|
الصفحة 133
فالمرتبة الأولى : كالقشرة العليا من الجوز ، وكما أن هذه القشرة لا خير فيها أصلا
، بل إن أكلتها فهي مر المذاق ، وإن نظرت إلى باطنها فهو كريه المنظر ، وإن اتخذتها
حطبا أطفأت النار وأكثرت الدخان ، وإن تركتها في البيت ضيقت المكان ، فلا تصلح إلا
أن تترك مدة على الجوز لحفظ القشرة السفلى ، ثم ترمى ، فكذلك التوحيد بمجرد اللسان
عديم الجدوى كثير الضرر مذموم الظاهر والباطن ، لكن ينفع مدة في حفظ المرتبة
الثانية إلى وقت الموت . والمرتبة الثانية : كالقشرة السفلى ، فكما أن هذه القشرة
ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا ، فإنها تصون اللب عن الفساد عند الادخار ،
وإذا فصلت أمكن أن ينتفع بها حطبا ، ولكنها نازلة القدر بالإضافة إلى اللب ، فكذلك
مجرد الاعتقاد من غير كشف كثير النفع بالنسبة إلى مجرد نطق اللسان ، إذ تحصل به
النجاة في الآخرة ، لكنه ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف والعيان الذي يحصل بانشراح
الصدر وانفتاحه بإشراق نور الحق فيه . والمرتبة الثالثة : كاللب ، وكما أن اللب
نفيس في نفسه بالإضافة إلى القشر وكأنه المقصود لكنه لا يخلو عن شرب عصارة بالإضافة
إلى الدهن منه ، فكذلك توحيد الفعل على طريق الكشف مقصد عال للسالكين ، إلا أنه لا
يخلو عن شوب ملاحظة الغير والالتفات إلى الكثرة بالإضافة إلى من لا يشاهد سوى
الواحد الحق . والمرتبة الرابعة : كالدهن المستخرج من اللب ، وكما أن اللب هو
المطلوب بذاته والمرغوب في نفسه ، فكذلك قصر النظر على مشاهدة الحق الأول هو
المقصود لذاته والمحبوب في نفسه . تنبيه إن قيل : كيف يمكن تحقيق المرتبة الرابعة
من التوحيد لتوقفها على عدم مشاهدة غير الواحد ، مع أن كل أحد يشاهد الأرض والسماء
وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة ، فكيف يكون الكثير واحدا ؟ (قلنا) : من تيقن أن
الممكنات بأسرها إعدام صرفة في نفسها ، وإن ما به تحققها من الله سبحانه ، ثم أحاط
على قلبه نور عظمته وجلاله بحيث بهره وغلب على قلبه الحب والأنس حتى عن غيره أغفله
، فأي استبعاد في أن يوجب شدة استغراقه في لجة العظمة والجلال والكمال والجمال
وغلبة الحب والأنس عليه مع عدمية الكثرة ووحدة ما به التحقق عنده ورسوخ ذلك ،
وارتكازه في ج : 1
الصفحة 134
قلبه أن لا يرى في نظر شهوده إلا هو ، ويغيب عنه غيره ، لقصر نظر بصيرته الباطنة
على ما هو الحقيقة والواقع . ومما يكسر سورة استبعادك : إن المشغول بالسلطان
والمستغرق في ملاحظة سطوته ربما غفل عن مشاهدة غيره وإن العاشق قد يستغرق في مشاهدة
جمال معشوقه ويبهره حبه بحيث لا يرى غيره ، مع تحقق الكثرة عنده ، وإن الكواكب
موجودة في النهار مع إنها لا ترى لمغلوبية أنوارها واضمحلالها في جنب نور الشمس ،
فإذا جاز أن يغلب نور الشمس على نور الكواكب ويقهرها بحيث يضمحل ويغيب عن بصر
الظاهر ، فأي استبعاد في أن يغلب نور الوجود الحقيقي القاهر على الموجودات الضعيفة
الإمكانية ويقهرها ، بحيث يغيب عن نظر العقل والبصيرة ، ثم هذه المشاهدات التي لا
يظهر فيها إلا الله الواحد الحق لا تدوم ، بل هي كالبرق الخاطف والدوام فيها عزيز
نادر .
