الصفحة 116
الحكمة للجهال ظلم عليها ، ومنعها عن أهلها ظلم عليهم ، كما ورد في الخبر
(1) .
(ومنها) أن يقول ما يعلم ويسكت عما لا يعلم حتى يرجع إليه ويعلمه ، ولا يخبر
المتعلمين ببيان خلاف الواقع . وهذا الشرط لا يختص بالمعلمين ، بل يعم كل من تصدر
عنه المسائل العلمية كالمفتي والقاضي وأمثالهما . وقال الباقر (ع) : حق الله على
العباد أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عنه ما لا يعلمون (2)
وقال الصادق (ع) : إن الله تعالى خص عباده بآيتين من كتابه : ألا يقولوا حتى
يعلموا ولا يردوا ما لم يعلموا ، فقال :
(
أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَيَقُولُوا عَلَى اللّهِ
إِلّا الْحَقّ )
(3)
. وقال : (
بَلْ كَذّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) (4) . وعنه (ع) : إذا
سئل الرجل منكم عما لا يعلم ، فليقل : لا أدري ، ولا يقل : الله أعلم ، فيوقع في
قلب صاحبه شكا . وإذا قال المسؤل : لا أدري ، فلا يتهمه السائل وعنه (ع) : إياك
وخصلتين ففيهما هلك من هلك . إياك أن تفتى الناس برأيك ، أو تدين بما لا تعلم . وعن
الباقر (ع) : من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ،
ولحقه وزر من عمل بفتياه . وربما كان لكل من المتعلم والمعلم آداب أخر تظهر لمن وقف
على فن الأخلاق . ثم العارف بأهل زماننا يعلم أن آداب التعلم والتعليم كسائر الآداب
والفضائل فيهم مهجورة ، والأمر في مثل الزمان كما قال في وصفه بعض أهل العرفان : قد
فسد الزمان وأهله ، وتصدى للتدريس من قل علمه وكثر جهله ، فانحطت مرتبة العلم
وأصحابه ، واندرست مراسمه بين طلابه .
ـــــــــــــــــ
(1) روي في أصول الكافي في باب بذل العلم عن الصادق - عليه السلام - : قام عيسى بن
مريم خطيبا في بني إسرائيل فقال : يا بني إسرائيل ! لا تحدثوا الجهال بالحكمة
فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم .
(2) الحديث المروي في أصول الكافي هكذا :
عن زرارة بن أعين قال : سألت أبا جعفر - عليه السلام - ماحق الله على العباد ؟ قال
: أن يقولوا ما يعلمون . . . إلى آخر الحديث .
(3) الأعراف ، الآية : 169 .
(4)
يونس ، الآية : 39 .
الصفحة 117
تتميم: العلم الإلهي وعلم الأخلاق والفقه أشرف العلوم
العلم كله وإن كان كمالا للنفس وسعادة ، إلا أن فنونه متفاوتة في الشرافة والجمال
ووجوب التحصيل وعدمه ، فإن بعضها كالطب والهندسة والعروض والموسيقى وأمثالها ، مما
ترجع جل فائدته إلى الدنيا ولا يحصل بها مزيد بهجة وسعادة في العقبى ، ولذا عدت من
علوم الدنيا دون الآخرة ، ولا يجب تحصيلها ، وربما وجب تحصيل بعضها كفاية . وما هو
علم الآخرة الواجب تحصيله ، وأشرف العلوم وأحسنها هو العلم الإلهي المعرف لأصول
الدين ، وعلم الأخلاق المعرف لمنجيات النفس ومهلكاتها ، وعلم الفقه المعرف لكيفية
العبادات والمعاملات ، والعلوم التي مقدمات لهذه الثلاثة كالعربية والمنطق وغيرهما
يتصف بالحسن ووجوب التحصيل من باب المقدمة . وهذه العلوم الثلاثة وإن وجب أخذها
إجمالا إلا أنها في كيفية الأخذ مختلفة : فعلم الأخلاق يجب أخذه عينا على كل أحد
على ما بينته الشريعة وأوضحه علماء الأخلاق ، وعلم الفقه يجب أخذ بعضه عينا إما
بالدليل أو التقليد من مجتهد حي ، والتارك للطريقين غير معذور ، ولذا ورد الحث
الأكيد عن التفقه في الدين قال الصادق (ع) : عليكم فقه بالت في دين الله ولا تكونوا
أعرابا ، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر إليه يوم القيامة ولم يزك له عملا ،
وقال : ليت السياط على رؤس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام ، وقال (ع) : إن
آية الكذاب أن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب ، فإذا سألته عن حرام الله
وحلاله لم يكن عنده شيء . وأما أصول العقائد فيجب أخذها عينا من الشرع والعقل ،
وهما متلازمان لا يتخلف مقتضى أحدهما عن مقتضى الآخر ، إذ العقل هو حجة الله الواجب
امتثاله والحاكم العدل الذي تطابق أحكامه الواقع ونفس الأمر ، فلا يرد حكمه ،
ولولاه لما عرف الشرع ، ولذا ورد : إنه ما أدى العبد فرائض الله حتى عقل عنه ، ولا
بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل (1) .
