جامع السعادات ج1

 
 

الصفحة 223

الله : هكذا كونا ، لا تأمنا مكري . وروي : أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وجبرئيل بكيا من خوف الله تعالى ، فأوحى الله إليهما : لم تبكيان وقد أمنتكما ؟ فقالا : ومن يأمن مكرك ؟ وكأنهما لم يأمنا أن يكون قوله (قد أمنتكما) ابتلاء لهما وامتحانا . حتى أن سكن خوفهما (1) ظهر أنهما قد أمنا المكر وما وفيا بقولهما ، كما أن إبراهيم (ع) لما وضع في المنجنيق قال : حسبي الله . وكان هذا القول منه من الدعاوي العظيمة ، فامتحن وعورض بجبرئيل (ع) في الهواء حتى قال : أنك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا . وكان ذلك وفاء بمقتضى قوله ، فأخبر الله تعالى عنه وقال : (وَإِبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّى) (2) . وبالجملة ينبغي للمؤمن ألا يأمن من مكر ربه ، كنا لم يأمن منه الملائكة والأنبياء ، وإذا لم يأمن منه كان خائفا منه دائما .

تتميم التلازم بين الخوف والرجاء

الرجاء ارتياح القلب لانتظار المحبوب ، وهو يلازم الخوف ، إذ الخوف - كما عرفت - عبارة عن التألم من توقع مكروه ممكن الحصول ، وما يمكن حصوله يمكن عدم حصوله أيضا ، وما كان حصوله مكروها كان عدم حصوله محبوبا ، فكما إنه يتألم بتوقع حصوله يرتاح ليتوقع عدم حصوله أيضا ، فالخوف عن الشيء وجودا يلزمه الرجاء عدما ، وعنه عدما يلزمه الرجاء وجودا . وقس عليه استلزام الرجاء للخوف ، فهما متلازمان ، وإن أمكن غلبة أحدهما نظرا إلى كثرة حصول أسبابه . وإن تيقن الحصول أو عدمه لم يكن انتظارهما خوفا ورجاء ، بل سمي انتظار مكروه أو انتظار محبوب . ثم كما إن الخوف من متعلقات قوة الغضب ، وإن الممدوح منه من فضائلها ، لكونه مقتضى العقل والشرع ، وباعثا للعمل من حيث الرهبة ،

ـــــــــــــــــ

1) هذه العبارة لبيان الابتلاء والامتحان ، يعني : إنهما يخشيان إذا سكن خوفهما أن يظهر إنهما قدامنا المكر ولم يوفيا بقولهما فيكون ذلك امتحانا لهما .
(2) النجم ، الآية : 37 .

الصفحة 224

فكذا الرجاء متعلق بها ومن فضائلها ، لكونه مقتضاهما وباعثا للعمل من حيث الرغبة . إلا أن الخوف لترتبه على ضعف القلب يكون أقرب إلى طرف التفريط ، والرجاء لترتبه على قوته يكون أقرب إلى طرف الإفراط وإن كان كلاهما ممدوحين . ثم لا بد أن يحصل أكثر أسباب حصول المحبوب حتى يصدق اسم الرجاء على انتظاره ، كتوقع الحصاد ممن ألقى بذرا جيدا في أرض طيبة يصلها الماء . وأما انتظار ما لم يحصل شيء من أسبابه فيسمى غرورا وحماقة ، كتوقع من ألقى بذرا في أرض سبخة لا يصلها الماء . وانتظار ما كان أسبابه مشكوكة يسمى تمنيا ، كما إذا صلحت الأرض ولا ماء . وتفصيل ذلك : أن الدنيا مزرعة الآخرة ، والقلب كالأرض ، والإيمان كالبذر ، والطاعات هي الماء الذي تسقي به الأرض ، وتطهير القلب من المعاصي والأخلاق الذميمة بمنزلة تنقية الأرض من الشوك والأحجار والنباتات الخبيثة ، ويوم القيامة هو وقت الحصاد . فينبغي أن يقاس رجاء العبد (المغفرة) برجاء صاحب الزرع (التنمية) ، وكما أن من ألقى البذر في أرض طيبة ، وساق إليها الماء في وقته ، ونقاها الشوك والأحجار ، وبدل جهده في قلع النباتات الخبيثة المفسدة للزرع ، ثم جلس ينتظر كرم الله ولطفه مؤملا أن يحصل له وقت الحصاد مائة قفيز مثلا ، سمي انتظاره رجاء ممدوحا فكذلك العبد إذا طهر أرض قلبه عن شوك الأخلاق الردية وبث فيه بذر الإيمان بماء الطاعات ، ثم انتظر من فضل الله تثبيته إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة ، كان انتظاره رجاء حقيقيا محمودا في نفسه . وكما أن من تغافل عن الزراعة واختار الراحة طول السنة ، أو ألقى البذر في أرض سبخة مرتفعة لا ينصب إليها ماء ولم يشتغل بتعهد البذر وإصلاح الأرض من النباتات المفسدة للزرع ، ثم جلس منتظرا إلى أن ينبت له زرع يحصده سمى انتظاره حمقا وغرورا . كذلك من لم يلق بذر الإيمان في أرض قلبه أو ألقاه مع كونه مشحونا برذائل الأخلاق منهمكا في خسائس الشهوات واللذات ، ولم يسق إليها ماء الطاعات ، ثم انتظر المغفرة ، كان انتظار حمقا وغرورا . وكما أن من بث البذر في أرض طيبة لا ماء لها ، وجلس ينتظر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار ، وإن لم يمتنع أيضا ، سمي انتظاره


الصفحة 225

تمنيا . كذلك من ألقى بذر الإيمان في أرض قلبه ، ولكنه لم يسق إليه ماء الطاعات ، وانتظر المغفرة بلطفه وفضله ، كان انتظاره تمنيا . فإذن ، اسم (الرجاء) إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات . فالأحاديث الواردة في الترغيب على الرجاء وفي سعة عفو الله وجزيل رحمته ووفور مغفرته . إنما هي مخصوصة بمن يرجو الرحمة والغفران بالعمل الخاص المعد لحصولهما وترك الانهماك في المعاصي المفوت لهذا الاستعداد . فاحذر أن يغرك الشيطان ويثبطك عن العمل ويقنعك بمحض الرجاء والأمل . وانظر إلى حال الأنبياء والأولياء واجتهادهم في الطاعات وصرفهم العمر في العبادات ليلا ونهارا ، أما كانوا يرجون عفو الله ورحمته ؟ بلى والله ! إنهم كانوا أعلم بسعة رحمة الله وأرجى لها منك ومن كل أحد ، ولكن علموا أن رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض وسفه بحت ، فصرفوا في العبادات أعمارهم وقصروا على الطاعات ليلهم ونهارهم . ونحن نشير (أولا) إلى بعض ما ورد في الرجاء من الآيات والأخبار ، ثم نورد نبذا مما يدل على أنه لا معنى للرجاء بدون العمل ، ليعلم أن إطلاق الأول حمول على الثاني . فنقول : الظواهر الواردة في الرجاء أكثر من أن تحصى ، وهي على أقسام : (الأول) ما ورد في النهي عن القنوط واليأس من رحمة الله كقوله تعالى : (يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللّهِ) (1) . وقول علي عليه السلام لرجل أخرجه الخوف إلى القنوط لكثرة ذنوبه : أيا هذا ! يأسك من رحمة الله أعظم من ذنوبك . وما روي : أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - لما قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات تلدمون صدوركم وتجأرون إلى ربكم . فهبط جبرئيل عليه السلام فقال : إن ربك يقول : لم تقنط عبادي ؟ فخرج عليهم ورجاهم وشوقهم . وما ورد : أن رجلا من بني إسرائيل

ـــــــــــــــــ

(1) الزمر ، الآية : 52 .

الصفحة 226

كان يقنط الناس ويشدد عليهم ، فيقول الله له يوم القيامة : اليوم أويسك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي منها . (الثاني) ما ورد في الترغيب على خصوص الرجاء وكونه سبب النجاة كما ورد في أخبار يعقوب من أنه تعالى أوحي إليه أتدري لم فرقت بينك وبين يوسف ؟ لقولك : (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) (1) . لم خفت الذئب ولم ترجني أو لم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي ؟ وقول أمير المؤمنين - عليه السلام - لرجل قال عند النزع : أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي : ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاء الله ما رجاه وأمنه مما يخاف (2) . وقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره ؟ فإن لقنه الله حجته ، قال : رب رجوتك وخفت الناس ، فيقول الله : قد غفرته لك . وما روي عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - : إن رجلا يدخل النار فيمكث فيها ألف سنة ينادي يا حنان يا منان ، فيقول الله لجبرئيل : إذهب فأتني بعبدي ، فيجئ به ، فيوقفه على ربه ، فيقول الله له : كيف وجدت مكانك ؟ فيقول : شر مكان ، فيقول : رده إلى مكانه . قال : فيمشي ويلتفت إلى ورائه ، فيقول الله عز وجل ، إلى أي شيء تلتفت ؟ فيقول : لقد رجوت ألا تعيدني إليها بعد إذ أخرجتني منها ، فيقول الله تعالى : اذهبوا به إلى الجنة . وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟ قال الله تعالى : لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي ، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي ، كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادي ، فيما يطلبون عندي من كرامتي ، والنعيم في جناتي ، ورفيع الدرجات العلي في جواري ، ولكن برحمتي فليثقوا ، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا ، وفضلي فليرجوا (3) ،

ـــــــــــــــــ

(1) يوسف ، الآية : 13 .
(2) روي (إحياء العلوم : ج 4 ص 125) هذا الحديث عن النبي (ص) .
 (3) في الكافي في (باب حسن الظن بالله عز وجل) تقديم وتأخير عما هنا ، فقد جاء فيه : وفضلي فليرجوا وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا .

الصفحة 227

فإن رحمتي عند ذلك تدركهم ، ومني يبلغهم رضواني ، ومغفرتي تلبسهم عفوي ، فإني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك تسميت . وعن أبي جعفر عليه السلام قال : وجدنا في كتاب علي (ع) أن رسول الله (ص) قال وهو على منبره : والذي لا إله إلا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ورجائه له وحسن خلقه والكف عن اغتياب المؤمنين ، والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصيره من رجائه وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين ، والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن ، لأن الله كريم بيده الخيرات يستحيي (1) أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يختلف ظنه ورجاءه ، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه . (الثالث) ما ورد في استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين كقوله تعالى : (وَالْمَلاَئِكَةُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ) (2) . وقوله (ص) : حياتي خير لكم وموتي خير لكم ، أما حياتي فأسن لكم السنن وأشرع لكم الشرائع ، وأما موتي فإن أعمالكم تعرض علي ، فما رأيت منها حسنا حمدت الله عليه ، وما رأيت منها سيئا استغفرت الله لكم . (الرابع) ما ورد في تأجيل المذنب إلى أن يستغفر ، كقول الباقر (ع) : إن العبد إذا أذنب أجل من غدوة إلى الليل ، فإن استغفر لم يكتب عليه (3) . وقول الصادق (ع) : من عمل سيئة أجل فيها سبع ساعات من النهار ، فإن قال : استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات ، لم تكتب عليه . (الخامس) ما ورد في شفاعة النبي (ص) كقوله تعالى : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبّكَ فَتَرْضَى) (4) . وقد ورد في تفسيره أنه لا يرضى محمد وواحد من أمته في النار ،

ـــــــــــــــــ

(1) في الكافي في (باب حسن الظن) : (يستحي) .
(2) الشورى ، الآية : 5 .
(3) روى الكافي في (باب الاستغفار من الذنب) هذا الحديث عن الصادق - عليه السلام - .
(4) الضحى ، الآية : 5 .

الصفحة 228

وقوله (ص) : ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، وكذا ما ورد في شفاعة الأئمة والمؤمنين . (السادس) ما ورد من البشارات للشيعة ومن عدم خلودهم في النار ، ومن أن حب النبي (ص) والعترة الطاهرة ينجيهم من العذاب ، وإن فعلوا ما فعلوا . (السابع) ما دل على أن النار إنما أعدها الله لأعدائه من الكافرين ، وإنما يخوف بها أولياءه ، كقوله تعالى : ( لَهُم مِن فَوْقِهِمْ ضُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتّقُونِ ) (1) ، وقوله : (وَاتّقُوا النّارَ الّتِي أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ) (2) وقوله : ( وَاتّقُوا النّارَ الّتِي أُعِدّتْ لِلْكَافِرِينَ ) (3) . (الثامن) ما ورد في سعة عفو الله ومغفرته ووفور رأفته ورحمته ، كقوله : ( وَإِنّ رَبّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلَى‏ ظُلْمِهِمْ ) (4) وما روي في تفسير قوله تعالى : ( يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللّهُ النّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) (5) . إن الله أوحى إلى نبيه : إني أجعل حساب أمتك إليك ، فقال : لا يا رب ! أنت خير لهم مني (6) ، فقال : إذن لا أخزيك فيهم . وما روي : إنه (ص) قال يوما : يا كريم العفو ! فقال جبرئيل : أتدري ما تفسير يا كريم العفو ؟ هو : إنه يعفو عن السيئات برحمته ثم يبدلها حسنات بكرمه (7) . وما ورد : أن العبد إذا أذنب فاستغفر ، يقول الله لملائكته : انظروا إلى عبدي أذنب ذنبا ، فعلم أنه له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب : أشهدكم أني قد غفرت له . وما ورد في الخبر القدسي : إنما خلقت الخلق ليربحوا علي ، ولم أخلقهم لأربح عليهم . وما ورد من أنه لو لم يذنبوا ، لخلق الله تعالى خلقا يذنبون ليغفر لهم وقوله (ص) : والذي نفسي بيده . الله أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها . وما ورد

ـــــــــــــــــ

(1) الزمر ، الآية : 16 .
(2) آل عمران ، الآية : 131 .
(3) الليل ، الآية : 15 - 16 .
(4) الرعد ، الآية : 6 .
(5) التحريم ، الآية : 8 .
(6) في (إحياء العلوم : ج 4 ص 128) هكذا : أنت أرحم بهم مني وكذا بدل لا أخزيك : لا نخزيك .
(7) في (إحياء العلوم : ص 129 من ج 4) هكذا : هو إن عفا عن السيئات برحمته بدلها حسنات بكرمه .

الصفحة 229

من أنه سبحانه ليغفرن يوم القيامة مغفرة ما خطرت قط على قلب أحد ، حتى أن إبليس يتطاول لها رجاء أن تصيبه . والآيات والأخبار الواردة في هذا المعنى متجاوزة عن حد التواتر . (التاسع) ما دل على أن ابتلاء المؤمن في الدنيا بالبلايا والأمراض كفارة لذنوبه ، كقوله (ص) : الحسى من قيح جهنم ، وهي حظ المؤمن من النار . (العاشر) ما ورد في أن الإيمان لا يضر معه عمل ، كما أن الكفر لا ينفع معه عمل ، وفي أنه قد يغفر الله عبدا ويدخله الجنة لأجل مثقال ذرة من الإيمان أو عمل جزئي من الأعمال الصالحة . (الحادي عشر) ما ورد في الترغيب على حسن الظن بالله ، كقوله (ص) : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ، وقوله (ص) : يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء . وقول الرضا (ع) : أحسن الظن بالله ، فإن الله عز وجل بقول : أنا عند ظن عبدي لي ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر . وقول الصادق (ع) : حسن الظن بالله : ألا ترجو إلا الله ، ولا تخاف إلا ذنبك . وقد تقدم بعض أخبار أخر في هذا المعنى . ثم إيجاب حسن الظن للرجاء وجلبه له مما لا ريب فيه . (الثاني عشر) ما دل على أن الكفار أو النصاب يكونون يوم القيامة فداء للمؤمنين أو الشيعة ، كما روي أنه (ص) قال : أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة ، وعجل عقابها في الدنيا بالزلازل والفتن ، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من أمتي رجل من أهل الكتاب ، فقيل هذا فداؤك من النار . وعن أهل البيت عليهم السلام : إن النصاب يجعلون فداء لشيعتنا بظلمهم إياهم ووقيعتهم فيهم . وعن الصادق (ع) : سيؤتى بالواحد من مقصري شيعتنا في أعماله ، بعد أن صان الولاية والتقية وحقوق إخوانه ، ويوقف بإزائه ما بين مائة وأكثر من ذلك إلى مائة ألف من النصاب ، فيقال له : هؤلاء فداؤك من النار ، فيدخل هؤلاء المؤمنون إلى الجنة وأولئك النصاب إلى النار ، وذلك ما قال الله تعالى : ( رّبَمَا يَوَدّ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مِسْلِمِينَ ) (1) .

ـــــــــــــــــ

(1) الحجر ، الآية : 2 . ج : 1

الصفحة 230

في الدنيا منقادين للإمامة ، ليجعل مخالفوهم من النار فداءهم . وأما (الثاني) - أعني ما يدل على أن رجاء المغفرة والعفو والرحمة إنما بعدهو العمل - فأكثر من أن يحصى ، كقوله تعالى : (إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ) (1) . وقوله : ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الأدْنَى‏ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) (2) . وقول النبي (ص) : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الجنة . وما روي عن الصادق (ع) أنه قيل له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون : نرجوا ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت ، فقال : هؤلاء قوم يترجحون في الأماني كذبوا ليسوا براجين ، إن (3) من رجا شيئا طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه . وعن علي بن محمد ، قال : قلت له عليه السلام : إن قوما من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون نرجوا ، فقال : كذبوا ، ليسوا لنا بموال ، أولئك قوم ترجحت بهم الأماني . من رجا شيئا عمل له ، ومن خاف شيئا هرب منه . وعنه قال : لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا واجبا ، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو .

وصل (مواقع الخوف والرجاء وترجيح أحدهما على الآخر)

قد عرفت أن الخوف والرجاء محمودان ، لكونهما باعثين على العمل ودواءين يداوى بهما أمراض القلوب ، ففضل كل منها إنما هو بحسب ما يترتب عليه من فائدة العمل ومعالجة المرض . وهذا يختلف باختلاف الأشخاص : فمن كان تأثير الخوف في بعثه على العمل أكثر من تأثير الرجاء فيه ، فالخوف له أصلح من الرجاء ، ومن كان بالعكس فبالعكس . ومن غلب عليه مرض الأمن من مكر الله والاغترار به فالخوف له أصلح . ومن غلب عليه اليأس والقنوط ، فالرجاء له أصلح ،

ـــــــــــــــــ

(1) البقرة ، الآية : 218 .
(2) الأعراف ، الآية : 169 .
(3) روي الحديث في الكافي (باب الرجاء) ، وليس فيه كلمة إن .

الصفحة 231

ومن انهمك في المعاصي ، فالخوف له أصلح . ومن ترك ظاهر الإثم وباطنه وخفيه وجليه ، فالأصلح له أن يعتدل خوفه ورجاؤه . والوجه في ذلك ، أن كل ما يراد به المقصود ، ففضله إنما يظهر بالإضافة إلى مقصوده لا إلى نفسه ، فلو فرض تساويهما في البعث على العمل ولم يغلب شيء من المذكورات ، فالأصلح اعتدالهما ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لبعض ولده : يا بني ! خف الله خوفا ترى إنك إن أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك ، وارج الله رجاء كأنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك . وقال الباقر عليه السلام : ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران : نور خيفة ، ونور رجاء ، لو وزن هذا لم يزد على هذا ، وقد جمع الله سبحانه بينهما في وصف من أثنى عليهم ، فقال : يدعون ربهم خوفا وطمعا ، وقال : يدعوننا رغبا ورهبا . وعن الحارث بن المغيرة قال : قلت للصادق (ع) : ما كان في وصية لقمان ؟ قال : كان فيها الأعاجيب ، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه : خف الله عز وجل خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك ، وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك ، ثم قال عليه السلام : كان أبي عليه السلام يقول : إنه ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران : نور خيفة ، ونور رجاء ، لو وزن هذا لم يزد على هذا ، ولو وزن هذا لم يزد على هذا . وقال عليه السلام : الخوف رقيب القلب ، والرجاء شفيع النفس ، ومن كان بالله عارفا كان من الله خائفا وإليه راجيا ، وهما جناحا الإيمان ، يطير العبد المحلق بهما إلى رضوان الله ، وعينا عقله ، يبصر بهما إلى وعد الله ووعيده ، والخوف طالع عدل الله وناعي وعيده ، والرجاء داعي فضل الله ، وهو يحيي القلب ، والخوف يميت النفس . . ومن عبد الله على ميزان الخوف والرجاء لا يضل ، ويصل إلى مأموله ، وكيف لا يخاف العبد وهو غير عالم بما تختم صحيفته ، ولا له عمل يتوسل به استحقاقا ، ولا قدرة له على شيء ولا مفر ، وكيف لا يرجو وهو يعرف نفسه بالعجز ، وهو غريق في بحر آلاء الله ونعمائه ، من حيث لا تحصى ولا تعد ، والمحب يعبد ربه على الرجاء بمشاهدة أحواله بعين سهر (1) ، والزاهد يعبد على

ـــــــــــــــــ

(1) هكذا في نسخ هذا الكتاب ونسخة البحار ، ولم نعثر على استعمال

الصفحة 232

الخوف (1) . وقد ظهر مما ذكر : أن الرجاء أصلح وأفضل في موضعين : (أحدهما) في حق من تفتر نفسه عن فضائل الأعمال ويقتصر على الفرائض ، وكان الرجاء باعثا له على التشمير والنشاط للطاعات ، ومثله ينبغي أن يرجي نفسه نعم الله تعالى وما وعد الله به الصالحين في العليين ، حتى ينبعث من رجائه نشاط العباد . (وثانيهما) في حق العاصي المنهمك إذا خطر له خاطر التوبة ، فيقنطه الشيطان من رحمة الله ، ويقول له كيف تقبل التوبة من مثلك ؟ فعند هذا يجب عليه أن يقمع قنوطه بالرجاء ويتذكر ما ورد فيه ، كقوله تعالى : ( لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللّهِ ) (2) . وقوله : ( وَإِنّي لَغَفّارٌ لِمَن تَابَ ) (3) . ويتوب ويتوقع المغفرة مع التوبة لا بدونها ، إذ لو توقع المغفرة مع الإصرار كان مغرورا . والرجاء الأول يقمع الفتور المانع من النشاط والتشمير ، والثاني يقطع القنوط المانع من التوبة .

فصل (العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف)

العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف ، لأن أقرب العباد أحبهم إليه ، والحب يغلب بالرجاء . واعتبر ذلك بملكين يخدم أحدهما خوفا من عقابه والآخر رجاء لعطائه ، ولذلك غير الله أقواما يظنون السوء بالله ، قال : ( وَذلِكُمْ ظَنّكُمُ الّذِي ظَنَنْتُم بِرَبّكُمْ أَرَدَاكُمْ ) (4) وقال : ( وَظَنَنتُمْ ظَنّ السّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ) (5) . وورد في الرجاء وحسن الظن ما ورد - كما تقدم - وفي الخبر : إن الله تعالى أوحى إلى داود : أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى خلقي ،

ـــــــــــــــــ

= كلمة (سهر) للمبالغة في معنى ساهرة .
(1) هذه الرواية نقلها في البحار (الجزء الثاني من المجلد 15 في باب الخوف والرجاء) عن مصباح الشريعة . وقد تقدم رأي صاحب البحار في مصباح الشريعة ص 121 في تعليقتنا . وهذه الرواية ظاهرة أنها ليست من أسلوب كلام الإمام - عليه السلام - .
(2) الزمر ، الآية : 53 .
(3) طه ، الآية : 82 .
 (4) فصلت ، الآية : 23 .
(5) الفتح ، الآية : 12 .

الصفحة 233

فقال : يا رب ! كيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : اذكرني بالحسن الجميل ، وأذكر آلائي وإحساني ، وذكرهم ذلك ، فإنهم لا يعرفون مني إلا الجميل . ورأى بعض الأكابر في النوم - وكان يكثر ذكر أبواب الرجاء - فقال : أوقفني الله بين يديه ، فقال : ما الذي حملك على ذلك ؟ فقلت : أردت أن أحببك إلى خلقك . فقال : قد غفرت لك . هذا مع أن الرجاء أفضل من الخوف للعبد بالنظر إلى مطلعهما ، إذ الرجاء مستقى من بحر الرحمة والخوف مستقى من بحر الغضب . ومن لاحظ من صفات الله ما يقتضي اللطف والرحمة كانت المحبة عليه أغلب ، وليس وراء المحبة مقام . وأما الخوف فمستنده الالتفات إلى الصفات التي تقتضي الغضب ، فلا تمازجه المحبة كممازجتها للرجاء . نعم ، لما كانت المعاصي والاغترار على الخلق أغلب ، (لا) سيما على الموجودين في هذا الزمان ، فالأصلح لهم غلبة الخوف ، بشرط ألا يخرجهم إلى اليأس وقطع العمل ، بل يحثهم على العمل ، ويكدر شهواتهم ، ويزعج قلوبهم عن الركون إلى دار الغرور ، ويدعوهم إلى التجافي عن عالم الزور ، إذ مع غلبة المعاصي على الطاعات لا ريب في أصلحية الخوف ، (لا) سيما أن الآفات الخفية : من الشرك الخفي ، والنفاق ، والرياء ، وغير ذلك من خفايا الأخلاق الخبيثة في أكثر الناس موجودة ، ومحبة الشهوات والحطام الدنيوي في بواطنهم كامنة ، وأهوال سكرات الموت واضطراب الاعتقاد عنده ممكنة ، ومناقشات الحساب ورد أعمالهم الصالحة لأسباب خفية محتملة ، فمن عرف حقائق هذه الأمور ، فإن كان ضعيف القلب جبانا في نفسه غلب خوفه على رجائه ، وإن كان قوي القلب ثابت الجأش تام المعرفة استوى خوفه ورجاؤه . وأما أن يغلب رجاؤه فلا ، بل غلبته إنما هو من الاغترار وقلة التدبر ، كما في غالب الناس ، بل الأصلح لهم غلبة الخوف ، ولكن قبل الإشراف على الموت ، وأما عنده فالأصلح لهم غلبة الرجاء وحسن الظن ، لأن الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل ، وقد انقضى وقته ، وهو لا يطيق هنا أسباب الخوف ، لأنها تقطع نياط قلبه وتعين على تعجيل موته . وأما روح الرجاء فيقوي قلبه ويحبب إليه ربه الذي إليه رجاؤه .


الصفحة 234

وينبغي أن لا يفارق أحد الدنيا إلا محبا لله ، ليكون محبا للقائه ، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن أحب الله ولقاءه وعلم أنه تعالى أيضا يحب لقاءه ، اشتاق إليه تعالى ، وكان فرحانا بالقدوم عليه ، إذ من قدم على محبوبه عظم سروره يقدر محبته ، ومن فارق محبوبه اشتد عذابه ومحنته ، فمهما كان الغالب على القلب عند الموت حب الأهل والولد والمال كانت محابه كلها في الدنيا ، فكانت الدنيا جنته ، إذ الجنة هي البقعة الجامعة لجميع المحاب ، فكان موته خروجا عن الجنة وحيلولة بينه وبين ما يشتهيه . وهذا أول ما يلقاه كل محب للدنيا ، فضلا عما أعد الله له من ضروب الخزي والنكال والسلاسل والأغلال . وأما إذا لم يكن له محبوب سوى الله وسوى معرفته وحبه وأنسه ، فالدنيا وعلائقها شاغلة له عن المحبوب ، فالدنيا أول سجنه ، إذ السجن هي البقعة المانعة عن الوصول إلى محابه ، فموته خلاص له من السجن وقدوم على المحبوب ، ولا يخفى حال من خلص من السجن وخلى بينه وبين محبوبه ، وهذا أول ابتهاج يلقاه من كان محبا لله غير محب للدنيا وما فيها ، فضلا عما أعده الله له مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

فصل (مداواة الناس بالخوف أو الرجاء على اختلاف أمراضهم)

قد عرفت أن المحتاج إلى تحصيل دواء الرجاء من غلب عليه اليأس فترك العبادة ، أو غلب عليه الخوف فأسرف فيها حتى أضر بنفسه وأهله . وأما المنهمكون في طغيان الذنوب والمغرورون بما هم فيه من الفساد والخوف - كأكثر أبناء زماننا - فأدوية الرجاء بالنسبة إليهم سموم مهلكة ، إذ لا يزداد سماعهم لها إلا تماديا في طغيانهم وفسادا في فسادهم وعصيانهم ، فواعظ الخلق ينبغي أن يعرف أمراضهم وينظر إلى مواقع عللهم ، ويعالج كل علة بما يضادها لا بما يزيدها ، ففي مثل هذا الزمان ينبغي ألا يذكر لهم بواعث الرجاء ، بل يبالغ في ذكر أسباب الخوف ، لئلا يهلكهم ويرديهم بالكلية ، ولا يقصد بموعظته استمالة القلوب وتوقع الثناء من الناس ، فينتقل إلى الترغيب على الرجاء لكونه أخف على القلوب وألذ عند النفوس


الصفحة 235

فيهلك ويهلكهم ويضل ويضلهم . وبالجملة : الطريق إلى تحصيل الرجاء لمن يحتاج إليه : أن يتذكر الآيات والأخبار المتواترة الواردة فيه وفي سعة رحمته ووفور عفوه ورأفته - كما تقدم شطر منها - ثم يتأمل في لطائف نعمائه وعجائب آلائه لعباده في دار الدنيا ، حتى أعد لهم كل ما هو ضروري لهم في دوام الوجود ، بل لم يترك لهم شيئا جزئيا يحتاجون إليه نادرا يفوت بفقده ما هو الأصلح الأولى لهم من الزينة والجمال . فإذا لم تقصر العناية الإلهية عن عباده في جميع ما يحب ويحسن لهم من اللطف والاحسان في دار الدنيا - وهي حقيقة دار البلية والمحنة لا دار النعمة والراحة - ولم يرض أن يفوته شيء من المزائد والمزايا في الحاجة والزينة ، فكيف يرضى في دار الآخرة التي هي دار الفيض والجود بسياقهم إلى الهلاك المؤبد والعذاب المخلد ، مع أنه تعالى أخبر بأن رحمته سابقة على غضبه ؟ ! وأقوى ما يجلب به الرجاء أن يعلم أن الله تعالى خير محض لا شرية فيه أصلا ، وفياض على الإطلاق ، وإنما أوجد الخلق لإفاضة الجود والاحسان عليهم ، فلا بد أن يرحمهم ولا يبقيهم في الزجر الدائم . از خير محض جز نكوثى نآيد * خوش باش كه عاقبت نكو خواهد شد (1) ومنها :

• صغر النفس

وهو ملكة العجز عن تحمل الواردات ، وهو من نتائج الجبن ، ومن خبائث الصفات . وتلزمه الذلة والمهانة ، وعدم الاقتحام في معالي الأمور ، والمسامحة في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف ، والاضطراب بعروض أدنى شيء من البلايا والمخاوف . وقد ورد في الأخبار بأن المؤمن برئ عن ذلة النفس ، قال الصادق عليه السلام : إن الله عز وجل فوض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوض إليه أن يكون ذليلا : أما تسمع الله تعالى يقول : ( وَللّهِ‏ِ الْعِزّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ؟ (2)

ـــــــــــــــــ

(1) وحاصل معنى هذا البيت : (إن الخير المحض لا يصدر عنه إلا الجميل فكن مطمئنا أن عاقبتك ستكون إلى الجميل) .
(2) المنافقون ، الآية : 8 .

الصفحة 236

فالمؤمن يكون عزيزا ولا يكون ذليلا ، إن المؤمن أعز من الجبل ، الجبل يستقل منه (1) بالمعاول والمؤمن لا يستقل من دينه شيء . وقال عليه السلام : إن الله فوض إلى المؤمن كل شيء إلا إذلال نفسه . وقد وردت بهذا المضمون أخبار أخر . وعلاجه ما تقدم في معالجة الجبن .

وصل (كبر النفس وصلابتها)

وضده (كبر النفس وصلابتها) ، وقد عرفت أنه ملكة التحمل لما يرد عليه كائنا ما كان . وقد دلت الأخبار على أن المؤمن ذو صلابة وعزة ومهابة ، وكل ذلك فرع كبر النفس . قال الباقر عليه السلام : المؤمن أصلب من الجبل ، وقال عليه السلام : إن الله تعالى أعطى المؤمن ثلاث خصال : العز في الدنيا والآخرة ، والفلح في الدنيا والآخرة : والمهابة في صدور الظالمين . وصاحب هذه الملكة لا يبالي بالكرامة والهوان ، ويتساوى عنده الفقر واليسار والغنى والإعسار ، بل الصحة والمرض والمدح والذم ، ولا يتأثر بتقلب الأمور والأحوال . وهي ملكة شريفة ليست شريعة لكل وارد ، ولا يصل إليها إلا واحد بعد واحد ، بل لا يحوم حولها إلا أوحدي من أفاضل الحكماء ، أو ألمعي قوي القلب من أماثل العرفاء . وطريق تحصيلها - بعد تذكر شرافتها - أن يتكلف في المواظبة على آثارها والاجتناب عما ينافيها ، حتى تحصل بالتدريج .

تتميم (الثبات أخص من كبر النفس)

قد عرفت أن الثبات أخص من كبر النفس ، وهو ملكة التحمل على الخوض في الأهوال ، وقوة المقاومة مع الشدائد والآلام ، بحيث لا يعتريه الانكسار ، وإن زادت وكثرت . وضده الاضطراب في الأهوال والشدائد ،

ـــــــــــــــــ

(1) تقدم في صة
(2) مضمون هذا الحديث ، ورجحنا فيه كلمة (يستفل) بدل (يستقل) وفسرناها ثم بعد التحقيق وجدنا ذلك الحديث المتقدم في أصول الكافي في باب صفات المؤمن بكلمة (يستقل) - بالقاف - وكذلك نسخ جامع السعادات هنا وهناك وجاء في البحار (الجزء الأول المجلد 15 - باب علامات المؤمن وصفاته ص 596) في شرح هذا الحديث هكذا : الجبل يستقل منه : من القلة ، أي ينقص ويؤخذ منه بعضه بالفأس والمعول ونحوهما .

الصفحة 237

ومن جملة الثبات الثبات في الإيمان ، وهو اطمئنان النفس في عقائدها ، بحيث لا يتزلزل فيها بالشبهات ، قال الله تعالى : ( يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ) (1) . وهذا الاطمئنان من شرائط كسب الكمال وفضائل الأعمال ، إذ ما لم تستقر النفس على معتقداتها في المبدأ والمعاد لم يحصل لها العزم البالغ على تحصيل ما يتوقف فائدته عليها ، فمن ليس له هذا الثبات لا تجده ثابتا ومواظبا على شيء من الأعمال الفاضلة ، بل هو : ( كَالّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ ) (2) والمتصف به مواظب لها دائما من غير فتور . وعدم هذا الثبات لعدم البصيرة الباطنة أو لضعف في النفس . فوجوده يحصل من المعرفة وقوة النفس ، فهو من فضائل العاقلة وقوة الغضب ، وعدمه من رذائل إحداهما أو كليهما . ومنها :

• دناءة الهمة

وهو قصور النفس عن طلب معالي الأمور وقناعتها بأدانيها ، وهو من نتائج ضعف النفس وصغرها . وضده (علو الهمة) ، وهو ملكة السعي في تحصيل السعادة والكمال وطلب معالي الأمور ، من دون ملاحظة منافع الدنيا ومضارها ، حتى لا يعتريه السرور بالوجدان ولا الحزن بالفقدان ، بل لا يبالي في طريق الطلب بالموت والقتل وأمثالهما . وصاحب هذه الملكة هو المؤمن الحقيقي الشائق للموت ، والموت تحفة له ، وأعظم سرور يصل إليه ، كما ورد في الأخبار . وهو الذي يقول : آن مرد نيم كز عدمم بين آيد * كان بيم مرا خوشتر از اين بيم آيد جاني است مرا بعاريت داده خدا * تسليم كنم چو وقت تسليم آيد (3)

ـــــــــــــــــ

(1) إبراهيم ، الآية : 27 .
(2) الأنعام ، الآية : 71 .
(3) الأبيات كلها ل‍ (حافظ الشيرازي) المتقدم ذكره . ومعنى البيتين : (لست بذلك الرجل الذي يخشى من فناء نفسه ، فإن ما أخشى منه - وهو الموت - أحسن عندي من نفس الخوف منه ، لأن نفسي قد أعارنيها الله تعالى فعلي أن أسلمها عندما يطلب تسليم العارية) .

الصفحة 238

ويقول : مرگ اگر مرد است گو نزد من آي * تا در آغوشش در آرم تنگ تنگ من از آن عمرى ستانم جاودان * آن زمن دلقى ستاند رنگ رنگ (1) ويقول : أين جان عاريت كه بحافظ سپرده دوست * روزى رخش ببينم وتسليم وى كنم (2) وهذه الملكة من نتائج كبر النفس وشجاعتها ، وهي أعظم الفضائل النفسانية ، إذ كل من وصل إلى المراتب العظيمة والأمور العالية فإنما وصل إليها لأجلها ، إذ صاحبها لا يرضى بالمراتب الدنية ، ويشمر لتحصيل المراتب العالية والأمور المتعالية ، وفي جوهر الإنسان وجبلته أن يصل إلى كل ما يجتهد في طلبه : ( وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا ) (3) . من طلب الشيء وجد وجد . ومن أفراد علو الهمة الشهامة ، وهو الحرص على اقتناء عظائم الأمور توقعا لجميل الذكر على مر الدهور . ومنها :

• عدم الغيرة والحمية

وهو الإهمال في محافظة ما يلزم محافظته : من الدين ، والعرض ، والأولاد ، والأموال . وهو من نتائج صغر النفس وضعفها ، ومن المهلكات العظيمة ، وربما يؤدي إلى الدياثة والقيادة . قال رسول الله (ص) : إذا لم يغر الرجل فهو منكوس القلب . وقال (ص) : إذا غير الرجل في أهله أو بعض مناكحه من مملوكته فلم يغر ، بعث الله إليه طائرا يقال له (القندر) حتى يسقط على عارضة بابه ، ثم يمهله أربعين يوما ، ثم يهتف به : إن الله غيور يحب كل غيور ، قال هو غار وغير وأنكر ذلك فأكبره ، وإلا

ـــــــــــــــــ

(1) معنى البيتين : (لو أن الموت رجل ، فقال له : يأتيني حتى أحتضنه شوقا إليه ، وألزه لزا . وذلك لأني آخذ منه الحياة الخالدة ويأخذ مني هذه الزخارف الفانية للوارث) .
(2) معنى البيت : (إن هذه النفس العارية التي أمنها الحبيب عند حافظ - ويعني نفسه - لا بد أن أسلمها في يوم من الأيام عندما أرى وجه الحبيب - يعني بالحبيب : الله تعالى -) .
(3) العنكبوت ، الآية : 69 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةاعلى