|
الصفحة 96
لظهر فخر الثقلين صلى الله عليه وآله وسلم . وكن في العمل متوسطا بين حفظ الظاهر
والباطن ، فلا تكن في باطنك خبيثا وظاهرك نقيا ، حتى تكون كشوهاء ملبسة بزي حوراء
مدلسة بأنواع التدليسات ، ولا بالعكس لتكون مثل درة ملوثة بأقسام القاذورات ، بل
ينبغي أن يكون ظاهرك مرآة لباطنك حتى يظهر من محاسنك بقدر ما اقتضته ملكاتك الفاضلة
الباطنة . وكن في جميع ملكاتك الباطنة وأفعالك الظاهرة متوسطا بين الإفراط والتفريط
على ما يقرع سمعك في هذا الكتاب . ثم كن في العلوم متوسطا بين العلوم الباطنة
العقلية والعلوم الظاهرة الشرعية ، فلا تكن من الذين قصروا أنظارهم على ظواهر
الآيات ولم يعرفوا من حقائق البينات ، يذمون علماء الحقيقة وينسبونهم إلى الإلحاد
والزندقة ، ولا من الذين صرفوا أعمارهم في فضول أهل يونان وهجروا ما جاء به حامل
الوحي والفرقان ، يذمون علماء الشريعة ويثبتون لهم سوء القريحة ، يدعون لأنفسهم
الذكاء والفطانة وينسبون ورثة الأنبياء إلى الجهل والبطالة . ثم كن في العقليات
متوسطا بين طرق العقلاء من غير جمود على واحدة منها بمجرد التقليد أو التعصب ،
فتوسط بين الحكمة والكلام والإشراق والعرفان ، واجمع بين الاستدلال وتصفية النفس
بالعبادة والرياضة ، فلا تكن متكلما صرفا لا تعرف سوى الجدل ، ولا مشائيا محضا أضاع
الدين وأهمل ، ولا متصوفا استراح بدعوى المشاهدة والعيان من دون بينة وبرهان . وكن
في العلوم الشرعية متوسطا بين الأصول والفروع ، فلا تكن إخباريا تاركا للقواعد
القطعية ، ولا أصوليا عاملا بقياسات عامية . وقس على ذلك جميع أمورك الباطنة
والظاهرة ، واعمل به حتى يرشدك إلى طريق السداد ، ويوفقك لاكتساب زاد المعاد .
دفع إشكال
إن قيل : قد تلخص مما ذكر : أن الفضيلة في جميع الأخلاق والصفات إنما هو المساواة
من غير زيادة ونقصان ، مع إنه قد ثبت أن للتفضل محمود وهو زيادة فلا يدخل تحت
العدالة الراجعة إلى المساواة . (قلنا) : التفضل احتياط يقع لتحصيل القطع بعدم
الوقوع في النقصان ، وليس الوسط في طرفين من الأخلاق على نهج واحد ، فإن الزيادة في
السخاء إذا لم يؤد إلى
الصفحة 97
الإسراف أحسن من النقصان عنه ، وأشبه بالمحافظة على شرائطه ، فالتفضل إنما يصدر عن
فضيلة العدالة ، لأنها مبالغة فيها ولا يخرجها عن حقيقتها ، إذ المتفضل من يعطي
المستحق أزيد مما يستحقه ، وهذه الزيادة ليست مذمومة بل هي العدالة مع الاحتياط
فيها ، ولذا قيل : إن المتفضل أفضل من العادل ، والمذموم أن يعطي غير المستحق أو
يترك المساواة بين المستحقين لأنه أنفق فيما لا ينبغي أو على ما لا ينبغي ، وصاحبه
لا يسمى متفضلا بل مضيعا ، ولكون التفضل احتياطا إنما يحسن من الرجل بالنسبة إلى
صاحبه في المعاملة التي بينهما ، ولو كان بين جماعة ولم يكن له نصيب في ما يحكم فيه
لم يسعه إلا العدل المحض ولم يجز له التفضيل .
تتميم
قد تلخص أن حقيقة العدالة أو لازمها أن يغلب العقل الذي هو خليفة الله على جميع
القوى حتى يستعمل كلا منها فيما يقتضي رأيه ، فلا يفسد نظام العالم الإنساني ، فإن
الواجب سبحانه لما ركب الإنسان بحكمته الحقة ومصلحته التامة عن القوى الكثيرة
المتضادة ، فهي إذا تهايجت وتغالبت ولم يقهرها قاهر خير ، حدثت فيه بهيجانها
واضطرابها أنواع الشر ، وجذبه كل واحدة منها إلى ما يقتضيه ويشتهيه ، كما هو الشأن
في كل مركب . وقد شبه المعلم الأول مثله بمن يجذب من جهتين حتى ينقطع وينشق بنصفين
أو من جهات كثيرة فيتقطع بحسبها . فيجب على كل إنسان أن يجاهد حتى يغلب عقله الذي
هو الحكم العدل والخير المطلق على قواه المختلفة ، ليرفع اختلافها وتجاذبها ويقيم
الجميع على الصراط القويم . ثم كل شخص ما لم يعدل قواه وصفاته لم يتمكن من إجراء
أحكام العدالة بين شركائه في المنزل والبلد ، إذ العاجز عن إصلاح نفسه كيف يقدر على
إصلاح غيره ، فإن السراج الذي لا يضئ قريبه كيف يضيئ بعيده ، فمن عدل قواه وصفاته
أولا واجتنب عن الإفراط والتفريط واستقر على جادة في أرضه ، وإذا كان مثله حاكما
بين الناس وكان زمام مصالحهم في قبضة اقتداره ، لتنورت البلاد بأهلها ، وصلحت أمور
العباد بأسرها ، وزاد
الصفحة 98
الحرث والنسل ، ودامت بركات السماء والأرض . وغير خفي أن أشرف وجوه العدالات وأهمها