ـــــــــــــــــ
(1) هذا الحديث رواه في أصول الكافي عن النبي - صلى الله عليه ج : 1
الصفحة 118
فهما متعاضدان ومتظاهران ، وما يحكم به أحدهما يحكم به الآخر أيضا ، وكيف يكون
مقتضى الشرع مخالفا لمقتضى ما هو حجة قاطعة وأحكامه للواقع مطابقة ، فالعقل هو
الشرع الباطن والنور الداخل ، والشرع هو العقل الظاهر والنور الخارج . وما يتراءى
في بعض المواضع من التخالف بينها إنما هو لقصور العقل أو لعدم ثبوت ما ينسب إلى
الشرع منه ، فإن كل عقل ليس تاما ، وكلما ينسب إلى الشرع ليس ثابتا منه ، فالمناط
هو العقل الصحيح وما ثبت قطعا من الشريعة ، وأصح العقول وأقواها وأمتنها وأصفاها هو
عقل صاحب الوحي . ولذا يدرك بنوريته ما لا سبيل لأمثال عقولنا إلى دركه ، كتفاصيل
أحوال نشأة الآخرة ، فاللازم في مثله أن نأخذه منه إذعانا وإن لم نعرف مأخذه العقلي
.
أصول العقائد المجمع عليها
ثم ما أجمعت الأمة المختارة عليه من أصول العقائد هو : أن الواجب سبحانه موجود ،
وإنه واحد في الألوهية ، وبسيط عن شوائب التركيب ، ومنزه عن الجسمية وعوارضها ، وإن
وجوده وصفاته عين ذاته ، وإنه متقدم على الزمان والمكان ومتعال عنهما ، وإنه حي
قديم أزلي قادر مريد عالم بجميع الأشياء ، وعلمه بها بعد إيجادها كعلمه بها قبله ،
ولا يزداد بإحداثها علما ، وإن قدرته عامة بالنسبة إلى جميع الممكنات ، وإنه يخلق
ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولا يكون شيء إلا بمشيئته ، وإنه عدل في حكمه صادق في وعده
. وبالجملة مستجمع لجميع الصفات الكمالية ، وليس كمثله شيء ، ولا يتصور عقل ولا وهم
مثله ، بل هو تام فوق التمام . وإن القرآن كلامه ، ومحمد - صلى الله عليه وآله وسلم
- رسوله ، ما أتى به من أمور النشأة الآخرة من الجنة والنار والحساب والثواب
والعقاب والصراط والميزان والشفاعة وغير ذلك مما ثبت في شريعته المقدسة حق ثابت ،
فيجب على كل مؤمن أن يأخذ بجميع ذلك ويتشبث به ويجرد باطنه له ، بحيث لو أورد عليه
ما ينقضه لم يقبله ولم يعرضه شك وريب .
ـــــــــــــــــ
وآله - في كتاب العقل والجهل فصححناه عليه ، وفي نسخ جامع السعادات اختلاف عما هنا
.
ص 119
ثم إن المكلفين مختلفون في كيفية التصديق والاذعان بالعقائد المذكورة ، فبعضهم فيها
على يقين مثل ضوء الشمس ، بحيث لو كشف عنهم الغطاء ما ازدادوا يقينا
(1) ، وبعضهم
على يقين دون ذلك ، وأقل هؤلاء رتبة أن تصل مرتبة يقينهم إلى طمأنينة لا اضطراب
فيها ، وبعضهم على مجرد تصديق ظني يتزلزل من الشبهات وإلقاء النقيض ، وإلى هذا
الاختلاف أشار الإمام محمد بن علي الباقر - عليهما السلام - بقوله : إن المؤمنين
على منازل : منهم على واحدة ، ومنهم على اثنتين ، ومنهم على ثلاث ، ومنهم على أربع
، ومنهم على خمس ، ومنهم على ست ، ومنهم على سبع ، فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة
ثنتين لم يقو ، وعلى صاحب الثنتين ثلاثا لم يقو . . إلى آخره (2)
. والإمام أبو
عبد الله الصادق عليه السلام بقوله : إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل ، فمنه
التام المنتهي تمامه ، ومنه الناقص البين نقصانه ، ومنه الراجح الزائد رجحانه . ولا
ريب في أن تحصيل ما يطمئن به القلب في العقائد الواجبة أخذها مما لا بد منه لكل
مكلف ، ومجرد التصديق من غير اطمئنان القلب غير كاف للنجاة في الأخرى والوصول إلى
مراتب المؤمنين . ومع حصول الاطمئنان تحصل النجاة والفوز بالفلاح ، وإن لم يكن
حصوله من تفاصيل البراهين الحكمية والدلائل الكلامية ، بل كان حاصلا من دليل إجمالي
برهاني أو اقناعي ، إذ الشرع الشريف لم يكلف بأكثر من التصديق والجزم بظاهر العقائد
المذكورة ، ولم يكلف البحث والتفتيش عن كيفياتها وحقائقها وعن تكلف ترتيب الأدلة في
نظمها ، فلو حصل لأحد طمأنينة في اتصاف الواجب بجميع الصفات الكمالية وبراءته عن
الصفات السلبية ، بمجرد أن عدم الاتصاف بالأولى والاتصاف بالثانية نقص لا يليق
بذاته الأقدس ، كان كافيا في النجاة والدخول في زمرة المؤمنين . وكذا إذا حصل له
ذلك بمجرد أن هذا مما
ـــــــــــــــــ
(1) كما قال أمير المؤمنين - عليه الصلاة والسلام - : لو كشف لي الغطاء ما ازددت
يقينا .
(2) الحديث مروي في أصول الكافي
في باب درجات الإيمان وبقيته : وعلى صاحب الثلاث أربعا لم يقو ، وعلى صاحب الأربع
خمسا لم يقو ، وعلى صاحب الخمس ستا لم يقو ، وعلى صاحب الست سبعا لم يقو . . . وعلى
هذه الدرجات .
الصفحة 120
اتفق عليه فرق الأنبياء وأساطين الحكماء والعلماء ، وقوة عقولهم ودقة أفهامهم تأبى
عن اتفاقهم على محض الخطأ . وقس على ذلك غيره مما يفيد الاطمئنان كائنا ما كان .