فصل ابتناء التوكل على حصر المؤثر في الله تعالى
إعلم : أنه لا يمكن التوكل على الله تعالى في الأمور حق التوكل إلا بالبلوغ إلى
المرتبة الثالثة من التوحيد ، وهي التي يرتبط بها التوكل دون غيرها من المراتب ، إذ
المرتبة الرابعة لا يتوقف ولا يبتني عليها التوكل ، والأولى مجرد نفاق لا يفيد شيئا
، والثانية - أعني مجرد التوحيد بالاعتقاد - لا يورث حال توكل كما ينبغي ، فإنه
موجود في عموم المسلمين مع عدم وجود التوكل كما ينبغي فيهم . فالمناط في التوكل هو
ثالث المراتب في التوحيد ، وهو أن ينكشف للعبد بنور الحق أن لا فاعل إلا الله ، وإن
كل موجود : من خلق ورزق ، وعطاء ومنع ، وغنى وفقر ، وصحة ومرض ، وعز وذل ، وحياة
وموت . . إلى غير ذلك مما يطلق عليه اسم ، فالمتفرد بإبداعه واختراعه هو الله تعالى
لا شريك له فيه ، وإذا انكشف له هذا لم ينظر إلى غيره ، بل كان منه خوفه وإليه
رجاؤه ، وبه ثقته وعليه اتكاله ، فإنه الفاعل بالانفراد دون غيره ، وما سواه مسخرون
لا استقلال لهم بتحريك ذرة في ملكوت السماوات والأرض وإذا انفتح له أبواب المعارف
اتضح له هذا اتضاحا أتم من المشاهدة بالبصر ، وإنما يصده الشيطان عن هذا التوحيد ،
ويوقع في قلبه شائبة الشرك بالالتفات
الصفحة 135
إلى بعض الوسائط التي يتراءى في بادي النظر منشئيتها لبعض الأمور ، كالاعتماد على
الغيم في نزول المطر ، وعلى المطر في خروج الزرع ونباته ونمائه وعلى الريح في
استواء السفينة وسيرها ، وعلى بعض نظرات الكواكب واتصالاتها في حدوث بعض الحوادث في
الأرض ، وكالالتفات إلى اختيار بعض الحيوانات وقدرتها على بعض الأفعال ، فيوسوس
الشيطان في قلبه ويقول له : كيف ترى الكل من الله تعالى ، وهذا الإنسان يعطيك رزقك
باختياره فإن شاء أعطاك وإن شاء منع ، وهذا الشخص قادر على حز رقبتك بسيفه فإن شاء
حز رقبتك وإن شاء عفى عنك ، فكيف لا تخافه ولا ترجوه وأمرك بيده ، وأنت تشاهد ذلك
ولا تشك فيه ؟ ولا ريب في أن أمثال هذه الالتفاتات جهل بحقائق الأمور ، ومن مكن
الشيطان وسلطه على نفسه حتى يوقع هذه الوساوس في قلبه فهو من الجاهلين بأبواب
المعارف ، إذ من انكشف له أمر العالم كما هو عليه ، علم أن السماء والكواكب والريح
والغيم والمطر والانسان والحيوان . . وغير ذلك من المخلوقات كلهم مقهورون مسخرون
للواحد الحق الذي لا شريك له ، فيعلم أن الريح مثلا هواء ، والهواء لا يتحرك بنفسه
ما لم يحركه محرك ، وهذا المحرك لا يحرك الهواء ما لم يحركه على التحريك محرك آخر .
. وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول الذي لا محرك له ولا هو متحرك في نفسه .
وكذا الحال في توسط غيره من الأفلاك ونجومها ، وكائنات الجو ، والموجودات على الأرض
من الجماد والنبات والحيوان . فالتفات العبد في نجاته إلى بعض الأشياء من الرياح
والأمطار أو الإنسان أو الحيوان يضاهي التفات من أخذ لتنجز رقبته ، فأمر الملك
كاتبه بأن يكتب توقيعا بالعفو عنه وتخليته ، فأخذ العبد يشتغل بمدح الحبر أو الكاغد
أو القلم أو الكاتب ، ويقول : لولا الحبر أو القلم أو الكاغد أو الكاتب ما تخلصت ،
فيرى نجاته من الحبر والكاغد دون القلم أو من القلم دون محركه - أعني الكاتب - أو
من الكاتب دون الملك الذي هو محرك الكاتب ومسخره . ومن علم أن القلم لا حكم له في
نفسه وإنما هو مسخر في يد الكاتب وإن الكاتب لا حكم له وإنما هو مسخر تحت يد الملك
،
الصفحة 136
لم يلتفت إلى القلم والكاتب ولم يشكر إلا الملك ، بل ربما يدهشه فرح النجاة وشكر
الملك عن أن يخطر بباله الكاغد والحبر والقلم والكاتب . ولا ريب في أن جميع
المخلوقات من الشمس والقمر والنجوم والغيم والمطر والأرض وكل حيوان أو جماد مسخرات
في قبضة القدرة ، كتسخير القلم في يد الكاتب وتسخير الكاتب في يد السلطان ، بل هذا
تمثيل في حق العبد أن الكاتب هو الله سبحانه كما قال تعالى :
(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنّ اللّهَ رَمَى) (1) . فمن انكشف له أن جميع ما في السماوات والأرض مسخرات للواجب الحق ،
لم ير في الوجود مؤثر إلا هو ، وانصرف عنه الشيطان خائبا ، وأيس عن مزج توحيده بهذا
الشرك . وأما من لم ينشرح بنور الله صدره ، قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السماوات
والأرض ومشاهدة كونه وراء الكل ، فوقف في الطريق على بعض المسخرات ، وهو جهل محض .
وغلطه في ذلك كغلط النملة مثلا لو كانت تدب على الكاغد فترى رأس القلم يسود الكاغد
، ولم يمتد بصرها إلى الأصابع واليد ، فضلا عن صاحب اليد ، وظنت أن القلم هو المسود
للبياض وذلك لقصور بصرها عن مجاوزة رأس القلم لضيق حدقتها .
فصل مناجاة السر لأرباب القلوب
قال بعض العارفين (2) : أرباب القلوب والمشاهدات قد أنطق الله في حقهم كل ذرة في
الأرض والسماوات بقدرته التي أنطق بها كل شيء ، حتى سمعوا تقديسها وتسبيحها
وشهادتها على نفسها بالعجز ، بلسان الواقع الذي هو ليس بعربي ولا أعجمي ، وليس فيه
حرف وصوت ، ولا يسمعه أحد إلا
ـــــــــــــــــ
(1) الأنفال ، الآية : 17 .
(2) المقصود به (أبو حامد الغزالي) في إحياء العلوم ،
راجع الجزء الرابع ص 114 المطبوع بالمطبعة العثمانية بمصر سنة 1352 ، وسترى أن هذه
الفصول مقتبسة منه بتغيير في العبارة وتقديم وتأخير . وكذلك هذا الفصل المنقول عنه
فيه تغيير واختصار كثير ، وصاحب الكتاب اعترف - فيما سيأتي - باقتباس هذه الفصول من
الغزالي .
الصفحة 137
بالسمع العقلي الملكوتي دون السمع الظاهر الحسي الناسوتي ، وهذا النطق الذي لكل ذرة
من الأرض السماوات مع أرباب القلوب إنما هو (مناجاة السر) ، وذلك مما لا ينحصر ولا
يتناهى ، فإنها كلمات تستمد (1) من بحر كلام الله
الذي لا نهاية له :
(قُل لّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ
أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (2)
. ثم إنها لما كانت مناجية بأسرار الملك والملكوت ، وليس كل أحد موضعا للسر ، بل
صدور الأحرار قبور الأسرار ، فاختصت مناجاتها بالأحرار من أرباب القلوب . وهم أيضا
لا يحكون هذه الأسرار لغيرهم ، إذ إفشاء السر لؤم ، وهل رأيت قط أمينا على أسرار
الملك قد نوجي بخفاياه فينادي بها على الملأ من الخلق ، ولو جاز إفشاء كل سر لما
نهى النبي (ص) عن إفشاء سر القدر ، ولما خص أمير المؤمنين عليه السلام ببعض الأسرار
، ولما قال صلى الله عليه وآله وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم
كثيرا ، بل كان يذكر لهم ذلك حتى يبكون ولا يضحكون . فأذن عن حكايات مناجاة ذرات
الملك والملكوت لقلوب أرباب المشاهدة مانعان : (أحدهما) المنع عن إفشاء السر ،
(وثانيهما) خروج كلماتها عن الحصر والنهاية . ونحن نحكي في فعل الكتابة قدرا يسيرا
من مناجاة بعض ما يرى أسبابا ووسائط ، وإقرارها بالعجز على أنفسها ، ليقاس عليه
جميع الأفعال الصادرة عن جميع الأسباب والوسائط المسخرة تحت قدرة الله ، ويفهم به
على الإجمال كيفية ابتناء التوكل عليه ، ونرد لضرورة التفهم كلماتها الملكوتية إلى
الحروف والأصوات ، وإن لم تكن أصواتا وحروفا ، فنقول : قال بعض الناظرين عن مشكاة
نور الله للكاغد ، وقد رأى وجهه اسود بالحبر : لم سودت وجهك وقد كان أبيض مشرفا ؟ .
فقال : ما سودت وجهي ، وإنما سوده الحبر ، فاسأله لم فعل كذا ؟ فسأل الحبر عن ذلك ،
فقال : هذا السؤال على القلم الذي
ـــــــــــــــــ
(1) وفي نسختنا الخطية : (لأنها كلام يستمد) . ولكن الموجود في المطبوعة وفي نسخة
إحياء العلوم كما أثبتناه في المتن .
(2) الكهف ، الآية : 109 .
الصفحة 138
أخرجني من مستقري ظلما . فسأل القلم ، فأحاله إلى اليد والأصابع ، وهي إلى القدرة
والقوة ، وهي إلى الإرادة ، معترفا كل واحد منهم بعجز نفسه ، وبكونه مقهورا مسخرا
تحت قهر المحال عليه من دون استطاعة لمخالفته . ولما سأل الإرادة ، قالت : ما
انتهضت بنفسي ، بل بعثت على أشخاص القدرة وإنهاضها ، وبحكم رسول قاهر ورد علي من
حضرة القلب بلسان العقل ، وهذا الرسول هو العلم ، فالسؤال عن انتهاضي يتوجه على
العقل والقلب والعلم . ولما سألها قال (العقل) : أما أنا فسراج ما اشتعلت بنفسي
ولكني أشعلت . وقال (القلب) : أما أنا فلوح ما انبسطت بنفسي ولكني بسطت . وقال
(العلم) : أما أنا فنقش نقشت في لوح القلب لما أشرق سراج العقل ، وما انتقشت بنفسي
بل نقشني غيري ، فسل القلم الذي نقشني ورسمني على لوح القلب بعد اشتعال سراج العقل
. وعند هذا تحير السائل وقال : ما هذا القلم وهذا اللوح وهذا الخط وهذا السراج ؟
فإني لا أعلم قلما إلا من القصب ، ولا لوحا إلا من الحديد أو الخشب ، ولا خطا إلا
بالحبر ، ولا سراجا إلا من النار . وإني لأسمع في هذا المنزل حديث اللوح والقلم
والخط والسراج ، ولا أشاهد من ذلك شيئا . فقال له (العلم) : فإذن بضاعتك مزجاة ،
وزادك قليل ، ومركبك ضعيف ، والمهالك في الطريق الذي توجهت إليه كثيرة ، فإن كنت
راغبا في استتمام الطريق إلى المقصد ، فاعلم أن العوالم في طريقك ثلاثة : (أولها)
عالم الملك والشهادة ، وقد كان الكاغد والحبر والقلم واليد والأصابع من هذا العلم ،
وقد جاوزت تلك المنازل على سهولة ، (وثانيها) عالم الملكوت الأسفل ، وهو يشبه
السفينة التي بين الأرض والماء ، فلا هي حد اضطراب الماء ، ولا هي في حد الأرض
وثباتها ، والقدرة والإرادة والعلم من منازل هذا العالم . (وثالثها عالم الملكوت
الأعلى ، وهو من ورائي ، فإذا
الصفحة 139
جاوزتني انتهيت إلى منازله . وأول منازله القلم الذي يكتب به العلم على لوح القلب .
وفي هذا العالم المهامه الفسيحة والجبال الشاهقة والبحار المغرقة . فقال له السائل
السالك : قد تحيرت في أمري ولست أدري أني أقدر على قطع هذا الطريق المخوف أم لا ،
فهل لذلك علامة أعرف بها تمكني على قطع هذا الطريق ؟ . فقال : نعم ! افتح بصرك ،
واجمع ضوء عينك وحدقه نحوي ، قال ظهر لك القلم الذي به يكتب في لوح القلب ، فيشبه
أن تكون أهلا لهذا الطريق ، فإن كل من جاوز الملكوت الأسفل وقرع أول باب من الملكوت
الأعلى كوشف بالقلم . أما ترى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كوشف به وأنزل
عليه قوله تعالى - : اقرأ بأسم ربك الذي خلق . . . إلى قوله :
(
اقْرَأْ وَرَبّكَ الأكْرَمُ * الّذِي عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الإِنسَانَ
مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (1) . وهذا القلم قلم إلهي ليس بقصب ولا
خشب . أوما سمعت أن متاع البيت يشبه رب البيت ؟ وقد علمت أن الله تعالى لا تشبه
ذاته سائر الذوات ، فليس في ذاته بجسم ولا هو في مكان ، فكذلك لا تشبه يده سائر
الأيدي ، ولا قلمه سائر الأقلام ، ولا كلامه سائر الكلام ، ولا خطه سائر الخطوط بل
هذه أمور إلهية من عالم الملكوت الأعلى ، فليست يده من لحم وعظم ودم ، ولا قلمه من
قصب ، ولا لوحه من خشب ، ولا كلامه من صوت وحرف ، ولا خطه من نقش ورسم ورقم ، ولا
حبره من زاج وعفص . فإن كنت لا تشاهد هذا هكذا فأنت من أهل التشبيه والتجسم وما
عرفت ربك ، إذ لو نزهت ذاته تعالى وصفاته عن ذات الأجسام وصفاتها ونزهت كلامه عن
الحروف والأصوات ، فما بالك تتوقف في يده وقلمه ولوحه وخطه ، ولا تنزهها عن الجسمية
والتشبيه بغيرها ؟ . فلما سمع السائل السالك من العلم ذلك ، استشعر قصور نفسه وفتح
بصر بصيرته ، بعد الابتهال إلى ربه ، فانكشف له القلم الإلهي ، فإذا هو
ـــــــــــــــــ
(1) العلق ، الآية : 1 ، 3 - 5 .
الصفحة 140
كما وصفه العلم ، ما هو من خشب ولا قصب ، ولا له رأس ولا ذنب ، وهو يكتب على الدوام
في قلوب البشر أصناف العلم ، فشكر العلم وودعه ، وسافر إلى حضرة القلم الإلهي ،
وقال له : أيها القلم ! مالك تخط على الدوام في القلوب من العلوم ما تبعث به
الإرادات إلى إنهاض القدرة وأشخاصها وصرفها المقدورات ؟ . فقال له (القلم الإلهي) :
أفنسيت ما رأيت في عالم الملك وسمعته من جواب القلم الآدمي حيث أحالك إلى اليد ؟
فجوابي مثل جوابه ، فإني مسخر تحت يد الله تعالى الملقبة ب (يمين الملك) ، فاسأله
عن شأني فإني في قبضته وهو الذي يرددني ، وأنا مقهور مسخر ، فلا فرق بين القلم
الإلهي والقلم الآدمي في معنى التسخير ، وإنما الفرق في ظاهر الصورة . فقال السائل
: من يمين الملك ؟ . قال القلم : أما سمعت قوله تعالى : (وَالْسّمَاوَاتُ
مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ) ؟
(1) . قال : نعم ! سمعته . قال : والأقلام أيضا في قبضته وهو الذي يرددها . فسافر
السائل من عند القلم إلى اليمين ، حتى شاهده ، ورأى من عجائبه ما يزيد على عجائب
القلم ، ورأى أنه يمين لا كالأيمان ، ويد لا كالأيدي ، وإصبع لا كالأصابع ، فرأى
القلم متحركا في قبضته ، فسأله عن سبب تحريكه القلم . فقال : جوابي ما سمعته من
اليمين التي رأيتها في عالم الشهادة ، وهو الحوالة على القدرة ، إذ اليد لا حكم لها
في نفسها ، وإنما محركها القدرة . فسافر إلى عالم القدرة ورأى فيها من العجائب ما
استحقر لأجلها ما قبلها ، فسألها عن سبب تحريكها اليمين . فقالت : إنما أنا صفة
فاسأل القادر ، إذ العهدة على الموصوف دون الصفة . وعند هذا كاد أن يزيغ قلب السائل
، وينطلق بالجرأة لسان السؤال ،
ـــــــــــــــــ
(1) الزمر ، الآية : 67 .
1
الصفحة 141
فثبت بالقول الثابت ونودي من وراء سرادقات الحضرة : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
(1) . فغشيته دهشة الحضرة ، فخر صعقا في غشيته مدة ، فلما أفاق قال : سبحانك ! ما
أعظم شأنك وأعز سلطانك ، تبت إليك وتوكلت عليك ، وآمنت بأنك الملك الجبار الواحد
القهار ، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك ، ولا أعوذ إلا بعفوك من عقابك ، وبرضاك من
سخطك ، وما لي إلا أن أسألك وأتضرع إليك ، وأقول : (إشرح في صدري) لأعرفك ،
(وَاحْلُلْ
عُقْدَةً مِن لِسَانِي)
(2) لاثني عليك . فنودي من وراء الحجاب : إياك أن تطمع في الثناء ،
فإن سيدا الأنبياء - صلى الله عليه وآله وسلم - ما زاد في هذه الحضرة على أن قال :
( سبحانك لا أثني ثناء عليك كما أنت أثنيت على نفسك) . وإياك أن تطمع في المعرفة ،
فإن سيد الأوصياء قال : (العجز عن درك الإدراك إدراك ، والفحص عن سر ذات السر
إشراك) . فيكفيك نصيبا من حضرتنا أنك عاجز عن ملاحظة جلالنا وجمالنا ، وقاصر عن
إدراك دقائق حكمنا وأفعالنا . فعند هذا رجع السائل السالك ، واعتذر عن أسئلته
ومعاتبته ، وقال للقدرة واليمين والقلم والعلم والإرادة والقدرة وما بعدها : أقبلوا
عذري فإني كنت غريبا جديد العهد بالدخول في هذه البلاد . والآن قد صح عندي عذركم
وانكشف لي أن المتفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت هو الواحد القهار ، وما أنتم
إلا مسخرون تحت قهره وقدرته ، مرددون في قبضته ، وهو الأول بالإضافة إلى الوجود ،
إذ صدر منه الكل على ترتيبه واحدا بعد واحد ، وهو الآخر بالإضافة إلى سير المسافرين
إليه ، فإنهم لا يزالون مترقين من منزل إلى منزل إلى أن يقع الانتهاء إلى حضرته ،
فهو أول في الوجود وآخر في المشاهدة ، وهو الظاهر بالإضافة إلى من يطلبه بالسراج
الذي اشتعل في قلبه بالبصيرة الباطنة النافذة في عالم الملكوت ، وهو الباطن
ـــــــــــــــــ
(1) الأنبياء ، الآية : 23 .
(2) طه ، الآية : 25 ، 27 .
الصفحة 142
بالإضافة إلى العاكفين في عالم الشهادة الطالبين لإدراكه بالحواس . وهذا هو التوحيد
في الفعل للسالكين ، الذين انكشف لهم وحدة الفاعل بالمشاهدة واستماع كلام ذرات
الملك والملكوت ، وهو موقوف على الإيمان بعالم الملكوت والتمكن من المسافرة إليه
واستماع الكلام من أهله . ومن كان أجنبيا من هذا العالم ولم يكن له استعداد الوصول
إليه ولم يمكنه أن يسلك السبيل الذي ذكرناه ، فينبغي أن يرد مثله إلى التوحيد
الاعتقادي الذي يوجد في عالم الشهادة ، وهو أن يعلم ببعض الأدلة وحدة الفاعل ، مثل
أن يقال له : إن كل أحد يعلم أن المنزل يفسد بصاحبين والبلد يفسد بأميرين ، فإله
العالم ومدبره واحد ، إذ :
(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللّهُ لَفَسَدَتَا)
(1) . فيكون ذلك على
ذوق ما رآه في عالم الشهادة ، فينغرس اعتقاد التوحيد في قلبه بهذا الطريق بقدر عقه
واستعداده ، وقد كلفوا الأنبياء أن يكلموا الناس على قدر عقولهم . ثم الحق أن هذا
التوحيد الاعتقادي إذا قوي يصلح أن يكون عمادا للتوكل وأصلا فيه ، إذ الاعتقاد إذا
قوي عمل عمل الكشف في إثارة الأحوال ، إلا أنه في الغالب يضعف ويتسارع إليه
الاضطراب ، فيحتاج إلى من يحرسه بكلامه ، وأما الذي شاهد الطريق وسلكه بنفسه ، فلا
يخاف عليه شيء من ذلك ، بل لو كشف له الغطاء لما أزداد يقينا وإن كان يزداد وضوحا .
(تنبيه) إعلم أن ما يبتني عليه التوحيد المذكور ، أعني كون جميع الأشياء من الأسباب
والوسائط مقهورات مسخرات تحت القدرة الأزلية ظاهر . وسائر ما أوردنا في هذا المقام
مما ذكره أبو حامد الغزالي وتبعه بعض أصحابنا ولا إشكال فيه إلا في أفعال الإنسان
وحركاته (2) . فإن البديهة تشهد بثبوت نوع اختيار له ، لأنه يتحرك إن شاء ويسكن إن
شاء ، مع أنه لو كان مسخرا مقهورا في جميع أفعاله وحركاته ، لزم الجبر ولم يصح
التكليف والثواب والعقاب . ولتحقيق هذه المسألة موضع آخر ،
ـــــــــــــــــ
(1) الأنبياء ، الآية : 22 .
(2) هكذا في المطبوعة وفي نسختنا الخطية والنسخة
الأخرى : ولا ريب في لزوم الإشكال في أفعال الإنسان وحركاته .
الصفحة 143
ولا يليق ذكرها هنا . والحق أن كل ما قيل فيها لا يخلو عن قصور ونقصان ، والأولى
فيها السكوت والتأدب بآداب الشرع (1) . ومنها :
• الخواطر النفسانية والوساوس الشيطانية :
إعلم أن الخاطر ما يعرض في القلب من الأفكار فإن كان مذموما داعيا إلى الشر سمي
(وسوسة) ، وإن كان محمودا داعيا إلى الخير سمي (إلهاما) . وتوضيح ذلك : إن مثل
القلب بالنسبة إلى ما يرد عليه من الخواطر مثل هدف تتوارد عليه السهام من الجوانب ،
أو حوض تنصب إليه مياه مختلفة من الجداول ، أو قبة ذات أبواب يدخل منها أشخاص
متخالفة ، أو مرآة منصوبة تجتاز إليها صور متباينة . فكما أن هذه الأمور لا تنفك عن
تلك السوانح ، فكذا القلب لا ينفك عن واردات الخواطر . فلا تزال هذه اللطيفة
الإلهية مضمار لتطاردها ومعركة لجولانها وتزاحمها ، إلى أن يقطع ربطها عن البدن
ولذاته ، ويتخلص عن لدغ عقارب الطبع وحياته . ثم لما كان الخاطر أمرا حادثا فلا بد
له من سبب ، فإن كان سببه شيطانا فهو الوسوسة ، وإن كان ملكا فهو الإلهام . وما
يستعد به القلب لقبول الوسوسة يسمى إغواء وخذلانا ، وما يتهيأ به لقبول الإلهام
يسمى لطفا وتوفيقا . وإلى ذلك أشار سيد الرسل (ص) بقوله : في القلب لمتان
(2) :
لمة من الملك
ـــــــــــــــــ
(1) هذا اعتراف بالعجز وهروب من حل هذه المعضلة التأريخية في سر الخلق ، والحل
الذي لم يسبق إليه البشر حتى عند فلاسفتهم الأقدمين والمتأخرين ما قاله إمامنا
الصادق (ع) : لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين . فإن الفاعل الذي منه الوجود
هو الله تعالى وحده لا شريك له في خلقه ، والفاعل الذي به الوجود هو العبد المختار
في فعله .
(2) روى الحديث في إحياء العلوم ج 2 ص 23 هكذا : في القلب لمتان : لمة
من المالك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله . سبحانه
وليحمد الله . ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير ، فمن وجد ذلك
فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم تلا قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر . . .
الآية . تلا قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر . . . الآية . وهذا الحديث لم نعثر
عليه من طرقنا ، وكذا الحديث الآتي : في نهاية ابن الأثير في حديث ابن مسعود : لابن
آدم لمتان : لمة من الملك ولمة من الشيطان . اللمة الهمة والخطرة تقع في القلب ،
أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه .
الصفحة 144
عاد إي بالخير وتصديق بالحق ، ولمة من الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق . وبقوله
(ص) : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن .
فصل أقسام الخواطر ومنها الإلهام
الخاطر ينقسم إلى ما يختلج بالبال من دون أن يكون مبدأ للفعل : وهي الأماني الكاذبة
والأفكار الفاسدة ، وإلى محرك الإرادة والعزم على الفعل ، إذ كل فعل مسبوق بالخاطر
أولا ، فمبدأ الأفعال الخواطر ، وهي تحرك الرغبة ، والرغبة العزم ، والعزم النية ،
والنية تبعث الأعضاء على الفعل ، (والثاني) كما عرفت إن كان مبدأ للخير يكون إلهاما
ومحمودا ، وإن كان مبدأ للشر يكون وسواسا ومذموما . (والأول) له أنواع كثيرة :
(منها) ما يرجع إلى التمني ، سواء كان حصول ما يتمناه ممكنا أو محالا ، وسواء كان
المتمني حسنا محمودا أو قبيحا مذموما ، وسواء كان عدمه مستندا إلى قضاء الله وقدره
أو إلى تقصيره وسوء تدبيره فيخطر بباله أنه يا ليت لم يفعل كذا أو فعل كذا .
(ومنها) ما يرجع إلى تذكر الأحوال الغالبة ، إما بدون اختياره أو مع اختيار ما ،
بأن يتصور ما له من النفائس الفانية فيستر به ، أو يتخيل فقده فيحزن لأجله ، أو
يتفكر في ما اعتراه من العلل والأسقام واختلال أمر المعاش وسوء الانتظام ، أو يذهب
وهمه إلى حساب المعاملين أو جواب المعاندين وتصوير إهلاك الأعداء بالأنواع المختلفة
من دون تأثير وفائدة . (ومنها) ما يرجع إلى التطير ، وربما بلغ حدا يتخيل كثيرا من
الأمور الاتفاقية الدالة على وقوع مكروه بنفسه أو بما يتعلق به ، ويضطرب بذلك ، وإن
لم تكن مشهورة بذلك عند الناس ، وربما حدثت في القوة الوهمية خباثة وشيطنة تذهب
غالبا إلى ما يؤذيه ويكرهه ولا يذهب إلى ما يريده ويسره ، فيتخيل ذهاب أمواله
وأولاده وابتلاءه بالأمراض والأسقام ووصول المكروه من الغير ومغلوبيته من عدوه ،
وربما حصل لنفسه نوع إذعان لهذه التخيلات لمغلوبية العاقلة للواهمة . فيعتريه نوع
اضطراب وانكسار ، وقلما يذهب مثل هذه القوة الوهمية فيما يشاء ويريده من تخيل
الغلبة وحصول
الصفحة 145
التوسعة في الأموال والأولاد ، بحيث يحصل لنفسه نوع إذعان لها ، فتنبسط وتهتز .
وهذا شر الوساوس وأردؤها ، وربما كان المنشأ لبعضها نوع اختلال في الدماغ . وجميع
الأنواع المذكورة بأقسامها مفسدة للنفس يحدث فيها نوع ذبول وانكسار ويصدها عما خلقت
لأجله . (ومنها) ما يرجع إلى التفاؤل ، وهذا ليس مذموما . وقد ورد من رسول الله (ص)
: إنه يحب التفاؤل ، وكثيرا ما يتفاءل ببعض الأمور . (ومنها) الوسواس في العقائد ،
بحيث لا يؤدي إلى الشك المزيل لليقين ، فإنه قادح في الإيمان كما تقدم . ومرادنا
بالوسوسة وحديث النفس في العقائد هنا ما لا يضر بالإيمان ولا يؤاخذ به - كما يأتي -
. تذنيب قد ظهر مما ذكر : إن أكثر جولان الخاطر إنما يكون في فائت لا تدارك له ، أو
في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما هو مقدر ، وكيف كان هو تضييع لوقته ، إذ آلة العبد
قلبه وبضاعته عمره ، فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به أنسا بالله أو عن
فكر يستفيد معرفة الله ليستفيد بالمعرفة حبا لله ، فهو مغبون ، وهذا إن كان فكره
ووسواسه في المباحات ، مع أن الغالب ليس كذلك ، بل يتفكر في وجوه الحيل لقضاء
الشهوات ، إذ لا يزال ينازع في الباطن كل من فعل فعلا مخالفا لغرضه ، أو من يتوهم
أنه ينازعه ويخالفه في رأيه ، بل يقدر المخالفة من أخلص الناس في حبه حتى في أهله
وولده ثم يتفكر في كيفية زجرهم وقهرهم وجوابهم عما يتعللون في مخالفتهم ، فلا يزال
في شغل دائم مضيع لدينه ودنياه .
فصل المطاردة بين جندي الملائكة والشياطين في معركة النفس
قد عرفت أن الوسواس أثر الشيطان الخناس ، والإلهام عمل الملائكة الكرام . ولا ريب
في أن كل نفس في بدو فطرتها قابلة لأثر كل منهما على التساوي ، وإنما يترجح أحدهما
بمتابعة الهوى وملازمة الورع والتقوى ، فإذا مالت النفس إلى مقتضى شهوة أو غضب وجد
الشيطان مجالا فيدخل بالوسوسة ، وإذا انصرفت إلى ذكر الله ضاق مجاله وارتحل فيدخل
الملك بالإلهام . فلا يزال التطارد بين جندي الملائكة والشياطين في معركة النفس .
الصفحة 146
لهيولانية وجودها وقابليتها للأمرين بتوسط قوتيها العقلية والوهمية ، إلى أن يغلب
أحد الجندين ويسخر مملكة النفس ويستوطن فيها ، وحينئذ يكون اجتياز الثاني على سبيل
الاختلاس ، وحصول الغلبة إنما هو بغلبة الهوى أو التقوى ، فإن غلب عليها الهوى
وخاضت فيه صارت مرعى الشيطان ومرتعه وكانت من حزبه ، وإن غلب عليها الورع والتقوى
صارت مستقر الملك ومهبطه ودخلت في جنده ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
خلق الله الإنس ثلاثة أصناف : صنف كالبهائم ، قال الله تعالى : ولهم قلوب لا يفقهون
بها ولهم أعين لا يبصرون بها (1) . وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح
الشياطين ، وصنف كالملائكة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله . ولا ريب في أن أكثر
القلوب قد فتحها جنود الشياطين وملكوها ، ويتصرفون فيها بضروب الوساوس الداعية إلى
إيثار العاجلة واطراح الأجلة . والسر فيه : أن سلطنة الشيطان سارية في لحم الإنسان
ودمه ومحيطة بمجامع قلبه وبدنه ، كما أن الشهوات ممتزجة بجميع ذلك ، ومن هنا قال
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم ، وقال
الله سبحانه - حكاية عن لسان اللعين - :
( لأَقْعُدَنّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ
ثُمّ لآتِيَنّهُم مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ
وَعَن شَمَائِلِهِمْ ) (2) . فالخلاص من أيدي الشياطين
يحتاج إلى مجاهدة عظيمة ورياضة شاقه فمن لم يقم في مقام المجاهدة كانت نفسه هدفا
لسهام وساوسهم وداخلة في أحزابهم .
فصل تسويلات الشيطان ووساوسه
لما كانت طرق الباطل كثيرة وطريق الحق واحدة ، فالأبواب المفتوحة للشيطان إلى القلب
كثيرة ، وباب الملائكة واحدة ، ولذا روي أن النبي صلى
ـــــــــــــــــ
(1) الأعراف ، الآية : 179 .
(2) الأعراف الآية : 16 ، 17 .
الصفحة 147
الله عليه وآله وسلم خط يوما لأصحابه خطا وقال : هذا سبيل الله ، ثم خط خطوطا عن
يمينه وشماله فقال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ، ثم تلا قوله
سبحانه :
( وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَتَتّبِعُوا السّبُلَ
فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن )(1)
. ثم لسهولة ميل النفس إلى الباطل وعسر انقيادها للحق تكون الطرق المؤدية إلى
الباطل التي هي أبواب الشيطان جلية ظاهرة ، فكانت أبواب الشيطان مفتوحة أبدا ،
والطرق المؤدية إلى الحق التي هي باب الملائكة خفية ، فكان باب الملائكة مسدودا
دائما ، فما أصعب بالمسكين ابن آدم أن يسد هذه الأبواب الكثيرة الظاهرة المفتوحة
ويفتح بابا واحدا خفيا مسدودا . على أن اللعين ربما يلبس بين طريقي الحق والباطل
ويعرض الشر في موضع الخير ، بحيث يظن أنه لمة الملك وإلهامه ، لا وسوسة الشيطان
وإغواؤه ، فيهلك ويضل من حيث لا يعلم ، كما يلقى في قلب العالم أن الناس لكثرة
غفلتهم أشرفوا على الهلاك ، وهم من الجهل موتى ، ومن الغفلة هلكى ، أما لك رحمة على
عباد الله ؟ أما تريد الثواب والسعادة في العقبى ؟ فما بك لا تنبههم عن رقدة
الغفلات بوعظك ، ولا تنقذهم من الهلاك الأبدي بنصحك ؟ وقد من الله عليك يقلب بصير
وعلم كثير ولسان ذلق ولهجة مقبولة ! فكيف تخفى نعم الله تعالى ولا تظهرها ؟ ! فلا
يزال يوسوسه بأمثال ذلك ويثبتها في لوح نفسه ، إلى أن يسخره بلطائف الحيل ويشتغل
بالوعظ ، فيدعوه إلى التزين والتصنع والتحسن بتحسين اللفظ ، والسرور بتملق الجماعة
، والفرح بمدحهم إياه ، والانبساط بتواضعهم لديه وانكسارهم بين يديه ، ولا يزال في
أثناء الوعظ يقرر في قلبه شوائب الرياء وقبول العامة ، ولذة الجاه وحب الرياسة ،
والتعزز بالعلم والفصاحة ، والنظر إلى الخلق بعين الحقارة ، فيهدي الناس ويضل نفسه
، ويعمر يومه ويخرب أمسه ، ويخالف الله ويظن أنه في طاعته ويعصيه ويحسب أنه في
عبادته ، فيدخل في جملة من قال الله فيهم :
ـــــــــــــــــ
(1) الأنعام ، الآية : 153 .
الصفحة 148
(قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ
فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)
(1) . ويكون ممن قال رسول الله (ص) فيهم : إن الله ليؤيد هذا الدين
بأقوام لا خلاق لهم ، إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر . فلا نجاة من مصائد
الشيطان ومكائده إلا ببصيرة باطنة نورانية وقوة قدسية ربانية ، كما لا نجاة للمسافر
الحيران في بادية كثيرة الطرق غامضة المسلك في ليلة مظلمة إلا بعين بصيرة صحيحة
وطلوع شمس مشرقة نيرة .
فصل العلائم الفارقة بين الإلهام والوسوسة
من تمكن من معرفة الخير والشر سهل عليه التفرقة بين الإلهام والوسوسة وقد قيل إن
إلهام الملك ووسوسة الشيطان يقع في النفوس على وجوه وعلامات : (أحدها) كالعلم
واليقين الحاصلين من جانب يمين النفس . وتقابله الشهوة والهوى الحاصلان من جانب
شمالها . (وثانيها) كالنظر إلى آيات الآفاق والأنفس على سبيل النظام والأحكام
المزيل للشكوك والأوهام ، والمحصل للمعرفة والحكمة في القوة العاقلة هي جانب الأيمن
من النفس ويقابله النظر إليها على سبيل الاشتباه والغفلة والإعراض عنها ، الناشئة
منها الشبه والوساوس في الواهمة والمتخيلة التي على الجانب الأيسر منها ، فإن
الآيات المحكمات بمنزلة الملائكة المقدسة من العقول والنفوس الكلية ، لأنها مبادئ
العلوم اليقينية ، والمتشابهات الوهميات بمنزلة الشياطين والنفوس الوهمانية ، لأنها
مبادئ المقدمات السفسطية . (وثالثها) كطاعة الرسول المختار والأئمة الأطهار في
مقابلة أهل الجحود والانكار وأرباب التعطيل والتشبيه من الكفار . فكل من سلك سبيل
الهداية فهو بمنزلة الملائكة المقدسين الملهمين للخير ، ومن سلك سبيل الضلال فهو
بمنزلة الشياطين المغوين بالشرور . (ورابعها) كتحصيل العلوم والإدراكات التي هي في
الموضوعات العالية والأعيان الشريفة ، كالعلم بالله وملائكته ورسله ، واليوم الآخر
، وللبعث ، وقيام
ـــــــــــــــــ
(1) الكهف الآية 103 - 104 .
الصفحة 149
الساعة ، ومثول الخلائق بين يدي الله تعالى ، وحضور الملائكة والنبيين والشهداء
والصالحين ، في مقابلة تحصيل العلوم والإدراكات التي هي من باب الحيل والخديعة
والسفسطة ، والتأمل في أمور الدنيا الغير الخارجة عن دار المحسوسات ، فإن الأول
يشبه الملائكة الروحانية وجنود الرحمن الذين هن سكان عالم الملكوت السماوي ،
والثاني يشبه الأبالسة المطرودة عن باب الله الممنوعة من ولوج السماوات ، المحبوسة
في الظلمات ، المحرومة في الدنيا عن الارتقاء ، والمحجوبة في الآخرة عن دار النعيم
.
فصل علاج الوساوس
الوساوس إن كانت بواعث الشرور والمعاصي ، فالعلاج في دفعها أن يتذكر سوء عاقبة
العصيان ووخامة خاتمته في الدنيا والآخرة ، ويتذكر عظيم حق الله وجسيم ثوابه وعقابه
، ويتذكر أن الصبر عما تدعو إليه هذه الوساوس أسهل من الصبر على نار لو قذفت شرارة
منها إلى الأرض أحرقت نبتها وجمادها ، فإذا تذكر هذه الأمور وعرف حقيقتها بنور
المعرفة والإيمان ، حبس عنه الشيطان وقطع عنه وسواسه ، إذ لا يمكن أن ينكر عليه هذه
الأمور الحقة ، إذ يقينه الحاصل من قواطع البرهان يمنعه عن ذلك ويخيبه ، بحيث يرجع
هاربا خائبا . فإن التهاب نيران (1) البراهين بمنزلة رجوم الشياطين ، فإذا قوبلت
بها وساوسهم فرت فرار الحمر من الأسد . وإن كانت مختلجة بالبال بلا إرادة واختيار ،
من دون أن تكون مبادئ الأفعال ، فقطعها بالكلية في غاية الصعوبة والإشكال ، وقد
أعترف أطباء النفوس بأنها الداء العضال ويتعسر دفعه بالمرة ، وربما قيل بتعذره ولكن
الحق إمكانه ، لقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : من صلى ركعتين لم تتحدث
نفسه فيها بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ولولا إمكانه لم يتصور ذلك .
والسر في صعوبة قطعها بالكلية أن للشيطان جندين : جندا يطير وجندا يسير ، والواهمة
جنده الطيار ، والشهوة جنده السيار ، لأن غالب ما خلقتا
ـــــــــــــــــ
(1) وفي نسختنا الخطية هكذا : فإن نيرات البراهين .
|