|
الصفحة 186
الأنوار القاهر على كل نور بالإحاطة والغلبة ، وما من نور إلا وهو منبجس من نوره
ومترشح عن ظهوره ، فكل نور في مرتبة نوره زائل ، وكل ظهور في جنب ظهوره وشروقه
مضمحل باطل . ولما كان التفكر في ذاته تعالى مذموما ، فانحصر التفكر الممدوح في
التفكر في عجائب صنعه وبدائع خلقه - وقد تقدم - وفي ما يرقب العبد إلى الله من
الفضائل الخلقية والطاعات العضوية ، وما يبعده عنه من الملكات الباطنة والمعاصي
الظاهرة . وهذه الملكات والأفعال هي المعبرة عنها بالمنجيات والمهلكات والطاعات
والسيئات التي تذكر في هذا الكتاب وفي غيره من كتب الأخلاق ، والمراد بالتفكر فيها
ههنا أن يتفكر العبد في كل يوم وليلة في وقت واحد أو أوقات متعددة في أخلاقه
الباطنة وأعماله الظاهرة ، ويتفحص عن حال قلبه وأعضائه ومجتنبا عن الرذائل الباطنة
، ووجد أعضاءه ملازمة للطاعات والعبادات المتعلقة بها تاركة للمعاصي المنسوبة إليها
، فليشكر الله على عظيم توفيقه ، وإن وجد في قلبه شيئا من الرذائل أو رآه خاليا عن
بعض الفضائل ، فليبادر إلى العلاج بالقوانين المقررة ، بعد التفكر في سوء خاتمته
وأدائه إلى مقت الله وهلاكه ، وكذلك إن عثر بالتفكر على صدور معصية أو ترك طاعة منه
فليتداركه بالندم والتوبة وقضاء تلك الطاعة . ولا ريب في أن هذا القسم من التفكر له
مجال متسع والقدر الضروري منه يستغرق اليوم بليلته ، والاستقصاء فيه خارج عن حيطة
شهر وسنة ، إذ اللازم منه أن يتفكر في كل يوم وليلة في كل واحد من الملكات المهلكة
: من البخل ، والكبر ، والعجب ، والرياء ، والحقد ، والحسد ، والجبن ، وشدة الغضب
والحرص والطمع وشره الطعام والوقاع ، وحب المال ، وحب الجاه ، والنفاق ، وسوء الظن
، والغفلة ، والغرور . . . وغير ذلك . وينظر بنور الفكرة والبصيرة في زوايا قلبه ،
ويتفقد منها هذه الصفات ، فإن وجدها بظنه خالية عنها ، فليتفكر في كيفية امتحان
القلب والاستشهاد بالعلامات الدالة على البراءة اليقينية ، فإن النفس قد تلبس الأمر
على صاحبها : فإن ادعت البراءة من الكبر ، فينبغي أن يمتحن بحمل قربة ماء أو حزمة
حطب
الصفحة 187
في السوق ، فإن ادعت البراءة من الغضب فليجرب بإيقاعها في معرض إهانة السفهاء ،
وهكذا فليمتحن في غيرهما من الصفات بالامتحانات التي كان الأولون والسلف الصالحون
يجربون بها أنفسهم ، حتى يطمئن بانقطاع أصولها وفروعها من قلبه . ولو وجد بالامتحان
أو تصريح المشاهدة والعيان شيئا منها في قلبه ، فليتفكر في كيفية الخلاص من
المعالجة بالضد أو بالموعظة والنصيحة والتوبيخ والملامة ، أو ملازمة أولي الأخلاق
الفاضلة ومجالسة أصحاب الورع والتقوى ، أو بالرياضة والمجاهدة وغير ذلك . فإن نفع
شيء منها في الإزالة بالسهولة فليحمد الله على ذلك ، وإلا فليواظب على هذه
المعالجات وتكررها حتى يوفقه الله للخلاص بمقتضى وعده . ثم يتفكر في كل واحد من
الفضائل المنجية : كاليقين ، والتوكل ، والصبر على البلاء ، والرضا بالقضاء ،
والشكر على النعماء ، واعتدال الخوف والرجاء ، والشجاعة والسخاء والزهد والورع ،
والاخلاص في العمل ، وستر العيوب ، والندم على الذنوب ، وحسن الخلق مع الخلق ، وحب
الله والخشوع له . . . وغير ذلك ، فإن وجد قلبه متصفا بالجميع فليجزيه بالعاملات
حتى يطمئن من تلبيس النفس - كما علمت طريقه - وإن وجد قلبه خاليا من شيء منها
فليفكر في طريق تحصيله - كما أشير إليه - . ثم يتوجه إلى كل واحد من أعضائه ويتفكر
في المعاصي المتعلقة به ، مثل أن ينظر في لسانه ، ويتفكر في أنه هل صدر منه شيء من
الغيبة ، أو الكذب ، أو الفحش ، أو فضول الكلام ، أو النميمة ، أو الثناء على النفس
، أو غير ذلك . ثم ينظر في بطنه هل عصى الله بأكل حرام أو شبهة ، أو كثرة مانعة عن
صفاء النفس وغير ذلك . . . وهكذا يفعل في كل عضو عضو . ثم يتفكر في الطاعات
المتعلقة بكل واحد منها وفيما خلق هذا العضو لأجله من الفرائض والنوافل ، فإن وجد -
بعد التفكر - عدم صدور شيء من المعاصي عن شيء منها ، وإتيانها بالطاعات المفروضة
عليها بأسرها وبالنوافل المرغبة إليها بقدر اليسر والاستطاعة ، فليحمد الله على ذلك
، وإن عثر على صدور شيء من المعاصي أو ترك شيء من الفرائض ، فليتفكر أولا في
الأسباب الباعثة على ذلك ، من الاشتغال بفضول الدنيا أو مصاحبة أقران
الصفحة 188
السوء أو غير ذلك ، فليبادر إلى قطع السبب ، ثم التدارك بالتوبة والندم ، لئلا يكون
غده مثل يومه . وهذا القدر من التفكر في كل يوم وليلة لازم لكل دين معتقد بالنشأة
الآخرة ، وقد كان ذلك عادة وديدنا لسلفنا المتقين في صبيحة كل يوم أو عشية كل ليلة
، بل كانت لهم جريدة يكتبون فيها رؤس المهلكات والمنجيات ويعرضون في كل يوم وليلة
صفاتهم عليها ، ومهما اطمأنوا بقطع رذيلة أو الاتصاف بفضيلة يخطون عليها في الجريدة
، ويدعون الفكر فيها ، ثم يقبلون على البواقي ، وهكذا يفعلون حتى يخطوا على الجميع
ومن كان أقل مرتبة منهم من الصلحاء ربما يثبتون في جريدتهم بعض المعاصي الظاهرة ،
من أكل الحرام ، والشبهة ، وإطلاق اللسان ، والكذب ، والغيبة والمراء ، والنميمة ،
والمداهنة مع الخلق بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . . وغير ذلك ، ويفعلون
بمثل ما مر . وبالجملة : كان إخواننا السالفون وسلفنا الصالحون لا ينفكون عن هذا
النوع من التفكر ، ويرونه من لوازم الإيمان بالحساب ، فأف علينا حيث تركنا بهم
التأسي والقدوة ، وخضعنا في غمرات الغفلة ، ولعمري أنهم لو رأونا لحكموا بكفرنا
وعدم إيماننا بيوم الحساب ، كيف وأعمالنا لا تشابه أعمال من يؤمن بالجنة والنار .
فإن من خاف شيئا هرب منه ، ومن رجا شيئا طلبه ، ونحن ندعي الخوف من النار ونعلم أن
الهرب منها بترك المعاصي ومع ذلك منهمكون فيها ، وندعي الشوق إلى الجنة ونعلم أن
الوصول إليها بكثرة الطاعات ومع ذلك مقصرون في فعلها . ثم هذا النوع من التفكر إنما
هو تفكر العلماء والصالحين ، وأما تفكر الصديقين فأجل من ذلك ، لأنهم مستغرقون في
لجة الحب والأنس ، منقطعون بشراشرهم إلى جناب القدس ، ففكرهم مقصور على جلال الله
وجماله وقلبهم مستهتر به ، بحيث فنى عن نفسه ونسي صفاته وأحواله ، فحالهم أبدا كحال
العشاق المستهترين عند لقاء المعشوق ، ولا تظنن أن هذا التفكر - بل أدنى مراتب
التلذذ بالتفكر في عظمة الله وجلاله - ممكن الحصول بدون الانفكاك عن جميع الرذائل
المهلكة والاتصاف بجميع الفضائل المنجية ، فإن حال المتفكر في جلال الله وعظمته مع
اتصافه بالأخلاق الرذيلة ، كحال العاشق الذي خلي
الصفحة 189
بمحبوبه ، وكان تحت ثيابه حيات وعقارب تلدغه مرة بعد أخرى ، فتمنعه عن لذة المشاهدة
والأنس . ولا يتم ابتهاجه إلا بإخراجها عن ثيابه . ولا ريب أن الملكات الرذيلة كلها
كالحيات والعقارب مؤذيات ومشوشات ، ومن كان له أدنى معرفة وتوجه إلى مناجاة ربه
وكان في نفسه شيء منها ، يجد أنه كيف يشوشه ويصده عن الابتهاج ، ثم إن لدغ هذه
الصفات لا يظهر ظهورا بينا للمنهمكين في علائق الطبيعة ، وبعد مفارقة النفس عن
البدن يشتد ألم لدغها بحيث يزيد على ألم لدغ الحيات والعقارب بمراتب شتى . نصيحة
تيقظ - يا حبيبي - من نوم الغفلة ، وتفكر اليوم لغدك ، قبل أن تنشب مخالب الموت في
جسدك ، ولا تنفك قوتك العاقلة عن التفكر في صفاتك وأحوالك ، واعلم على سبيل القطع
واليقين أن كل ما في نفسك من فضيلة أو رذيلة وكل ما يصدر عنك من طاعة أو معصية يكون
بإزائه جزاء عند رحلتك عن هذه الدار الفانية ، واسمع قول سيد الرسل (ص) ولو كنت ذا
قلب لكفاك إيقاظا وتنبيها ، حيث قال : إن روح القدس نفث في روعي : أحب ما أحببت
فإنك مفارقه ، وعش ما شئت فإنك ميت ، واعمل ما شئت فإنك مجزى به . ولعمري أنك إن
كنت مؤمنا بالمبدأ والمعاد لكفاك هذا الكلام واعظا وحائلا بينك وبين الالتفات إلى
الدنيا وأهلها . وبالجملة : ينبغي للمؤمن ألا يخلو في كل يوم وليلة عن التفكر في
صفاته وأفعاله ، وإذا صرف برهة من وقته في هذا التفكر وبرهة أخرى في التفكر في
عجائب قدرة ربه ، وصار ذلك معتادا له ، حصل لنفسه كمال قوتيها العقلية والعملية ،
وخلصت عن الوساوس الشيطانية والخواطر النفسانية ، وفقنا الله بعظيم فضله للوصول إلى
ما خلقنا لأجله . (ومنها) - أي ومن رذائل القوة العاقلة - استنباط وجوده :
• المكر والحيل :
للوصول إلى مقتضيات قوتي الغضب والشهوة . وأعلم أن المكر ، والحيلة ، والخدعة ،
والنكر ، والدهاء : ألفاظ مترادفة ، وهي في اللغة قد تطلق على شدة الفطانة ، وأرباب
المعقول يطلقونها على استنباط بعض الأمور
الصفحة 190
من المآخذ الخفية البعيدة على ما تجاوز عن مقتضى استقامة القريحة ، ولذا جعلوها ضدا
للذكاء وسرعة الفهم ، والعرف خصصها باستنباط هذه الأمور إذا كانت موجبة لإصابة
مكروه إلى الغير من حيث لا يعلم ، وربما فسر بذلك في اللغة أيضا ، وهذا المعنى هو
المراد هنا . ولتركبه من إصابة المكروه إلى الغير ومن التلبيس عليه ، يكون ضده
استنباط الأمور المؤدية إلى الخيرية ، والنصيحة لكل مسلم ، واستواء العلانية
للسريرية . ثم فرق المكر ومرادفاته عن التلبيس والغش والغدر وأمثالها ، إما باعتبار
خفاء المقدمات وبعدها فيها دونها . أو بتخصيص الأولى بنفس استنباط الأمور المذكورة
والثانية بارتكابها ، ولذا عدت الأولى من رذائل القوة الوهمية أو العاقلة للعذر
المذكور ، والثانية من رذائل الشهوية ، وربما كان استعمالهما على الترادف ، وأطلق
كل منهما على ما تطلق عليه الأخرى . هذا وللمكر مراتب شتى ودرجات لا تحصى من حيث
الظهور والخفاء ، فربما لم يكن فيه كثير دقة وخفاء فيشعر به من له أدنى شعور ،
وربما كان في غاية الغموض والخفاء بحيث لم يتفطن به الأذكياء . ومن حيث الموارد
والمواضع كالباعث لظهور المحبة والصداقة واطمئنان عاقل ، ثم التهجم عليه بالإيذاء
والمكروه ، والباعث لظهور الأمانة والديانة وتسليم الناس أموالهم ونفائسهم إليه على
سبيل الوديعة أو المتشاركة أو المعاملة ، ثم أخذها وسرقها على نحو آخر من وجوه
المكر . وكالباعث لظهور ورعه وعدالته واتخاذ الناس إياه إماما أو أميرا فيفسد عليهم
باطنا دينهم ودنياهم . وقس على ذلك غيره من الموارد والمواضع . ثم المكر من
المهلكات العظيمة ، لأنه أظهر صفات الشيطان ، والمتصف به أعظم جنوده ، ومعصيته أشد
من معصية إصابة المكروه إلى الغير في العلانية ، إذ المطلع بإرادة الغير إيذاءه
يحتاط ويحافظ نفسه عنه ، فربما دفع أذيته ، وأما الغافل فليس في مقام الاحتياط ،
لظنه أن هذا المكار المحيل محب وناصح له ، فيصل إليه ضره وكيده في لباس الصدقة
والمحبة . فمن أحضر طعاما مسموما عند الغير مريدا إهلاكه فهو أخبث نفسا وأشد
الصفحة 191
معصية ممن شهر سيفه علانية مريدا قتله ، إذ الثاني أظهر ما في بطنه وأعلم هذا الغير
بإرادته ، فيجزم بأنه عدو محارب له فيتعرض لصرف شره ومنع ضره ، فربما تمكن من دفعه
، وأما الأول فظاهره في مقام الإحسان وباطنه في مقام الإيذاء والعدوان ، والغافل
المسكين لا خبر له عن خباثة باطنه ، فيقطع بأنه يحسن إليه ، فلا يكون معه في مقام
الدفع والاحتياط ، بل في مقام المحبة والوداد ، فيقتله وهو يعلم أنه يحسن إليه ،
ويهلكه وهو في مقام الخجل منه . وبالجملة : هذه الرذيلة أخبث الرذائل وأشدها معصية
، ولذلك قال رسول الله (ص) : ليس منا من ماكر مسلما . وقال أمير المؤمنين (ع) :
لولا أن المكر والخديعة في النار لكنت أمكر الناس ، وكان عليه السلام كثيرا ما
يتنفس الصعداء ويقول : واويلاه يمكرون بي يعلمون أني بمكرهم عالم وأعرف منهم بوجوه
المكر ، ولكني أعلم أن المكر والخديعة في النار فأصبر على مكرهم ولا ارتكب مثل ما
ارتكبوا . وطريق علاجه - بعد اليقظة - أن يتأمل في سوء خاتمته ووخامة عاقبته ، وفي
تأديته إلى النار ومجاورة الشياطين والأشرار ، ويتذكر أن وبال وشهدت به التجربة
والاعتبار . ثم يتذكر فوائد ضد المكر ومحامده ، أعني استنباط ما يوجب النصيحة
والخيرية للمسلمين وموافقة ظاهره لباطنه في أفعاله وأقواله - كما يأتي في محله -
وبعد ذلك لو كان عاقلا مشفقا على نفسه لاجتنب عنه كل الاجتناب ، وينبغي أن يقدم
التروي في كل فعل يصدر عنه لئلا يكون له فيه مكر وحيلة ، وإذا عثر على فعل يتضمنه
فليتركه معاتبا لنفسه ، وإذا تكرر منه ذلك نزول عن نفسه أصول المكر وفروعه بالكلية
بعون الله وتوفيقه .
الصفحة 192
المقام الثاني
فيما يتعلق بالقوة الغضبية
من الرذائل والفضائل وكيفية العلاج
التهور والجبن والشجاعة - الخوف - الخوف المذموم وأقسامه - الخوف المحمود وأقسامه
ودرجاته - بم يتحقق الخوف - الخوف من الله أفضل الفضائل - الخوف إذا جاوز حده كان
مذموما - طرق تحصيل الخوف الممدوح - خوف سوء الخاتمة وأسبابه - الفرق بين الاطمئنان
والأمن من مكر الله - التلازم بين الخوف والرجاء - - مواقع الخوف والرجاء وترجيح
أحدهما على الآخر - العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف - مداواة الناس بالخوف
والرجاء على اختلاف أمراضهم - صغر النفس وكبرها وصلابتها - الثبات - دناءة الهمة
وعلوها - الغيرة والحمية وعدمهما - الغيرة على الدين والحريم والأولاد - العجلة -
الأناة والتوقف والوقار والسكينة - سوء الظن - حسن الظن - الغضب - الإفراط والتفريط
والاعتدال في قوته - ذم الغضب - إمكان إزالة الغضب وطرق علاجه - فضيلة الحلم وكظم
الغيظ - الانتقام والعفو - العنف والرفق - فضيلة الرفق - المداراة - سوء الخلق
بالمعنى الأخص - طرق اكتساب حسن الخلق - الحقد - العداوة الظاهرة - الضرب والفحش
واللعن والطعن - العجب - ذمه - آفاته - علاجه إجمالا وتفصيلا - انكسار النفس -
الكبر - ذمه - التكبر على الله والناس - درجات الكبر - علاجه علما وعملا - التواضع
- الذلة - الافتخار - البغي - تزكية النفس - العصبية - كتمان الحق - الإنصاف
والاستقامة على الحق - القساوة . فنقول : أما جنسا رذائلها (1) فأحدهما :
التهور
كما علم ، وهو من طرف الإفراط : أي الإقدام على ما لا ينبغي والخوض في ما يمنعه
العقل والشرع من المهالك والمخاوف . ولا ريب في أنه من المهلكات في الدنيا والآخرة
. ويدل على ذمه كل ما ورد في وجوب محافظة النفس وفي
ـــــــــــــــــ
(1) أي القوة الغضبية .
الصفحة 193
المنع عن إلقائها في المهالك ، كقوله تعالى :
( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ ) (1) .
وغير ذلك من الآيات والأخبار ، والحق أن من لا يحافظ نفسه عما يحكم العقل بلزوم
المحافظة عنه فهو غير خال عن شائبة من الجنون ، وكيف يستحق اسم العقل من ألقى نفسه
من الجبال الشاهقة ولم يبال بالسيوف الشاهرة ، أو وقع (2) في الشطوط الغامرة
الجارية ولم يحذر من السباع الضارية . كيف ومن ألقى نفسه فيما يظن به العطب ، فهلك
، كان قاتل نفسه بحكم الشريعة ، وهو يوجب الهلاكة الأبدية والشقاوة السرمدية .
وعلاجه - بعد تذكر مفاسده في الدنيا والآخرة - أن يقدم التروي في كل فعل يريد الخوض
فيه ، فإن جوزه العقل والشرع ولم يحكما بالحذر عنه ارتكبه ، وإلا تركه ولم يقدم
عليه . وربما أحتاج في معالجته أن يلزم نفسه الحذر والاجتناب عن بعض ما يحكم العقل
بعدم الحذر عنه ، حتى يقع في طرف التفريط ، وإذا علم من نفسه زوال التهور تركه وأخذ
بالوسط الذي هو الشجاعة . وثانيهما :
الجبن
وهو سكون النفس عن الحركة إلى الانتقام أو غيره ، مع كونها أولى . والغضب إفراط في
تلك الحركة ، فله ضدية للغضب باعتبار ، وللتهور باعتبار آخر . وعلى الاعتبارين هو
في طرف التفريط من المهلكات العظيمة ، ويلزمه من الأعراض الذميمة : مهانة نفس ،
والذلة ، وسوء العيش ، وطمع الناس فيما يملكه ، وقلة ثباته في الأمور ، والكسل ،
وحب الراحة ، وهو يوجب الحرمان عن السعادات بأسرها وتمكين الظالمين من الظلم عليه ،
وتحمله للفضائح في نفسه وأهله ، واستماع القبائح من الشتم والقذف ، وعدم مبالاته
بما يوجب الفضيحة والعار ، وتعطيل مقاصده ومهماته ، ولذلك ورد في ذمه من الشريعة ما
ورد قال رسول الله (ص) : لا ينبغي للمؤمن
ـــــــــــــــــ
(1) البقرة ، الآية : 195 .
(2) كذا في النسختين ، ولعل الصحيح (أو أوقع نفسه).
الصفحة 194
أن يكون بخيلا ولا جبانا ، وقال (ص) : اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من
الجبن ، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر . وعلاجه - بعد تنبيه نفسه عن نقصانها
وهلاكها - أن يحرك الدواعي الغضبية فيما يحصل به الجبن ، فإن القوة الغضبية موجودة
في كل أحد ، ولكنها تضعف وتنقص في بعض الناس فيحدث فيهم الجبن ، وإذا حركت وهيجت
على التواتر تقوى وتزيد ، كما أن النار الضعيفة تتوقد وتلتهب بالتحريك المتواتر .
وقد نقل عن الحكماء أنهم يلقون أنفسهم في المخاطرات الشديدة والمخاوف العظيمة دفعا
لهذه الرذيلة . ومما ينفع من المعالجات أن يكلف نفسه على المخاصمة مع من يأمن
غوائله ، تحريكا لقوة الغضب ، وإذا وجد من نفسه حصول ملكة الشجاعة فليحافظ نفسه
لئلا يتجاوز ويقع في طرف الإفراط .
وصل: الشجاعة
قد عرفت أن ضد هذين الجنسين هو (الشجاعة) ، فتذكر مدحها وشرافتها ، وكلف نفسك
المواظبة على آثارها ولوازمها ، حتى يصير ما تكلفته طبعا وملكة ، فترتفع عنك آثار
الضدين بالكلية . وقد عرفت أن الشجاعة طاعة قوة الغضب للعاقلة في الإقدام على
الأمور الهائلة وعدم اضطرابها بالخوض في ما يقتضيه رأيها . ولا ريب في أنها أشرف
الملكات النفسية وأفضل الصفات الكمالية ، والفاقد لها برئ عن الفحلية والرجولية ،
وهو بالحقيقة من النسوان دون الرجال ، وقد وصف الله خيار الصحابة بها في قوله :
( أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ) (1) . وأمر الله نبيه بها بقوله : وأغلظ عليهم (2) . إذ الشدة
والغلظة من لوازمها وآثارها ، والأخبار مصرحة باتصاف المؤمن بها . قال أمير
المؤمنين عليه السلام في وصف المؤمن : نفسه
ـــــــــــــــــ
(1) الفتح ، الآية : 29 .
(2) التوبة ، الآية : 73 .
الصفحة 195
أصلب من الصلد . وقال الصادق عليه السلام : المؤمن أصلب من الجبل إذ الجبل يستفل
(1) منه والمؤمن لا يستفل من دينه . * * *
أنواع الرذائل ولوازمها المتعلقة بالقوة الغضبية
فمنها :
• الخوف
وهو تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال مشكوك الوقوع ، فلو علم أو
ظن حصوله سمى توقعه انتظار مكروه ، وكان تألمه أشد من الخوف ، وكلامنا في كليهما .
وفرقه عن الجبن على ما قررناه من حدهما ظاهر ، فإن الجبن هو سكون النفس عما يستحسن
شرعا وعقلا من الحركة إلى الانتقام أو شيء آخر ، وهذا السكون قد يتحقق من غير حدوث
التألم الذي هو الخوف ، مثلا من لا يجترئ على الدخول في السفينة أو النوم في البيت
وحده أو التعرض لدفع من يظلمه ويتعرض له يمكن اتصافه بالسكون المذكور مع عدم تألم
له بالفعل ، فمثله جبان وليس بخائف . ومن كان له ملكة الحركة إلى الانتقام وغيره من
الأفعال التي يجوزها الشرع والعقل ربما حصل له التألم المذكور من توقع حدوث بعض
المكاره ، كما إذا أمر السلطان بقتله ، فمثله خائف وليس بجبان . ثم الخوف على نوعين
: (أحدهما) مذموم بجميع أقسامه ، وهو الذي لم يكن من الله ولا من صفاته المقتضية
للهيبة والرعب ، ولا من معاصي العبد وجناياته ، بل يكون لغير ذلك من الأمور التي
يأتي تفصيلها . وهذا النوع من رذائل قوة الغضب من طرف التفريط ، ومن نتائج الجبن .
و(ثانيهما) محمود وهو الذي يكون من الله ومن عظمته ومن خطأ العبد وجنايته ، وهو من
فضائل القوة الغضبية ، إذ العاقلة تأمر به وتحسنه ، فهو حاصل من انقيادها لها .
ولنفصل القول في أقسام النوعين ، وبيان العلاج في إزالة أقسام الأول وتحصيل الثاني
:
ـــــــــــــــــ
(1) استقل الشيء : أخذ منه
أدنى جزء كعشره .
الصفحة 196
فصل الخوف المذموم وأقسامه
للنوع الأول أقسام يقبحها العقل بأسرها ولا يجوزها ، فلا ينبغي للعاقل أن يتطرقها
إلى نفسه . بيان ذلك : إن باعث هذا الخوف يتصور على أقسام : (الأول) أن يكون أمرا
ضروريا لازم الوقوع ، ولم يكن دفعه في مقدرة البشر . ولا ريب في أن الخوف من مثله
خطأ محض ، ولا يترتب عليه فائدة سوى تعجيل عقوبة بصده عن تدبير مصالحه الدنيوية
والدينية . والعاقل لا يتطرق على نفسه مثل ذلك ، بل يسلي نفسه ويرضيها بما هو كائن
إدراكا لراحة العاجل وسعادة الأجل . (الثاني) أن يكون أمرا ممكنا لم يجزم بشيء من
طرفيه ، ولم يكن لهذا الشخص مدخلية في وقوعه ولا وقوعه . ولا ريب في أن الجزم بوقوع
مثله والتألم لأجله خلاف مقتضى العقل ، بل اللازم إبقاؤه على إمكانه من دون جزم
بحصوله ، ف :
( لَعَلّ اللّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً ) (1) . وهذا القسم مع مشاركته للأول في
استلزامه تعجيل العقوبة بلا سبب ، لعدم مدخليته لاختياره فيه ، يمتاز عنه بعدم
الجزم بوقوعه ، فهو بعدم الخوف أولى منه . (الثالث) أن يكون أمرا ممكنا فاعله هذا
الشخص ، وهو ناشئ عن سوء اختياره ، فعلاجه ألا يرتكبه ولا يقدم على فعل يخاف من سوء
عاقبته ، فإنه إما فعل غير قبيح من شأنه التأدي إلى ما يضره ، ولا ريب في أن ارتكاب
مثله خلاف حكم العقل ، ولو ظهر التأدي بعد إيقاعه فيكون من الثاني ، أو فعل قبيح لو
ظهر أوجب الفضيحة والمؤاخذة ، وإنما فعله ظنا منه أنه لا يظهر ، ثم يخاف من الظهور
والمؤاخذة ، ولا ريب في أن هذا الظن ناشئ عن الجهل ، إذ كل فعل يصدر عن كل فاعل ولو
خفية يمكن أن يظهر ، وإذا ظهر يمكن إيجابه للفضيحة والمؤاخذة . والعاقل العالم
بطبيعة الممكن لا يرتكب مثله ، فباعث الخوف في الثاني هو الحكم على الممكن بالوجوب
، وفي هذا الحكم عليه بالامتناع ، ولو حكم عليه بما يقتضي
ـــــــــــــــــ
(1) الطلاق ، الآية : 1 .
الصفحة 197
ذاته أمن من الخوفين . (الرابع) أن يكون مما تتوحش منه الطباع ، بلا داع عقلي ولا
باعث نفس أمري ، كالميت والجن وأمثالهما ، (لا) سيما في الليل مع وحدته . ولا ريب
في أن هذا ناشئ عن قصور العقل ومقهوريته عن الواهمة ، فليحرك القوة الغضبية ويهيجها
لتغلب به العاقلة على الوهم . وربما ينفع إلزام نفسه على الوحدة في الليالي المظلمة
والصبر عليها ، حتى يزول عنه هذا الخوف على التدريج . ثم لما كان خوف الموت أشد
أقسام هذا النوع وأعمها ، فلنشر إلى علاجه بخصوصه ، فنقول : باعث خوف الموت يحتمل
أمورا : (الأول) تصور فناء ذاته بالكلية وصيرورته عدما محضا بالموت . ولا ريب في
كونه ناشئا عن محض الجهل ، إذ الموت ليس إلا قطع علاقة النفس عن بدنه ، وهي باقية
أبدا ، كما دلت عليه القواطع العقلية والشواهد الذوقية والظواهر السمعية ، ولعل ما
تقدم يكفي لإثبات هذا المطلوب . ومع قطع النظر عن ذلك نقول : كيف يجوز لمن له أدنى
بصيرة أن يجتمع عظماء نوع الإنسان بحذافيرهم ، كأهل الوحي والإلهام وأساطين الحكمة
والعرفان على محض الكذب وصرف الباطل ! فمن تأمل أدنى تأمل يتخلص من هذا الخوف .
(الثاني) تصور إيجابه ألما جسمانيا عظيما لا يتحمل مثله ولم يدرك في الحياة شبهه .
وهذا أيضا من الخيالات الفاسدة ، فإن الألم فرع الحياة ، والألم الجسماني ما دامت
الحياة لا يكون أشد مما رآه كل إنسان في حياته من الأوجاع وقطع الاتصال ، وبعد زوال
الحياة لا معنى لوجوده ، إذ كل جسماني إدراكه بواسطة الحياة ، وبعد انقطاعها لإدراك
، فلا ألم . (الثالث) تصور عروض نقصان لأجله . وهو أيضا غفلة عن حقيقة الموت
والانسان ، إذ من علم حقيقتهما بعلم أن الموت متمم الإنسانية وآثارها ، والمائت جزء
لحد الإنسان . ولذا قال أوائل الحكماء : (الإنسان حي ناطق مائت) ، وحد الشيء يوجب
كماله لا نقصانه ، فبالموت تحصل التمامية
الصفحة 198
دون النقصان نشنيده اي كه هر كه بمرد أو تمام شد (1) فالإنسان الكامل يشتاق إلى
الموت ، لاقتضائه تماميته وكماله ، وخروجه عن ظلمة الطبيعة ومجاورة الأشرار إلى
عالم الأنوار ومرافقة الأخيار من العقول القادسة والنفوس الطاهرة ، وأي عاقل لا
يرجح الحياة العقلية والابتهاجات الحقيقية على الحياة الموحشة الهيولانية ، المشوبة
بأنواع الآلام والمصائب وأصناف الأسقام والنوائب ! فياحبيبي ! تيقظ من نوم الغفلة
وسكر الطبيعة ، واستمع النصيحة ممن هو أحوج منك إلى النصيحة : حرك الشوق الكامن في
جوهر ذاتك إلى عالمك الحقيقي ومقرك الأصلي ، وانسلخ عن القشورات الهيولانية ، وانفض
عن روحك القدسي ما لزقه من الكدورات الجسمانية ، وطهر نفسك الزكية عن أدناس دار
الغرور وأرجاس عالم الزور ، واكسر قفصك الترابي الظلماني وطر بجناح همتك إلى وكرك
القدسي النوراني ، وارتفع عن حضيض الجهل والنقصان إلى أوج العزة والعرفان ، وخلص
نفسك عن مضيق سجن الناسوت وسيرها في فضاء قدس اللاهوت ، فما بالك نسيت عهود الحمى
ورضيت بمصاحبة من لا ثبات له ولا وفاء ؟ ! . زد سحر طائر قدسم زسر سدره صفير * كه
در اين دامگه حادثة آرام مگير (2) (الرابع) صعوبة قطع علاقته من الأولاد والأموال
والمناصب والأحباب ، ومعلوم أن هذا ليس خوفا من الموت في نفسه بل هو حزن على مفارقة
بعض الزخارف الفانية . وعلاجه أن يتذكر أن الأمور الفانية مما لا يليق
ـــــــــــــــــ
(1) هذه الجملة ممن الكلمات الحكمية القصار ، ومعناها : (أما سمعت بأن كل من مات
صار إنسانا كاملا) .
(2) هذا البيت للشاعر الفارسي الفيلسوف الشهير (حافظ
الشيرازي) وهو من أبيات العرفان . وأراد (بالسحر) على سبيل الرمز وقت استكمال النفس
وتنبهها ، و(بالطائر القدسي) ما يرمز إليه العرفاء المسمى عندهم أيضا (البيضائي) ،
وهو أحد العقول المجردة الذي بصفيره يوقظ الراقدين في مراقد الظلمات ، وبصوته ينبه
الغافلين عن تذكر الآيات ، و(بالسدرة) سدرة المنتهى المقصود منها منتهى قوس الصعود
في سلسلة الممكنات . وحاصل معنى البيت المطابقي : قد صفر الطائر القدسي المنسوب إلى
من على السدرة في السحر ، ويقول في صفيره : لا تستقر في المصيدة المخيفة (وهي
الدنيا وعوالم السفليات) ، والمراد أن يذهب عنها إلى عالم المجردات النوراني حرا
طليقا .
الصفحة 199
بالعاقل أن يرتبط بها قلبه ، وكيف يحب العاقل خسائس عالم الطبيعة ويطمئن إليها ، مع
علمه بأنه قريب يفارقها ، فاللازم أن يخرج حب الدنيا وأهلها عن قلبه ليتخلص من هذا
الألم . (الخامس) تصور سرور الأعداء وشماتتهم بموته . وهذا وسوسة شيطانية صادرة عن
محض التوهم إذ مسرة الأعداء أو شماتتهم لا توجب ضررا في إيمانه ودينه ، ولا ألما في
روحه وجسمه ، على أن ذلك لا يختص بالموت ، إذ العدو يشمت ويفرح بما يرد عليه في حال
الحياة أيضا من البلايا والمحن ، فمن كره ذلك فليجتهد في قطع العداوة وإزالتها
بالمعالجات المقررة للحقد والحسد . (السادس) تصور تضييع الأولاد والعيال ، وهلاك
الأعوان والأنصار . وهذا أيضا من الوساوس الباطلة الشيطانية والخواطر الفاسدة
النفسانية ، إذ ذلك يوجب ظن منشئيته لاستكمال الغير وعزته ، ومدخليته في قوته
وثروته ، وذلك ناشئ من جهله بالله وبقضائه وقدره ، إذ فيضه الأقدس اقتضى إيصال كل
ذرة من ذرات العالم إلى ما يليق بها وإبلاغها إلى ما خلقت لأجله ، وليس لأحد أن
بغير ذلك أو يبدله . ولذا ترى أكثر الأفاضل يجتهدون في تربية أولادهم ولا ينجح
سعيهم أصلا ، وتشاهد غير واحد من الأغنياء يخلفون لأولادهم أموالا كثيرة ونخرج عن
أيديهم في مدة قليلة ، وترى كثيرا من أيتام الأطفال لا تربية لهم ولا مال ، ومع ذلك
يبلغون بالتربية الأزلية مدراج الكمال ، أو يحصلون ما لا حصر له من الأموال .
والغالب أن الأيتام الذين ذهب عنهم الآباء في حالة الصبي تكون ترقياتهم في الآخرة
والدنيا أكثر من الأولاد الذين نشأوا في حجر الآباء . والتجربة شاهدة بأن من اطمأن
من أولاده بمال يخلفه لهم أو ذي قوة يفوض إليه أمورهم اعتراهم بعده الفقر والفاقة
والذلة والمهانة ، وربما صار ذلك سببا لهلاكهم وانقراضهم . ومن فرض أمورهم إلى رب
الأرباب وخالق العباد أزداد لهم بعده عزا وقوة وكثرة وثروة . فاللائق بالعقلاء أن
يفوضوا أمور الأولاد وغيرهم من الأقارب والأنصار إلى من خلقهم ورباهم ، ويوكلهم إلى
موجدهم ومولاهم ، وهو نعم المولى ونعم الوكيل . وقد ظهر أن
الصفحة 200
الخوف من الموت لأجل البواعث المذكورة لا وجه له . ثم ينبغي للعاقل أن يتفكر في أن
كل كائن فاسد ألبتة ، كما تقرر في الحكمة . وهو من الكائنات . والفساد ضروري له فمن
أراد وجود بدنه أراد فساده اللازم له ، فتمنى دوام الحياة من الخيالات الممتنعة ،
والعاقل لا يحوم حولها ولا يتمنى مثلها . بل يعلم يقينا أن ما يوجد في النظام الكلي
هو الأصلح الأكمل وتغييره ينافي الحكمة والخيرية ، فيرضى بما هو واقع على نفسه
وغيره من غير ألم وكدورة . ثم من يتمنى طول عمره فمقصوده منه إن كان حب اللذات
الجسمية وامتداد زمانها ، فليعلم أن الثيب إذا أدركه ضعفت الأعضاء واختلت القوى
وزالت عنه الصحة التي هي عمدة لذاته فضلا عن غيرها ، فلا يلتذ بالأكل والجماع وسائر
اللذات الحسية ، ولا يخلو لحظة عن مرض وألم ، وتتراجع جميع أحواله ، فتتبدل قوته
بالضعف وعزه بالذل ، وكذا سائر أحواله ، كما أشير إليه في الكتاب الإلهي بقوله
تعالى :
(وَمَن نُعَمّرْهُ نُنَكّسْهُ فِي الْخَلْقِ) (1) . ومع ذلك لا يخلو كل يوم من مفارقة حبيب أو
شفيق ، ومهاجرة قريب أو رفيق . وربما ابتلى بأنواع المصيبات ، ويهجم عليه الفقر
والفاقة والنكبات ، وطالب العمر في الحقيقة طالب هذه الزحمات . وإن كان مقصوده منه
اكتساب الفضائل العلمية والعملية ، فلا ريب في أن تحصيل الكمالات بعد أوان الشيخوخة
في غاية الصعوبة ، فمن لم يحصل الفضائل الخلقية إلى أن أدركه الشيب ، واستحكمت فيه
الملكات المهلكة من الجهل وغيره ، فإني يمكنه بعد ذلك إزالتها وتبديلها بمقابلاتها
، إذ رفع ما رسخ في النفس مع الشيخوخة التي لا يقتدر معها على الرياضات والمجاهدات
غير ممكن . ولذا ورد في الآثار : أن الرجل إذا بلغ أربعين سنة ولم يرجع إلى الخير ،
جاء الشيطان ومسح على وجهه وقال : بأبي وجه من لا يفلح أبدا . على أن الطالب
للسعادة ينبغي أن يكون مقصور الهم في كل حال على تحصيلها ، ومن جملتها دفع طول
الأمل والرضا بما قدر له من طول العمر وقصره ،
ـــــــــــــــــ
(1) يس ، الآية : 68 .
الصفحة 201
ويكون سعيه أبدا في تحصيل الكمالات بقدر الإمكان والتخلص عن مزاحمة الزمان والمكان
، وقطع علاقته من الدنيا وزخارفها الفانية والميل إلى الحياة واللذات الباقية ،
والاهتمام في كسب الابتهاجات العقلية والاتصال التام بالحضرة الإلهية ، حتى يتخلص
عن سجن الطبيعة ويرتقي إلى أوج عالم الحقيقة ، فيتفق له الموت الإرادي الموجب
للحياة الطبيعية ، كما قال (معلم الاشراق) : مت بالإرادة تحيى بالطبيعة ، فينقل إلى
مقصد صدق هو مستقر الصديقين ، ويصل إلى جوار رب العالمين ، وحينئذ يشتاق للموت ولا
يبالي بتقديمه وتأخيره ، ولا يركن إلى ظلمات البرزخ الذي هو منزل الأشقياء والفجار
ومسكن الشياطين والأشرار ، ولا يتمنى الحياة الفانية أصلا ، ينطق بلسان الحال : خرم
آن روز كزين منزل ويران بروم راحت جان طلبم وزپي جانان بروم بهواي لب أو ذره صفت
رقص كنان تالب چشمه خورشيد درخشتان بروم (1) (السابع) تصور العذاب الجسماني
والروحاني المترتب على ذمائم الأعمال وقبائح الأفعال . ولا ريب في أن الخوف من ذلك
ممدوح ، وهو معدود من أقسام النوع الثاني ، إلا أن البقاء عليه وعدم السعي فيما
يدفعه من ترك الخطيئات وكسب الطاعات جهل وبطالة ، إذ هذا الخوف ناشئ من سوء
الاختيار ، وقد بعث الله الرسل وأوصياءهم لاستخلاص الناس عنه . فعلاجه ترك المعاصي
وتحصيل معالي الأخلاق . ومعلوم أن المنهمك في المعاصي مع خوفه من العذاب كالملقي
نفسه في البحر أو النار مع خوفه من الغرق والحرق ، ولا ريب في أن إزالة هذا الخوف
باختياره ، فليترك
ـــــــــــــــــ
(1) البيتان للشاعر الفيلسوف (حافظ الشيرازي) . ومعنى
الأول : إن سروري يكون في يوم الرحيل من هذه الدار الخربة طلبا لراحة نفسي ولقاء
الحبيب . وبقصد بحبيبه : الحق الأول ، وبراحة نفسه : النعيم الأبدي ، وبالرحيل عن
الدار الخربة : انتقال نفسه من بدنه بالموت . ومعنى البيت الثاني : إني لشوقي إلى
لقاء الحبيب اهتز اهتزاز الذرة في ضوء الشمس لكي أصل إلى لقاء عين الشمس المتوهجة .
ويقصد بعين الشمس : خالق الكائنات .
الصفحة 202
المعاصي ويجتهد في كسب وظائف الطاعات ليتخلص عنه ، واهتمام أكابر الدين من الأنبياء
والمرسلين والحكماء والصديقين في وظائف الطاعات وصبرهم على مشاق العبادات ومجاهدتهم
مع جنود الشياطين إنما هو لدفع هذا الخوف عن نفوسهم ، فهو في الحقيقة ناشئ منك ومن
سوء اختيارك ، فبادر إلى تقليله بالمواظبة على صوالح الأعمال وفضائل الأفعال . وقد
يأتي أن هذا الخوف هو سوط الله الباعث على العمل ، ومعه لو كان مفرطا فليعالج
بأسباب الرجاء ، وبدونه فلا بد أن يكون حتى يبعثه عليه ، على أنه مع عظم جرمه وقصور
باعه عن تداركه فلا ينبغي أن ييأس من روح الله ، فلعل واسع الرحمة السابقة على
الغضب يدركه بسابقة من القضاء والقدر .
فصل الخوف المحمود وأقسامه ودرجاته
وللنوع الثاني من الخوف أقسام : (الأول) أن يكون من الله سبحانه ومن عظمته وكبريائه
، وهذا هو المسمى بالخشية والرهبة في عرف أرباب القلوب . (الثاني) من جناية العبد
باقترافه المعاصي . (الثالث) أن يكون منهما جميعا . وكلما ازدادت المعرفة بجلال
الله وعظمته وتعاليه وبعيوب نفسه وجناياته ، ازداد الخوف ، إذ إدراك القدرة القاهرة
والعظمة الباهرة والقوة القوية والعزة الشديدة ، يوجب الاضطراب والدهشة . ولا ريب
في أن عظمة الله وقدرته وسائر صفاته الجلالية والجمالية غير متناهية شدة وقوة ويظهر
منها على كل نفس ما يطيقه ويستعد له . وأتى لأحد من أولي المدارك أن يحيط بصفاته
على ما هي عليه ، فإن المدارك عن إدراك غير المتناهي قاصرة . نعم ، لبعض المدارك
العالية أن يدركه على الإجمال . مع أن ما يظهر للعقلاء من صفاته ليس هو من حقيقة
صفاته ، بل هو غاية ما تتأدى إليه عقولهم ويتصور كما لا . ولو ظهر قدر ذرة من حقيقة
بعض صفاته لأقوي العقول وأعلى المدارك ، لاحترق من سبحات وجهه ، وتفرقت أجزاؤه من
نور ربه . ولو انكشف من بعضها الغطاء لزهقت النفوس وتقطعت القلوب ، فغاية ما
للمدارك العالية من العقول والنفوس القادسة ، أن يتصور عدم
الصفحة 203
تناهيها في الشدة والقوة ، وكونها في الكمال والبهاء غاية ما يمكن ويتصور ويحتمله
ظرف الواقع ونفس الأمر ، كما هو الشأن في ذاته سبحانه . وإدراك هذه الغاية أيضا
يختلف باختلاف علو المدارك ، فمن كان في الدرك أقوى وأقدم كان بربه أعرف ، ومن كان
به أعرف كان منه أخوف ، ولذا قال تعالى :
(إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (1) .
وقال سيد الرسل : أنا أخوفكم من الله . وقد قرع سمعك حكايات خوف زمرة المرسلين ومن
بعدهم من فرق الأولياء والعارفين ، وعروض الغشيات المتواترة في كل ليلة لمولانا
أمير المؤمنين عليه السلام . وهذا مقتضى كمال المعرفة الموجب لشدة الخوف ، إذ كمال
المعرفة يوجب احتراق القلب . فيفيض أثر الحرقة من القلب إلى البدن بالنحول والصفار
والغشية والبكاء ، وإلى الجوارح بكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات تلافيا لما فرط
في جنب الله ومن لم يجتهد في ترك المعاصي وكسب الطاعات فليس على شيء من الخوف ،
ولذا قيل : ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه ، بل من يترك ما يخاف أن يعاقب عليه .
وقال بعض الحكماء من خاف شيئا هرب منه ، ومن خاف الله هرب إليه ، وقال بعض العرفاء
: لا يكون العبد خائفا حتى ينزل نفسه منزلة السقيم الذي يحتمي مخافة طول السقام .
وإلى الصفات بقمع الشهوات وتكدر اللذات ، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة ، كما
يصير العمل مكروها عند من يشتهيه إذا عرف كونه مسموما ، فتحترق الشهوات بالخوف ،
وتتأدب الجوارح ، ويحصل في القلب الذبول والذلة والخشوع والاستكانة ، وتفارقه ذمائم
الصفات ، ويصير مستوعب الهم يخوفه والنظر في خطر عاقبته ، فلا يتفرغ لغيره ، ولا
يكون له شغل إلا المجاهدة والمحاسبة والمراقبة والضنة بالأنفاس واللحظات ، ومؤاخذة
النفس في الخطرات والكلمات ، ويشتغل ظاهره وباطنه بما هو خائف منه لا متسع فيه
لغيره ، وكما أن من وقع في مخالب ضاري السبع يكون مشغول الهم به ولا شغل له بغيره .
وهذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه ، كما جرى عليه جماعة من الصحابة والتابعين
ـــــــــــــــــ
(1) الفاطر ، الآية : 28 .
الصفحة 204
ومن يحذوهم من السلف الصالحين . فقوة المجاهدة والمحاسبة بحسب شدة الخوف الذي هو
حرقة القلب وتألمه ، وهو بحسب قوة المعرفة بجلال الله وعظمته وسائر صفاته وأفعاله ،
وبعيوب النفس وما بين يديها من الأخطار والأهوال . وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره
في الأعمال أن يكف عن المحظورات ، ويسمى الكف منها (ورعا) ، فإن زادت قوته كف عن
الشبهات ، ويسمى ذلك (تقوى) ، إذ التقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وقد
يحمله على ترك ما لا بأس به مخافة ما به يأس ، وهو الصدق في التقوى ، فإذا انضم
إليه التجرد للخدمة ، وصار ممن لا يبني ما لا يسكنه ، ولا يجمع ما لا يأكله ولا
يلتفت إلى دنيا يعلم أنه يفارقها ، ولا يصرف إلى غير الله نفسا عن أنفاسه فهو
(الصدق) ، ويسمى صاحبه (صديقا) ، فيدخل في الصدق التقوى ، وفي التقوى الورع ، وفي
الورع العفة ، لأنها عبارة عن الامتناع من مقتضى الشهوات . فإذن يؤثر الخوف في
الجوارح بالكف والأقدام .
فصل بم يتحقق الخوف
إعلم أن الخوف لا يتحقق إلا بانتظار مكروه ، والمكروه إما أن يكون مكروها في ذاته
كالنار ، أو مكروها لإفضائه إلى المكروه في ذاته كالمعاصي المفضية إلى المكروه
لذاته في الآخرة ، ولا بد لكل خائف أن يتمثل في نفسه مكروه من أحد القسمين ، ويقوى
انتظاره في قلبه حتى يتألم قلبه بسبب استشعاره ذلك المكروه ، ويختلف مقام الخائفين
فيما يغلب على قلوبهم من المكروهات المحظورة : فالذين يغلب على قلوبهم خوف المكروه
لذاته ، فإما أن يكون خوفهم من سكرات الموت وشدته وسؤال النكيرين وغلظته ، أو عذاب
القبر ووحدته وهول المطلع ووحشته ، أو من الموقف بين يدي الله وهيبته والحياء من
كشف سريرته ، أو من الحساب ودقته والصراط وحدته ، أو من النار وأهوالها والجحيم
وأغلالها ، أو الحرمان من دار النعيم وعدم وصوله إلى الملك المقيم
الصفحة 205
أو من نقصان درجاته في العليين وعدم مجاورته المقربين أو من الله سبحانه بأن يخاف
جلاله وعظمته والبعد والحجاب منه ويرجو القرب منه ، وهذا أعلاها رتبة ، وهو خوف
أرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف ، والعالمين بلذة الوصال
وألم البعد والفراق ، والمطلعين على سر قوله :
( إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ ) (1)
، وقوله : (اتّقُوا
اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ) (2) . وقيل : ذلك خوف العابدين والزاهدين وكافة العاملين .
وأما الذين غلب على قلوبهم خوف المكروه لغيره ، فإما يكون خوفهم من الموت قبل
التوبة ، أو نقضها قبل انقضاء المدة ، أو من ضعف القوة عن الوفاء بتمام حقوق الله ،
أو تخليته مع حسناته التي اتكل عليها وتعزز بها في عباد الله ، أو من الميل عن
الاستقامة ، أو إلى أتباع الشهوات المألوفة استيلاء للعادة ، أو تبديل رقة القلب
إلى القساوة ، أو تبعات الناس عنده من الغش والعداوة ، أو من الاشتغال عن الله
بغيره ، أو حدوث ما يحدث في بقية عمره أو من البطر والاستدراج بتواتر النعم ، أو
انكشاف غوائل طاعته حتى يبدو له من الله ما لم يعلم ، أو من الاغترار بالدنيا
وزخارفها الفانية ، أو تعجيل العقوبة بالدنيا وافتضاحه بالعلانية ، أو من اطلاع
الله على سريرته وهو عنه غافل ، وتوجهه إلى غيره وهو إليه ناظر ، أو من الختم له
عند الموت بسوء الخاتمة ، أو مما سبق له في الأزل من السابقة . وهذه كلها مخاوف
العارفين . ولكل واحد منها خصوص فائدة ، هو الحذر عما يفضي إلى الخوف ، فالخائف من
تبعات الناس يجتهد في براءة ذمته عنها ، ومن استيلاء العادة يواظب على فطام نفسه
عنها ، ومن اطلاع الله على سريرته يشتغل بتطهير قلبه عن الوساوس . وهكذا في بقية
الأقسام . وأغلب هذه المخاوف على المتقين خوف سوء الخاتمة ، وهو الذي قطع قلوب
العارفين ، إذ الأمر فيه مخطر - كما يأتي - وأعلى الأقسام وأدلها على كمال المعرفة
خوف السابقة ، لأن الخاتمة فرع السابقة ، ويترتب عليها بعد تخلل أسباب كثيرة ، ولذا
قال العارف الأنصاري : الناس يخافون
ـــــــــــــــــ
(1) آل عمران ، الآية : 28 .
(2) آل عمران ، الآية : 152 .
|