قال العلامة (الطوسي) - ره - في بعض تصانيفه : أقل ما يجب اعتقاده على المكلف هو ما
ترجمة قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ثم إذا صدق الرسول ينبغي أن يصدقه في
صفات الله واليوم الآخر وتعيين الإمام المعصوم ، كل ذلك مما يشتمل عليه القرآن من
غير مزيد برهان : أما في صفات الله فبأنه حي عالم قادر مريد متكلم ليس كمثله شيء
وهو السميع البصير ، وأما في الآخرة فبالإيمان بالجنة والنار والصراط والميزان
والحساب والشفاعة وغيرها ولا يجب عليه أن يبحث عن حقيقة الصفات ، وإن الكلام والعلم
وغيرهما حادث أو قديم ، بل لو لم تخطر هذه بباله ومات مات مؤمنا ، فإن غلب على قلبه
شك أو إشكال ، فإن أمكن إزالته بكلام قريب من الأفهام وإن لم يكن قويا عند
المتكلمين ولا مرضيا فذلك كاف ، ولا حاجة إلى تحقيق الدليل ، فإن الدليل لا يتم إلا
بذكر الشبهة والجواب ، ومهما ذكرت الشبهة لا يؤمن أن تتشبث بالخاطر والقلب فيظنها
حقة لقصوره عن إدراك جوابها ، إذ الشبهة قد تكون جلية والجواب دقيقا لا يحتمله عقله
، ولذا ورد الزجر عن البحث والتفتيش في الكلام ، وإنما زجر ضعفاء العوام ، وأما
أئمة الدين فلهم الخوض في غمرة الإشكالات . ومنع العوام عن الكلام يجري مجرى منع
الصبيان عن شاطئ دجلة خوفا من الغرق ، ورخصة الأقوياء فيه أيضا هي رخصة الماهر في
صنعة السباحة ، إلا أن ههنا موضع غرور ومزلة قدم ، وهو إن كل ضعيف في عقله يظن أنه
يقدر على إدراك الحقائق كلها ، وإنه من جملة الأقوياء فربما يخوضون ويغرقون في بحر
الجهالات منم حيث لا يشعرون ، فالصواب منع الخلق كلهم - إلا الشاذ النادر الذي لا
تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين - من تجاوز سلوك أهل العلم في الإيمان المرسل
والتصديق المجمل بكل ما أنزل الله وأخبر به رسول الله (ص) فمن اشتغل بالخوض فيه فقد
أوقع نفسه في شغل شاغل ، إذ قال رسول الله (ص) حين رأى أصحابه يخوضون ، بعد أن غضب
حتى احمرت وجنتاه : أفبهذا أمرتم ؟ تضربون
الصفحة 121
كتاب الله بعضه ببعض ! انظروا فيما أمركم الله فافعلوا وما نهاكم عنه فانتهوا فهذا
تنبيه على منهج الحق . ثم لا ريب في أن نورانية اليقين ووضوحه ، بل واطمئنان القلب
وسكونه لا يحصل من مجرد صنعة الجدل والكلام ، كما لا يحصل من محض التلقين وتقليد
العوام . بل (الأول) - أعني الاستضاءة بنور اليقين - يتوقف على ملازمة الورع
والتقوى ، وفطام النفس عن الهوى ، وإزالة كدرتها وصدأها :
( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا )
(1) .
وتطهيرها عن ذمائم الصفات والاشتغال بمشاق الرياضة والمجاهدات ، حتى يقذف في قلبه
نورا إلهي تنكشف به الحجب والأستار عن حقائق هذه العقائد ، وهو غاية مقصد الطالبين
وقرة عيون الصديقين والمقربين ، وله درجات ومراتب ، والناس فيه مختلفون بحسب
اختلافهم في القوة والاستعداد والسعي والاجتهاد ، كما هم مختلفون في إدراك أنواع
العلوم والصنائع وكل ميسر لما خلق له (2) . وأما (الثاني) - أعني مجرد الاعتقاد
الجازم الراسخ بظواهر تلك العقائد - فيمكن أن يحصل بما دون ذلك ، بأن يشتغل - بعد
تلقين هذه العقائد والتصديق بها - بوظائف الطاعات ، ويصرف برهة من وقته في شرائف
العبادات ، ويواظب على تفسير القرآن وتلاوته ، ودرس الحديث ودرايته ، ويحترز عن
مخالطة أولي المذاهب الفاسدة وذوي الآراء الباطلة ، بل يجتنب كل الاجتناب عن مرافقة
أرباب الهوى وأصحاب الشر والشقاء ، ويختار مصاحبة أهل الورع واليقين ، ومجالسة
الأتقياء والصالحين ، ويلاحظ سيماهم وسيرتهم وهيئاتهم في الخضوع لله والاستكانة ،
فيكون التلقين كإلقاء البذر في الصدر ، وهذه الأمور كالسقي والتربية له ، فينمو ذلك
البذر بها ويتقوى ويزداد رسوخا ، حتى يرتفع شجرة طيبة راسخة أصلها ثابت وفرعها في
السماء . ثم من وصل إلى مقام العقيدة الجازمة إن اشتغل بالشواغل الدنيوية ولم يشتغل
بالرياضة والمجاهدة لم ينكشف له غيره ولكنه إذا مات مات مؤمنا على الحق
ـــــــــــــــــ
(1) الشمس ، الآية : 9 .
(2) حديث نبوي مشهور ، تقدم ذكره صة 26 .
الصفحة 122
وسلم في الآخرة ، وإن اشتغل بتصقيل النفس وارتياضها الشرح صدره وانفتح له باب
الإفاضة ، ووصل إلى المرتبة الأولى .
