جامع السعادات ج1

 
 

الصفحة 96

لظهر فخر الثقلين صلى الله عليه وآله وسلم . وكن في العمل متوسطا بين حفظ الظاهر والباطن ، فلا تكن في باطنك خبيثا وظاهرك نقيا ، حتى تكون كشوهاء ملبسة بزي حوراء مدلسة بأنواع التدليسات ، ولا بالعكس لتكون مثل درة ملوثة بأقسام القاذورات ، بل ينبغي أن يكون ظاهرك مرآة لباطنك حتى يظهر من محاسنك بقدر ما اقتضته ملكاتك الفاضلة الباطنة . وكن في جميع ملكاتك الباطنة وأفعالك الظاهرة متوسطا بين الإفراط والتفريط على ما يقرع سمعك في هذا الكتاب . ثم كن في العلوم متوسطا بين العلوم الباطنة العقلية والعلوم الظاهرة الشرعية ، فلا تكن من الذين قصروا أنظارهم على ظواهر الآيات ولم يعرفوا من حقائق البينات ، يذمون علماء الحقيقة وينسبونهم إلى الإلحاد والزندقة ، ولا من الذين صرفوا أعمارهم في فضول أهل يونان وهجروا ما جاء به حامل الوحي والفرقان ، يذمون علماء الشريعة ويثبتون لهم سوء القريحة ، يدعون لأنفسهم الذكاء والفطانة وينسبون ورثة الأنبياء إلى الجهل والبطالة . ثم كن في العقليات متوسطا بين طرق العقلاء من غير جمود على واحدة منها بمجرد التقليد أو التعصب ، فتوسط بين الحكمة والكلام والإشراق والعرفان ، واجمع بين الاستدلال وتصفية النفس بالعبادة والرياضة ، فلا تكن متكلما صرفا لا تعرف سوى الجدل ، ولا مشائيا محضا أضاع الدين وأهمل ، ولا متصوفا استراح بدعوى المشاهدة والعيان من دون بينة وبرهان . وكن في العلوم الشرعية متوسطا بين الأصول والفروع ، فلا تكن إخباريا تاركا للقواعد القطعية ، ولا أصوليا عاملا بقياسات عامية . وقس على ذلك جميع أمورك الباطنة والظاهرة ، واعمل به حتى يرشدك إلى طريق السداد ، ويوفقك لاكتساب زاد المعاد .

دفع إشكال

إن قيل : قد تلخص مما ذكر : أن الفضيلة في جميع الأخلاق والصفات إنما هو المساواة من غير زيادة ونقصان ، مع إنه قد ثبت أن للتفضل محمود وهو زيادة فلا يدخل تحت العدالة الراجعة إلى المساواة . (قلنا) : التفضل احتياط يقع لتحصيل القطع بعدم الوقوع في النقصان ، وليس الوسط في طرفين من الأخلاق على نهج واحد ، فإن الزيادة في السخاء إذا لم يؤد إلى


الصفحة 97

الإسراف أحسن من النقصان عنه ، وأشبه بالمحافظة على شرائطه ، فالتفضل إنما يصدر عن فضيلة العدالة ، لأنها مبالغة فيها ولا يخرجها عن حقيقتها ، إذ المتفضل من يعطي المستحق أزيد مما يستحقه ، وهذه الزيادة ليست مذمومة بل هي العدالة مع الاحتياط فيها ، ولذا قيل : إن المتفضل أفضل من العادل ، والمذموم أن يعطي غير المستحق أو يترك المساواة بين المستحقين لأنه أنفق فيما لا ينبغي أو على ما لا ينبغي ، وصاحبه لا يسمى متفضلا بل مضيعا ، ولكون التفضل احتياطا إنما يحسن من الرجل بالنسبة إلى صاحبه في المعاملة التي بينهما ، ولو كان بين جماعة ولم يكن له نصيب في ما يحكم فيه لم يسعه إلا العدل المحض ولم يجز له التفضيل .

تتميم

قد تلخص أن حقيقة العدالة أو لازمها أن يغلب العقل الذي هو خليفة الله على جميع القوى حتى يستعمل كلا منها فيما يقتضي رأيه ، فلا يفسد نظام العالم الإنساني ، فإن الواجب سبحانه لما ركب الإنسان بحكمته الحقة ومصلحته التامة عن القوى الكثيرة المتضادة ، فهي إذا تهايجت وتغالبت ولم يقهرها قاهر خير ، حدثت فيه بهيجانها واضطرابها أنواع الشر ، وجذبه كل واحدة منها إلى ما يقتضيه ويشتهيه ، كما هو الشأن في كل مركب . وقد شبه المعلم الأول مثله بمن يجذب من جهتين حتى ينقطع وينشق بنصفين أو من جهات كثيرة فيتقطع بحسبها . فيجب على كل إنسان أن يجاهد حتى يغلب عقله الذي هو الحكم العدل والخير المطلق على قواه المختلفة ، ليرفع اختلافها وتجاذبها ويقيم الجميع على الصراط القويم . ثم كل شخص ما لم يعدل قواه وصفاته لم يتمكن من إجراء أحكام العدالة بين شركائه في المنزل والبلد ، إذ العاجز عن إصلاح نفسه كيف يقدر على إصلاح غيره ، فإن السراج الذي لا يضئ قريبه كيف يضيئ بعيده ، فمن عدل قواه وصفاته أولا واجتنب عن الإفراط والتفريط واستقر على جادة في أرضه ، وإذا كان مثله حاكما بين الناس وكان زمام مصالحهم في قبضة اقتداره ، لتنورت البلاد بأهلها ، وصلحت أمور العباد بأسرها ، وزاد


الصفحة 98

الحرث والنسل ، ودامت بركات السماء والأرض . وغير خفي أن أشرف وجوه العدالات وأهمها وأفضل صنوف السياسات وأعمها هو عدالة السلطان ، إذ غيرها من العدالات مرتبطة بها ولولاه لم يتمكن أحد من رعاية العدالة ، كيف وتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل يتوقف على فراغ البال وانتظام الأحوال ، ومع جور السلطان أمواج الفتن متلاطمة ، وأفراج المحن متراكمة ، وعوائق الزمان متزاحمة ، وبوائق (1) الحدثان متصادمة ، وطالبو الكمال كالحيارى في الصحارى لا يجدون إلى منازله سبيلا ولا إلى جداوله مرشدا ودليلا ، وعرصات العلم والعمل دراسة الآثار ، ومنازلهما مظلمة الأرجاء والأقطار ، فلا يوجد ما هو الملاك في تحصيل السعادات ، أعني تفرغ الخاطر والاطمئنان وانتظام أمر المعاش الضروري لأفراد الإنسان . ولذا لو تصت في أمثال زماننا زوايا المدن والبلاد واطلعت على بواطن فرق العباد ، لم تجد من الألوف واحدا تمكن من إصلاح نفسه ويكون يومه خيرا من أمسه ، بل لا تجد دينا إلا وهو باك على فقد الإسلام وأهله ، ولا طالبا إلا وهو لعدم المكنة باق على جهله ، ولعمري أن هذا الزمان هو الزمان الذي أخبر عنه سيد الأنام وعترته الأبرار الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام من أنه : لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ، ولا من القرآن إلا رسمه . وبالجملة : المناط كل المناط في تحصيل الكمالات وإخراج النفوس من الجهالات ، هو عدالة السلطان ، واعتناؤه بإعلاء الكلمة ، وسعيه في ترويج أحكام الدين والملة ، ولذا ورد في الآثار : (إن السلطان إذا كان عادلا كان شريكا في ثواب كل طاعة تصدر عن كل رعية ، وإن كان جائرا كان سهيما في معاصيهم) . وقال سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم : أقرب الناس يوم القيامة إلى الله تعالى الملك العادل وأبعدهم عنه الملك الظالم . وورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم : عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة . والسر أن أثر عدل ساعة واحدة ربما يصل إلى جميع المدن والأمصار ويبقى على مر الدهور والأعصار ، وقال بعض الأكابر : لو علمت أنه يستجيب

ـــــــــــــــــ

(1) البائقة : الداهية والشر . ويقال : رفعت بائقة فلان أي غائلته وشره ، جمعه بوائق .

الصفحة 99

لي دعوة واحدة لخصصتها بإصلاح حال السلطان حتى يعم نفعه .

تنوير : لا حاجة إلى العدالة مع رابطة المحبة

لو استحكمت رابطة المحبة وعلاقة المودة بين الناس لم يحتاجوا إلى سلسلة العدالة ، فإن أهل الوداد والمحبة في مقام الإيثار ولو كان بهم خصاصة ، فكيف يجور بعضهم على بعض . والسر أن رابطة المحبة أتم وأقوى من رابطة العدالة ، لأن المحبة وحدة طبيعية جبلية ، والعدالة وحدة قهرية قسرية . على أنها لا تنتظم بدون المحبة ، لكونها باعثة للإيجاد ، كما أشير إليه في الحديث القدسي : كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف . فالمحبة هو السلطان المطلق ، والعدالة نائبها وخليفتها (1) .

وصل: التكميل الصناعي لاكتساب الفضائل على طبق ترتيب الكمال الطبيعي

لاكتساب الفضائل ترتيب ينبغي أن لا يتعدى عنه . وبيان ذلك : أن مبادئ الحركات المؤدية إلى الكمالات : إما طبيعية كحركة النطفة في الأطوار المختلفة إلى بلوغ كمال الحيوانية ، أو صناعية كحركة الخشب بتوسط الآلات إلى بلوغ كمال السريرية . ثم الطبيعية وتحريكاتها لاستنادها إلى المبادئ العالية تكون متقدمة على الصناعية المستندة إلى الإنسان ، ولما كان كمال الثواني أن تتشبه بالأوائل ، ينبغي أن تقتدي الصناعية في تحريكاتها المؤدية إلى كمالها بالطبيعية . وإذ ثبت ذلك فاعلم : أن تهذيب الأخلاق لما كان أمرا صناعيا لزم أن يقتضي في تحصيله من حيث الترتيب بأفعال الطبيعة في ترتيب حصولها ، فنقول : لا ريب في أن أول ما يحصل في الطفل قوة طلب الغذاء ، وإذا زادت تلك القوة يبكي ويرفع صوته لأجل الغذاء ، وإذا قويت حواسه وتمكن من حفظ

ـــــــــــــــــ

(1) ولذلك إن الشريعة الإسلامية أول ما دعت فيما دعت إلى الأخوة والتآلف بين الناس ، وكثير من أحكامها مثل الجماعة والجمعة والإيثار والاحسان وتحريم الغيبة والنبز ونحو ذلك تستهدف إيجاد رابطة الحب بين الشعوب والقبائل والأفراد ، ليستغنوا عن الأخذ بقانون العدل الصارم المر .

الصفحة 100

بعض الصور يطلب صورة الأم أو الظئر (1) ، وجميع ذلك متعلق بالقوة الشهوية . ونهاية هذه القوة وكمالها أن يتم ما يتعلق بالشخص من الأمور الشهوية وينبعث منه الميل إلى استبقاء النوع ، فيحدث ميل النكاح والوقاح . ثم تظهر فيه آثار القوة الغضبية حتى يدفع عن نفسه ما يؤذيه ولو بالاستعانة بغيره . وغاية كمال هذه القوة حصول التمكن من حفظ الشخص والإقدام على حفظ النوع ، فيحدث فيه الميل إلى ما يحصل به التفوق من أصناف الرئاسات والكرامات . ثم تظهر فيه آثار قوة التمييز وتتزايد إلى أن يتمكن من تعقل الكليات . وهنا يتم ما يتعلق بالطبيعة من التدبير والتكميل ، ويكون ابتداء التكميل الصناعي ، فلو لم يحصل الاستكمال بالكسب والصناعة بقي على هذه الحالة ، ولم يبلغ إلى الكمال الحقيقي الذي خلق الإنسان لأجله ، لأنه لم يخلق أحد مجبولا على الإنصاف بجميع الفضائل الخلقية إلا من أيد من عند الله بالنفس القدسية ، وإن كان بعض الناس أكثر استعدادا لتحصيل بعض الكمالات من بعض آخر ، فلا بد لجل الأنام في تكميل نفوسهم من الكسب والاستعلام . فظهر مما ذكر : إن الطبيعة تولد أولا قوة الشهوة ، ثم قوة الغضب ، ثم قوة التمييز ، فيجب أن يقتدى به في التكميل الصناعي ، فيهذب أولا القوة الأولى ليكتسب العفة ، ثم الثانية ليتصف بالشجاعة ، ثم الثالثة ليتحلى بالحكمة ، فمن حصل بعض الفضائل على الترتيب الحكمي كان تحصيل الباقي له في غاية السهولة ، ومن حصله لا على الترتيب ، فلا يظن أن تحصيل الباقي حينئذ متعذر بل هو ممكن ، وإن كان أصعب بالنسبة إلى تحصيله بالترتيب ، فإن عدم الترتيب يوجب عسر الحصول لا تعذره ، كما إن الترتيب يوجب يسره لا مجرد إمكانه . فلا يترك السعي والجد في كل حال ولا ييأس من رحمة الله الواهب المتعال ، وليشمر ذيل الهمة على منطقة الطلب حتى ييسر الله له الوصول إلى ما هو المقصد والمطلب . ثم الفضيلة إن كانت حاصلة لزم السعي في حفظها وإبقائها ، وإن لم تكن حاصلة بل كان ضدها حاصلا وجب تحصيلها بإزالة الضد . ولذا كان فن الأخلاق على قسمين : (أحدهما) راجع إلى حفظ الفضائل ، (وثانيهما)

ـــــــــــــــــ

(1) يريد بها المرضعة .

الصفحة 101

نافع في دفع الرذائل ، فيكون شبيها بعلم الطب ، من حيث انقسامه إلى قسمين : (أحدهما) في حفظ الصحة ، (وثانيهما) في دفع المرض ، ولذا يسمى طبا روحانيا ، كما إن الطب المتعارف يسمى طبا جسمانيا . ومن هنا كتب جالينوس إلى روح الله (ع) : من طبيب الأبدان إلى طبيب النفوس . فكما إن لكل من حفظ الصحة ودفع المرض في الطب الجسماني عاجلا خاصا ، فكذلك لكل من حفظ الفضائل وإزالة الرذائل في الطب الروحاني معالجات معينة ، كما نذكره إن شاء الله تعالى .


الصفحة 102

الباب الثالث

في طريق حفظ اعتدال الأخلاق المحمودة

واستحصالها بإزالة نقائضها المذمومة

الطريق لحفظ اعتدال الفضائل - قانون العلاج في الطب الروحاني - طريقة معرفة الأمراض النفسية - المعالجات الكلية لأمراض النفس - المعالجات الخاصة لأمراض النفس . وله أربعة مقامات : (الأول) ما يتعلق بالقوة العاقلة من الرذائل والفضائل وكيفية علاج الرذائل (الثاني) ما يتعلق بالقوة الغضبية من الرذائل والفضائل وكيفية العلاج . (الثالث) ما يتعلق بالقوة الشهوية من الرذائل والفضائل وكيفية العلاج . (الرابع) ما يتعلق بالقوى الثلاث أو باثنتين منها .


الصفحة 103

وفيه فصول (1) :

فصل الطريق لحفظ اعتدال الفضائل

قد تقرر في الطب الجسماني أن حفظ الصحة بإيراد المثل وملائم المزاج ، فيجب أن يكون حفظ اعتدال الفضائل أيضا بذلك . وإيراد المثل لحفظ اعتدالها يكون بأمور : منها اختيار مصاحبة الأخيار ، والمعاشرة مع أولي الفضائل الخلقية ، واستماع كيفية سلوكهم مع الخالق والخليقة ، والاجتناب عن مجالسة الأشرار وذوي الأخلاق السيئة ، والاحتراز عن استماع قصصهم وحكاياتهم وما صدر عنهم من الأفعال ومزخرفاتهم ، فإن المصاحبة مع كل أحد أقوى باعث على الاتصاف بأوصافه ، فإن الطبع يسترق من الطبع كلا من الخير والشر . والسر : أن النفس الإنسانية ذات قوى بعضها يدعو إلى الخيرات والفضائل وبعضها يقتضي الشرور والرذائل ، وكلما حصل لأحدهما أدنى باعث لما تقتضيه جبلته مال إليه وغلب على صاحبه إلى الخير ، ولكون دواعي الشر من القوى أكثر من بواعث الخير منها ، يكون الميل إلى الشر أسرع وأسهل بالنسبة إلى الميل إلى الخير ، ولذا قيل : إن تحصيل الفضائل بمنزلة الصعود إلى الأعالي ، وكسب الرذائل بمثابة النزول منها . وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وآله وسلم : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات . ومنها أعمال القوى في شرائف الصفات ، والمواظبة على الأفعال التي هي آثار فضائل الملكات ، وحمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق الذي يريد حفظه ، فالحافظ لملكة الجود يجب أن يواظب على إنفاق المال وبذله على المستحقين ، ويقهر على نفسه عند وجدان ميلها إلى الامساك ، والحافظ لملكة الشجاعة يجب ألا يترك الإقدام في الأخطار والأهوال بشرط إشارة العقل ، ويغضب على نفسه عند وجدان الجبن منها . وهكذا الحال في سائر الصفات . وهذا بمثابة الرياضة الجسمانية في حفظ الصحة البدنية .