وأفضل صنوف السياسات وأعمها هو عدالة السلطان ، إذ غيرها من العدالات مرتبطة بها
ولولاه لم يتمكن أحد من رعاية العدالة ، كيف وتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل يتوقف
على فراغ البال وانتظام الأحوال ، ومع جور السلطان أمواج الفتن متلاطمة ، وأفراج
المحن متراكمة ، وعوائق الزمان متزاحمة ، وبوائق (1) الحدثان متصادمة ، وطالبو
الكمال كالحيارى في الصحارى لا يجدون إلى منازله سبيلا ولا إلى جداوله مرشدا ودليلا
، وعرصات العلم والعمل دراسة الآثار ، ومنازلهما مظلمة الأرجاء والأقطار ، فلا يوجد
ما هو الملاك في تحصيل السعادات ، أعني تفرغ الخاطر والاطمئنان وانتظام أمر المعاش
الضروري لأفراد الإنسان . ولذا لو تصت في أمثال زماننا زوايا المدن والبلاد واطلعت
على بواطن فرق العباد ، لم تجد من الألوف واحدا تمكن من إصلاح نفسه ويكون يومه خيرا
من أمسه ، بل لا تجد دينا إلا وهو باك على فقد الإسلام وأهله ، ولا طالبا إلا وهو
لعدم المكنة باق على جهله ، ولعمري أن هذا الزمان هو الزمان الذي أخبر عنه سيد
الأنام وعترته الأبرار الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام من أنه : لا يبقى من
الإسلام إلا اسمه ، ولا من القرآن إلا رسمه . وبالجملة : المناط كل المناط في تحصيل
الكمالات وإخراج النفوس من الجهالات ، هو عدالة السلطان ، واعتناؤه بإعلاء الكلمة ،
وسعيه في ترويج أحكام الدين والملة ، ولذا ورد في الآثار : (إن السلطان إذا كان
عادلا كان شريكا في ثواب كل طاعة تصدر عن كل رعية ، وإن كان جائرا كان سهيما في
معاصيهم) . وقال سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم : أقرب الناس يوم القيامة إلى
الله تعالى الملك العادل وأبعدهم عنه الملك الظالم . وورد عنه صلى الله عليه وآله
وسلم : عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة . والسر أن أثر عدل ساعة واحدة ربما يصل
إلى جميع المدن والأمصار ويبقى على مر الدهور والأعصار ، وقال بعض الأكابر : لو
علمت أنه يستجيب
ـــــــــــــــــ
(1) البائقة : الداهية والشر . ويقال : رفعت بائقة فلان أي غائلته وشره ، جمعه
بوائق .
الصفحة 99
لي دعوة واحدة لخصصتها بإصلاح حال السلطان حتى يعم نفعه .
تنوير : لا حاجة إلى العدالة مع رابطة المحبة
لو استحكمت رابطة المحبة وعلاقة المودة بين الناس لم يحتاجوا إلى سلسلة العدالة ،
فإن أهل الوداد والمحبة في مقام الإيثار ولو كان بهم خصاصة ، فكيف يجور بعضهم على
بعض . والسر أن رابطة المحبة أتم وأقوى من رابطة العدالة ، لأن المحبة وحدة طبيعية
جبلية ، والعدالة وحدة قهرية قسرية . على أنها لا تنتظم بدون المحبة ، لكونها باعثة
للإيجاد ، كما أشير إليه في الحديث القدسي : كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف .
فالمحبة هو السلطان المطلق ، والعدالة نائبها وخليفتها (1) .
وصل: التكميل الصناعي لاكتساب الفضائل على طبق ترتيب الكمال الطبيعي
لاكتساب الفضائل ترتيب ينبغي أن لا يتعدى عنه . وبيان ذلك : أن مبادئ الحركات
المؤدية إلى الكمالات : إما طبيعية كحركة النطفة في الأطوار المختلفة إلى بلوغ كمال
الحيوانية ، أو صناعية كحركة الخشب بتوسط الآلات إلى بلوغ كمال السريرية . ثم
الطبيعية وتحريكاتها لاستنادها إلى المبادئ العالية تكون متقدمة على الصناعية
المستندة إلى الإنسان ، ولما كان كمال الثواني أن تتشبه بالأوائل ، ينبغي أن تقتدي
الصناعية في تحريكاتها المؤدية إلى كمالها بالطبيعية . وإذ ثبت ذلك فاعلم : أن
تهذيب الأخلاق لما كان أمرا صناعيا لزم أن يقتضي في تحصيله من حيث الترتيب بأفعال
الطبيعة في ترتيب حصولها ، فنقول : لا ريب في أن أول ما يحصل في الطفل قوة طلب
الغذاء ، وإذا زادت تلك القوة يبكي ويرفع صوته لأجل الغذاء ، وإذا قويت حواسه وتمكن
من حفظ
ـــــــــــــــــ
(1) ولذلك إن الشريعة الإسلامية أول ما دعت فيما دعت إلى الأخوة والتآلف بين الناس
، وكثير من أحكامها مثل الجماعة والجمعة والإيثار والاحسان وتحريم الغيبة والنبز
ونحو ذلك تستهدف إيجاد رابطة الحب بين الشعوب والقبائل والأفراد ، ليستغنوا عن
الأخذ بقانون العدل الصارم المر .
