى ، تقدم لقرائها الكرام وللمكتبة الإسلامية : كتبا قيمة
ومفيدة ، بأثمان زهيدة ، وهي ترمي من وراء ذلك إلى غرضين مهمين : أحدهما : إخراج
تراثنا الإسلامي القديم إخراجا فنيا ، يرتضيه الذوق الحديث ويأنس به ، ليستطيع
القراء من الاستفادة منه ويقبلوا على مطالعته . وثانيهما : جعل الكتاب الإسلامي في
متناول الجميع ، بحيث يصبح في حوزة أكبر عدد ضخم من القراء الكرام ، ويحصل عليه
الغني والفقير على حد سواء . وإننا لنرجوا في هذه المرة بإخراجنا أجل كتاب من كتب
الأخلاق - جامع السعادات - أن نكون قد وفقنا لما نصبوا إليه من نشر الثقافة الدينية
الصحيحة ، خدمة للعقيدة ، وطلبا لرضى الخالق ، والله من وراء القصد . حسن محمد
إبراهيم الكتبي
الصفحة 5
بسم الله الرحمن الرحيم
حياة المؤلف 1128 - 1209
هو الشيخ الجليل المولى محمد مهدي بن أبي ذر النراقي) أحد أعلام المجتهدين في
القرنين الثاني عشر والثالث عشر من الهجرة ، ومن أصحاب التأليفات القيمة . ويكاد أن
يعد في الدرجة الثانية أو الثالثة من مشاهير علماء القرنين . وهو عصامي لا يعرف عن
والده أبي ذر) إلا أنه كان موظفا في الدولة الايرانية بوظيفة صغيرة في قرية (نراق)
، ولولا ابنه هذا لذهب ذكره في طيان التأريخ كملا بين البشر من أمثاله ، ولا يعلم
ما إذا كان لشيخنا النراقي أخوة ، ولكن له ولد نابه الذكر ، هو المولى أحمد النراقي
المتوفى 1244 ، صاحب (مستند الشيعة) المشهور في الفقه ، وصاحب التأليفات الثمينة ،
أحد أقطاب العلماء في القرن الثالث عشر . وكفاه فخرا أنه أحد أساتذة الشيخ العظيم
المولى مرتضى الأنصاري المتوفى 1281 . ولعل النراقي الصغير هذا هو من أهم أسباب
شهرة والده وذيوع صيته ، لما وطئ عقبه وناف عليه بدقة النظر وجودة التأليف . كما
حذا حذوة في تأليفاته . فإن الأب المكرم ألف في الفقه (معتمد الشيعة) ، والابن
الجليل ألف مستندها . وذلك ألف في الأخلاق (جامع السعادات) - هذا الكتاب الذي نقدمه
- وهذا ألف (معراج السعادة) في الفارسية . وذاك ألف (مشكلات العلوم) وهذا ألف
(الخزائن) . . . وهكذا نسج على منواله وأحكم النسج . ج : 1
الصفحة 6
مولده ووفاته ولد الشيخ المترجم له - رحمه الله تعالى - في (نراق) كعراق
(1) ، وهي قرية من قرى كاشان بإيران ، تبعد عنها عشرة
فراسخ . وكذا كانت مسقط رأس ولده المتقدم الذكر . ولم يذكر التأريخ سنة ولادته ،
وعلى التقريب يمكن استخراجها من بعض المقارنات التأريخية ، فإنه تلمذ - في أول
نشأته على ما يظهر - على الشيخ المحقق الحكيم المولى إسماعيل الخاجوئي ثلاثين سنة ،
مع العلم أن أستاذه هذا توفي عام 1173 ، فتكون أول تلمذته عليه عام 1143 على أقل
تقدير ، إذا فرضنا أنه لازمه إلى حين وفاته . ولنفرض على أقرب تقدير أنه قد حضر
عليه وهو في سن 15 عاما ، وعليه فتكون ولادته عام 1228 أو قبل ذلك . أما وفاته فقد
كانت عام 1209 في النجف الأشرف ، ودفن فيها ، فيكون قد بقي بعد وفاة أستاذه الوحيد
البهبهاني سنة واحدة ، ويكون عمره 81 عاما على الأقل . وفي (رياض الجنة) المخطوط ،
تأليف السيد حسن الزنوزي المعاصر للمترجم له - حسب نقل الأستاذ حسن النراقي - : إن
عمره كان 63 سنة ، فتكون ولادته سنة 1146 ه . وهذا لا يتفق أبدا مع ما هو معروف في
تأريخه : إنه تلمذ على المولى إسماعيل الخاجوئي ثلاثين سنة ، لأنه يكون عمره على
حسب هذا التأريخ حين وفاة أستاذه 27 سنة فقط . نشأته العلمية وأساتذته عاش شيخنا
كما يعيش عشرات الآلاف من أمثاله من طلاب العلم : خامل الذكر ، فقير الحال ، منزويا
في مدرسته ، لا يعرف من حاله إلا أنه طالب مهاجر ، ولا يتصل به إلا أقرانه في دروسه
، الذين لا يهمهم من شأنه إلا أنه طالب كسائر الطلاب ، يتردد في حياة رتيبة بين
غرفته ومجالس دروسه ، ثم بعد ذلك لا ينكشف لهم من حاله إلا بزته الرثة التي ألفوا
منظرها في آلاف طلاب العلم ، فلا تثير اهتمامهم ولا اهتمام الناس .
ـــــــــــــــــ
(1) وفي أعيان الشيعة - ج 10 ص 250 - : إنها بفتح النون .
الصفحة 7
وبطبيعة الحال لا يسجل له التأريخ شيئا في هذه النشأة ، وكذلك كل طالب علم لا يسجل
حتى اسمه ما لم يبلغ درجة يرجع إليه الطلاب في تدريس ، أو الناس في تقليد ، أو تكون
له مؤلفات تشتهر . ومن هنا تبتدئ معرفة حياة الرجل العالم ، وتظهر آثاره ويلمع اسمه
. ومع ذلك ، فإنا نعرف عن شيخنا : إن أسبق أساتذته وأكثرهم حضورا عنده هو المولى
إسماعيل الخاجوئي المتقدم الذكر . وهذا الأستاذ كان مقره في أصفهان ، وفيها توفي
ودفن ، والظاهر أنه لم ينتقل عنها حتى في الكارثة التأريخية المفجعة التي أصابتها
من الأفغانيين الذين انتهكوها بما لم يحدث التأريخ عن مثلها ، وذلك سنة 1134 .
فتكون نشأة شيخنا المترجم له العلمية في مبدأ تحصيله في أصفهان على هذا الشيخ
الجليل . والظاهر أنه عليه قرأ الفلسفة ، لأن هذا الشيخ من أساتذة الفلسفة
المعروفين الذين تنتهي تلمذتهم في ذلك العصر إلى المولى صدر الدين الشيرازي صاحب
الأسفار . وكفى أن من تلاميذه المولى محراب ، الآلهي المعروف ، الذي طورد لقوله
بوحدة الوجود ، ولما جاء إلى إحدى العتبات المقدسة متخفيا . وجد في الحرم شيخا
ناسكا يسبح بلعن ملا صدرا وملا محراب ، ولما سأله عن السبب في لعنهما قال : لأنهما
يقولان بوحدة واجب الوجود) ، فقال له ساخرا : إنهما حقا يستحقان منك اللعن ! ودرس
أيضا شيخنا المترجم له - والظاهر أن ذلك في أصفهان أيضا - على العالمين الكبيرين :
الشيخ محمد بن الحكيم العالم الحاج محمد زمان ، والشيخ محمد مهدي الهرندي . وهما من
أساتذة الفلسفة على ما يظهر . ولا شك أنه انتقل إلى كربلا والنجف ، فدرس على
الأعلام الثلاثة : الوحيد البهبهاني الآتي ذكره - وهو آخر أساتذته وأعظمهم ،
وتخريجه كان على يديه - والفقيه العالم صاحب الحدائق الشيخ يوسف البحراني المتوفى
1186 ، والمحقق الجليل الشيخ مهدي الفتوني المتوفى 1183 . فجملة أساتذته سبعة ،
سماهم ولده في بعض إجازاته على ما نقل عنه ب (الكواكب السبعة) . وهم خيرة علماء
ذلك العصر ، وعلى رأسهم الآقا الوحيد أستاذ الأساتذة .
الصفحة 8
ولما فرغ هذا الشيخ من التحصيل في كربلا ، رجع إلى بلاده واستقام في كاشان . وهناك
أسس له مركزا علميا تشد إليه الرحال ، بعد أن كانت كاشان مقفرة من العلم والعلماء .
واستمرت بعده على ذلك مركزا من مراكز العلم في ايران ، وليس لدينا ما يشير إلى
تأريخ انتقاله إلى كاشان . ورجع إلى العراق ، وتوفى في النجف الأشرف ودفن فيها .
والظاهر أن مجيئه هذا - وكان معه ولده - بعد أستاذه الوحيد ، جاء لزيارة المشاهد
المقدسة فتوفي . أما ولده فقد بقي بعده ليدرس العلم على أعلامه يومئذ ، كبحر العلوم
، وكاشف الغطاء . عصره يمضي القرن الثاني عشر للهجرة على العتبات المقدسة في العراق
، بل على أكثر المدن الشيعية في ايران التي فيها مركز الدراسة الدينية العالية -
كأصفهان وشيراز وخراسان - وتطغى فيه ظاهرتان غريبتان على السلوك الديني : الأولى :
النزعة الصوفية التي جرت إلى مغالاة فرقة الكشفية . والثانية : النزعة الإخبارية .
وهذه الأخيرة خاصة ظهرت في ذلك القرن قوية مسيطرة على التفكير الدراسي ، وتدعو إلى
نفسها بصراحة لا هوادة فيها ، حتى أن الطالب الديني في مدينة كربلا خاصة أصبح يجاهر
بتطرفه ويغالي ، فلا يحمل مؤلفات العلماء الأصوليين إلا بمنديل ، خشية أن تنجس يده
من ملامسة حتى جلدها الجاف . وكربلا يومئذ أكبر مركز علمي للبلاد الشيعية . وفي
الحقيقة أن هذا القرن يمر والروح العلمية فاترة إلى حد بعيد ، حتى أنه بعد الشيخ
المجلسي صاحب البحار المتوفى في أول هذا القرن عام 1110 . لم تجد واحدا من الفقهاء
الأصوليين من يلمع اسمه ويستحق أن يجعل في الطبقة الأولى ، أو تكون له الرئاسة
العامة ، إلا من ظهر في أواخر القرن ، كالشيخ الفتوني الجليل في النجف المتوفى 1183
، ثم الشيخ آقا الوحيد البهبهاني في كربلا المتوفى 1802 ، الذي تم على يديه تحول
العلم إلى ناحية جديدة من التحقيق .
الصفحة 9
وهذا الفتور العلمي ، وطغيان نزعة التصوف من جهة ، ونزعة الإخبارية من جهة أخرى في
هذا القرن بالخصوص ، مما يدعو إلى التفكير والعجب . وليس بأيدينا من المصادر ما
يكفي للجزم بأسباب ذلك . وأغلب الظن أن أهم الأسباب التي نستطيع الوثوق بها هو
الوضع السياسي والاجتماعي اللذان آلت إليهما البلاد الإسلامية في ذلك القرن ، من
نحو التفكك واختلال الأمن في جميع أطراف البلاد ، والحروب الطاحنة بين الأمراء
والدول ، لا سيما بين الحكومتين الايرانية والعثمانية وبين الإيرانية والأفغانية ،
تلك الحروب التي اصطبغت على الأكثر بصبغة مذهبية . وهذا كله مما يسبب البلبلة في
الأفكار والاتجاهات ، وضعف الروح العامة المعنوية . فأوجب ذلك من جهة ضعف ارتباط
رجال الدين بالحياة الواقعية والسلطات الزمنية . ويدعو ذلك عادة إلى الزهد المغالي
في جميع شؤون الحياة ، واليأس من الإصلاح
. فتنشأ هنا نزعة التصوف ، وتتخذ يومئذ صرحا علميا على أنقاض الفلسفة الإشراقية
الإسلامية المطاردة المكبوتة ، التي سبق أن دعا لها أنصار أقوياء ، كالمولى صدر
الدين الشيرازي المتوفى عام 1050 وأضرابه وأتباعه ، مع المغالاة في أفكارها . وساند
طريقة التصوف مبدئيا أن السلطة الزمنية في ايران - وهي (سلطة الصفويين) - قامت على
أساس الدعوة إلى التصوف ، وظلت تؤيدها وتمدها سرا . ومن جهة أخرى يحدث رد فعل لهذا
الغلو ، فينكر على الناس أن يركنوا إلى العقل وتفكيره ، ويلتجأ إلى تفسير التعبد
بما جاء به الشارع المقدس بمعنى الاقتصار على الأخبار الواردة في الكتب الموثوق بها
في كل شيء ، والجمود على ظواهرها . ثم يدعو الغلو بهؤلاء إلى ادعاء أن كل تلك
الأخبار مقطوعة الصدور على ما فيها من اختلاف . ثم يشتد بهم الغلو ، فيقولون بعدم
الأخذ بظواهر القرآن وحده ، من دون الرجوع إلى الأخبار الواردة . ثم ضربوا بعد ذلك
علم الأصول عرض الجدار ، بادعاء أن مبانيه كلها عقلية لا تستند إلى الأخبار ،
والعقل أبدا لا يجوز الركون إليه في كل شيء ، ثم ينكرون الاجتهاد وجواز التقليد .