أنواع الرذائل المتعلقة بالعاقلة
أما الأنواع المتعلقة بالعاقلة فمنها :
• الجهل المركب :
وهو خلو النفس عن العلم وإذعانها بما هو خلاف الواقع ، مع اعتقاد كونها عالمة بما
هو الحق ، فصاحبه لا يعلم ، ولا يعلم أنه لا يعلم ، ولذا سمي مركبا . وهو أشد
الرذائل وأصعبها ، وإزالته في غاية الصعوبة ، كما هو ظاهر من حال بعض الطلبة . وقد
اعترف أطباء النفوس بالعجز عن معالجته كما اعترف أطباء الأبدان بالعجز عن معالجة
بعض الأمراض المزمنة ، ولذا قال عيسى عليه السلام : إني لا أعجز عن معالجة الأكمه
والأبرص وأعجز عن معالجة الأحمق . والسر فيه : أنه مع قصور النفس بهذا الاعتقاد
الفاسد لا يتنبه على نقصانها ، فلا يتحرك للطلب ، فيبقى في الضلالة والردى ما دام
باقيا في دار الدنيا . ثم المنشأ له إن كان اعوجاج السليقة فأنفع العلاج له تحريض
صاحبه على تعلم العلوم الرياضية من الهندسة والحساب ، فإنها موجبة لاستقامة الذهن
لألفه لأجلها باليقينيات فيتنبه على خلل اعتقادها ، فيصير جهلها بسيطا ، فينتهض
للطلب . وإن كان خطأ في الاستدلال ، فليوازن استدلاله لاستدلالات أهل التحقيق
والمشهورين باستقامة القريحة ، ويعرض أدلة المطلوب على القواعد الميزانية باحتياط
تام واستقصاء بليغ ، حتى يظهر خطأه . وإن كان وجود مانع من عصبية أو تقليد أو غير
ذلك فليجتهد في إزالته . ومنها
• الشك والحيرة :
وهو من باب رداءة الكيفية وهو عجز النفس عن تحقيق الحق وإبطال الباطل في المثالب
الخفية ، والغالب حصوله من تعارض الأدلة ، ولا ريب أنه مما يهلك النفس ويفسدها ، إذ
الشك ينافي اليقين الذي لا يتحقق الإيمان بدونه . قال أمير المؤمنين عليه السلام في
بعض خطبه : لا ترتابوا فتشكوا ولا تشكوا فتكفروا وكأن الارتياب في كلامه عليه
السلام مبدأ الشك .
الصفحة 123
وقال الباقر عليه السلام : لا ينفع مع الشك والجحود عمل . وقال الصادق عليه السلام
: إن الشك والمعصية في النار ليس منا ولا إلينا . وسئل عليه السلام عن قول الله
تعالى :
(الّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) (1) . قال : بشك . وقال - عليه
السلام - : من شك في الله تعالى بعد مولده على الفطرة لم يفئ إلى خير أبدا . وقال -
عليه السلام - : من شك أو ظن فأقام على أحدهما أحبط الله عمله ، إن حجة الله هي
الحجة الواضحة . وقال عليه السلام : من شك في الله تعالى وفي رسوله (ص) فهو كافر .
وبمضمونه وردت أخبار أخر . وغير خفي أن المراد بالشك ما يضعف الاعتقاد ويزيل اليقين
لا مجرد الوسوسة وحديث النفس ، لما يأتي أنه لا ينافي الإيمان ، بل الظاهر من بعض
الأخبار أن إيجاب الشك للكفر إذا انجر إلى الجحود ، كما روي أن أبا بصير سأل الصادق
عليه السلام ما تقول فيمن شك في الله تعالى ؟ قال : كافر ، قال : فشك في رسول الله
(ص) ؟ قال كافر ، ثم التفت إلى زرارة فقال : إنما يكفر إذا جحد . ثم علاجه أن يتذكر
أولا قضية بديهية ، هي : أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، ومنه يعلم إجمالا إن
أحد الشقوق العقلية المتصورة في المطلوب ثابت في الواقع ونفس الأمر والبواقي باطلة
، ثم يتص المقدمات المناسبة للمطلوب ويعرضها على الأقيسة المنطقية باستقصاء بليغ
واحتياط تام في كل طرف ، حتى يقف على موضع الخطأ ويجزم بحقية أحد الشقوق وبطلان
الآخر . والغرض من وضع المنطق (لا) سيما مباحث القيامات السوفسطائية المشتملة على
المغالطات إزالة هذا المرض . ولو كان ممن لا يقتدر على ذلك فالعلاج في حقه أن يواظب
على العبادة وقراءة القرآن ، ويشتغل بمطالعة الأحاديث وسماعها من أهلها ، ويجالس
الصلحاء والمتقين وأصحاب الورع وأهل اليقين ، لتكتسب نفسه بذلك نورانية يدفع بها
ظلمة شكه .
ـــــــــــــــــ
(1) الأنعام ، الآية : 82 .
الصفحة 124
وصل (اليقين) :
قد عرفت : إن ضد الجهل المركب والحيرة والشك هو (اليقين) وأول مراتبه اعتقاد ثابت
جازم مطابق للواقع غير زائل بشبهة وإن قويت ، فالاعتقاد الذي لا يطابق الواقع ليس
يقينيا ، وإن جزم به صاحبه واعتقد مطابقته للواقع ، بل هو - كما أشير إليه - جهل
مركب ينشأ عن اعوجاج القريحة ، أو خطأ في الاستدلال ، أو حصول مانع من إفاضة الحق
كتقليد أو عصبية أو غير ذلك . فاليقين من حيث اعتبار المطابقة للواقع فيه يكون ضدا
للجهل المركب . ثم العلم إن لم يعتبر فيه المطابقة للواقع ففرقه عن اليقين ظاهر ،
وإلا فيتساويان ويتشاركان في المراتب المثبتة لليقين . هذا ومتعلق اليقين إما أجزاء
الإيمان ولوازمه ، من وجود الواجب وصفاته الكمالية وسائر المباحث الإلهية من النبوة
وأحوال النشأة الآخرة ، أو غيرها من حقائق الأشياء التي لا يتم الإيمان بدونها .
