|
الصفحة 239
طار حتى يسقط على رأسه فيخفق بجناحيه على عينيه ثم يطير عنه ، فينزع الله منه بعد
ذلك روح الإيمان ، وتسميه الملائكة : الديوث . وقال (ص) : كان إبراهيم غيورا وأنا
أغير منه ، وجدع الله أنف من لا يغار على المؤمنين والمسلمين . وقال أمير المؤمنين
عليه السلام : يا أهل العراق ! نبئت أن نساءكم يدافعن الرجال في الطريق ، أما
تستحيون ؟ . وقال (ع) : أما تستحيون ولا تغارون ، نساؤكم يخرجن إلى الأسواق ويزاحمن
العلوج ؟ . وصل (الغيرة والحمية) وضده (الغيرة والحمية) ، وهو السعي في محافظة ما
يلزم محافظته ، وهو من نتائج الشجاعة وكبر النفس وقوتها ، وهي شرائف الملكات ، وبها
تتحقق الرجولية والفحلية ، والفاقد لها غير معدود من الرجال . قال رسول الله (ص) :
إن سعدا لغيور ، وأنا أغير من سعد ، والله أغير مني . وقال (ص) : إن الله لغيور ،
ولأجل غيرته حرم الفواحش وقال : إن الله يغار ، والمؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي
الرجل المؤمن ما حرم الله عليه . وقال الصادق عليه السلام : إن الله تعالى غيور
ويحب الغيرة ، ولغيرته حرم الفواحش ظاهرها وباطنها . فصل (الغيرة على الدين والحريم
والأولاد) مقتضى الغيرة والحمية في (الدين) أن يجتهد في حفظه عن بدع المبتدعين ،
وانتحال المبطلين ، وقصاص المرتدين وإهانة من يستخف به من المخالفين ، ورد شبه
الجاحدين ، ويسعى في ترويجه ونشر أحكامه ، ويبالغ في تبيين حلاله وحرامه ، ولا
يتسامح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ومقتضى الغيرة على (الحريم) ألا
يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها ، فيحفظهن عن أجانب الرجال ، ويمنعهن عن
الدخول في الأسواق قال رسول الله (ص) لفاطمة (ع) : أي شيء خير للمرأة ؟ قالت : أن
لا ترى رجلا ولا يراها رجل . فضمها إليه ، وقال : ذرية بعضها من بعض . وكان أصحاب
النبي (ص) يسدون الثقب والكوى في الحيطان ، لئلا تطلع
الصفحة 240
النساء على الرجال . وقال (ص) : من أطاع امرأته أكبه الله على وجهه في النار . وما
روي أنه (ص) : أذن للنساء في حضور المساجد ، وقال لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ،
فالظاهر أنه كان مختصا بنساء عصره (ص) ، لعلمه بعدم ترتب فساد على حضورهن فيها .
والصواب اليوم أن يمنعن من حضور المساجد والذهاب إلى المشاهد إلا العجائز منهن ،
للقطع بترتب الفساد والمعصية على خروج نساء هذا العصر إلى أي موضع كان . وسئل
الصادق (ع) عن خروج النساء في العيدين ، فقال : لا ! إلا العجوز عليها منقلاها .
يعني الخفين . وفي رواية أخرى أنه (ع) : سئل عن خروج النساء في العيدين والجماعة ،
فقال : لا ! إلا امرأة مسنة . وبالجملة : من اطلع على أحوال نساء أمثال عصرنا يعلم
أن مقتضى الغيرة أن يبالغ في حفظهن عن جميع ما يحتمل أن يؤدي إلى فتنة وفساد ، سواء
كان في نفسه محرما ، كالنظر إلى الرجال الأجانب واستماع كلامهم بلا ضرورة شرعية
وارتكاب الملاهي المحرمة ، أولا ، كالخروج عن البيت بلا داع شرعي أو ضروري ، ولو
إلى المساجد والمشاهد المشرفة ومجامع تعزية مولانا أبي عبد الله الحسين عليه السلام
، إذ ذلك وإن كان في نفسه راجحا إلا أن الغالب عدم انفكاكه عما ينافي الغيرة
والحمية على ما هو المشاهد في عصرنا ، فإن أقل ما في الباب أنه لا ينفك عن نظرهن
إلى الأجانب واستماع كلامهم ، بل عن نظرهم إليهن واستماع كلامهن ، وهذا خروج
للطرفين إلى الانحراف عن قانون العفة . مع إنا نعلم قطعا أن خروج أكثرهن لا يخلو عن
غرض فاسد أو مرجوح ، وما أقل فيهن أن يكون خروجها إلى أحد المواضع المذكورة لمحض
القربة والثواب . فالصواب أن يمنعن في أمثال هذا العصر عن مطلق الخروج ، إلا إلى
سفر واجب ، كالحج ، أو إلى بيت عالم عادل لأخذ ما يجب عليهن من المسائل ، إذا لم
يتمكن أزواجهن من أخذها وإيصالها إليهن . نعم ، لو فرض خروجها إلى أحد المشاهد أو
إلى مجمع تعزية من مجامع النساء بل إلى مجمع العرس ، على نحو اطمأن الزوج منها
وتيقن بعدم حدوث ما ينافي الغيرة وعدم ترتب فساد ومعصية وريبة عليه ، فالظاهر جواز
الإذن بل رجحانه . وجميع ذلك إنما هو في الشواب
الصفحة 241
من النساء ، وأما العجائز فلا بأس بخروجهن إلى المواضع المذكورة ! ومقتضى الغيرة أن
يمنعن من استماع الكلمات الملهية والحكايات المهيجة للشهوة ، وعن مجالسة العجائز
اللاتي يحضرن مجامع الرجال وينقلن حكاياتهم وقصصهم لأنهن ناقصات العقل والإيمان ،
ومع ذلك شهوتهن في غاية القوة والغلبة ، فاستماعهن لشيء من المذكورات يوجب ثوران
الشهوة وهيجانها فيهن ، فلما لم يكن فيهن قاهر العقل ومانع الإيمان فربما أدى ذلك
إلى فساد عظيم . ولذلك ورد في الأخبار منعهن عن تعلم سورة يوسف عليه السلام ، إذ
استماعهن الأمثال القصة المذكورة فيها ربما أدى إلى انحرافهن عن طريق العفة . قال
أمير المؤمنين (ع) : لا تعلموا نساءكم سورة يوسف ولا تقرؤهن إياها فإن فيها الفتن ،
وعلموهن سورة النور فإن فيها المواعظ . وقال (ع) : لا تحملوا الفروج على السروج
فتهيجوهن للفجور . وقال رسول الله (ص) : لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن
الكتابة وعلموهن الغزل وسورة النور . وبالجملة : مقتضى العقل والنقل أن يمنعن عن
جميع ما يمكن أن يؤدي إلى فساد وريبة . وعن مبادئ الأمور التي تخاف غوائلها ،
وينبغي لصاحب الغيرة أن يجعل نفسه مهيبا في نظرها ، حتى تكون منه على خوف وحذر ،
ولا تطمئن منه فتتبع هواها وما تقتضيه جبلتها ، وأن يجعلها مشغولة في كل وقت بأمر
من الأمور ، كتدبير المنزل وإصلاح أمر المعيشة ، أو بكسب من المكاسب ، حتى يكون لها
دائما شغل شاغل ، ولا تكون فارغة عنه في وقت من الأوقات ، إذ لو خلت عن الأشغال
وتعطلت عن المهمات أوقعها الشيطان في أودية الأفكار الردية ، فتميل إلى الزينة
والخروج والتفرج ، والنظر إلى أجانب الرجال ، والملاعبة والمضاحكة للنسوان ، فينجر
أمرها إلى الفساد . وينبغي أيضا لصاحب الغيرة أن يعطي امرأته ما تحتاج إليه من
القوت واللباس وسائر الضروريات ، حتى لا تضطر إلى ارتكاب ما لا ينبغي من الحركات
والأفعال توصلا إلى أخذ شيء من ذلك من غير زوجها . ثم ينبغي ألا توقعه الغيرة في
طرف الإفراط فيبالغ في إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن ، فقد نهى رسول الله (ص) :
أن يتبع عورات النساء
الصفحة 242
وأن يتعنت بهن . وفي الخبر المشهور : إن المرأة كالضلع ، إن أردت أن تقيمه كسرته ،
فدعه تستمتع به على عوج . وقال (ص) : من الغيرة غيرة يبغضها الله ورسوله ، وهي غيرة
الرجل على أهله من غير ريبة . وقال أمير المؤمنين (ع) : لا تكثر الغيرة على أهلك
فترمى بالسوء من أجلك . وقال عليه السلام في رسالته إلى الحسن (ع) : إياك والتغاير
في غير موضع الغيرة ، فإن ذلك يدعوهن إلى السقم ، ولكن أحكم أمرهن فإن رأيت عيبا
فعجل النكير على الصغير والكبير ، بأن تعاقب منهن البريئة فتعظم الذنب وتهون العيب
. وبالجملة : لا ينبغي المبالغة في الفحص والتفتيش ، إذ لا ينفك ذلك عن سوء الظن
الذي نهينا عنه ، فإن بعض الظن إثم . وأما مقتضى الغيرة على (الأولاد) : إن تراقبهم
من أول أمرهم ، فاستعمل في حضانة كل مولود له وإرضاعه امرأة صالحة تأكل الحلال ، إذ
الصبي الذي تتكون أعضاؤه من اللبن الحاصل من غذاء حرام يميل طبعه إلى الخبائث ، لأن
طينته انعجنت من الخبث . وإذا بدأت فيه مخائل التمييز فينبغي أن يؤدب بآداب الأخيار
. ولما كان أول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام ، فينبغي أن يؤدب فيه بأن يؤمر
بألا يأخذ إلا بيمينه ، ويقول (باسم الله) عند أكله ، ويأكل مما يليه ، ولا يبادر
إلى الطعام قبل غيره ، ولا يحدق إلى الطعام ولا إلى من يأكل ، ولا يسرع في الأكل ،
ويمضغ الطعام مضغا جيدا ، ولا يلطخ ثوبه ولا يده . ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يذم
كثير الأكل ويشبه بالبهائم ، ويمدح الصبي الذي يقنع بالقليل ، ويحبب إليه الإيثار
بالطعام وقلة المبالاة به ، والقناعة بأي طعام اتفق . ثم يؤدب في أمر اللباس ، حتى
لا يخرج فيه عن زي الأبرار وأهل الورع ، فيحبب إليه ثياب القطن والبيض ، دون
الإبريسم الملون ، ويقرر عنده بأن ذلك شأن النساء والمخنثين ، والرجال يستنكفون منه
، ويحفظ من الصبيان الذين تعودوا التنعم والترفه والزينة . ثم يؤدب في الأخلاق
والأفعال ويبالغ في ذلك ، لأن الصبي إذا أهمل في أول نشوه خرج في الأكثر ردي
الأخلاق والأفعال ، فيكون كذابا ، حسودا ، لجوجا ، عنودا سارقا ، خائفا ، ذا ضحك
وفضول ، وربما صار مخنثا مائلا إلى الفسوق
الصفحة 243
والفجور ، فينبغي أن يحفظ من قرناء السوء ، وهو الأصل في تأديبه . يسلم إلى معلم
دين صالح ، يعلمه القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار ، لينغرس في نفسه حب
الصالحين . ويحفظ عن الأشعار التي فيها ذكر الفسوق وأهله ، إذ ذلك يغرس في قلبه بذر
الفساد . وينبغي أن يعود الصبر والسكوت إذا ضربه المعلم ، حتى لا يكثر الصراخ
والشغب ولا يستشفع بأحد حينئذ ، ويذكر له أن ذلك دأب الرجال والشجعان ، وأن كثرة
الصراخ دأب المماليك والنسوان . وينبغي أن يؤذن له بعد الفراغ من المكتب باللعب
المباح الجميل حتى يستريح من تعب الأدب ، ولا يموت قلبه ، ولا ينقص ذكاه . ويعلم
محاسن الأخلاق والأفعال ، ويجنب عن خبائث الصفات ورذائل الأعمال فيخوف من الحسد ،
والعداوة ، والجبن ، والبخل ، والكبر ، والعجب ويحذر من السرقة ، وأكل الحرام ،
والكذب ، والغيبة ، والخيانة ، والفحش واللعن ، والسب ، ولغو الكلام . . وغير ذلك .
ويرغب في الصبر ، والشكر ، والتوكل ، والرضا ، والشجاعة ، والسخاء ، والصدق ،
والنصيحة . . . وغير ذلك من محاسن الأخلاق وفضائلها . ويمدح عنده الأخيار ويذم
الأشرار ، حتى يصير الخير عنده محبوبا ، ويصير الشر عنده مبغوضا . وإذا بلغ سن
التمييز ، يؤمر بالطهارة والصلاة ، وبالصوم في بعض الأيام من شهر رمضان ، ويعلم
أصول العقائد وكل ما يحتاج إليه من حدود الشرع . ومهما ظهر منه خلق جميل أو فعل
محمود ، فينبغي أن يكرم عليه ويجازى لأجله بما يفرح به ، ويمدح بين أظهر الناس .
وإن ظهر منه فعل قبيح مرة واحدة ينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك سره ، ولا يظهر له
أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ، (لا) سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه ،
فإن إظهار ذلك ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة بعد ذلك ، فإن عاد ثانيا
إلى مثله ، فينبغي أن يعاتب عليه سرا ويعظم الأمر فيه ، ويقال له : إياك أن يطلع
على فعلك هذا أحد فتفتضح عند الناس . ولا يكثر العتاب عليه حتى يسقط وقع الكلام من
قلبه . وليكن الأب حافظا هيبته في الكلام والحركات معه . وينبغي للأم أن تخوفه
بالأب . وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله خفية ، فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه
قبيح ، فإذا ترك يعود
الصفحة 244
فعل القبيح . ويعود الوقار والطمأنينة في المشي وسائر الحركات والأفعال وعدم كشف
أطرافه ، والتواضع والاكرام لكل من عاشره ، والتلطف معه في الكلام ، ويعلم طاعة
والديه ، ومعلمه ، ومؤدبه ، وكل من هو أكبر سنا منه ، من قريب وبعيد ، ويعود النظر
إليهم بعين التعظيم والجلالة وترك اللعب بين أيديهم . ويمنع من الفخر على أقرانه
بشيء مما تملكه نفسه أو والده . ويخوف من أخذ شيء من الصبيان أو الرجال ، أو يذكر
له أن الرفعة في العطاء ، والأخذ لؤم وخسة ومهانة وذلة ، فإنه دأب الكلب ، إذ هو
يتبصبص في انتظار لقمة ، ويقبح عنده حب الذهب والفضة ، ويحذر منهما أكثر مما يحذر
من الحيات والعقارب ، إذ آفة حبهما أكثر من آفة السموم وقد هلك لأجله كل من هلك
العالم . ويعود ألا يبصق في مجلسه ، ولا يتمخط ، ولا يتمطط ، ولا يتثاءب بحضرة غيره
، ولا يستدبر غيره ، ولا يضع رجلا على رجل ، ولا يضرب كفه تحت ذقنه ، لأنه دليل
الكسل . ويعلم كيفية الجلوس والحركة والسكون . ويمنع من النوم في النهار ، ومن
التنعم في المفرش والملبس والمطعم ، بل يعود الخشونة فيها حتى تتصلب أعضاؤه ، ولا
يستخف بدنه ، يذكر له أنها خلقت لدفع الضرر والألم لا لأجل اللذة الأطعمة.وإن أدوية
يتقوى الإنسان بها على عبادة الله ، وإن الدنيا كلها لا أصل لها ولا بقاء لها ، وإن
الموت يقطع نعيمها ، وإنها دار ممر لا دار مقر . وإن الآخرة هي دار القرار ومحل
الراحة واللذات ، والكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة . وينبغي أن يمنع من كثرة
الكلام ، ومن الكذب ، واليمين ولو كان صدقا ، ومن اللهو واللعب والسخرية وكثرة
المزاح ، ومن أن يبتدئ بالكلام ، ويعود ألا يتكلم إلا جوابا وبقدر السؤال ، وأن
يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر سنا منه ، وأن يقوم لمن هو أكبر منه ،
ويوسع له المكان ويجلس بين يديه . فإذا تأدب الصبي بهذه الآداب في صغره صارت له بعد
بلوغه ملكات راسخة ، فيكون خيرا صالحا . وإن نشأ على خلاف ذلك ، حتى ألف اللعب
والفحش ، والوقاحة ، والخرق ، وشره الطعام ، واللباس ، والتزين والتفاخر بلغ وهو
خبيث النفس كثيف الجوهر ، وكان وبالا لوالديه ، وصدر منه
الصفحة 245
ما يوجب الفضيحة والعار . فيجب على كل والد ألا يتسامح في تأديب ولده في حالة الصبا
، لأنه أمانة الله عنده ، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة عن كل نقش وصورة ، وقابل
للخير والشر ، وأبواه يميلان به إلى أحدهما ، فإن عود الخير نشأ عليه وسعد في
الدنيا والآخرة ، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم ومؤدب ، وإن عود الشر وأهمل شقى
وهلك ، وكان الوزر في رقبة أبيه أو من كان فيما ووليا له . ثم الصبية تؤدب بمثل ما
مر ، إلا فيما يتفاوت به الصبي والصبية ، فيستعمل ما يليق بها ، ويجب السعي في
جعلها ملازمة للبيت ، والحجاب ، والوقار ، والعفة ، والحياء ، وسائر الخصال التي
ينبغي أن تتصف بها النساء . ثم ينبغي أن يتفرس من حال الصبي أنه مستعد لأي علم
وصناعة ، فيجعل مشغولا باكتسابه ويمنع من اكتساب غيره ، لئلا يضيع عمره ولا تترتب
عليه فائدة ، إذ كل أحد ليس مستعدا لكل صناعة ، وإلا لاشتغل الجميع بأشرف الصناعات
، واختلاف الناس وتفاوتهم في هذا الاستعداد لتوقف قوام النوع وانتظام العالم عليه .
وأما الغيرة على (المال) ، فلا تظن أنها ليست ممدوحة لسرعة فناء المال وعدم اعتناء
الأخيار ، إذ كل إنسان ما دام في دار الدنيا محتاج إليه ، وتحصيل الآخرة أيضا يتوقف
عليه . إذ كسب العلم والعمل موقوف على بقاء البدن وهو موقوف على بدل مما يتحلل عنه
من الأغذية والأقوات . فلا بد لكل عاقل أن يعتني بالمال ويجتهد في حفظه وضبطه ، بعد
تحصيله من المداخل الطيبة والمكاسب المحمودة ، ومقتضى السعي في حفظه المعبر عنه
بالغيرة عليه أللايصرفها في مصرف لا تترتب عليه فائدة لآخرته أو دنياه ، كإنفاقه
للرياء والمفاخرة والتضيف ، أو بذله على غير المستحقين بلا داع ديني أو دنيوي أو
عادي ، أو تمكينه الظلمة والسارقين وأهل الخيانة من أخذه علانية أو سرا ، أو عدم
مبالاته بتضييعه من غير أن يصل نفعه إلى أحد ، أو إسرافه في بذله ، أو غير ذلك من
المصارف التي ليست راجحة بحسب العقل والشرع ولا يعود إليه عوض في الآخرة والدنيا .
بل مقتضى الغيرة عليه أن يصرف ج : 1
الصفحة 246
جميع أمواله في حياته في المصارف التي تعود فائدتها إلى نفسه ، ولا يترك شيئا منها
لوراثه إلا للأخيار من أولاده ، إذ بقاؤهم بمنزلة بقائه ، ويترتب على وجودهم - مع
حسن حالهم وعيشهم - جميل الذكر وجزيل الثواب له بعد موته . وكيف يرضى صاحب الغيرة
أن يترك ماله الذي أتعب نفسه في اكتسابه وفنى عمره في تحصيله ويحاسب عليه في عرصات
القيامة ، لزوج امرأته ، فيأكله ويجامعها ، وغاية رضى هذه المرأة الخبيثة التي ليست
لها حمية ووفاء ولا لها مطلوب أهم من مقاربة الرجال ، أن يأكل هذا الرجل صفو ماله
ليتقوى على مجامعتها ، وهذا محنة لا يتحمل مثلها أهل الديانة والقيادة ، فضلا عن
صاحب الغيرة والحمية . وقس على ذلك تخليف الأموال لسائر الوراث الذين لا يعرفون
الحقوق ، وليسوا من أهل الخير والصلاح والوفاء ، من أولاد السوء وأزواج البنات ،
وسائر الأقارب من الأخوان والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات . وهؤلاء
وإن لم يكونوا بمثابة زوج امرأته ، إلا أن ترك الأموال لهم إذا لم يكونوا من أهل
الخير والصلاح لا تثمر له فائدة سوى الوزر والوبال وذكره بالسوء والشتم والفحش ،
كما هو المشاهد في زماننا هذا . ومنها :
• العجلة
وهي المعنى الراتب في القلب ، الباعث على الإقدام على الأمور بأول خاطر ، من دون
توقف واستبطاء في أتباعها والعمل بها . وقد عرفت أنه من لوازم ضعف النفس وصغرها ،
وهو من الأبواب العظيمة للشيطان ، قد أهلك به كثيرا من الناس . قال رسول الله (ص) :
العجلة من الشيطان ، والتأني من الله . وقد خاطب الله تعالى نبيه (ص) بقوله :
( وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) (1) . وقد روي : أنه لما ولد عيسى عليه
السلام أتت الشياطين إبليس ، فقالت : أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها . فقال : هذا
حادث قد حدث ،
ـــــــــــــــــ
(1) طه ، الآية : 114 .
الصفحة 247
مكانكم . فطار حتى جاء خافقي الأرض ، فلم يجد شيئا ، ثم وجد عيسى عليه السلام قد
ولد ، وإذا الملائكة قد حفت حوله ، فرجع إليهم ، فقال : إن نبيا قد ولد البارحة .
ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها ، إلا هذا ، فايأسوا أن تعبد الأصنام
بعد هذه الليلة ، ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة . والظواهر في ذم العجلة
أكثر من أن تحصى ، ولذلك أفتى بعض علماء العامة بالمنع من التعجيل لمن خاف فوت صلاة
الجمعة . والسر في شدة ذمها : أن الأعمال ينبغي أن تكون بعد المعرفة والبصيرة ،
وهما موقوفان على التأمل والمهلة ، والعجلة تمنع من ذلك ، فمن يستعجل في أمر يلقي
الشيطان شره عليه من حيث لا يدري . والتجربة شاهدة بأن كل أمر يصدر على العجلة يوجب
الندامة والخسران ، وكل ما يصدر على التأني والتثبت لا تعرض بعده ندامة ، بل يكون
مرضيا ، وبأن كل خفيف عجول ساقط عن العيون ولا وقع له عند القلوب . والمتأمل في
الأمور يعلم أن العجلة هو السبب الأعظم لتبديل نعيم الآخرة وملك الأبد بخسائس
الدنيا ومزخرفاتها . وبيان ذلك : أنه لا ريب في أن أحب اللذات وألذها للنفس هو
الغلبة والاستيلاء ، لأنها من صفات الربوبية التي هي مطلوبة بالطبع للنفوس المجردة
والسر فيه : أن كل معلول من سنخ علته ، ويناسبها في صفاتها وآثارها ، وغاية ابتهاجه
أن يتصف بمثل كمالاتها ، ولذا قيل : كل ما يصدر عن شيء لا يمكن أن يكون من جميع
الجهات هو هو ، ولا أن يكون من جميع الجهات ليس هو ، بل من جهة هو هو ومن جهة ليس
هو . وهذا معنى كلام قدماء الحكمة : (الممكن زوج تركيبي) . ولا ريب في أن جميع
الموجودات معلولة للواجب سبحانه ، صادرة عن محض وجوده ومترشحة عن فيضه وجوده ، فهو
غاية الكل والكل طالبة نحو كمالاته ، إلا أن ما هو في سلسلة الصدور إليه أقرب
والواسطة بينهما أقل ، تكون مناسبة له أتم وشوقه إلى الاتصاف بكماله أشد . ولا ريب
في أن الذوات المجردة النورية التي هي من عالم الأمر مقتبسة من مشكاة نوره ، فلها
غاية القرب
الصفحة 248
إليه في سلسلة الصدور ، فتكون شديدة الشوق إلى الإنصاف بنحو كماله . والنفس
الإنسانية لكونها منها ومن عالم الأمر - كما قال الله تعالى - :
( قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي )(1) . تكون مثلها في القرب إليه تعالى أو في المناسبة له ، فلها غاية الشوق في
الاتصاف بصفاته وكمالاته التي من جملتها الغلبة والاستعلاء ، وليس ذلك مذموما ، إذ
ينبغي لكل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له ، وسعادة دائمية لا نفاد لها ، وبقاء
لا فناء فيه ، وعزا لا ذل معه ، وأمنا لا خوف فيه ، وغنى لا فقر معه ، وكمالا لا
نقصان فيه . وهذه كلها من أوصاف الربوبية وطالبها طالب للعلو والعز والكمال لا
محالة . فالمذموم من الرئاسة والاستيلاء إنما هو الغلط الذي وقع للنفس بسبب تغرير
المعين المبعد عن عالم الأمر ، إذ حسدها على كونها من عالم الأمر ، فأضلها وأغواها
من طريق العجلة ، فزين في نظره الملك الفاني المشوب بأنواع الآلام ، لكونه عاجلا ،
وصده عن الملك المخلد الدائم الذي لا يشوبه كدر ولا يقطعه قاطع ، لكونه آجلا .
والمسكين المخذول ابن آدم لما خلق عجولا راغبا في العاجلة ، لما جاءه المطرود من
عالم الأمر ، وتوسل إليه بواسطة العجلة التي في طبعه ، واستغواه بالعاجلة ، وأمال
قلبه إلى عدم الاعتناء بالآجلة ، وزين له الحاضرة ، ووعده بالغرور وبالتمني على
الله في باب الآخرة ، فانخدع بغروره واشتغل بطلب ملك الدنيا ومزخرفاتها مع فنائها ،
وترك سلطنة الآخرة مع بقائها ، ولم يتأمل المسكين في أن ملك الدنيا ورئاستها ليس
كمالا ولا علوا واستيلاء في الحقيقة ، بل هو صفة نقض يصده عن الكمال الحقيقي
والرئاسة المعنوية . مثال ذلك : أنه لا ريب في أن الحب والعشق صفة كمال ، ولكن إذا
وقع في موقعه ، وذلك إذا كان المحبوب شريفا كاملا في ذاته وصفاته ، فحب الله سبحانه
أشرف الصفات الكمالية ، وحب الجمادات وخسائس الحيوانات أخس الرذائل النفسية ، فكل
من كان جاهلا بحقائق الأمور ينخدع بغروره ، ويختار الملك العاجل الفاني على
ـــــــــــــــــ
(1) الإسراء ، الآية : 85 .
الصفحة 249
السلطنة الأجلة الباقية ، وأما العالم الموفق فلا يتدلى بحبل غروره ، إذ علم مداخل
مكره ، فأعرض عن العاجلة واختار الأجلة . ولما استطار مكر اللعين في كافة الخلق ،
أرسل الله إليهم الأنبياء ، واشتغلوا بدعوتهم من الملك المجازي الذي لا أصل له ولا
دوام أن سلم إلى الملك الحقيقي الذي لا زوال له أصلا ، فنادوا فيهم :
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي
سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا
مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ ) (1)
. وذموا من اختار العاجلة الفانية على الآخرة الباقية ، كما قال سبحانه :
( إِنّ هؤُلاَءِ يُحِبّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً
) (2) . وقال :
( كَلاّ بَلْ تُحِبّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ )
(3)
. فالغرض من بعثة الرسل ليس إلا دعوة الخلق إلى الملك المخلد ، ليكونوا ملوكا في
الآخرة بسبب القرب من الله تعالى ، ودرك بقاء لا فناء فيه ، وعز لا ذل معه ، وقرة
عين أخفيت لا يعلمها أحد . والشيطان يدعوهم من طريق العجلة إلى ملك الدنيا الفاني ،
لعلمه بأن ما سمى ملك الدنيا ، مع أنه لا يسلم ولا يخلو عن المنازعات والمكدرات
وطول الهموم في التدبيرات ، يفوت به ملك الآخرة ، إذ الدنيا والآخرة ضرتان . بل
يفوت به الملك الحاضرة الذي هو الزهد في الدنيا ، إذ معناه أن يملك العبد شهوته
وغضبه ، فينقادان لباعث الذين وإشارة الإيمان . وهذا ملك بالاستحقاق ، إذ به يصير
صاحبه حرا ، وباستيلاء الشهوة يصير عبدا لبطنه وفرجه وسائر أعضائه ، فيكون مسخرا
مثل البهيمة ، مملوكا يسخره زمام الشهوة ، أخذ المخنقة إلى حيث يريد ويهوى . فما
أعظم اغترار الإنسان ، إذ ظن أنه ينال الملك بأن يصير مملوكا ، وينال الربوبية بأن
يصير عبدا . ومثل هذا هل يكون إلا معكوسا في الدنيا منكوسا في الآخرة ؟ . فقد ظهر
أن منشأ الخسران في الدنيا
ـــــــــــــــــ
(1) التوبة ، الآية : 38 .
(2) الدهر ، الآية : 27 .
(3) القيامة ، الآية : 20 - 21 .
الصفحة 250
والآخرة هو العجلة . والطريق في علاجها : أن يتذكر فسادها ، وسوء عاقبتها ،
وإيجابها للخفة والمهانة عند الناس ، وتأديتها إلى الندامة والخسران . ثم يتذكر
شرافة الوقار الذي هو ضده ، وكونه صفة الأنبياء والأخيار ، فيوطن نفسه على ألا
يرتكب فعلا إلا بعد التأمل والمهلة ، ولا يترك الطمأنينة والسكون باطنا وظاهرا في
جميع أفعاله وسكناته ، فإذا فعل ذلك مدة ، ولو بالتكلف والتعمل ، يصير ذلك عادة له
، فتزول عنه هذه الصفة ، وتحدث صفة الوقار والسكينة .
وصل (الأناة والتوقف والوقار والسكينة)
ضد العجلة (الأناة) (1) ، وهو المعنى الراتب في القلب ، الباعث على الاحتياط في
الأمور والنظر فيها ، والتأني في أتباعها والعمل بها . ثم (التوقف) قريب من التأني
والأناة ، والفرق بينهما : أن التوقف هو السكون قبل الدخول في الأمور حتى يستبين له
رشدها ، والتأني سكون وطمأنينة بعد الدخول فيها ، حتى يؤدي لكل جزء منها حقه ، وضد
التوقف والتعسف . و(الوقار) يتناول الأناة والتوقف كليهما ، فهو طمأنينة النفس
وسكونها في الأقوال والأفعال والحركات قبل الدخول فيها وبعده . وهو من نتائج قوة
النفس وكبرها . وما قل من الفضائل النفسانية أن يبلغ مرتبته في الشرافة ، ولذا يمدح
به الأنبياء والأصفياء ، وورد في الأخبار : إن المؤمن متصف به البتة . فينبغي لكل
مؤمن أن يتكلف آثاره في الحركات والأفعال ، حتى يصير بالتدريج ملكة ، وتكلف
الطمأنينة في الأفعال والحركات قبل أن تصير ملكة يختص باسم الوقار، وإذا صارت ملكة
سميت سكينة، إذ هي طمأنينة الباطن ، والوقار اطمئنان الظاهر .
ـــــــــــــــــ
(1) في النسخ (الأناءة) ، فصححناه كما هنا .
الصفحة 251
ومنها :
• سوء الظن بالخالق والمخلوق
وهو من نتائج الجبن وضعف النفس ، إذ كل جبان ضعيف النفس تذعن نفسه لكل فكر فاسد
يدخل في وهمه ويتبعه ، وقد يترتب عليه الخوف والغم ، وهو من المهلكات العظيمة ، وقد
قال الله سبحانه :
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظّنّ إِنّ بَعْضَ
الظّنّ إِثْمٌ )
(1)
. وقال تعالى :
( وَذلِكُمْ ظَنّكُمُ الّذِي ظَنَنْتُم بِرَبّكُمْ أَرَدَاكُمْ ) (2)
. وقال :
( وَظَنَنتُمْ ظَنّ السّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً )(3) . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : ضع أمر أخيك على أحسنه حتى
يأتيك ما يغلبك منه ، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير
محملا . ولا ريب في أن من حكم بظنه على غيره بالشر ، بعثه الشيطان على أن يغتابه أو
يتوانى في تعظيمه وإكرامه ، أو يقصر فيما يلزمه من القيام بحقوقه ، أو ينظر إليه
بعين الاحتقار ويرى نفسه خيرا منه . وكل ذلك من المهلكات ، على أن سوء الظن بالناس
من لوازم خبث الباطن وقذارته ، كما أن حسن الظن من علائم سلامة القلب وطهارته ، فكل
من يسئ الظن بالناس ويطلب عيوبهم وعثراتهم فهو خبيث النفس سقيم الفؤاد وكل من يحسن
الظن بهم ويستر عيوبهم فهو سليم الصدر طيب الباطن ، فالمؤمن يظهر محاسن أخيه ،
والمنافق يطلب مساويه ، وكل إناء يترشح بما فيه . والسر في خباثة سوء الظن وتحريمه
وصدوره عن خبث الضمير واغواء الشيطان : أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب
، فليس لأحد أن يعتقد في حق غيره سوءا إلا إذا انكشف له بعيان لا يقبل التأويل ، إذ
حينئذ لا يمكنه ألا يعتقد ما شاهده وعلمه ، وأما ما لم يشاهده ولم يعلمه ولم يسمعه
وإنما وقع في قلبه ، فالشيطان ألقاه إليه ، فينبغي أن يكذبه ، لأنه أفسق الفسقة .
وقد قال الله :
ـــــــــــــــــ
(1) الحجرات ، الآية : 12 .
(2) فصلت ، الآية : 23 .
(5) الفتح ، الآية : 12 .
الصفحة 252
( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ
) (1) . فلا يجوز تصديق اللعين في
نبأه ، وإن حف بقرائن الفساد ، ما احتمل التأويل والخلاف فلو رأيت عالما في بيت
أمير ظالم لا تظنن أن الباعث طلب الحطام المحرمة ، لاحتمال كون الباعث إغاثة مظلوم
. ولو وجدت رائحة الخمر في فم مسلم فلا تجز من بشرب الخمر ووجوب الحد ، إذ يمكن أنه
تمضمض بالخمر ومجه وما شربه ، أو شربه إكراها وقهرا . فلا يستباح سوء الظن إلا بما
يستباح به المال ، وهو صريح المشاهدة ، أو قيام بينة فاضلة . ولو أخبرك عدل واحد
بسوء من مسلم ، وجب عليك أن تتوقف في إخباره من غير تصديق ولا تكذيب ، إذ لو كذبته
لكنت خائنا على هذا العدل إذ ظننت به الكذب ، وذلك أيضا من سوء الظن ، وكذا إن ظننت
به العداوة أو الحسد أو المقت لتتطرق لأجله التهمة ، فترد شهادته ، ولو صدقته لكنت
خائنا على المسلم المخبر عنه ، إذ ظننت به السوء ، مع احتمال كون العدل المخبر
ساهيا ، أو التباس الأمر عليه بحيث لا يكون في إخباره بخلاف الواقع آثما وفاسقا .
وبالجملة : لا ينبغي أن تحسن الظن بالواحد وتسئ بالآخر ، فتذكر المذكور حاله على ما
كان في الستر والحجاب ، إذ لم ينكشف لك حاله بأحد القواطع ، ولا بحجة شرعية يجب
قبولها ، وتحمل خبر العدل على إمكان تطرق شبهة مجوزة للإخبار ، وإن لم يكن مطابقا
للواقع . ثم المراد بسوء الظن هو عقد القلب وميل النفس دون مجرد الخواطر وحديث
النفس ، بل الشك أيضا ، إذ المنهي عنه في الآيات والأخبار إنما هو أن يظن ، والظن
هو الطرف الراجح الموجب لميل النفس إليه . والأمارات التي بها يمتاز العقد عن مجرد
الخواطر وحديث النفس ، هو أن يتغير القلب منه عما كان من الألف والمحبة إلى الكراهة
والنفرة ، والجوارح عما كانت عليه من الأفعال اللازمة في المعاشرات إلى خلافها .
والدليل على أن المراد هو ما ذكر ، قوله (ص) : ثلاث في المؤمن لا تستحسن وله منهن
مخرج فمخرجه من سوء الظن ألا يحققه أي لا يحقق في نفسه بعقد ولا فعل ، لا في القلب
ولا في الجوارح .
ـــــــــــــــــ
(1) الحجرات ، الآية : 6 .
الصفحة 253
ثم لكون سوء الظن من المهلكات ، منع الشرع من التعرض للتهمة ، صيانة لنفوس الناس
عنه ، فقال (ص) اتقوا مواقع التهم ، وقال أمير المؤمنين عليه السلام : من عرض نفسه
للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن . وروي : أنه (ص) كان يكلم زوجته صفية بنت حي ابن
أخطب ، فمر به رجل من الأنصار ، فدعاه رسول الله ، وقال ، يا فلان ! هذه زوجتي صفية
. فقال : يا رسول الله ! أفنظن بك إلا خيرا ؟ قال : إن الشيطان يجري من ابن آدم
مجرى الدم ، فخشيت أن يدخل عليك . فانظر كيف أشفق رسول الله (ص) على دينه فحرسه ،
وكيف علم الأمة طريق الاحتراز عن التهمة ، حتى لا يظن العالم الورع المعروف بالتقوى
والدين أن الناس لا يظنون به إلا خيرا ، إعجابا منه بنفسه ، فإن ما لا جزم بتحققه
في حق سيد الرسل وأشرفهم ، فكيف يجزم بتحققه في حق غيره ، وإن بلغ من العلم والورع
ما بلغ . والسر في ذلك : أن أورع الناس وأفضلهم لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة
، بل إن نظر إليه بعضهم بعين الرضا ينظر إليه بعض آخر بعين السخط :
وعين الرضا عن
كل عيب كليلة ولكن السخط تبدي المساويا
فكل عدو وحاسد لا ينظر إلا بعين السخط ،
فيكتم المحاسن ويطلب المساوئ ، وكل شرير لا يظن بالناس كلهم إلا شرا ، وكل معيوب
مفتضح عند الناس يحب أن يفتضح غيره وتظهر عيوبه عندهم ، لأن البلية إذا عمت هانت ،
ولأن يشتغل الناس به فلا تطول ألسنتهم فيه . فاللازم لكل مؤمن ألا يتعرض لموضع
التهمة حتى يوقع الناس في المعصية بسوء الظن ، فيكون شريكا في معصيتهم ، إذ كل من
كان سببا لمعصية غيره يكون شريكا له في هذه العصية . ولذا قال الله تعالى : ولا
تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم (1) . وقال رسول الله (ص)
: كيف ترون من يسب أبويه ؟ فقالوا : هل من أحد بسب أبويه ؟ فقال : نعم ! يسب أبوي
غيره فيسبون أبويه . ثم طريق المعالجة في إزالته - بعد تذكر ما تقدم من فساده وما
يأتي من فضيلة ضده - : أنه إذا خطر لك خاطر سوء على مسلم : لا تتبعه ،
ـــــــــــــــــ
(1) الأنعام ، الآية : 108 .
الصفحة 254
ولا تحققه ، ولا تغير قلبك عما كان عليه بالنسبة إليه ، من المراعاة والتفقد
والاكرام والاعتماد بسببه ، بل ينبغي أن تزيد في مراعاته وإعظامه وتدعو له بالخير ،
فإن ذلك يقنط الشيطان ويدفعه عنك ، فلا يلقي إليك خاطر السوء خوفا من اشتغالك
بالدعاء وزيادة الاكرام . ومهما عرفت عثرة من مسلم فانصحه في السر ولا تبادر إلى
اغتيابه ، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على عيبه ، لتنظر إليه بعين
الحقارة ، مع أنه ينظر إليك بعين التعظيم بل ينبغي أن يكون قصدك استخلاصه من الإثم
، وتكون محزونا كما تحزن على نفسك إذا دخل عليك نقصان ، وينبغي أن يكون تركه ذلك
العيب من غير نصيحتك أحب إليك من تركه بنصيحتك ، وإذا فعلت ذلك جمعت بين أجر نصيحته
وأجر الحزن بمصيبته وأجر الإعانة على آخرته .
وصل (حسن الظن)
قد عرفت أن ضد سوء الظن بالخالق والمخلوق هو (حسن الظن بهما) . ولما كان الأول من
لوازم ضعف النفس وصغرها ، فالثاني من نتائج قوتها وثباتها ، وفوائده أكثر من أن
تحصى ، وقد تقدمت الظواهر الواردة في مدحه ، فينبغي لكل مؤمن ألا ييأس من روح الله
، ولا يظن أنه لا يرحمه ويعذبه ألبتة ولا يخلصه من العقاب ، وإن ما يرد عليه في
الدنيا من البلايا والمصائب هو شر له وعقوبة ، بل ينبغي أن يعلم أنه أرحم وأرأف به
من والديه ، وإنما خلقه لأجل الفيض والجود ، فلا بد أن يرحمه في دار الآخرة ،
ويخلصه من عذاب الأبد ويوصله إلى نعيم السرمد ، وما يرد عليه من المصائب والبلايا
في دار الدنيا خير له وصلاح ، وذخيرة له في يوم المعاد . وكذا لا يظنن السوء ،
والشر بالمسلمين ، ولا يحملن ما له وجه صحيح من أعمالهم وأقوالهم على وجه فاسد ، بل
يجب أن يحمل كل ما يشاهده من أفعالهم وحركاتهم على أحسن الوجوه وأصحها ، ما لم يجزم
بفساده ، ويكذب وهمه وسائر حواسه ، فيما يذهب إليه من المحامل الفاسدة والاحتمالات
القبيحة المحرمة ، ويكلف نفسه على ذلك ، حتى يصير ذلك ملكة له ، فترتفع عنه ملكة
سوء الظن بالكلية ، نعم ، الحمل على الوجه الصحيح على
الصفحة 255
تقدير عدم مطابقته للواقع ، لو كان باعثا لضرر ما لي أو فساد ديني أو عرضي ، لزم
فيه الحزم والاحتياط ، وعدم تعليق أموره الدينية والدنيوية عليه لئلا يترتب عليه
الخسران والأضرار ، وتلزمه الفضيحة والعار . ومنها :
• الغضب
وهو كيفية نفسانية موجبة لحركة الروح من الداخل إلى الخارج للغلبة ، ومبدؤه شهوة
الانتقام ، وهو من جانب الإفراط ، وإذا اشتد يوجب حركة عنيفة ، يمتلئ لأجلها الدماغ
والأعصاب من الدخان المظلم ، فيستر نور العقل ويضعف فعله ، ولذا لا يؤثر في صاحبه
الوعظ والنصيحة ، بل تزيده الموعظة غلظة وشدة . قال بعض علماء الأخلاق : الغضب شعلة
نار اقتبست من نار الله الموقدة ، إلا أنها لا تطلع إلا على الأفئدة ، وإنها
لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد ، وتستخرجها حمية الدين من قلوب
المؤمنين ، أو حمية الجاهلية والكبر الدفين من قلوب الجبارين ، التي لها عرق إلى
الشيطان اللعين ، حيث قال :
( خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) (1) . فمن شأن الطين السكون
والوقار ، ومن شأن النار التلظي والاستعار . ثم قوة الغضب تتوجه عند ثورانها إما
إلى دفع المؤذيات إن كان قبل وقوعها ، أو إلى التشفي والانتقام إن كان بعد وقوعها ،
فشهوتها إلى أحد هذين الأمرين ولذتها فيه ، ولا تسكن إلا به . فإن صدر الغضب على من
يقدر أن ينتقم منه ، واستشعر باقتداره على الانتقام ، انبسط الدم من الباطن إلى
الظاهر ، واحمر اللون ، وهو الغضب الحقيقي . وإن صدر على من لا يتمكن أن ينتقم منه
لكونه فوقه ، واستشعر باليأس عن الانتقام ، انقبض الدم من الظاهر إلى الباطن ، وصار
حزنا . وإن صدر على من يشك في الانتقام منه انبسط الدم تارة أو انقبض أخرى ، فيحمر
ويصفر ويضطرب .
ـــــــــــــــــ
(1) الأعراف ، الآية : 12 وص ، الآية : 76 .
الصفحة 256
فصل (الإفراط . والتفريط والاعتدال في قوة الغضب)
الناس في هذه القوة على إفراط وتفريط واعتدال . فالافراط : أن تغلب هذه الصفة حتى
يخرج عن طاعة العقل والشرع وسياستهما ، ولا تبقى له فكرة وبصيرة . والتفريط : أن
يفقد هذه القوة أو تضعف بحيث لا يغضب عما ينبغي الغضب عليه شرعا وعقلا . والاعتدال
: أن يصدر غضبه فيما ينبغي ولا يصدر في ما لا ينبغي ، بحيث يخرج عن سياسة الشرع
والعقل ، بل يكون تابعا لهما في الغضب وعدمه ، فيكون غضبه وانتقامه بأمرهما . ولا
ريب في أن الاعتدال ليس مذموما ، ولا معدودا من الغضب ، بل هو من الشجاعة .
والتفريط مذموم معدود من الجبن والمهانة ، وربما كان أخبث من الغضب ، إذ الفاقد
لهذه القوة لا حمية له ، وهو ناقص جدا . ومن آثاره عدم الغيرة على الحرم وصغر النفس
، والجور ، وتحمل الذل من الأخساء ، والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والفحشاء . ولذا قيل : من استغضب فلم يغضب فهو حمار (1)
. وقد وصف الله خيار الصحابة بالحمية والشدة ، فقال :
( أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ ) (2) وخاطب
نبيه (ص) بقوله :
( وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) (3) والشدة والغلظة من آثار قوة الغضب ، ففقد هذه القوة بالكلية ، أو
ضعفها مذموم . وقد ظهر أن الغضب المعدود من الرذائل هو حد الإفراط الذي يخرجه عن
مقتضى العقل والدين ، وحد التفريط وإن كان رذيلة إلا أنه ليس غضبا ، بل هو ضد له
معدود من الجبن ، وحد الاعتدال فضيلة وضد له ومعدود من الشجاعة ، فانحصر الغضب
بالأول . ثم الناس كما هم مختلفون في أصل قوة الغضب ، كذلك مختلفون في حدوثه وزواله
سرعة وبطأ ، فيكونان في بعضهم سريعين ، وفي بعضهم بطيئين
ـــــــــــــــــ
(1) هذه الكلمة منسوبة للشافعي - على ما في إحياء العلوم : ج 3 ص 145 و156 - .
(2)
الفتح ، الآية : 29 .
(3) التوبة ، الآية : 83 .
الصفحة 257
وفي بعضهم يكون أحدهما سريعا والآخر بطيئا ، وفي بعضهم يكون كلاهما أو أحدهما
متوسطا بين السرعة والبط ، وما كان من ذلك بإشارة العقل فهو ممدوح معدود من أوصاف
الشجاعة ، وغير مذموم محسوب من آثار الغضب أو الجبن .
فصل (الغضب)
(الغضب) من المهلكات العظيمة ، وربما أدى إلى الشقاوة الأبدية ، من القتل والقطع ،
ولذا قيل : (إنه جنون دفعي) . قال أمير المؤمنين (ع) : الحدة ضرب من الجنون ، لأن
صاحبها يندم ، فإن لم يندم فجنونه مستحكم . وربما أدى إلى اختناق الحرارة ، ويورث
الموت فجأة . وقال بعض الحكماء : السفينة التي وقعت في اللجج الغامرة ، واضطربت
بالرياح العاصفة وغشيتها الأمواج الهائلة ، أرجى إلى الخلاص من الغضبان الملتهب .
وقد ورد به الذم الشديد في الأخبار ، قال رسول الله (ص) : الغضب يفسد الإيمان كما
يفسد الخل العسل . وقال الباقر (ع) : إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن
آدم ، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه ، فإذا خاف
أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الأرض ، فإن رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك . وقال الصادق
عليه السلام : وكان أبي عليه السلام يقول : أي شيء أشد من الغضب ؟ إن الرجل بغضب
فيقتل النفس التي حرم الله ، ويقذف المحصنة . وقال عليه السلام
(1) : إن الرجل
ليغضب فما يرضى أبدا حتى يدخل النار . وقال الصادق عليه السلام : الغضب مفتاح كل شر
. وقال عليه السلام : الغضب ممحقة لقلب الحكيم . وقال عليه السلام : من لم يملك
غضبه لم يملك عقله . ثم مما يلزم الغضب من الآثار المهلكة الذميمة ، والأغراض
المضرة القبيحة : انطلاق اللسان بالشتم والسب ، وإظهار السوء والشماتة بالمساءة
ـــــــــــــــــ
(1) أي : الباقر (ع) وقد روى هذه الأخبار المذكورة هنا الكافي في باب الغضب ، فروى
هذا الخبر عنه (ع) لا عن الصادق (ع) .
|