وهكذا تنشأ فكرة الإخبارية الحديثة إلى أول من دعا إليها أو غالى في الدعوة إليها
المولى أمين الدين الاستربادي المتوفى 1033 . ثم يظهر
الصفحة 10
آخر شخص لهذه النزعة له مكانته العلمية المحترمة في الفقه هو صاحب الحدائق المتقدم
ذكره . وهذا الثاني - وإن كان أكثر اعتدالا من الأول وأضرابه - كاد أن يتم على يديه
تحول الاتجاه الفكري بين طلاب العلم في كربلا إلى اعتناق فكرة الإخبارية هذه .
وعندما وصلت هذه الفكرة الإخبارية إلى أوجها ، ظهر في كربلاء علم الأعلام الشيخ
الوحيد الآقا البهبهاني ، الذي قيل عنه بحق : مجدد المذهب على رأس المائة الثالثة
عشرة . فإن هذا العالم الجليل كان لبقا مفوها ومجاهدا خبيرا ، فقد شن على الأخبارية
هجوما عنيفا بمؤلفاته ، وبمحاججاته الشفوية الحادة مع علمائها - وقد نقل في بعض
فوائده الحائرية ورسائله نماذج منها - وبدروسه القيمة التي كان يلقيها على تلامذته
الكثيرين الذين التفوا حوله ، وعلى يديه كان ابتداء تطور علم الأصول الحديث ،
وخروجه عن جموده الذي ألفه عدة قرون ، واتجه التفكير العلمي إلى ناحية جديدة غير
مألوفة . فانكمشت في عصره النزعة الإخبارية على نفسها ، ولم تستطع أن تثبت أمام قوة
حجته . وتخرج على يديه جماعة كبيرة من أعلام الأمة ، كبحر العلوم ، وكاشف الغطاء ،
والمحقق القمي ، والشيخ النراقي - المترجم له - وأشباههم . فيبرز شيخنا المترجم له
في عنفوان المعركة الإخبارية والأصولية ، وساحتها كربلا ، وفي عنفوان معركة الدعوة
إلى التصوف ، وساحتها أصفهان على الأكثر ، فيكون أحد أبطال هاتين المعركتين ، بل
أحد القواد الذين رفعوا راية الجهاد بمؤلفاته وتدريسه ، وساعده على ذلك أنه - رحمه
الله - كان متفننا في دراسة العلوم ، ولم يقتصر على الفقه والأصول ومقدماتهما ، فقد
شارك العلوم الرياضية كالهندسة والحساب والهيئة ، وله مؤلفات فيها سيأتي ذكرها .
كما درس الفلسفة ، ويظهر أثر تضلعه في الفلسفة في كتابه هذا (جامع السعادات) ، لا
سيما في الباب الأول ، وفي تقسيمه لأبواب الكتاب وفصوله على أساس علمي متقن برز فيه
على كتب الأخلاق السابقة عليه من هذه الناحية . وسيأتي بيان ذلك . كما أن تأليفه
لهذا الكتاب يشعرنا بأمرين : (الأول) طغيان التصوف من جهة ، وطغيان التفكك الأخلاقي
عند العامة
الصفحة 11
من جهة أخرى ، وإنهما هما اللذان ألجآه إلى أن يرشد الناس إلى الاعتدال في السلوك
الأخلاقي المستقى من منابعه الشرعية ، فإنه في الوقت الذي يبني كتابه على مبادئ
الفلسفة الإشراقية ، حارب فيه من طرف خفي نزعة التصوف ، وجعل آراءه ودعوته إلى
الأخلاق على أساس الذوق الإسلامي الذي يتمثل في الأحاديث النبوية وما جاء عن آل
البيت - عليهم السلام - ، فهو في وقت واحد هادم وبان ، وبهذا يختلف كتابه عن مثل
(إحياء العلوم) الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الروح الصوفية ، وهي غايته المثلى .
و(الثاني) من الأمرين حسن اختيار صاحب الترجمة ، فإنه لم يسبقه أحد من علماء
الإمامية - بعد خريت هذه الصناعة ابن مسكويه المتوفى 421 ، والشيخ المولى محسن
الفيض المتوفى 1091 - إلى تأليف كتاب كامل في الأخلاق مبني على أساس علمي فلسفي
موجود بين أيدينا . شخصية المترجم له وأخلاقه إن أعاظم الناس ونوابغهم لا تأتيهم
العظمة والنبوغ عفوا ومصادفة ، من دون قوة كامنة في شخصيتهم أو ملكة راسخة في
نفوسهم ، ، هي سر عظمتهم وتفوقهم على سائر الناس . وما كلمة الحظ في الباب إلا
تعبير مبهم عن تلك القوة التي أودعها الله تعالى في شخص النابغة . وقد تكون تلك
القوة مجهولة حتى لشخص صاحبها الذي يتحلى بها ، بل على الأكثر هي كذلك ، فيندفع
العبقري إلى تلك القمة التي خلقت له أو خلق لها بدافع تلك القوة الكامنة اندفاعا لا
شعوريا ، وإن كانت أعماله الجزئية التي يقوم بها هي شعورية بمحض اختياره . وتلاحظ
قوة شخصية شيخنا المترجم له في صبره وقوة إرادته وتفانيه في طلب العلم ، ثم عزة
نفسه ، وإن كانت هذه ألفاظا عامة قد يعبر بها عن كثير من الناس ، ويصح التعبير بها
بلا كذب ولا خداع ، إلا أن الدرجة الخاصة من الصبر والإرادة والحب والعزة ونحوها
التي بها يمتاز الشخص النابغ تضيق اللغة عن التعبير عنها بخصوصها إلا بهذه الألفاظ
العامة الدارجة وتظهر الدرجة الخاصة التي يختص بها صاحبنا من هذه الأمور في ثلاث
حوادث منقولة عنه :
الصفحة 12
(الأولى) - فيما ينقل أنه كان في أيام التحصيل في غاية الفقر والفاقة - والفقر
دائما شيعة العلماء ، بل هو من أول شروط النبوغ في العلم ، وهو الذي يصقل النفس
فيظهر جوهرها الحقيقي . فكان صاحبنا قد تشتد به الفاقة فيعجز عن تدبير ثمن السراج
الذي لا يتجاوز في عصره عن أن يكون من زيت أو شمع ، فيدعوه حرصه على العلم إلى
الدخول في بيوت مراحيض المدرسة ، ليطالع على سراجها ، ولكنه تأبى عزته أن يدع غيره
يشعر بما هو فيه ، فيوهم الداخلين - بالتنحنح - أنه جالس للحاجة الخاصة . وتتجلى في
هذه الحادثة الصغيرة عزة نفسه وقوة إرادته وصبره على طلب العلم بدرجة غير اعتيادية
إلا للنوابغ الأفذاذ . (الحادثة الثانية) - إن أحد الكسبة الذي كان حانوته في طريق
المدرسة بكاشان التي كان يسكنها هذا الطالب النراقي ، إن هذا الكاسب المؤمن لاحظ
على هذا الطالب أنه رث الثياب ، وكان معجبا به ، إذ كان يشتري منه بعض الحاجيات
كسائر الطلاب ، فرأى أن يكسيه تقربا إلى الله ، فهيأ له ملبوسا يليق بشأنه ، وقدمه
له عندما اجتاز عليه ، فقبله بإلحاح . ولكن هذا الطالب الأبي في اليوم الثاني رجع
إلى رفيقه الكاسب وأرجع له هذا الملبوس قائلا : إني لما لبسته لاحظت على نفسي ضعة
لا أطيقها ، لا سيما حينما أجتاز عليك ، فلم أجد نفسي تتحمل هذا الشعور المؤلم ،
وألقاه عليه ومضى معتزا بكرامته ، (الحادثة الثالثة) - فيما ينقل عنه أيضا - وهي
أهم من الأولى والثانية - إنه كان لا يفض الكتب الواردة إليه ، بل يطرحها تحت فراشه
مختومة ، لئلا يقرأ فيها ما يشغل باله عن طلب العلم . والصبر على هذا الأمر يتطلب
قوة إرادة عظيمة ليست اعتيادية لسائر البشر . ويتفق أن يقتل والده (أبو ذر) المقيم
في نراق وطنه الأصلي ، وهو يومئذ في أصفهان ، يحضر على أستاذه الجليل المولى
إسماعيل الخاجوئي ، فكتبوا إليه من هناك بالنبأ ليحضر إلى نراق ، لتصفية التركة
وقسمة المواريث وشؤون أخرى ، ولكنه على عادته لم يفض هذا الكتاب ، ولم يعلم بكل ما
جرى . ولما طالت المدة على من في نراق ، كتبوا له مرة أخرى ، ولكن لم يجبهم أيضا .
ولما أيئسوا منه كتبوا بالواقعة إلى أستاذه المذكور ليخبره بالنبأ ويحمله على
المجيئ . والأستاذ في دوره -
الصفحة 13
على عادة الناس - خشي أن يفاجئه بالنبأ ، وعندما حضر مجلس درسه أظهر له - تمهيدا
لإخباره - الحزن والكآبة ، ثم ذكر له : أن والده مجروح ، ورجح له الذهاب إلى بلاده
. ولكن هذا الولد الصلب القوي الشكيمة لم تلن قناته ، ولم يزد أن دعا لوالده
بالعافية ، طالبا من أستاذه أن يعفيه من الذهاب . وعندئذ اضطر الأستاذ إلى أن يصرح
له بالواقع ، ولكن الولد أيضا لم يعبأ بالأمر ، وأصر على البقاء لتحصيل العلم . لا
أن الأستاذ هذه المرة لم يجد بدا من أن يفرض عليه السفر ، فسافر امتثالا لأمره
المطاع ، ولم يمكث في نراق أكثر من ثلاثة أيام ، على بعد الشقة وزيادة المشقة ، ثم
رجع إلى دار هجرته . وهذه الحادثة لها مغزاها العميق في فهم نفسية هذا العالم
الآلهي ، وتدل على استهانته بالمال وجميع شؤون الحياة في سبيل طلب العلم . مؤلفاته
لشيخنا المترجم له عدة مؤلفات نافعة ، تدل على قابلية في التأليف وصبر على البحث
والتتبع ، وعلى علم غزير . ونحن نعد منها ما وصل بحثنا إليه ، وأكثر اعتمادنا في
تعدادها وبعض أوصافها على كتاب (رياض الجنة) المذكور في مصادر هذه الطبعة : (في
الفقه) : 1 - (لوامع الأحكام في فقه شريعة الإسلام) : وهو كتاب استدلالي مبسوط ،
وقد خرج منه كتاب الطهارة في مجلدين يقرب من (30) ألف بيت . 2 - (معتمد الشيعة في
أحكام الشريعة) : هو أتم استدلالا وأخصر تعبيرا من كتاب اللوامع السالف الذكر ، خرج
منه كتاب الطهارة ونبذ من الصلاة والحج والتجارة والقضاء . قال في الروضات عن
الكتابين : ينقل عنهما ولده المحقق في المستند والعوائد كثيرا . 3 - التحفة الرضوية
في المسائل الدينية) : في الطهارة والصلاة فارسي ، يقرب من (10) آلاف بيت . 4 -
(أنيس التجار) : في المعاملات ، فارسي ، يقرب من (8) آلاف بيت . 5 - (أنيس الحجاج)
: في مسائل الحج والزيارات ، فارسي ، يقرب
الصفحة 14
من (4) آلاف بيت . 6 - (المناسك المكية) : في مسائل الحج أيضا ، يقرب من ألف بيت 7
- (رسالة صلاة الجمعة) : ذكرها وما قبلها حفيده (الأستاذ حسن النراقي) في رسالته
لنا . (في أصول الفقه) : 8 - (د تجري الأصول) : مشتمل على جميع مسائل الأصول مع
اختصاره ، يقرب من (3) آلاف بيت . قال عنه في الروضات : شرحه ولده في مجلدات غفيرة
جمة . 9 - (أنيس المجتهدين) : توجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة الإمام أمير المؤمنين
(ع) العامة بالنجف الأشرف (برقم 408 - سجل المخطوطات) ، تقع في 411 صة ، بخط محمد
حسين بن علي نقي البزاز ، فرغ منها بتأريخ 3 صفر من سنة 1181 . وفي تقدير رياض
الجنة يقرب من (10) آلاف بيت . 10 - (جامعة الأصول) : يقرب من (5) آلاف بيت . 11 -)
رسالة في الإجماع ( : يقرب من 3) آلاف بيت . (في الحكمة والكلام) : 12 - (جامع
الأفكار) : في الإلهيات ، يقرب من (30) ألف بيت ، قد فرغ من تأليفه سنة 1193 ،
وعليه فليس هو من أوائل مؤلفاته ، كما قال عنه صاحب (رياض الجنة) ، وستجد راموزا
للصتين الأولى والأخيرة منه بخط المؤلف ، منقولتين عن النسخة التي هي بحوزة أحد
أحفاده (الأستاذ حسن النراقي) . والذي يجلب الانتباه في الصة الأخيرة ما ذكره من
الحوادث المروعة في الوباء وغيره التي وقعت في تلك الفترة . 13 - (قرة العيون) : في
أحكام الوجود والماهية ، يقرب من (5) آلاف بيت . 14 - (اللمعات العرشية) : في حكمة
الاشراق ، يقرب من (25) ألف بيت . 15 - (اللمعة) : وهو مختصر اللمعات ، تقرب من
ألفي بيت . 16 - (الكلمات الوجيزة) : وهو مختصر اللمعة ، يقرب من ثمانمائة بيت .
الصفحة 15
17 - (أنيس الحكماء) : في المعقول ، وهو من أواخر تأليفاته ، لم يتم . إحتوى على
نبذ من الأمور العامة والطبيعيات ، يقرب من (4) آلاف بيت . 18 - (أنيس الموحدين) :
في أصول الدين ، فارسي ، يقرب من (4) آلاف بيت . 19 - (شرح الشفا) : في الإلهيات ،
النسخة الأصلية بخط المؤلف موجودة عند أحد أحفاده (الأستاذ حسن النراقي) . 20 -
(الشهاب الثاقب) : في الإمامة ، في رد رسالة الفاضل البخاري ، يقرب من (5) آلاف بيت
. (في الرياضيات) : 21 - (المستقصى) : في علوم الهيئة ، خرج منه مجلدان إلى مبحث
أسناد الحركات ، يقرب من (40) ألف بيت ، قال عنه في رياض الجنة : لم يعمل أبسط وأدق
منه في علم الهيئة ، ولقد طبق فيه أكثر البراهين الهندسية بالدلائل العقلية ، لم
يتم . 22 - (المحصل) : كتاب مختصر في علم الهيئة ، يقرب من (5) آلاف بيت . 23 -
(توضيح الأشكال) : في شرح تحرير إقليدس الصوري في الهندسة ، وقد شرحه إلى المقالة
السابعة ، فارسي ، يقرب من (16) ألف بيت . 24 - (شرح تحرير أكرثا ذو سنيوس) يقرب من
(3) آلاف بيت . 25 - (رسالة في علم عقود الأنامل) : فارسية ، تقرب من ألف بيت . 26
- (رسالة في الحساب) : ذكرها في روضات الجنات . (في الأخلاق والمواعظ) : 27 - (جامع
السعادات) : هذا المطبوع بثلاثة أجزاء - حسب تقسيمنا له - قال عنه في رياض الجنة :
يقرب من (25) ألف بيت . وقد طبع في ايران على الحجر سنة 1312 بجزءين ، وسيأتي وصفه
، وقد تقدم شيء من وصفه . وهذه الطبعة الثالثة له على الحروف بالنجف الأشرف . 28 -
(جامع المواعظ) : في الوعظ ، يقرب من (40) ألف بيت ، لم يتم
الصفحة 16
في المتفرقات : 29 - (محرق القلوب) : في مصائب آل البيت ، فارسي ، يقرب من (18) ألف
بيت ، قال عنه في روضات الجنات : طريف الأسلوب . 30 - (مشكلات العلوم) : في المسائل
المشكلة من علوم شتى ، مطبوع على الحجر بإيران ، يشبه بعض الشيء كشكول البهائي .
وقد نسج على منواله ولده المحقق في كتابه (الخزائن) المطبوع على الحجر بإيران . 31
- (رسالة نخبة البيان) : ذكرها حفيده الأستاذ حسن النراقي . 32 - (معراج السماء) :
ذكره أيضا حفيده المذكور .
جامع السعادات وعلم الأخلاق
لا شك أن القدرة على التأليف موهبة من الله تعالى فوق موهبة العلم والفهم ، وليس كل
من كان عالما استطاع التأليف . والتأليف في حد ذاته من أبرز الخدمات التي يؤديها
العالم للناس في حياته ، ومن أعظم الحظوظ للانسانية ، وبسببه استطاعت أن تتقدم على
مرور الأجيال . ومع ذلك ليس كل تأليف يعد خدمة للناس وحظا للانسانية . وإذا أردنا
أن نضع المؤلفات في رفوف حسب قيمتها ، فإنما في فترات متقطعة تظهر مؤلفات من
النوابغ يصح أن نضعها في الرف الأعلى ، ويصدق عليها بحق أنها مما ينفع الناس ،
فتمكث في الأرض ، وتفرض نفسها للخلود والبقاء إذا سلمت من عوادي الدهر الغاشمة .
ومن سوء الحظ أن الفراغ لا يزال كثيرا في هذا الرف الأعلى . ومن بين الفترات لا بد
أن تبرز في كل علم من المؤلفات هي من حقها أن توضع في الرف الثاني أو ما دونه .
وحظها أن تنسج على منوال غيرها لتحييها وتهيي انتهاء الفترة لظهور الأثر الخالد مما
يوضع في الرف الأعلى . وهذه غير الغثاء الذي يذهب جفاء ، ومن حقه أن يلقى في سلة
المهملات . وما أكثر هذا النوع الرخيص ، لا سيما في عصرنا الحاضر الذي سهلت له
الطباعة الإسفاف . ويجب ألا نغالي في مؤلفات شيخنا النراقي فنضعها في الرف الأعلى ،
ولكن (جامع السعادات) الذي نقدمه ، هو بالخصوص من الآثار الخالدة ، وإن لم يكن
موضعه هذا الرف الأعلى كسائر الكتب الأخلاقية في الدورة الإسلامية .
الصفحة 17
ولا ندري السر في ذلك ، ألأن الفترة بعد لم تنته لعلم الأخلاق بخصوصه كيما يظهر
الأثر الخالد المنتظر الذي سيكون في الرف الأعلى ، أم لأن هذا العلم ليس له تلك
الفترات ، بل كله في فترة مستديمة ليأس العلماء الأخلاقيين من التأثير على الناس
بمجرد التأليف ؟ ! وهذا الثاني هو الأقرب إلى الواقع . والحق مع الأخلاقيين في
يأسهم ، فإن الأخلاق لا تكتسب بالتعلم وقراءة الكتب ، وإنما هي صفات وملكات لا تحصل
للانسان إلا بالتمرينات القاسية والتربية الطويلة ، لا سيما في أيام الطفولة وفي
السن المبكرة قبل أن يفرض في الإنسان أن يكون أهلا للقراءة ، ولو كانت قراءة الكتب
وحدها كافية لخلق الفضيلة في النفس أو تنميتها لكانت كتب الأخلاق من أثمن ما خلق
الله ، ولأغنى البشرية كتاب واحد يفي بذكر الأخلاق الفاضلة ، بل لاكتفينا بالقرآن
الكريم وحده ، أو بنهج البلاغة بعده الذي تريد خطبه ومواعظه أن تصهر الناس في
بوتقتها الملتهبة لتخرجهم أبريزا صافيا كصاحبها ، ولكن البشرية الظالمة لنفسها بدل
أن تنصهر بهذا اللهب تخبو جذوتها وتزيد جمودا على مساوئها . وليس هذا الرأي عن
الكتب الأخلاقية فيه شيء من المغالاة على ما أعتقد ، إلا إني مع ذلك لا أظلم بعض
زمرة صالحة من أهل الفتوة وأرباب القلوب الحية ، إذ نجدهم يتأثرون بالكلمة
الأخلاقية الموجهة إليهم ممن يعول على قوله ، ويتتبعون بإخلاص مجهودات المؤلفين في
الأخلاق ، ليترسموا خطاهم فيهذبوا أنفسهم . ومن هنا نجد السبيل إلى إنصاف
الأخلاقيين وإعطاء مؤلفاتهم حقها من التقدير ، لنعتقد أنهم لم يعملوا عملا باطلا لا
نفع فيه ، بل الحق أن له قيمته العظيمة ، وكفى أن يتأثر بدعوتهم بعض فتيان كرام
بررة . وهذا التأثر على قلته له قيمة معنوية لا توازن بشيء في الدنيا ، بل سير
الحياة وتقدمها يتوقف مبدئيا على هذا التأثر ، وإن كان محدودا . وما التقدم
الاجتماعي الذي يحصل في أمة في بعض الفترات من الزمن إلا نتيجة من نتائج هذا التأثر
المحدود . ومع ذلك ، فإن تأثير الدعوة الأخلاقية هذا التأثير المحدود لا يأتي من
مجرد شحن الكتاب النظريات الأخلاقية المجردة . بل لروحية المؤلف أعظم الأثر في
اجتذاب قلوب الفتيان الكرام إلى الخير . ومن هنا اشترطوا في الواعظ .
الصفحة 18
أن يكون متعظا . وعلى هذا الأساس ينبغي أن توضع كتب الأخلاق في رفوفها ، فليس
للنظريات الفلسفية ورصانة التأليف وتركيزه على المبادئ العلمية - في نظر أرباب
القلوب - تلك الأهمية الأخلاقية التي تعلق عليها ، ولا تقاس بالأثر الأخلاقي الذي
يحصل من روحية المؤلف ومقدار تأثره هو بأقواله ، وما كانت شهرة (مجموعة ورام) ، وما
كانت أهميتها إلا لأنها ناشئة من قلب صادق ، ذلك قلب الأمير الزاهد الآلهي (الشيخ
ورام ابن أبي فراس المالكي الأشتري) ، وليس فيها صفة علمية أو فنية تقضي بهذا
الاهتمام . ومن العجيب أن قلب الرجل الأخلاقي يبرز ظاهرا على قلمه في مؤلفاته ،
فتلمسه في ثنايا كلماته . وبالعكس ذلك الذي لا قلب له ، فإنك لا تقرأ منه إلا كلاما
جافا لا روح فيه ، مهما بلغت قيمته في حساب النظريات الفلسفية . وفي نظري أن قيمة
(جامع السعادات) في الروح المؤمنة التي تقرأها في ثناياه أكثر بكثير من قيمته
العلمية . وإني لأتحدى قارئ هذا الكتاب إذا كان مستعدا للخير أن يخرج منه غير متأثر
بدعوته ، وهذا هو السر في أقبال الناس عليه وفي شهرته ، على أنه لا يزيد من ناحية
علمية على بعض الكتب المتداولة التي لا نجد فيها هذا الذوق والروحانية . والكتاب
نفسه يكشف لنا عن نفسية المؤلف ، وما كان عليه من خلق عال وإيمان صادق . وإني لأؤمن
إيمانا لا يقبل الشك : أن انتشار هذا الكتاب بين الناس في هذا العصر سيكون له أثره
المحسوس في توجيه أمتنا نحو الخير ، بعد أن نفدت طبعته الأولى وعزت نسخته ، ولا
سيما أن خطباء المنابر - فيما أعتقد - ستكون لهم الحصة الوافرة في التأثر به ونقل
تأثرهم إلى سواد الأمة الذين هم المعول عليهم في نهضتنا الأخلاقية المقبلة . وهذا
ما دفعني - والله هو الشاهد علي - إلى السهر على تصحيح الكتاب وتدقيقه ، ليخرج بهذه
الحلة ، وإن كانت ظروفي الخاصة كادت أن تحول دون التفرغ له ، لولا أني توكلت على
الله تعالى ووطنت على تجاهلها وإهمال كثير مما يجب العناية به ، والحمد لله على
توفيقه .
الصفحة 19
النواحي الفنية في الكتاب من أهم ما يؤاخذ به كتابنا هذا ، اعتماده على المراسيل في
الأحاديث ، وتسجيل كل ما يرى أمامه من المنقولات : غثها وسمينها ، من دون إشارة إلى
التمييز ولا إلى المصادر ، حتى نقل كثيرا عن إحياء العلوم ، وتعمد النقل عن مثل
جامع الأخبار ومصباح الشريعة ، اللذين يشهد أسلوبهما على وضع أكثر ما فيهما . وقد
وجدنا صعوبة كبيرة في العثور على جملة من مصادر هذه المنقولات لتصحيحها . وقد
يستغرق البحث للعثور على مصدر خبر واحد أياما كما قد يذهب البحث سدى . وما كان
يهمنا من الرجوع إلى المصادر إلا تصحيح المنقولات لا إثبات مصادرها ، فلذلك لا نشير
في الحاشية إلى المصدر إلا إذا وجدنا اختلافا في نصه في النسخ ، فنقول : صححناه على
كذا مصدر . وبهذه المناسبة لا بد من الاعتراف بالجميل ، فتذكر الأستاذ الفاضل السيد
عبد الرزاق المقرم بالشكر لما أعاننا عليه من الفحص عن بعض الروايات . والذي يهون
الخطب في هذه المؤاخذة - على أن لها قيمتها الفنية - أنها لا تختص بهذا الكتاب وحده
من بين كتب الأخلاق الإسلامية ، بل هذا ديدنها ، وكأن هو أصحابها من الاستشهاد
بالمنقولات نفس أداء الفكرة ، فإذا كانت بحسب نظرهم صحيحة مقبولة في نفسها فلا يجب
عندهم أن يكون الحديث الذي يتضمنها صحيحا مقبولا في عرف أهل الحديث ، فإذا قال
المحدث : قال النبي والإمام كذا ، يعني بذلك أن هذا القول ثابت بالنقل الصحيح
الموثوق به ، وإلا فيقول روى عنه كذا أو ما يشبه ذلك ، أما الأخلاقي فلا يعني بذلك
القول إلا أنه مروي عنه بأي طريق كان . ولعل لهذا التسامح عذرا مقبولا في مذهبهم
على ما قدمنا ، لو لم تكن فيه إساءة إلى أمانة النقل في أهم تراث إسلامي ديني ، في
حين كان الممكن تحاشيها بقليل من التحقيق والبحث ، على أن في الثابت الصحيح عن آل
البيت - عليهم السلام - ما فيه الكفاية للإلمام بنواحي الأخلاق المطلوبة ، وما في
(الكافي) كاف وحده في هذا الباب . وكنا نتمنى - أثناء التصحيح - على صاحب كتابنا
هذا ألا يتبع هذه العادة عند الأخلاقيين ، فيزيد على فائدته الأخلاقية فائدة أخرى
في تحقيق الأحاديث الصحيحة .
الصفحة 20
أما أسلوب الكتاب الأدبي ، فهو يمثل إلى حد ما عصره الذي ضعفت فيه اللغة إلى حد
كبير ، بالرغم على أن الفلاسفة الإشراقيين اشتهروا في تلك العصور بحسن البيان وقوة
الأسلوب ، لا سيما في العصر السابق على عصر المؤلف ، كالسيد الداماد العظيم المتوفى
1041 ، وتلميذه النابغة الجليل المولى صدرا المتقدم ذكره ، حتى كان يسمى الأول :
أمير البيان ، ولعل الثاني أحق بهذا اللقب . غير أن صاحبنا لا يحسب في عداد
الفلاسفة وإن ارتشف من منهلهم . على أنه كان يقتبس كثيرا نص عبارات غيره استراحة
إليها . وهذه سنة مستساغة عند المؤلفين الأخلاقيين ، وكأن كتبهم يجدونها مشاعة بين
الجميع ، أو لأن همهم أداء الفكرة كما كان عذرهم في مراسيل الأحاديث . وبهذه
المناسبة نقول : إنا وجدنا أثناء تصحيح الكتاب كثيرا من الألفاظ والعبارات مما لم
نجد له مسوغا من اللغة العربية ، ككلمة (القادسة) و(الهلاكة) . ، ففضلنا أن نبقيها
على ما وجدناها ، حرصا على أمانة النقل وأهملنا التنبيه عليها ، ومثل كلمة (سيما)
فضلنا أن نصححها ونضع كلمة (لا) بين قوسين إشارة إلى زيادتها منا . وإذا كانت أمانة
النقل هي العذر لنا في ذلك ، فهي التي تقضي علينا أن نصرح أن عناوين الكتاب على
الأكثر هي من وضعنا لا من وضع المؤلف . وأما أسلوبه العلمي ، فقد بناه مؤلفه من
أوله إلى آخره على نظرية الوسط والأطراف في الأخلاق ، تلك النظرية الموروثة من
الفلسفة اليونانية . وقد بحث عنها المؤلف في (الجزء الأول ص 59) . وليس من حقنا أن
نناقشها ، ولا يمتاز بها هذا الكتاب وحده ، فإن شأنه في الاعتماد على هذه النظرية
الأساسية شأن سائر كتب الأخلاق الإسلامية العلمية . ولكن الذي امتاز به كتابنا -
بعد أن بحث مؤلفه بحثنا فلسفيا متوسطا عن النفس وقواها ، والخير والسعادة ،
والفضائل والرذائل ، في البابين الأول والثاني ، كما صنع أسلافه - أن جعل أساس
تقسيمه للكتاب على القوى الثلاث : العاقلة والشهوية والغضبية ، معللا ذلك بأن جميع
الفضائل والرذائل لا تخرج عن التعلق بالقوى الثلاث (1 / 66) . وذكر لكل قوة ما
يتعلق بها من أجناس الفضائل والرذائل منفردة ومنضمة إلى الأخرى ، ثم ذكر
الصفحة 21
أنواعها ، واستقصى ذكر الأنواع ، مطبقا على كل نوع نظرية الوسط والأطراف ، فجاء في
استقصائه وإلحاقه كل فصيلة ورذيلة بالقوة التي تتعلق بها ، بما لم يجيئ به غيره ولم
يسبقه إليه أحد فيما نعلم ، وهو نفسه ادعى ذلك فقال : إن إحصاء الفضائل والرذائل
وضبطهما ، وإدخال البعض في البعض ، والإشارة إلى القوة الموجبة لها على ما فصلناه ،
مما لم يتعرض له علماء الأخلاق (1 / 71) . وهذه أهم ناحية فنية في الكتاب ، وفتح
جديد في تحقيق منشأ حدوث خلق الفضيلة والرذيلة ، لو اتفق لغيره أن يترسم خطاه ،
ويتم ما فتحه من هذا الباب من التحقيق ، لتقدم على يديه علم الأخلاق تقدما كبيرا .
وعلى أساس تحقيقه هذا أسقط فضيلة العدالة من حسابه ، فلم يجعلها جنسا مقابلا لأجناس
الفضائل الثلاث الأخرى ، وهي الحكمة والعفة والشجاعة ، باعتبار أن العدالة جامعة
لجميع الكمالات بأسرها ، لا إنها في مقابلها ، وقد فصل هذا الرأي في الباب الثاني ،
ولا أظن أحدا يقره عليه ، ولا يثبت أمام النقد . ولكن هذه المقدمة تضيق عن مثل هذه
الأبحاث الدقيقة ، كما تضيق عن مقارنة هذا التأليف بالمؤلفات الأخلاقية الأخرى .
وقصدنا أن هذا التقسيم من المؤلف . وإرجاع الفضائل والرذائل إلى أسبابها ، وجعل
مواضيع الأبحاث هي تلك القوى ، وإحصاء أنواع الأخلاق بنوعيها ولوازمها ، كل ذلك
مستجد ، وهي طريقة علمية امتاز بها الكتاب . تصحيح الكتاب ومراجعه وعدت الأخ الفاضل
الألمعي السيد محمد كلانتر ، ناشر الكتاب وملتزمه تصحيحا وتعليقا - جزاه الله خير
ما يجزي العاملين - : على الاشتراك معه وأعانته على تدقيق وتحقيق هذا السفر الجليل
وتصحيحه أيضا عند الطبع ، إذا توفق لتهيئة ما يلزم لطبعه ، وذلك قبل سنتين . وشاء
التوفيق أن يحقق هذه الأمنية ، فلم أجد للتخلي عن الوفاء بالوعد سبيلا مهما كلفني
الأمر ، ويعجبني من هذا الرجل صبره وجلده على المشاق في سبيل نشره ، باعتباره أحد
الكتب التي يجب إحياؤها في هذا العصر . وهذا منه أحد شواهدي على تأثر الفتيان
الكرام الأبرار بهذا السفر الأخلاقي . وقد شاهدت ج : 1
الصفحة 22
صبره لأول مرة في ايران في صيف العام الماضي ، لما اشترك هو والعلامة الأخ بالروح
الشيخ محمد شيخ الشريعة ، في قسم من الكتاب على النسخة المخطوطة الآتي ذكرها في
المراجع رقم 2 إلى حد ص 176 من الجزء الأول من هذا المطبوع ، فأودعا في التعليقة
آراءهما القيمة في تحقيقه وتصحيحه . ولئن عدنا في التصحيح من أوله لما استقبلت
المطبعة النسخة للطبع ، فإنا اعتمدنا كثيرا على تلك التحقيقات القيمة الماضية . ولا
ننسى أن نذكر أن النسخة المطبوعة في ايران على الحجر ، فيها من التحريف والتصحيف ما
يذهب بالاطمئنان إليها ، ويشوه المقصود والمعنى . ومن الغريب أن نجد التحريف حتى في
الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة . أما تذكير المؤنث وتأنيث المذكر ، وتشويه
الإملاء والتبويب ، فهذه أمور حدث عنها ولا حرج . ويكفي أن تقارن صة واحدة منها
بمطبوعنا ، لتعرف أي مجهود بذل للتصحيح والإخراج ، وتجد العناية على كل سطر منه ،
بل كل كلمة . ومن سوء الحظ ، أن النسخة المخطوطة المرجع رقم (2) لم تكن أكثر حظا في
الصحة من أختها المطبوعة . وهذا ما دعانا إلى أن نرجع إلى كتب أخرى تمت بالموضوع
بصلة لتحقيق الكتاب ، كالكتب الأخلاقية وكتب الحديث وأكثر ما كان يعنينا تصحيح
الأحاديث الشريفة بالرجوع إلى مصادرها الذي جشمنا بحثا مضنيا كان يستغرق أكثر
أوقاتنا ، وقد تذكر أحيانا في التعليقة المصدر المرجوع إليه ، وعلى الأكثر لا نذكر
المرجع إلا عندما يكون مخالفا لنسخ الكتاب . ويحسن الآن أن نذكر أهم المراجع التي
اعتمدنا عليها لتصحيح الكتاب ، وهي : 1 - النسخة من الكتاب - المشار إليها آنفا -
المطبوعة على الحجر بإيران سنة 1312 . 2 - النسخة المخطوطة منه التي تفضل بها شيخنا
الحجة الشيخ محمد محسن الشهير (آغا بزرگ) مؤلف الذريعة ، وقد نسخت سنة 1208 . ونعبر
عنها في التعليقة ب (نسختنا الخطية) . 3 - النسخة المخطوطة منه في مكتبة سپه سالار
بطهران . ولا يحضرنا الآن تأريخ نسخها ورقمها في المكتبة . وقد قوبلت النسخة إلى حد
صة
الصفحة 23
176 من الجزء الأول . 4 - النسخة المطبوعة ، التي يملكها الخطيب السيد جواد شبر ،
وفيها بعض التقييدات والتصحيحات . 5 - إحياء العلوم - للشيخ أبي حامد الغزالي . 6 -
إحياء الأحياء - المجلد الرابع المطبوع في ايران على الحجر سنة 1326 ، للشيخ المولى
محسن الفيض الكاشاني . 7 - نسخة أصول الكافي - المخطوطة سنة 1103 ، في مكتبة منتدى
النشر برقم (446) ، وهي نسخة ظاهر عليها التصحيح ودقة المقابلة على نسخ صحيحة . 8 -
نسخة أصول الكافي - المخطوطة التي تحت تصرفنا . 9 - فروع الكافي - المطبوع بالحجر
سنة 1315 ، وهو من المطبوعات الحجرية الصحيحة . 10 - الوسائل - المطبوعة سنة 1323 ،
المعروفة بطبعة عين الدولة . 11 - البحار - المجلد 15 بجميع أجزائه الأربعة ،
المطبوع على الحجر . 12 - كنز العمال - المطبوع بحيدر آباد دكن سنة 1312 . 13 -
مستدرك الوسائل - للشيخ المحدث النوري ، المطبوع على الحجر سنة 1319 . 14 - الوافي
- للشيخ المولى محسن الفيض ، المطبوع على الحجر سنة 1325 ، وهو من المطبوعات
الحجرية الصحيحة . 15 - سفينة البحار - المطبوع على الحجر بالنجف الأشرف سنة 1352 ،
للمحدث الثقة الجليل الشيخ عباس القمي . 16 - جامع الأخبار - المطبوع بالهند على
الحجر . 17 - مصباح الشريعة - المطبوع بالهند على الحجر . وهذه غير المراجع التي
رجعنا إليها نادرا : كمجموعة الشيخ ورام ، والحقائق للفيض ، ومجمع البحرين للشيخ
فخر الدين الطريحي ، ونهاية ابن |