ولا ريب في أن مطلق اليقين أقوى أسباب السعادة ، الأخروية ، لتوقف الإيمان عليه ،
بل هو أصله وركنه ، وغيره من المراتب فرعه وغصنه ، والنجاة في الآخرة لا تحصل إلا
به ، والفاقد له خارج عن زمرة المؤمنين داخل في حزب الكافرين . وبالجملة : اليقين
أشرف الفضائل الخلقية وأهمها ، وأفضل الكمالات النفسية وأعظمها ، وهو الكبريت
الأحمر الذي لا يظفر به إلا أوحدي من أعاظم العرفاء أو ألمعي من أكابر الحكماء .
ومن وصل إليه فاز بالرتبة القصوى والسعادة العظمى . قال سيد الرسل (ص) : أقل ما
أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ، ومن أوتي حظه منهما لم يبال ما فاته من صيام النهار
وقيام الليل ، وقال (ص) : اليقين الإيمان كله ، وقال (ص) : ما آدمي إلا وله ذنوب ،
ولكن من كانت غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب ، لأنه كلما أذنب ذنبا تاب
واستغفر وندم فتكفر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة . وقال الصادق عليه السلام :
إن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله تعالى من العمل الكثير على غير
يقين ، وعنه عليه السلام : إن الله
الصفحة 125
تعالى بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا ، وجعل الهم والحزن في الشك
والسخط . وفي وصية لقمان لابنه : يا بني ، لا يستطاع العمل إلا باليقين ، ولا يعمل
المرء إلا بقدر يقينه ، ولا يقصر عامل حتى ينقص يقينه
علامات صاحب اليقين :
ثم لصاحب اليقين علامات : (منها) ألا يلتفت في أموره إلى غير الله سبحانه ، ولا
يكون اتكاله في مقاصده إلا عليه ، ولا ثقته في مطالبه إلا به ، فيتبرى عن كل حول
وقوة سوى حول الله وقوته ، ولا يرى لنفسه ولا لأبناء جنسه قدرة على شيء ولا منشأية
لأثر . ويعلم أن ما يرد عليه منه تعالى وما قدر له وعليه من الخير والشر سيساق إليه
، فتستوي عنده حالة الوجود والعدم ، والزيادة والنقصان ، والمدح والذم ، والفقر
والغنى ، والصحة والمرض ، والعز والذل ، ولم يكن له خوف ورجاء إلا منه تعالى .
والسر فيه : أنه يرى الأشياء كلها من عين واحدة هو مسبب الأسباب ، ولا يلتفت إلى
الوسائط ، بل يراها مسخرة تحت حكمه . قال الإمام أبو عبد الله (ع) : من ضعف يقينه
تعلق بالأسباب ، ورخص لنفسه بذلك ، واتبع العادات وأقاويل الناس بغير حقيقة والسعي
في أمور الدنيا وجمعها وإمساكها ، مقرا باللسان أنه لا مانع ولا معطي إلا الله ،
وإن العبد لا يصيب إلا ما رزق وقسم له ، والجهد لا يزيد في الرزق ، وينكر ذلك بفعله
وقلبه ، قال الله سبحانه : (يَقُولُونَ
بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)
(1) . وقال - عليه السلام - : ليس شيء إلا وله حد قيل : فما حد التوكل ؟ قال :
اليقين ، قيل : فما حد اليقين ؟ قال : ألا تخاف مع الله شيئا . وعنه - عليه السلام
- : من صحة يقين المرء المسلم ألا يرضي
ـــــــــــــــــ
(1) الآية من سورة آل عمران : 161 . وهذا الحديث منقول عن (مصباح الشريعة ومفتاح
الحقيقة) المنسوب إلى الصادق - عليه السلام - . وهذا الكتاب قال فيه المجلسي - قدس
سره - في مقدمة البحار : فيه ما يريب اللبيب الماهر ، وأسلوبه لا يشبه سائر كلمات
الأئمة وآثارهم ، ثم قال : وإن سنده ينتهي إلى الصوفية ، ولذا اشتمل على كثير من
اصطلاحاتهم وعلى الرواية عن مشايخهم .
الصفحة 126
الناس بسخط الله ولا يلومهم على ما لم يؤته الله ، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا
ترده كراهية كاره ، ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لأدركه رزقه كما
يدركه الموت . (ومنها) أن يكون في جميع الأحوال خاضعا لله سبحانه ، خاشعا منه ،
قائما بوظائف خدمته في السر والعلن ، مواظبا على امتثال ما أعطته الشريعة من
الفرائض والسنن ، متوجها بشراشره إليه ، متخضعا متذللا بين يديه ، معرضا عن جميع ما
عداه ، مفرغا قلبه عما سواه ، منصرفا بفكره إلى جناب قدسه ، مستغرقا في لجة حبه
وأنسه . والسر أن صاحب اليقين عارف بالله وعظمته وقدرته ، وبأن الله تعالى مشاهد
لأعماله وأفعاله ، مطلع على خفايا ضميره وهواجس خاطره ، وأن :
(
فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ
شَرّاً يَرَهُ ) (1) . فيكون دائما في مقام الشهود لديه
والحضور بين يديه ، فلا ينفك لحظة عن الحياء والخجل والاشتغال بوظائف الأدب والخدمة
، ويكون سعيه في تخلية باطنه عن الرذائل وتحليته بالفضائل لعين الله الكالئة أشد من
تزيين ظاهره لأبناء نوعه . وبالجملة : من يقينه بمشاهدته تعالى لأعماله الباطنة
والظاهرة وبالجزاء والحساب ، يكون أبدا في مقام امتثال أوامره واجتناب نواهيه . ومن
يقينه بما فعل الله في حقه من أعطاء ضروب النعم والاحسان ، يكون دائما في مقام
الانفعال والخجل والشكر لمنعمه الحقيقي . ومن يقينه بما يعطيه المؤمنين في الدار
الآخرة من البهجة والسرور ، وما أعده لخلص عبيده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا
خطر على قلب أحد ، يكون دائما في مقام الطمع والرجاء . ومن يقينه باستناد جميع
الأمور إليه سبحانه ، وبأن صدور ما يصدر في العالم أنما يكون بالحكمة والمصلحة
والعناية الأزلية الراجعة إلى نظام الخير ، يكون أبدا في مقام الصبر والتسليم
والرضا بالقضاء من دون عروض تغير وتفاوت في حاله .
ـــــــــــــــــ
(1) الزلزال ، الآية : 8 - 9 .
الصفحة 127
ومن يقينه يكون الموت داهية من الدواهي العظمى وما بعده أشد وأدهى ، يكون أبدا
محزونا مهموما . ومن يقينه بخساسة الدنيا وفنائها ، لا يركن إليها . قال الصادق (ع)
في الكنز الذي قال الله تعالى :
(وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا) (1) . بسم الله الرحمن الرحيم
: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت لمن
أيقن بالدنيا وتقلبها بأهلها كيف يركن إليها . ومن يقينه بعظمة الله الباهرة وقوته
القاهرة ، يكون دائما في مقام الهيبة والدهشة . وقد ورد أن سيد الرسل - صلى الله
عليه وآله وسلم - كان من شدة خضوعه وخشوعه لله تعالى وخشيته منه تعالى بحيث إذا كان
يمشي يظن أنه يسقط على الأرض . ومن يقينه بكمالاته الغير المتناهية وكونه فوق
التمام ، يكون دائما في مقام الشوق والوله والحب . وحكايات أصحاب اليقين من
الأنبياء والمرسلين والأولياء والكاملين في الخوف والشوق وما يعتريهم من الاضطراب
والتغير والتلون وأمثال ذلك في الصلاة وغيرها مشهورة ، وفي كتب التواريخ والسير
مسطورة ، وكذا ما يأخذهم من الوله والاستغراق والابتهاج والانبساط بالله سبحانه .
وحكاية حصول تكرر الغشيات لمولانا أمير المؤمنين - عليه السلام في أوقات الخلوات
والمناجاة وغفلته عن نفسه في الصلوات مما تواتر عند الخاصة والعامة ، وكيف يتصور
لصاحب اليقين الواقعي بالله وبعظمته وجلاله وباطلاعه تعالى على دقائق أحواله ، أن
يعصيه في حضوره ولا يحصل له الانفعال والخشية والدهشة وحضور القلب والتوجه التام
إليه عند القيام لديه والمثول بين يديه ، مع أنا نرى أن الحاضر عند من له أدنى شوكة
مجازية من الملوك والأمراء مع رذالته وخساسته أولا وآخرا يحصل له من الانفعال
والدهشة والتوجه إليه بحيث يغفل عن ذاته .
ـــــــــــــــــ
(1) الكهف الآية : 82 .
الصفحة 128
(ومنها) أن يكون مستجاب الدعوات ، بل له الكرامات وخرق العادات . والسر فيه أن
النفس كلما ازدادت يقينا ازدادت تجردا ، فتحصل لها ملكة التصرف في موارد الكائنات .
قال الإمام أبو عبد الله الصادق - عليه السلام - : اليقين يوصل العبد إلى كل حال
سني ومقام عجيب ، كذلك أخبر رسول الله - صلى الله عليه وآله - من عظم شأن اليقين
حين ذكر عنده أن عيسى بن مريم - عليه السلام - كان يمشي على الماء ، فقال : لو زاد
يقينه لمشي في الهوى . فهذا الخبر دل على أن الكرامات تزداد بازدياد اليقين ، وأن
الأنبياء مع جلالة محلهم من الله متفاوتون في قوة اليقين وضعفه .
مراتب اليقين :
وقد ظهر مما ذكر : أن اليقين جامع جميع الفضائل ولا ينفك عن شيء منها ، ثم له مراتب
: (أولها) علم اليقين ، وهو اعتقاد ثابت جازم مطابق للواقع - كما مر - وهو يحصل من
الاستدلال باللوازم والملزومات ، ومثاله اليقين بوجود النار من مشاهدة الدخان .
و(ثانيها) عين اليقين ، وهو مشاهدة المطلوب ورؤيته بعين البصيرة والباطن ، وهو أقوى
في الوضوح والجلاء من المشاهدة بالبصر ، وإلى هذه المرتبة أشار أمير المؤمنين (ع)
بقوله : لم أعبد ربا لم أره بعد سؤال ذعلب اليماني عنه - عليه السلام - : أرأيت ربك
؟ وبقوله - عليه السلام - : رأى قلبي ربي . وهو إنما يحصل من الرياضة والتصفية
وحصول التجرد التام للنفس ، ومثاله اليقين بوجود النار عند رؤيتها عيانا .
و(ثالثها) حق اليقين ، وهو أن تحصل وحدة معنوية وربط حقيقي بين العاقل والمعقول ،
بحيث يرى العاقل ذاته رشحة من المعقول ومرتبطا به غير منفك عنه ، ويشاهد دائما
ببصيرته الباطنة فيضان الأنوار والآثار منه إليه ، ومثاله اليقين بوجود النار
بالدخول فيها من غير احتراق . وهذا إنما يكون لكمل العارفين بالله المستغرقين في
لجة حبه وأنسه ، المشاهدين ذواتهم بل سائر الموجودات من رشحات فيضه الأقدس ، وهم
الصديقون الذين قصروا أبصارهم الباطنة على ملاحظة جماله ومشاهدة أنوار جلاله .
وحصول هذه المرتبة يتوقف على مجاهدات شاقة
الصفحة 129
ورياضات قوية ، وترك رسوم العادات وقطع أصول الشهوات ، وقلع الخواطر النفسانية وقمع
الهواجس الشيطانية ، والطهارة عن أدناس جيفة الطبيعة ، والتنزه عن زخارف الدنيا
الدنية ، وبدون ذلك لا يحصل هذا النوع من اليقين والمشاهدة : وكيف ترى ليلي بعين
ترى بها * سواها وما طهرتها بالمدامع ثم فوق ذلك مرتبة يثبتها بعض أهل السلوك
ويعبرون عنه (بحقيقة حق اليقين) والفناء في الله ، وهو أن يرى العارف ذاته مضمحلا
في أنوار الله محترقا من سبحات وجهه ، بحيث لا يرى استقلالا ولا تحصيلا أصلا ،
ومثاله اليقين بوجود النار بدخوله فيها واحتراقه منها . ثم لا ريب في أن اليقين
الحقيقي النوراني المبري عن ظلمات الأوهام والشكوك ولو كان من المرتبة الأولى لا
يحصل من مجرد الفكر والاستدلال ، بل يتوقف حصوله على الرياضة والمجاهدة وتصقيل
النفس وتصفيتها عن كدورات ذمائم الأخلاق وصدأها ، ليحصل لها التجرد التام فتحاذي
شطر العقل الفعال ، فتتضح فيها جلية الحق الاتضاح . والسر أن النفس بمنزلة المرآة
تنعكس إليها صور الموجودات من العقل الفعال ، ولا ريب في أن انعكاس الصور من ذوات
الصور إلى المرآة يتوقف على تمامية شكلها وصقالة جوهرها وحصول المقابلة وارتفاع
الحائل بينهما والظفر بالجهة التي فيها الصور المطلوبة ، فيجب في انعكاس حقائق
الأشياء من العقل إلى النفس : 1 - عدم نقصان جوهرها ، فلا يكون كنفس الصبي التي لا
تنجلي لها المعلومات لنقصانها 2 - وصفاؤها عن كدورات ظلمة الطبيعة وأخباث المعاصي ،
ونقاؤها عن رسوم العادات وخبائث الشهوات ، وهو بمنزلة الصقالة عن الخبث والصدأ 3 -
وتوجهها التام وانصراف فكرها إلى المطلوب ، فلا يكون مستوعب ألهم بالأمور الدنيوية
وأسباب المعيشة وغيرهما من الخواطر المشوشة لها . وهو بمنزلة المحاذاة 4 - وتخليتها
عن التعصب والتقليد . وهو بمثابة ارتفاع الحجب 5 - واستحصال المطلوب من تأليف
مقدمات مناسبة للمطلوب على الترتيب المخصوص والشرائط المقررة ، وهو بمنزلة العثور
على الجهة التي فيها الصورة .
الصفحة 130
ولولا هذه الأسباب المانعة للنفوس عن إفاضة الحقائق اليقينية إليها ، لكانت عالمة
بجميع الأشياء المرتسمة في العقول الفعالة ، إذ كل نفس لكونها أمرا ربانيا وجوهرا
ملكوتيا فهي بحسب الفطرة صالحة لمعرفة الحقائق ، ولذا امتازت عن سائر المخلوقات من
السماوات والأرض والجبال ، وصارت قابلة لحمل أمانة الله (1) التي هي المعرفة
والتوحيد ، فحرمان النفس عن معرفة أعيان الموجودات إنما هو لأحد هذه الموانع ، وقد
أشار سيد الرسل - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى مانع التعصب والتقليد بقوله - صلى
الله عليه وآله وسلم - كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه ويمجسانه
(2) وينصرانه ، وإلى مانع كدورات المعاصي وصدأها بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم
- : لولا أن الشياطين يحرمون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض .
فلو ارتفعت عن النفس حجب السيئات والتعصب وحاذت شطر الحق الأول تجلت لها صورة عالم
الملك والشهادة بأسره ، إذ هو متناه يمكن لها الإحاطة به ، وصورة عالمي الملكوت
والجبروت بقدر ما يتمكن منه بحسب مرتبته ، لأنهما الأسرار الغائبة عن مشاهدة
الأبصار المختصة بإدراك البصائر ، وهي غير متناهية ، وما يلوح منها للنفس متناه ،
وإن كانت في نفسها وبالإضافة إلى علم الله سبحانه غير متناهية ، ومجموع تلك العوالم
يسمى ب (العالم الربوبي) ، إذ كل ما في الوجود من البداية إلى النهاية منسوب إلى
الله سبحانه ، وليس في الوجود سوى الله سبحانه وأفعاله وآثاره ، فالعالم الربوبي
والحضرة الربوبية هو العالم المحيط بكل الموجودات ، فعدم تناهيه
ـــــــــــــــــ
(1) إشارة إلى قوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن
يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا الأحزاب ، الآية : 72 .
(2) روى السيد المرتضى علم الهدى هذا الحديث في الجزء الثالث من أماليه بدون كلمة
(يمجسانه) ، وكذا في غوالي اللئالي ، إلا أن المعروف في روايته إضافة كلمة
(يمجسانه) ولكنها بعد كلمة (ينصرانه) ، كما أرسلها في مجمع البيان : ج 8 ص 303 طبع
صيدا ، وكذا في مجمع البحرين في مادة (فطر) ، وكذا في صحيح البخاري : ج 1 ص 206 ،
وصحيح مسلم : ج 2 ص 413 ، ومعالم التنزيل في هامش تفسير الخازن : ج 5 ص 172 ، وغير
هؤلاء .
الصفحة 131
ظاهر بين ، فلا يمكن للنفس أن تحيط بكله ، بل يظهر لها منه بقدر قوتها واستعدادها ،
ثم بقدر ما يحصل للنفس من التصفية والتزكية وما يتجلى لها من الحقائق والأسرار ،
ومن معرفة عظمة الله ومعرفة صفات جلاله ونعوت جماله ، تحصل لها السعادة والبهجة
واللذة والنعمة في نعيم الجنة ، وتكون سعة مملكته فيها بحسب سعة معرفته بالله
وبعظمته وبصفاته وأفعاله ، وكل منها لا نهاية له . ولذا لا تستقر النفس في مقام من
المعرفة . والبهجة والكمال والتفوق والغلبة تكون غاية طلبتها ، ولا تكون طالبة لما
فوقها . وما اعتقده جماعة من أن ما يحصل للنفس من المعارف الإلهية والفضائل الخلقية
هي الجنة بعينها فهو عندنا باطل ، بل هي موجبة لاستحقاق الجنة التي هي دار السرور
والبهجة . ومنها :
• الشرك :
وهو أن يرى في الوجود مؤثرا غير الله سبحانه ، فإن عبد هذا الغير - سواء كان صنما
أو كوكبا أو إنسانا أو شيطانا - كان شرك عبادة ، وإن لم يعبده ولكن لاعتقاده كونه
منشأ أثر أطاعه فيما لا يرضي الله فهو شرك طاعة ، والأول يسمى بالشرك الجلي ،
والثاني يسمى بالشرك الخفي ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللّهِ إِلّا وَهُم مُشْرِكُونَ) (1) . وكون الشرك أعظم الكبائر الموبقة وموجبا لخلود النار مما لا
ريب فيه وقد أنعقد عليه إجماع الأمة ، والآيات والأخبار الواردة به خارجة عن حد
الاحصاء . ثم للشرك مراتب تظهر في بحث ضده الذي هو التوحيد ، والشرك وإن كان شعبة
من الجهل ، كما أن التوحيد الذي هو ضده من أفراد اليقين والعلم ، فذكرهما على حدة
لم يكن لازما هنا ، إلا أنه لما كان المتعارف ذكر التوحيد في كتب الأخلاق . فنحن
أيضا ذكرنا له عنوانا على حدة تأسيا بها ، وأشرنا إلى لمعة يسيرة منه ، إذ
الاستقصاء فيه والخوض في غمراته مما ليس
ـــــــــــــــــ
(1) يوسف ، الآية : 106
الصفحة 132
في وسعنا ولا يليق هنا ، فإن التوحيد هو البحر الخضم الذي لا ساحل له .
وصل: التوحيد في الفعل
ضد الشرك (التوحيد) ، وهو إما توحيد في أصل الذات بمعنى عدم تركيب خارجي وعقلي في
ذاته تعالى وعينية وجوده وصفاته لذاته ، ويلزمه كونه تعالى صرف الوجود وبحته ، أو
توحيد في وجوب وجوده بمعنى نفي الشرك في وجوب الوجود عنه (ولا بحث لنا هنا عن إثبات
هذين القسمين لثبوتهما في الحكمة المتعالية) ، أو توحيد في الفعل والتأثير والإيجاد
، بمعنى أن لا فاعل ولا مؤثر إلا هو ، وهو الذي نذكر هنا مراتبه وما يتعلق به ،
فنقول : هذا التوحيد - على ما قيل - له أربع مراتب : قشر ، وقشر القشر ، ولب ، ولب
اللب كالجوز الذي له قشرتان وله لب ، واللب دهن وهو لب اللب . (فالمرتبة الأولى) أن
يقول الإنسان باللسان : لا إله إلا الله ، وقلبه منكر وغافل عنه ، كتوحيد المنافقين
، وهذا توحيد بمجرد اللسان ولا فائدة فيه إلا حفظ صاحبه في الدنيا من السيف والسنان
. (الثانية) أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه ، كما هو شأن عموم المسلمين ، وهو اعتقاد
العوام وصاحبه موحد ، بمعنى أنه معتقد بقلبه خال عن التكذيب بما انعقد عليه قلبه .
وهو عقد على القلب لا يوجب انشراحا وانفتاحا صفاء له . ولكنه يحفظ صاحبه عن العذاب
في الآخرة إن مات عليه ولم يضعف بالمعاصي . (الثالثة) أن يشاهد ذلك بطريق الكشف
بواسطة نور الحق ، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها بكثرتها صادرة عن الواحد
الحق ، وهو مقام المقربين ، وصاحبه موحد ، بمعنى أنه لا يشاهد إلا فاعلا ومؤثرا
واحدا ، لأنه انكشف له الحق كما هو عليه . (الرابعة) لا يرى في الوجود إلا واحدا ،
ويسميه أهل المعرفة الفناء في التوحيد ، لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا . فلا يرى
نفسه أيضا ، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقا بالواحد كان فانيا عن نفسه في توحيده ،
بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه ، وهو مشاهدة الصديقين ، وصاحبه موحد بمعنى أنه لم يحضر
في شهوده غير الواحد ، فلا يرى الكل من حيث أنه كثير بل من حيث أنه واحد . وهذه هي
الغابة القصوى في التوحيد . |