الصفحة 100
بعض الصور يطلب صورة الأم أو الظئر (1) ، وجميع ذلك متعلق بالقوة الشهوية . ونهاية
هذه القوة وكمالها أن يتم ما يتعلق بالشخص من الأمور الشهوية وينبعث منه الميل إلى
استبقاء النوع ، فيحدث ميل النكاح والوقاح . ثم تظهر فيه آثار القوة الغضبية حتى
يدفع عن نفسه ما يؤذيه ولو بالاستعانة بغيره . وغاية كمال هذه القوة حصول التمكن من
حفظ الشخص والإقدام على حفظ النوع ، فيحدث فيه الميل إلى ما يحصل به التفوق من
أصناف الرئاسات والكرامات . ثم تظهر فيه آثار قوة التمييز وتتزايد إلى أن يتمكن من
تعقل الكليات . وهنا يتم ما يتعلق بالطبيعة من التدبير والتكميل ، ويكون ابتداء
التكميل الصناعي ، فلو لم يحصل الاستكمال بالكسب والصناعة بقي على هذه الحالة ، ولم
يبلغ إلى الكمال الحقيقي الذي خلق الإنسان لأجله ، لأنه لم يخلق أحد مجبولا على
الإنصاف بجميع الفضائل الخلقية إلا من أيد من عند الله بالنفس القدسية ، وإن كان
بعض الناس أكثر استعدادا لتحصيل بعض الكمالات من بعض آخر ، فلا بد لجل الأنام في
تكميل نفوسهم من الكسب والاستعلام . فظهر مما ذكر : إن الطبيعة تولد أولا قوة
الشهوة ، ثم قوة الغضب ، ثم قوة التمييز ، فيجب أن يقتدى به في التكميل الصناعي ،
فيهذب أولا القوة الأولى ليكتسب العفة ، ثم الثانية ليتصف بالشجاعة ، ثم الثالثة
ليتحلى بالحكمة ، فمن حصل بعض الفضائل على الترتيب الحكمي كان تحصيل الباقي له في
غاية السهولة ، ومن حصله لا على الترتيب ، فلا يظن أن تحصيل الباقي حينئذ متعذر بل
هو ممكن ، وإن كان أصعب بالنسبة إلى تحصيله بالترتيب ، فإن عدم الترتيب يوجب عسر
الحصول لا تعذره ، كما إن الترتيب يوجب يسره لا مجرد إمكانه . فلا يترك السعي والجد
في كل حال ولا ييأس من رحمة الله الواهب المتعال ، وليشمر ذيل الهمة على منطقة
الطلب حتى ييسر الله له الوصول إلى ما هو المقصد والمطلب . ثم الفضيلة إن كانت
حاصلة لزم السعي في حفظها وإبقائها ، وإن لم تكن حاصلة بل كان ضدها حاصلا وجب
تحصيلها بإزالة الضد . ولذا كان فن الأخلاق على قسمين : (أحدهما) راجع إلى حفظ
الفضائل ، (وثانيهما)
ـــــــــــــــــ
(1) يريد بها المرضعة .
الصفحة 101
نافع في دفع الرذائل ، فيكون شبيها بعلم الطب ، من حيث انقسامه إلى قسمين :
(أحدهما) في حفظ الصحة ، (وثانيهما) في دفع المرض ، ولذا يسمى طبا روحانيا ، كما إن
الطب المتعارف يسمى طبا جسمانيا . ومن هنا كتب جالينوس إلى روح الله (ع) : من طبيب
الأبدان إلى طبيب النفوس . فكما إن لكل من حفظ الصحة ودفع المرض في الطب الجسماني
عاجلا خاصا ، فكذلك لكل من حفظ الفضائل وإزالة الرذائل في الطب الروحاني معالجات
معينة ، كما نذكره إن شاء الله تعالى .
الصفحة 102
الباب الثالث
في طريق حفظ اعتدال الأخلاق المحمودة
واستحصالها بإزالة نقائضها المذمومة
الطريق لحفظ اعتدال الفضائل - قانون العلاج في الطب الروحاني - طريقة معرفة الأمراض
النفسية - المعالجات الكلية لأمراض النفس - المعالجات الخاصة لأمراض النفس . وله
أربعة مقامات : (الأول) ما يتعلق بالقوة العاقلة من الرذائل والفضائل وكيفية علاج
الرذائل (الثاني) ما يتعلق بالقوة الغضبية من الرذائل والفضائل وكيفية العلاج .
(الثالث) ما يتعلق بالقوة الشهوية من الرذائل والفضائل وكيفية العلاج . (الرابع) ما
يتعلق بالقوى الثلاث أو باثنتين منها .
الصفحة 103
وفيه فصول (1) :
فصل الطريق لحفظ اعتدال الفضائل
قد تقرر في الطب الجسماني أن حفظ الصحة بإيراد المثل وملائم المزاج ، فيجب أن يكون
حفظ اعتدال الفضائل أيضا بذلك . وإيراد المثل لحفظ اعتدالها يكون بأمور : منها
اختيار مصاحبة الأخيار ، والمعاشرة مع أولي الفضائل الخلقية ، واستماع كيفية سلوكهم
مع الخالق والخليقة ، والاجتناب عن مجالسة الأشرار وذوي الأخلاق السيئة ، والاحتراز
عن استماع قصصهم وحكاياتهم وما صدر عنهم من الأفعال ومزخرفاتهم ، فإن المصاحبة مع
كل أحد أقوى باعث على الاتصاف بأوصافه ، فإن الطبع يسترق من الطبع كلا من الخير
والشر . والسر : أن النفس الإنسانية ذات قوى بعضها يدعو إلى الخيرات والفضائل
وبعضها يقتضي الشرور والرذائل ، وكلما حصل لأحدهما أدنى باعث لما تقتضيه جبلته مال
إليه وغلب على صاحبه إلى الخير ، ولكون دواعي الشر من القوى أكثر من بواعث الخير
منها ، يكون الميل إلى الشر أسرع وأسهل بالنسبة إلى الميل إلى الخير ، ولذا قيل :
إن تحصيل الفضائل بمنزلة الصعود إلى الأعالي ، وكسب الرذائل بمثابة النزول منها .
وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وآله وسلم : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار
بالشهوات . ومنها أعمال القوى في شرائف الصفات ، والمواظبة على الأفعال التي هي
آثار فضائل الملكات ، وحمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق الذي يريد حفظه ،
فالحافظ لملكة الجود يجب أن يواظب على إنفاق المال وبذله على المستحقين ، ويقهر على
نفسه عند وجدان ميلها إلى الامساك ، والحافظ لملكة الشجاعة يجب ألا يترك الإقدام في
الأخطار والأهوال بشرط إشارة العقل ، ويغضب على نفسه عند وجدان الجبن منها . وهكذا
الحال في سائر الصفات . وهذا بمثابة الرياضة الجسمانية في حفظ الصحة البدنية .
ـــــــــــــــــ
(1) هذه الفصول كتمهيد للمقامات الأربعة التي تتعلق بالعلاج الخاص لذمائم الأخلاق .
الصفحة 104
ومنه أن يقدم التروي على كل ما يفعله ، لئلا تصدر عنه غفلة خلاف ما تقتضيه الفضيلة
. ولو صدر عنه أحيانا خلاف مقتضاها ، فليؤدب نفسه بارتكاب ما يضاده ، ويشق عليها
عقوبة ، بعد تعييرها وتوبيخها ، كما إذا أكل ما يضره من المطاعم فليؤدبها بالصوم ،
وإذا صدر عنه غضب مذموم في واقعة فليؤدبها بإيقاعها في مثلها مع الصبر عليها ، أو
في معرض إهانة السفهاء حتى يكسر جاهه أو يؤديها بارتكاب ما يشق عليها من النذر
والصدقة وغير ذلك . وينبغي ألا يترك الجد والسعي في التحصيل والحفظ وإن بلغ الغاية
، لأن التعطيل يؤدي إلى الكسالة وهي إلى انقطاع فيوضات عالم القدس ، فتنسلخ الصورة
الإنسانية وتحصل الهلاكة الأبدية ، والسعي يوجب ازدياد تجرد النفس وصفائها والأنس
بالحق والألف بالصدق (1) ، فيتنفر عن الكذب والباطل ، ويتصاعد في مدارج الكمالات
ومراتب السعادات ، حتى تنكشف له الأسرار الإلهية والغوامض الربانية ، ويتشبه
بالروحانيات القادسة ، وينخرط في سلك الملائكة المقدسة . ويجب أن يكون سعيه في أمور
الدنيا بقدر الضرورة ، ويحرم على نفسه تحصيل الزائد ، لأنه لا شقاوة أشد من صرف
الجوهر الباقي النوراني في تحصيل الخزف الفاني الظلماني الذي يفوت عنه وينتقل إلى
أعدائه من الوراث وغيرهم . ومنها أن يحترز عما يهيج الشهوة والغضب رؤية وسماعا
وتخيلا ، ومن هيجهما كمن هيج كلبا عقورا أو فرسا شموسا ، ثم يضطر إلى تدبير الخلاص
عنه . وإذا تحركنا بالطبع فليقتصر في تسكينهما بما يسد الخلة ولا ينافي حفظ الصحة ،
وهو القدر الذي جوزه العقل والشريعة . ومنها أن يستقصي في طلب خفايا عيوب نفسه ،
وإذا عثر على شيء منها اجتهد في إزالته . ولما كانت النفس عاشقة لصفاتها وأفعالها ،
فكثيرا ما يخفى عليها بعض عيوبها ، فيلزم على كل طالب للصحة وحافظها أن يختار بعض
أصدقائه ليتفحص عن عيوبه ويخبره بما اطلع عليه ، وإذا أخبره بشيء منها فليفرح
وليبادر إلى إزالته حتى يثق صديقه بقوله ، ويعلم أن إهداء شيء من عيوبه إليه أحسن
عنده من كل ما يحبه ويهواه ، وربما كان العدو
ـــــــــــــــــ
(1) كذا في النسخ . والصحيح للصدق
الصفحة 105
في هذا الباب أنفع من الصديق ، لأن الصديق ربما يستر العيب ولا يظهره ، والعدو مصر
على إظهاره ، بل ربما يتجاوز إلى البهتان ، فإذا أظهر الأعداء عيوبه فليشكر الله
على ذلك وليبادر إلى رفعها وقمعها . ومما ينفع في المقام أن يجعل صور الناس مرايا
لعيوبه ويتفقد عيوبهم ، وإذا عثر على عيب منهم تأمل في قبحه ، ويعلم أن هذا العيب
إذا صدر عنه يكون قبيحا ويدرك غيره هذا القبح ، فليجتهد في إزالته . وينبغي أن
يحاسب نفسه في آخر كل يوم وليلة ، ويتفحص عن جميع ما صدر من الأفعال فيهما ، فإن لم
يصدر عنه شيء من القبائح والذمائم فليحمد الله على حسن تأييده ، وإن صدر عنه شيء من
ذلك فليعاتب نفسه ويتوب ، ويجتهد في ألا يصدر عنه بعد ذلك مثله .
قانون العلاج في الطب الروحاني (تنبيه):
قد تبين أن للطلب الروحاني أسوة بالطب الجسماني . والقانون في معالجة الأمراض
الجسمانية أن يعرف جنس المرض أولا ، ثم الأسباب والعلامات ، ثم يبين كيفية العلاج .
والعلاج فيه إما كلي يتناول جميع الأمراض ، أو جزئي يختص بمرض دون مرض ، فكذلك
الحال في الطب الروحاني . ونحن نشير إلى ذلك في فصول :
فصل طريق معرفة الأمراض النفسانية
الأمراض النفسانية هي انحرافات الأخلاق عن الاعتدال . وطريق معرفتها : أنك قد عرفت
أن القوى الإنسانية محصورة في أنواع ثلاثة : (أحدها) قوة التمييز ، (وثانيها) قوة
الغضب ويعبر عنها بقوة الدفع ، (وثالثها) قوة الشهوة ويعبر عنها بقوة الجذب .
وانحراف كل منها إما في الكمية أو في الكيفية ، والانحراف في الكمية إما للزيادة من
الاعتدال أو للنقصان عنه . والانحراف في الكيفية إنما يكون برداءتها . فأمراض كل
قوة إما بحسب الإفراط أو التفريط ، أو بحسب رداءة الكيفية . فالافراط في قوة
التمييز : كالجربزة والدهاء ، والتجاوز عن حد النظر ،
الصفحة 106
والمبالغة في التنقير (1) ، والتوقف في غير موضعه للشبه الواهية ، والحكم على
المجردات بقوة الوهم . وأعمال الذهن في إدراك ما لا يمكن دركه ، والتفريط فيه
كالبلاهة ، وقصور النظر عن درك مقدار الواجب ، كإجراء أحكام المحسوسات على المجردات
. والرداءة كالسفسطة في الاعتقاد ، والميل إلى العلوم الغير اليقينية - كعلم الجدل
والخلاف - أزيد مما يميل إلى اليقينيات ، واستعمالهما في مقام اليقينيات ، والشوق
إلى علم الكهانة والشعبذة وأمثالهما للوصول إلى الشهوات الخسيسة . وأما الإفراط في
قوة الدفع : كشدة الغضب والغيظ وفرط الانتقام بحيث يتشبه بالسباع . وأما التفريط :
كعدم الغيرة والحمية والتشبه بالأطفال والنسوان في الأخلاق والصفات . وأما الرداءة
فيها : كالغيظ على الجمادات والبهائم أو على الناس لا بسبب موجب للانتقام . وأما
الإفراط في قوة الجذب : فكالحرص على الأكل والجماع أزيد من قدر الضرورة . والتفريط
فيه : فكالفتور عن تحصيل الأقوات الضرورية وتضييع العيال والخمود عن الشهوة حتى
ينقطع عنه النسل . أما الرداءة فيها : كشهوة الطين والميل إلى مقاربة الذكور . ثم
إنك قد عرفت أن أجناس الفضائل أربعة ، فأجناس الرذائل بحسب الكمية ثمانية ، لكل
فضيلة ضدان كل منهما ضد للآخر ، وبحسب الكيفية أربعة ، ويحصل من تركيبها وامتزاجها
أنواع وأصناف لا يعد كثرة ، كما عرفت أكثرها .
فصل أسباب الأمراض النفسانية
إعلم أن أسباب الانحراف في الأخلاق ، إما نفسية حاصلة في النفس في بدو فطرتها ، أو
حادثة من مزاولتها للأعمال الردية ، أو جسمية - وهي الأمراض الموجبة لبعض الملكات
الردية - والسر في ذلك أن النفس لما كانت متعلقة بالبدن علاقة ارتباطية ، فيتأثر كل
منهما بتأثر الآخر ، وكل كيفية تحدث في أحدهما تسري في الآخر ، كما أن غضب النفس أو
تعشقها يوجب اضطراب البدن وارتعاشه ، وتأثر البدن بالأمراض ، (لا) سيما إذا حدثت
ـــــــــــــــــ
(1) التنقير : البحث والتتبع .
الصفحة 107
في الأعضاء الرئيسية يوجب النقص في إدراك النفس وفساد تخيلها . وكثيرا ما يحدث من
بعض الأمراض السوداوية فساد الاعتقاد والجبن وسوء الظن ، ومن بعضها التهور ، ويحصل
من أكثر الأمراض سوء الخلق .
فصل المعالجات الكلية لمرض النفس
سبب الانحراف إن كان مرضا جسمانيا فيجب أن يبادر إلى إزالته بالمعالجات الطبية ،
وإن كان نفسانيا فالمعالجة الكلية هنا كالمعالجة الكلية في الطب الجسماني .
والمعالجة الكلية فيه أن يعالج المرض أولا بالغذاء الذي هو ضد المرض طبعا ، كأن
يعالج المرض البارد بالغذاء الحار ، فإن لم ينفع فبالدواء ، وإن لم ينجع فبالسمومات
، وإن لم يحصل بها البرء فبالكي أو القطع ، وهو آخر العلاج . فالقانون الكلي في
المعالجة هنا أيضا كذلك ، وهو أن يبادر بعد معرفة الانحراف إلى تحصيل الفضيلة التي
هي ضده ، والمواظبة على الأفعال التي هي آثارها ، وهذا بمنزلة الغذاء المضاد للمرض
. فكما أن حصول الحرارة في المزاج يدفع البرودة الحادثة فيه ، فكذا كل فضيلة تحدث
في النفس تزيل الرذيلة التي هي ضدها . فإن لم ينفع فليوبخ النفس ويعيرها على هذه
الرذيلة فكرا أو قولا أو عملا ، ويعاتبها ويخاطبها بلسان الحال والمقال : أيتها
النفس الأمارة قد هلكت وتعرضت لسخط الله وغضبه ، وعن قريب تعذبين في النار مع
الشياطين والأشرار . فإن لم يؤثر ذلك فليرتكب آثار الرذيلة التي هي ضد هذه الرذيلة
، بشرط محافظة التعديل ، فصاحب الجبن مثلا يعمل أعمال المتهورين ، فيخوض في المخاوف
والأهوال ويلقي نفسه في موارد الحذر والأخطار . وصاحب البخل يكثر من بذل الأموال ،
بشرط أن يكف إذا قرب زوال الجبن والبخل لئلا يقع في التهور والإسراف ، وهذا بمنزلة
المداواة بالسم . فإن لم ينفع ذلك لقوة استحكام المرض فليعذب النفس بأنواع التكاليف
الشاقة والرياضات المتعبة المضعفة للقوة الباعثة على هذه الرذيلة ، وهذا بمثابة
الكي والقطع ، وهو آخر العلاج .
المعالجات الخاصة لمرض النفس
تنبيه لما عرفت المعالجة الكلية الشاملة لجميع الرذائل بأجناسها
الصفحة 108
وأنواعها وأصنافها ، فلنشتغل الآن ببيان معالجة كل من الرذائل بخصوصه . وقد عددنا
قبل ذلك ما يتعلق بالقوى الثلاث من الرذائل وأضدادها من الفضائل مما له اسم مشهور ،
فههنا نذكر معالجة كل رذيلة بخصوصها ، ونذيله بذكر ما يضادها من الفضيلة ، وما ورد
في مدحها عقلا ونقلا ، لأن العلم بمعرفة كل فضيلة وحسنة أعون شيء على إزالة ما
يضادها من الرذيلة . وربما كانت جملة من الرذائل المختلفة في الاسم مشتركة في
المعالجة ، وربما كان للرذائل أو الفضائل المتعددة ضد واحد منها ، فنحن نشير إلى
ذلك ، ونشير أيضا في تلو كل رذيلة وفضيلة إلى ما يتولد منهما من أفعال الجوارح مع
معالجته - إن كان له ذلك - ونراعي الترتيب المذكور في مقام الإجمال : فنذكر أولا ما
يتعلق بالقوة العاقلة من الجنسين وأنواعهما ، ثم ما يتعلق بالقوة الغضبية ، ثم ما
يتعلق بالشهوية ، ثم ما يتعلق بالثلاث والاثنين منها ، فهنا أربعة مقامات :
المقام الأول
في معالجة الرذائل المتعلقة بالقوة العاقلة
الجربزة وعلاجها - الجهل البسيط وعلاجه - شرف العلم والحكمة - آداب التعلم والتعليم
- العلم الإلهي والأخلاق والفقه أشرف العلوم - أصول العقائد المجمع عليها - الجهل
المركب والشك - اليقين - علامات صاحبه - مراتب اليقين - الشرك - التوحيد - التوكل
على الله - حق التوكل بماذا يحصل - مناجاة السر لأرباب القلوب - الخواطر النفسانية
والوساوس - أقسام الخواطر ومنها الإلهام - المطاردة بين جندي الملائكة والشياطين في
معركة النفس - العلائم الفارقة بين الإلهام والوسوسة - علاج الوساوس - ما يتم به
علاج الوساوس - ما يتوقف قطع الوساوس عليه - حديث النفس لا مؤاخذة عليه - الخاطر
المحمود والتفكر - مجاري التفكر في العوالم والمخلوقات .
الصفحة 109
أما جنسا رذائلها (1) (فأولهما) : الجربزة الموجبة للخروج في الفكر عن الحد اللائق
وعدم استقالة الذهن على شيء ، بل لا يزال يستخرج أمورا دقيقة غير مطابقة للواقع
ويتجاوز عن الحق ولا يستقر عليه ، وربما أدى في العقليات إلى الإلحاد وفساد
الاعتقاد ، بل إلى نفي حقائق الأشياء رأسا كما للسوفسطائية ، وفي الشرعيات إلى
الوساوس . (وعلاجه) بعد تذكر قبحه وإيجابه للهلاك ، أن يكلف نفسه على الاستقامة على
مقتضى الأدلة المعتبرة عند أولي الأفهام المستقيمة ، ولا يتجاوز عن معتقدات أهل
الحق المعروفين بالتحقيق واستقامة القريحة ، ولا يزال يكلف نفسه على ذلك حتى يعتاد
القيام على الوسط . وربما كان للاشتغال بالتعليمات نفع في ذلك . (وثانيهما) : الجهل
البسيط وقد عرفت أنه من باب التفريط ، وهو خلو النفس عن العلم من دون اعتقاد بكونها
عالمة . وهو في البداية غير مذموم لتوقف التعلم عليه ، إذ ما لم تعتقد النفس جهلها
بالمعارف لم تنتهض لتحصيلها . وأما الثبات عليه فهو من المهلكات العظيمة . والطريق
في إزالته أمور : (الأول) أن يتذكر ما يدل على قبحه ونقصه عقلا ، وهو أن يعلم أن
الجاهل ليس إنسانا بالحقيقة ، وإنما يطلق عليه الإنسان مجازا ، إذ فضل الإنسان عن
سائر الحيوانات إنما هو إدراك الكلي المعبر عنه بالعلم ، لمشاركتها معه في سائر
الأمور من الجسمية والقوى الغضبية والشهوية والصوت وغير ذلك ، فلولا علمه بحقائق
الأشياء وخواصها لكان حيوانا بالحقيقة ، ولذا ترى أن من كان في محل محاورات العلماء
وكان جاهلا بأقوالهم لم يكن فرق بينه وبين البهائم بالنسبة إليهم . وأي هلاك أعظم
من الخروج عن حدود الإنسانية والدخول في حد البهيمية . (الثاني) أن يتذكر ما ورد في
الشريعة من الذم عليه مثل قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : ستة يدخلون في النار
ـــــــــــــــــ
(1) أي القوة العاقلة .
الصفحة 110
قبل الحساب لستة وعد منهم أهل الرساتيق بالجهالة . (الثالث) أن يتذكر ما يدل على
فضيلة العلم عقلا ونقلا كما نذكره . وإذا وقف على جميع ذلك فليتيقظ عن سنة الغفلة ،
ويصرف في إزالته الهمة ، ويجتهد في تحصيل العلم عن أهاليه ، ويصرف فيه أيامه
ولياليه .
فصل شرف العلم والحكمة
قد علم أن ضد الجنسين - أي الجربزة والسفسطة والجهل - هو الحكمة ، أعني العلم
بحقائق الأشياء . فلنذكر أولا بعض ما يدل على شرافته عقلا ونقلا ، ترغيبا للطالبين
على السعي في تحصيله وإزالة الجهل عن نفوسهم ، فنقول : لا ريب في أن العلم أفضل
الفضائل الكمالية وأشرف النعوت الجمالية ، بل هو أجل الصفات الربوبية وأجمل السمات
الألوهية ، وهو الموصل إلى جوار رب العالمين والدخول في أفق الملائكة المقربين ،
وهو المؤدي إلى دار المقامة التي لا تزول ومحل الكرامة التي لا تحول ، وقد تطابق
العقل والبرهان وإجماع أرباب الأديان على : أن السعادة الأبدية والقرب من الله
سبحانه لا يتيسران بدونه ، وأي شيء أفضل مما هو ذريعة إليهما . وأيضا قد ثبت في
الحكمة المتعالية : إن العلم والتجرد متلازمان ، فكلما تزداد النفس علما تزداد
تجردا ، ولا ريب في أن التجرد أشرف الكمالات المتصورة للانسان ، إذ به يحصل التشبه
بالملأ الأعلى وأهل القرب من الله تعالى . ومن جملة العلوم معرفة الله التي هي
السبب الكلي لإيجاد العلم العلوي والسفلى ، كما دل عليه الخبر القدسي : كنت كنزا
مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق . على أن العلم لذيذ في نفسه محبوب في ذاته ، وما
يحصل منه من اللذة والابتهاج فلما يحصل من غيره . والسر فيه أن إدراك الأشياء
والإحاطة بها نوع تملك وتصرف لها ، إذ تتقرر في ذات المدرك حقائقها وصورها ، ومثل
هذا التملك لدوامه وجزئية المدرك للمدرك أقوى من ملكية الأعيان المبائنة لذات
المالك الزائلة عنه . والتحقيق : أن إطلاق الملكية عليه مجازي ، والنفس لكونها من
سنخ عالم الربوبية تحب القهر والاستيلاء على
الصفحة 111
الأشياء والمالكية لها بأي نحو كان ، إذ معنى الربوبية التوحيد بالكمال والاقتدار
والغلبة على الأشياء . ثم من فوائد العلم في الدنيا العز والاعتبار عند الأخيار
والأشرار ، ونفوذ الحكم على الملوك وأرباب الاقتدار ، فإن طباع الأنام من الخاص
والعام مجبولة على تعظيم أهل العم وتوقيرهم ووجوب إطاعتهم واحترامهم ، بل جميع
الحيوانات من البهائم والسباع مطيعة للانسان مسخرة له ، لاختصاصه بقوة الإدراك
ومزيد التمييز . ولو تصت آحاد الناس لم تجد أحدا له تفوق وزيادة على غيره في جاه أو
مال أو غير ذلك إلا وهو راجع إلى اختصاصه بمزيد تمييز وإدراك ، ولو كان من باب
المكر والحيل . هذا وما يدل على شرافة العلم من الآيات والأخبار أكثر من أن تحصى .
نبذة منها قوله تعالى :
(إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (1)
. وقوله تعالى :
(هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (2)
. وقوله تعالى : (
وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (3)
. وقوله تعالى :
(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلّا
الْعَالِمُونَ)
(4) . وقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : اللهم ارحم خلفائي . قيل : يا رسول
الله : من خلفاؤك ؟ قال : الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي . وقوله - صلى
الله عليه وآله وسلم - لأبي ذر : جلوس ساعة عند مذاكرة العلم أحب إلى الله تعالى من
قيام ألف ليلة يصلى في كل ليلة ألف ركعة وأحب إليه من ألف غزوة ، ومن قراءة القرآن
كله اثنى عشر
ـــــــــــــــــ
(1) الفاطر ، الآية : 28 .
(2) الزمر ، الآية : 9 .
(3) البقرة ، الآية : 269 .
(4)
العنكبوت ، الآية : 43 .
الصفحة 112
ألف مرة ، وخير من عبادة سنة صام نهارها وقام ليلها ، ومن خرج من بيته ليلتمس باب
من العلم كتب الله عز وجل له بكل قدم ثواب نبي من الأنبياء ، وثواب ألف شهيد من
شهداء بدر ، وأعطاه الله بكل حرف يسمع أو يكتب مدينة في الجنة ، وطالب العلم يحبه
الله وتحبه الملائكة والنبيون ، ولا يحب العلم إلا السعيد ، وطوبى لطالب العلم ،
والنظر في وجه العالم خير من عتق ألف رقبة ، ومن أحب العلم وجبت له الجنة ، ويصبح
ويمسي في رضى الله ، ولا يخرج من الدنيا حتى يشرب من الكوثر ويأكل من ثمرة الجنة ،
ولا يأكل الدود جسده ، ويكون في الجنة رفيق خضر (ع) . وقول أمير المؤمنين : إن كمال
الدين طلب العلم والعمل به ، وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، وإن المال
مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم ، وقد ضمنه وسيفي لكم ، والعلم مخزون عند أهله
فاطلبوه . وقوله (ع) : إذا مات مؤمن وترك ورقة واحدة عليها علم ، تكون تلك الورقة
سترا بينه وبين النار ، وأعطاه الله بكل حرف عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرات .
وقول سيد الساجدين علي بن الحسين - عليهما السلام - : لو يعلم الناس ما في طلب
العلم لطلبوه ، ولو بسفك المهج وخوض اللجج . وقول الباقر (ع) : عالم ينتفع بعلمه
أفضل من سبعين ألف عابد . وقول الصادق لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله تعالى ما
مدوا أعينهم إلى ما متع به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها ، وكانت دنياهم
أقل عندهم مما يطؤن بأرجلهم ، ولتنعموا بمعرفة الله وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في
روضات الجنان مع أولياء الله . إن معرفة الله تعالى أنس من كل وحشة ، وصاحب من كل
وحدة ، ونور من كل ظلمة ، وقوة من كل ضعف ، وشفاء من كل سقم ، قد كان قوم قبلكم قوم
يقتلون ويحرقون وينشرون وتضيق عليهم الأرض برحبها ، فما يردهم عماهم عليه شيء مما
هو فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى بما نقموا منهم : (إِلّا
أَن يُؤْمِنُوا بِاللّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (1) .
ـــــــــــــــــ
(1) البروج ، الآية : 8 .
الصفحة 113
فاسألوا ربكم درجاتهم ، واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم . وعن الرضا (ع) عن
آبائه - عليهم السلام - عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال : طلب العلم
فريضة على كل مسلم ، فاطلبوا العلم في مظانه ، واقتبسوه من أهله ، فإن تعلمه لله
تعالى حسنة ، وطلبه عبادة ، - والمذاكرة به تسبيح ، والعمل به جهاد ، وتعليمه من لا
يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة إلى الله ، لأنه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبيل
الجنة ، والمؤنس في الوحشة ، والصاحب في الغربة والوحدة ، والمحدث في الخلوة ،
والدليل على السراء والضراء ، والسلاح على الأعداء . والزبن عند الأخلاء ، يرفع
الله به أقواما ، ويجعلهم في الخير قادة ، تقتبس آثارهم ، ويقتدى بأفعالهم ، وينتهى
إلى آرائهم ، ترغب الملائكة في خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم وفي صلاتها تبارك عليهم ،
ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه . إن العلم
حياة القلوب من الجهل ، وضياء الأبصار من الظلمة ، وقوة الأبدان من الضعف ، يبلغ
بالعبد منازل الأخيار ومجالس الأبرار والدرجات العلى في الآخرة والأولى . الذكر فيه
يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام . وبه يطاع الرب ويعبد ، وبه توصل الأرحام ، ويعرف
الحلال والحرام . العلم إمام والعمل تابعه ، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء ، فطوبى
لمن لم يحرمه الله من حظه .
آداب التعلم والتعليم (تنبيه):
لكل من التعلم والتعليم آداب وشروط : (أما آداب التعلم) : (فمنها) أن يجتنب المتعلم
عن اتباع الشهوات والهوى والاختلاط بأبناء الدنيا . ولقد قال بعض الأكابر : كما أن
الحاسة الجليدية إذا كانت مؤوفة برمد ونحوه فهي محرومة من الأشعة الفائضة عن الشمس
، كذلك البصيرة إذا كانت مؤوفة بمتابعة الشهوات والهوى والمخالطة بأبناء الدنيا فهي
محرومة من إدراك الأنوار القدسية ومحجوبة عن ذوق اللذات الإنسية . (ومنها) أن يكون
تعلمه لمجرد التقرب إلى الله والفوز بالسعادات
الصفحة 114
الأخروية ، ولم يكن باعثه شيئا من المراء والمجادلة ، والمباهاة والمفاخرة ،
والوصول إلى جاه ومال ، أو التفوق على الأقران والأمثال . قال الباقر عليه السلام :
من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس فليتبوأ
مقعده من النار ، إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها . وقال الصادق (ع) : طلبة العلم
ثلاثة ، فأعرفهم بأعيانهم وصفاتهم : صنف يطلبه للجهل (1) والمراء ، وصنف يطلبه
للاستطالة والختل ، وصنف يطلبه للفقه والعقل . فصاحب الجهل والمراء مؤذ ممار ،
متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم ، وقد تسر بل بالخشوع وتخلى
من الورع ، فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه . وصاحب الاستطالة والختل ذو خب
وملق ، يستطيل على مثله من أشباهه ، ويتواضع للأغنياء من دونه ، فهو لحلوانهم
(2)
هاضم ولدينه حاطم ، فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره . وصاحب
الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر ، قد تحنك في برنسه وقام الليل في حندسه ، يعمل
ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقيلا على شأنه عارفا بأهل زمانه مستوحشا من أوثق أخوانه ،
فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه . (ومنها) أن يعمل بما يفهم ويعلم
، فإن من عمل بما يعلم ورثه الله ما لم يعلم . وقال الصادق (ع) : العلم مقرون إلى
العمل ، من علم عمل ، ومن عمل علم ، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه .
وعن السجاد (ع) : مكتوب في الإنجيل : لا تطلبوا علم ما لا تعملون ولما تعملوا بما
علمتم ، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفرا ولم يزدده من الله إلا
بعدا . وعن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : من أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه
نجا ، ومن أراد به الدنيا فهي حظه . وعنه
ـــــــــــــــــ
(1) (الجهل) هنا بمعنى الجفاء والغلظة .
(2) قال الشيخ (ملا صالح المازندراني)
تعليقته على أصول الكافي عن هذا الحديث الحلوان - بضم الحاء المهملة وسكون اللام -
ما تأخذه الحكام والقضاة والكاهن من الأجر والرشوة على أعمالهم ، يقال : حلوته
أحلوه حلوانا ، فهو مصدر كالغفران ، ونونه زائدة ، وصله من الحلاوة ، وفي بعض النسخ
(بحلوائهم) - بالهمزة بعد الألف - والحلوا . - بالمد والقصر - ما يتخذ من الحلاوة .
الصفحة 115
- صلى الله عليه وآله وسلم : العلماء رجلان : رجل عالم أخذ بعلمه فهذا تاج ، وعالم
تارك لعلمه فهذا هالك ، وأن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه ، وإن
أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله فاستجاب له وقبل منه ، فأطاع الله
فأدخله الجنة ، وأدخل الداعي النار بترك عمله (1) واتباعه الهوى وطول الأمل ، أما
اتباع الهوى فيصد عن الحق وطول الأمل ينسي الآخرة . (ومنها) أن يحافظ شرائط الخضوع
والأدب للمعلم ، ولا يرد عليه شيئا بالمواجهة ، ويكون محبا له يقلبه ، ولا ينسى
حقوقه ، لأنه والده المعنوي الروحاني ، وهو أعظم الآباء الثلاثة . قال الصادق (ع) :
أطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار ، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم ، وتواضعوا
لمن طلبتم منه العلم ، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم . هذا وقد أشرنا
سابقا إلى أن اللازم لكل متعلم أن يطهر نفسه أولا من رذائل الأخلاق وذمائم الأوصاف
بأسرها ، إذ ما لم يجرد لوح نفسه عن النقوش الردية لم تشرق عليه لمعات أنوار العلم
والحكمة من ألواح العقول الفعالة القدسية . (فمنها) أن يخلص المعلم تعليمه لله
سبحانه ولم يكن له فيه باعث دنيوي من طمع مالي أو جاه ورئاسة أو شهرة بين الناس ،
بل يكون الباعث مجرد التقرب إلى الله تعالى والوصول إلى المثوبات الأبدية ، فإن من
علم غيره علما كان شريكا في ثواب تعليم هذا الغير لآخر ، وفي ثواب تعليم هذا الآخر
لغيره . . . وهكذا إلى غير النهاية ، فيصل بتعليم واحد إلى مثوبات التعاليم الغير
المتناهية ، وكفى بهذا له فضلا وشرفا . (ا ومنه) أن يكون مشفقا على المتعلم ناصحا
له ، مقتصرا في الإفادة على قدر فهمه ، متكلما معه باللين والهشاشة لا بالغلظة
والفظاظة . (ومنها) أن لا يضمن العلم من أهله ويمنعه عن غير أهله ، لأن بذل
ـــــــــــــــــ
(1) صححناه على بعض نسخ أصول الكافي المصححة وفي نسخ جامع السعادات هكذا : (بتركه
علمه) .
|