ـــــــــــــــــ

(1) هذه الفصول كتمهيد للمقامات الأربعة التي تتعلق بالعلاج الخاص لذمائم الأخلاق .

الصفحة 104

ومنه أن يقدم التروي على كل ما يفعله ، لئلا تصدر عنه غفلة خلاف ما تقتضيه الفضيلة . ولو صدر عنه أحيانا خلاف مقتضاها ، فليؤدب نفسه بارتكاب ما يضاده ، ويشق عليها عقوبة ، بعد تعييرها وتوبيخها ، كما إذا أكل ما يضره من المطاعم فليؤدبها بالصوم ، وإذا صدر عنه غضب مذموم في واقعة فليؤدبها بإيقاعها في مثلها مع الصبر عليها ، أو في معرض إهانة السفهاء حتى يكسر جاهه أو يؤديها بارتكاب ما يشق عليها من النذر والصدقة وغير ذلك . وينبغي ألا يترك الجد والسعي في التحصيل والحفظ وإن بلغ الغاية ، لأن التعطيل يؤدي إلى الكسالة وهي إلى انقطاع فيوضات عالم القدس ، فتنسلخ الصورة الإنسانية وتحصل الهلاكة الأبدية ، والسعي يوجب ازدياد تجرد النفس وصفائها والأنس بالحق والألف بالصدق (1) ، فيتنفر عن الكذب والباطل ، ويتصاعد في مدارج الكمالات ومراتب السعادات ، حتى تنكشف له الأسرار الإلهية والغوامض الربانية ، ويتشبه بالروحانيات القادسة ، وينخرط في سلك الملائكة المقدسة . ويجب أن يكون سعيه في أمور الدنيا بقدر الضرورة ، ويحرم على نفسه تحصيل الزائد ، لأنه لا شقاوة أشد من صرف الجوهر الباقي النوراني في تحصيل الخزف الفاني الظلماني الذي يفوت عنه وينتقل إلى أعدائه من الوراث وغيرهم . ومنها أن يحترز عما يهيج الشهوة والغضب رؤية وسماعا وتخيلا ، ومن هيجهما كمن هيج كلبا عقورا أو فرسا شموسا ، ثم يضطر إلى تدبير الخلاص عنه . وإذا تحركنا بالطبع فليقتصر في تسكينهما بما يسد الخلة ولا ينافي حفظ الصحة ، وهو القدر الذي جوزه العقل والشريعة . ومنها أن يستقصي في طلب خفايا عيوب نفسه ، وإذا عثر على شيء منها اجتهد في إزالته . ولما كانت النفس عاشقة لصفاتها وأفعالها ، فكثيرا ما يخفى عليها بعض عيوبها ، فيلزم على كل طالب للصحة وحافظها أن يختار بعض أصدقائه ليتفحص عن عيوبه ويخبره بما اطلع عليه ، وإذا أخبره بشيء منها فليفرح وليبادر إلى إزالته حتى يثق صديقه بقوله ، ويعلم أن إهداء شيء من عيوبه إليه أحسن عنده من كل ما يحبه ويهواه ، وربما كان العدو

ـــــــــــــــــ

(1) كذا في النسخ . والصحيح للصدق

الصفحة 105

في هذا الباب أنفع من الصديق ، لأن الصديق ربما يستر العيب ولا يظهره ، والعدو مصر على إظهاره ، بل ربما يتجاوز إلى البهتان ، فإذا أظهر الأعداء عيوبه فليشكر الله على ذلك وليبادر إلى رفعها وقمعها . ومما ينفع في المقام أن يجعل صور الناس مرايا لعيوبه ويتفقد عيوبهم ، وإذا عثر على عيب منهم تأمل في قبحه ، ويعلم أن هذا العيب إذا صدر عنه يكون قبيحا ويدرك غيره هذا القبح ، فليجتهد في إزالته . وينبغي أن يحاسب نفسه في آخر كل يوم وليلة ، ويتفحص عن جميع ما صدر من الأفعال فيهما ، فإن لم يصدر عنه شيء من القبائح والذمائم فليحمد الله على حسن تأييده ، وإن صدر عنه شيء من ذلك فليعاتب نفسه ويتوب ، ويجتهد في ألا يصدر عنه بعد ذلك مثله .

قانون العلاج في الطب الروحاني (تنبيه):

قد تبين أن للطلب الروحاني أسوة بالطب الجسماني . والقانون في معالجة الأمراض الجسمانية أن يعرف جنس المرض أولا ، ثم الأسباب والعلامات ، ثم يبين كيفية العلاج . والعلاج فيه إما كلي يتناول جميع الأمراض ، أو جزئي يختص بمرض دون مرض ، فكذلك الحال في الطب الروحاني . ونحن نشير إلى ذلك في فصول :

فصل طريق معرفة الأمراض النفسانية

الأمراض النفسانية هي انحرافات الأخلاق عن الاعتدال . وطريق معرفتها : أنك قد عرفت أن القوى الإنسانية محصورة في أنواع ثلاثة : (أحدها) قوة التمييز ، (وثانيها) قوة الغضب ويعبر عنها بقوة الدفع ، (وثالثها) قوة الشهوة ويعبر عنها بقوة الجذب . وانحراف كل منها إما في الكمية أو في الكيفية ، والانحراف في الكمية إما للزيادة من الاعتدال أو للنقصان عنه . والانحراف في الكيفية إنما يكون برداءتها . فأمراض كل قوة إما بحسب الإفراط أو التفريط ، أو بحسب رداءة الكيفية . فالافراط في قوة التمييز : كالجربزة والدهاء ، والتجاوز عن حد النظر ،


الصفحة 106

والمبالغة في التنقير (1) ، والتوقف في غير موضعه للشبه الواهية ، والحكم على المجردات بقوة الوهم . وأعمال الذهن في إدراك ما لا يمكن دركه ، والتفريط فيه كالبلاهة ، وقصور النظر عن درك مقدار الواجب ، كإجراء أحكام المحسوسات على المجردات . والرداءة كالسفسطة في الاعتقاد ، والميل إلى العلوم الغير اليقينية - كعلم الجدل والخلاف - أزيد مما يميل إلى اليقينيات ، واستعمالهما في مقام اليقينيات ، والشوق إلى علم الكهانة والشعبذة وأمثالهما للوصول إلى الشهوات الخسيسة . وأما الإفراط في قوة الدفع : كشدة الغضب والغيظ وفرط الانتقام بحيث يتشبه بالسباع . وأما التفريط : كعدم الغيرة والحمية والتشبه بالأطفال والنسوان في الأخلاق والصفات . وأما الرداءة فيها : كالغيظ على الجمادات والبهائم أو على الناس لا بسبب موجب للانتقام . وأما الإفراط في قوة الجذب : فكالحرص على الأكل والجماع أزيد من قدر الضرورة . والتفريط فيه : فكالفتور عن تحصيل الأقوات الضرورية وتضييع العيال والخمود عن الشهوة حتى ينقطع عنه النسل . أما الرداءة فيها : كشهوة الطين والميل إلى مقاربة الذكور . ثم إنك قد عرفت أن أجناس الفضائل أربعة ، فأجناس الرذائل بحسب الكمية ثمانية ، لكل فضيلة ضدان كل منهما ضد للآخر ، وبحسب الكيفية أربعة ، ويحصل من تركيبها وامتزاجها أنواع وأصناف لا يعد كثرة ، كما عرفت أكثرها .

فصل أسباب الأمراض النفسانية

إعلم أن أسباب الانحراف في الأخلاق ، إما نفسية حاصلة في النفس في بدو فطرتها ، أو حادثة من مزاولتها للأعمال الردية ، أو جسمية - وهي الأمراض الموجبة لبعض الملكات الردية - والسر في ذلك أن النفس لما كانت متعلقة بالبدن علاقة ارتباطية ، فيتأثر كل منهما بتأثر الآخر ، وكل كيفية تحدث في أحدهما تسري في الآخر ، كما أن غضب النفس أو تعشقها يوجب اضطراب البدن وارتعاشه ، وتأثر البدن بالأمراض ، (لا) سيما إذا حدثت

ـــــــــــــــــ

(1) التنقير : البحث والتتبع .

الصفحة 107

في الأعضاء الرئيسية يوجب النقص في إدراك النفس وفساد تخيلها . وكثيرا ما يحدث من بعض الأمراض السوداوية فساد الاعتقاد والجبن وسوء الظن ، ومن بعضها التهور ، ويحصل من أكثر الأمراض سوء الخلق .

فصل المعالجات الكلية لمرض النفس

سبب الانحراف إن كان مرضا جسمانيا فيجب أن يبادر إلى إزالته بالمعالجات الطبية ، وإن كان نفسانيا فالمعالجة الكلية هنا كالمعالجة الكلية في الطب الجسماني . والمعالجة الكلية فيه أن يعالج المرض أولا بالغذاء الذي هو ضد المرض طبعا ، كأن يعالج المرض البارد بالغذاء الحار ، فإن لم ينفع فبالدواء ، وإن لم ينجع فبالسمومات ، وإن لم يحصل بها البرء فبالكي أو القطع ، وهو آخر العلاج . فالقانون الكلي في المعالجة هنا أيضا كذلك ، وهو أن يبادر بعد معرفة الانحراف إلى تحصيل الفضيلة التي هي ضده ، والمواظبة على الأفعال التي هي آثارها ، وهذا بمنزلة الغذاء المضاد للمرض . فكما أن حصول الحرارة في المزاج يدفع البرودة الحادثة فيه ، فكذا كل فضيلة تحدث في النفس تزيل الرذيلة التي هي ضدها . فإن لم ينفع فليوبخ النفس ويعيرها على هذه الرذيلة فكرا أو قولا أو عملا ، ويعاتبها ويخاطبها بلسان الحال والمقال : أيتها النفس الأمارة قد هلكت وتعرضت لسخط الله وغضبه ، وعن قريب تعذبين في النار مع الشياطين والأشرار . فإن لم يؤثر ذلك فليرتكب آثار الرذيلة التي هي ضد هذه الرذيلة ، بشرط محافظة التعديل ، فصاحب الجبن مثلا يعمل أعمال المتهورين ، فيخوض في المخاوف والأهوال ويلقي نفسه في موارد الحذر والأخطار . وصاحب البخل يكثر من بذل الأموال ، بشرط أن يكف إذا قرب زوال الجبن والبخل لئلا يقع في التهور والإسراف ، وهذا بمنزلة المداواة بالسم . فإن لم ينفع ذلك لقوة استحكام المرض فليعذب النفس بأنواع التكاليف الشاقة والرياضات المتعبة المضعفة للقوة الباعثة على هذه الرذيلة ، وهذا بمثابة الكي والقطع ، وهو آخر العلاج .

المعالجات الخاصة لمرض النفس

تنبيه لما عرفت المعالجة الكلية الشاملة لجميع الرذائل بأجناسها


الصفحة 108

وأنواعها وأصنافها ، فلنشتغل الآن ببيان معالجة كل من الرذائل بخصوصه . وقد عددنا قبل ذلك ما يتعلق بالقوى الثلاث من الرذائل وأضدادها من الفضائل مما له اسم مشهور ، فههنا نذكر معالجة كل رذيلة بخصوصها ، ونذيله بذكر ما يضادها من الفضيلة ، وما ورد في مدحها عقلا ونقلا ، لأن العلم بمعرفة كل فضيلة وحسنة أعون شيء على إزالة ما يضادها من الرذيلة . وربما كانت جملة من الرذائل المختلفة في الاسم مشتركة في المعالجة ، وربما كان للرذائل أو الفضائل المتعددة ضد واحد منها ، فنحن نشير إلى ذلك ، ونشير أيضا في تلو كل رذيلة وفضيلة إلى ما يتولد منهما من أفعال الجوارح مع معالجته - إن كان له ذلك - ونراعي الترتيب المذكور في مقام الإجمال : فنذكر أولا ما يتعلق بالقوة العاقلة من الجنسين وأنواعهما ، ثم ما يتعلق بالقوة الغضبية ، ثم ما يتعلق بالشهوية ، ثم ما يتعلق بالثلاث والاثنين منها ، فهنا أربعة مقامات :

المقام الأول

في معالجة الرذائل المتعلقة بالقوة العاقلة

الجربزة وعلاجها - الجهل البسيط وعلاجه - شرف العلم والحكمة - آداب التعلم والتعليم - العلم الإلهي والأخلاق والفقه أشرف العلوم - أصول العقائد المجمع عليها - الجهل المركب والشك - اليقين - علامات صاحبه - مراتب اليقين - الشرك - التوحيد - التوكل على الله - حق التوكل بماذا يحصل - مناجاة السر لأرباب القلوب - الخواطر النفسانية والوساوس - أقسام الخواطر ومنها الإلهام - المطاردة بين جندي الملائكة والشياطين في معركة النفس - العلائم الفارقة بين الإلهام والوسوسة - علاج الوساوس - ما يتم به علاج الوساوس - ما يتوقف قطع الوساوس عليه - حديث النفس لا مؤاخذة عليه - الخاطر المحمود والتفكر - مجاري التفكر في العوالم والمخلوقات .


الصفحة 109

أما جنسا رذائلها (1) (فأولهما) : الجربزة الموجبة للخروج في الفكر عن الحد اللائق وعدم استقالة الذهن على شيء ، بل لا يزال يستخرج أمورا دقيقة غير مطابقة للواقع ويتجاوز عن الحق ولا يستقر عليه ، وربما أدى في العقليات إلى الإلحاد وفساد الاعتقاد ، بل إلى نفي حقائق الأشياء رأسا كما للسوفسطائية ، وفي الشرعيات إلى الوساوس . (وعلاجه) بعد تذكر قبحه وإيجابه للهلاك ، أن يكلف نفسه على الاستقامة على مقتضى الأدلة المعتبرة عند أولي الأفهام المستقيمة ، ولا يتجاوز عن معتقدات أهل الحق المعروفين بالتحقيق واستقامة القريحة ، ولا يزال يكلف نفسه على ذلك حتى يعتاد القيام على الوسط . وربما كان للاشتغال بالتعليمات نفع في ذلك . (وثانيهما) : الجهل البسيط وقد عرفت أنه من باب التفريط ، وهو خلو النفس عن العلم من دون اعتقاد بكونها عالمة . وهو في البداية غير مذموم لتوقف التعلم عليه ، إذ ما لم تعتقد النفس جهلها بالمعارف لم تنتهض لتحصيلها . وأما الثبات عليه فهو من المهلكات العظيمة . والطريق في إزالته أمور : (الأول) أن يتذكر ما يدل على قبحه ونقصه عقلا ، وهو أن يعلم أن الجاهل ليس إنسانا بالحقيقة ، وإنما يطلق عليه الإنسان مجازا ، إذ فضل الإنسان عن سائر الحيوانات إنما هو إدراك الكلي المعبر عنه بالعلم ، لمشاركتها معه في سائر الأمور من الجسمية والقوى الغضبية والشهوية والصوت وغير ذلك ، فلولا علمه بحقائق الأشياء وخواصها لكان حيوانا بالحقيقة ، ولذا ترى أن من كان في محل محاورات العلماء وكان جاهلا بأقوالهم لم يكن فرق بينه وبين البهائم بالنسبة إليهم . وأي هلاك أعظم من الخروج عن حدود الإنسانية والدخول في حد البهيمية . (الثاني) أن يتذكر ما ورد في الشريعة من الذم عليه مثل قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ستة يدخلون في النار

ـــــــــــــــــ

(1) أي القوة العاقلة .

الصفحة 110

قبل الحساب لستة وعد منهم أهل الرساتيق بالجهالة . (الثالث) أن يتذكر ما يدل على فضيلة العلم عقلا ونقلا كما نذكره . وإذا وقف على جميع ذلك فليتيقظ عن سنة الغفلة ، ويصرف في إزالته الهمة ، ويجتهد في تحصيل العلم عن أهاليه ، ويصرف فيه أيامه ولياليه .

فصل شرف العلم والحكمة

قد علم أن ضد الجنسين - أي الجربزة والسفسطة والجهل - هو الحكمة ، أعني العلم بحقائق الأشياء . فلنذكر أولا بعض ما يدل على شرافته عقلا ونقلا ، ترغيبا للطالبين على السعي في تحصيله وإزالة الجهل عن نفوسهم ، فنقول : لا ريب في أن العلم أفضل الفضائل الكمالية وأشرف النعوت الجمالية ، بل هو أجل الصفات الربوبية وأجمل السمات الألوهية ، وهو الموصل إلى جوار رب العالمين والدخول في أفق الملائكة المقربين ، وهو المؤدي إلى دار المقامة التي لا تزول ومحل الكرامة التي لا تحول ، وقد تطابق العقل والبرهان وإجماع أرباب الأديان على : أن السعادة الأبدية والقرب من الله سبحانه لا يتيسران بدونه ، وأي شيء أفضل مما هو ذريعة إليهما . وأيضا قد ثبت في الحكمة المتعالية : إن العلم والتجرد متلازمان ، فكلما تزداد النفس علما تزداد تجردا ، ولا ريب في أن التجرد أشرف الكمالات المتصورة للانسان ، إذ به يحصل التشبه بالملأ الأعلى وأهل القرب من الله تعالى . ومن جملة العلوم معرفة الله التي هي السبب الكلي لإيجاد العلم العلوي والسفلى ، كما دل عليه الخبر القدسي : كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق . على أن العلم لذيذ في نفسه محبوب في ذاته ، وما يحصل منه من اللذة والابتهاج فلما يحصل من غيره . والسر فيه أن إدراك الأشياء والإحاطة بها نوع تملك وتصرف لها ، إذ تتقرر في ذات المدرك حقائقها وصورها ، ومثل هذا التملك لدوامه وجزئية المدرك للمدرك أقوى من ملكية الأعيان المبائنة لذات المالك الزائلة عنه . والتحقيق : أن إطلاق الملكية عليه مجازي ، والنفس لكونها من سنخ عالم الربوبية تحب القهر والاستيلاء على


الصفحة 111

الأشياء والمالكية لها بأي نحو كان ، إذ معنى الربوبية التوحيد بالكمال والاقتدار والغلبة على الأشياء . ثم من فوائد العلم في الدنيا العز والاعتبار عند الأخيار والأشرار ، ونفوذ الحكم على الملوك وأرباب الاقتدار ، فإن طباع الأنام من الخاص والعام مجبولة على تعظيم أهل العم وتوقيرهم ووجوب إطاعتهم واحترامهم ، بل جميع الحيوانات من البهائم والسباع مطيعة للانسان مسخرة له ، لاختصاصه بقوة الإدراك ومزيد التمييز . ولو تصت آحاد الناس لم تجد أحدا له تفوق وزيادة على غيره في جاه أو مال أو غير ذلك إلا وهو راجع إلى اختصاصه بمزيد تمييز وإدراك ، ولو كان من باب المكر والحيل . هذا وما يدل على شرافة العلم من الآيات والأخبار أكثر من أن تحصى . نبذة منها قوله تعالى : (إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (1) . وقوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (2) . وقوله تعالى : ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (3) . وقوله تعالى : (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلّا الْعَالِمُونَ) (4) . وقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : اللهم ارحم خلفائي . قيل : يا رسول الله : من خلفاؤك ؟ قال : الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي . وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - لأبي ذر : جلوس ساعة عند مذاكرة العلم أحب إلى الله تعالى من قيام ألف ليلة يصلى في كل ليلة ألف ركعة وأحب إليه من ألف غزوة ، ومن قراءة القرآن كله اثنى عشر

ـــــــــــــــــ

(1) الفاطر ، الآية : 28 .
(2) الزمر ، الآية : 9 .
(3) البقرة ، الآية : 269 .
(4) العنكبوت ، الآية : 43 .

الصفحة 112

ألف مرة ، وخير من عبادة سنة صام نهارها وقام ليلها ، ومن خرج من بيته ليلتمس باب من العلم كتب الله عز وجل له بكل قدم ثواب نبي من الأنبياء ، وثواب ألف شهيد من شهداء بدر ، وأعطاه الله بكل حرف يسمع أو يكتب مدينة في الجنة ، وطالب العلم يحبه الله وتحبه الملائكة والنبيون ، ولا يحب العلم إلا السعيد ، وطوبى لطالب العلم ، والنظر في وجه العالم خير من عتق ألف رقبة ، ومن أحب العلم وجبت له الجنة ، ويصبح ويمسي في رضى الله ، ولا يخرج من الدنيا حتى يشرب من الكوثر ويأكل من ثمرة الجنة ، ولا يأكل الدود جسده ، ويكون في الجنة رفيق خضر (ع) . وقول أمير المؤمنين : إن كمال الدين طلب العلم والعمل به ، وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، وإن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم ، وقد ضمنه وسيفي لكم ، والعلم مخزون عند أهله فاطلبوه . وقوله (ع) : إذا مات مؤمن وترك ورقة واحدة عليها علم ، تكون تلك الورقة سترا بينه وبين النار ، وأعطاه الله بكل حرف عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرات . وقول سيد الساجدين علي بن الحسين - عليهما السلام - : لو يعلم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ، ولو بسفك المهج وخوض اللجج . وقول الباقر (ع) : عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد . وقول الصادق لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله تعالى ما مدوا أعينهم إلى ما متع به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها ، وكانت دنياهم أقل عندهم مما يطؤن بأرجلهم ، ولتنعموا بمعرفة الله وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله . إن معرفة الله تعالى أنس من كل وحشة ، وصاحب من كل وحدة ، ونور من كل ظلمة ، وقوة من كل ضعف ، وشفاء من كل سقم ، قد كان قوم قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون وتضيق عليهم الأرض برحبها ، فما يردهم عماهم عليه شيء مما هو فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى بما نقموا منهم : (إِلّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (1) .

ـــــــــــــــــ

(1) البروج ، الآية : 8 .

الصفحة 113

فاسألوا ربكم درجاتهم ، واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم . وعن الرضا (ع) عن آبائه - عليهم السلام - عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : طلب العلم فريضة على كل مسلم ، فاطلبوا العلم في مظانه ، واقتبسوه من أهله ، فإن تعلمه لله تعالى حسنة ، وطلبه عبادة ، - والمذاكرة به تسبيح ، والعمل به جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة إلى الله ، لأنه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبيل الجنة ، والمؤنس في الوحشة ، والصاحب في الغربة والوحدة ، والمحدث في الخلوة ، والدليل على السراء والضراء ، والسلاح على الأعداء . والزبن عند الأخلاء ، يرفع الله به أقواما ، ويجعلهم في الخير قادة ، تقتبس آثارهم ، ويقتدى بأفعالهم ، وينتهى إلى آرائهم ، ترغب الملائكة في خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم وفي صلاتها تبارك عليهم ، ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه . إن العلم حياة القلوب من الجهل ، وضياء الأبصار من الظلمة ، وقوة الأبدان من الضعف ، يبلغ بالعبد منازل الأخيار ومجالس الأبرار والدرجات العلى في الآخرة والأولى . الذكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام . وبه يطاع الرب ويعبد ، وبه توصل الأرحام ، ويعرف الحلال والحرام . العلم إمام والعمل تابعه ، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء ، فطوبى لمن لم يحرمه الله من حظه .

آداب التعلم والتعليم (تنبيه):

لكل من التعلم والتعليم آداب وشروط : (أما آداب التعلم) : (فمنها) أن يجتنب المتعلم عن اتباع الشهوات والهوى والاختلاط بأبناء الدنيا . ولقد قال بعض الأكابر : كما أن الحاسة الجليدية إذا كانت مؤوفة برمد ونحوه فهي محرومة من الأشعة الفائضة عن الشمس ، كذلك البصيرة إذا كانت مؤوفة بمتابعة الشهوات والهوى والمخالطة بأبناء الدنيا فهي محرومة من إدراك الأنوار القدسية ومحجوبة عن ذوق اللذات الإنسية . (ومنها) أن يكون تعلمه لمجرد التقرب إلى الله والفوز بالسعادات


الصفحة 114

الأخروية ، ولم يكن باعثه شيئا من المراء والمجادلة ، والمباهاة والمفاخرة ، والوصول إلى جاه ومال ، أو التفوق على الأقران والأمثال . قال الباقر عليه السلام : من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس فليتبوأ مقعده من النار ، إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها . وقال الصادق (ع) : طلبة العلم ثلاثة ، فأعرفهم بأعيانهم وصفاتهم : صنف يطلبه للجهل (1) والمراء ، وصنف يطلبه للاستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل . فصاحب الجهل والمراء مؤذ ممار ، متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم ، وقد تسر بل بالخشوع وتخلى من الورع ، فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه . وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق ، يستطيل على مثله من أشباهه ، ويتواضع للأغنياء من دونه ، فهو لحلوانهم (2) هاضم ولدينه حاطم ، فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره . وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر ، قد تحنك في برنسه وقام الليل في حندسه ، يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقيلا على شأنه عارفا بأهل زمانه مستوحشا من أوثق أخوانه ، فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه . (ومنها) أن يعمل بما يفهم ويعلم ، فإن من عمل بما يعلم ورثه الله ما لم يعلم . وقال الصادق (ع) : العلم مقرون إلى العمل ، من علم عمل ، ومن عمل علم ، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه . وعن السجاد (ع) : مكتوب في الإنجيل : لا تطلبوا علم ما لا تعملون ولما تعملوا بما علمتم ، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفرا ولم يزدده من الله إلا بعدا . وعن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : من أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجا ، ومن أراد به الدنيا فهي حظه . وعنه

ـــــــــــــــــ

(1) (الجهل) هنا بمعنى الجفاء والغلظة .
(2) قال الشيخ (ملا صالح المازندراني) تعليقته على أصول الكافي عن هذا الحديث الحلوان - بضم الحاء المهملة وسكون اللام - ما تأخذه الحكام والقضاة والكاهن من الأجر والرشوة على أعمالهم ، يقال : حلوته أحلوه حلوانا ، فهو مصدر كالغفران ، ونونه زائدة ، وصله من الحلاوة ، وفي بعض النسخ (بحلوائهم) - بالهمزة بعد الألف - والحلوا . - بالمد والقصر - ما يتخذ من الحلاوة .

الصفحة 115

- صلى الله عليه وآله وسلم : العلماء رجلان : رجل عالم أخذ بعلمه فهذا تاج ، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك ، وأن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه ، وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله فاستجاب له وقبل منه ، فأطاع الله فأدخله الجنة ، وأدخل الداعي النار بترك عمله (1) واتباعه الهوى وطول الأمل ، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق وطول الأمل ينسي الآخرة . (ومنها) أن يحافظ شرائط الخضوع والأدب للمعلم ، ولا يرد عليه شيئا بالمواجهة ، ويكون محبا له يقلبه ، ولا ينسى حقوقه ، لأنه والده المعنوي الروحاني ، وهو أعظم الآباء الثلاثة . قال الصادق (ع) : أطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار ، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم ، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم ، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم . هذا وقد أشرنا سابقا إلى أن اللازم لكل متعلم أن يطهر نفسه أولا من رذائل الأخلاق وذمائم الأوصاف بأسرها ، إذ ما لم يجرد لوح نفسه عن النقوش الردية لم تشرق عليه لمعات أنوار العلم والحكمة من ألواح العقول الفعالة القدسية . (فمنها) أن يخلص المعلم تعليمه لله سبحانه ولم يكن له فيه باعث دنيوي من طمع مالي أو جاه ورئاسة أو شهرة بين الناس ، بل يكون الباعث مجرد التقرب إلى الله تعالى والوصول إلى المثوبات الأبدية ، فإن من علم غيره علما كان شريكا في ثواب تعليم هذا الغير لآخر ، وفي ثواب تعليم هذا الآخر لغيره . . . وهكذا إلى غير النهاية ، فيصل بتعليم واحد إلى مثوبات التعاليم الغير المتناهية ، وكفى بهذا له فضلا وشرفا . (ا ومنه) أن يكون مشفقا على المتعلم ناصحا له ، مقتصرا في الإفادة على قدر فهمه ، متكلما معه باللين والهشاشة لا بالغلظة والفظاظة . (ومنها) أن لا يضمن العلم من أهله ويمنعه عن غير أهله ، لأن بذل

ـــــــــــــــــ

(1) صححناه على بعض نسخ أصول الكافي المصححة وفي نسخ جامع السعادات هكذا : (بتركه علمه) .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةاعلى