|
الصفحة 258
وإفشاء الأسرار وهتك الأستار والسخرية والاستهزاء ، وغير ذلك من قبيح الكلام الذي
يستحيي منه العقلاء ، وتوثب الأعضاء بالضرب والجرح والتمزيق والقتل ، وتألم القلب
بالحقد والحسد والعداوة والبغض ومما تلزمه : الندامة بعد زواله ، وعداوة الأصدقاء ،
واستهزاء الأراذل ، وشماتة الأعداء . وتغير المزاج ، وتألم الروح وسقم البدن ،
ومكافأة العاجل وعقوبة الأجل . والعجب ممن توهم أن شدة الغضب من فرط الرجولية ، مع
أن ما يصدر عن الغضبان من الحركات القبيحة إنما هو أفعال الصبيان والمجانين دون
الرجال والعاقلين ، كيف وقد تصدر عنه الحركات غير المنتظمة ، من الشتم والسب
بالنسبة إلى الشمس ، والقمر ، والسحاب ، والمطر ، والريح ، والشجر ، والحيوانات
والجمادات ، وربما يضرب القصعة على الأرض ، ويكسر المائدة ، ويخاطب البهيمة والجماد
كما يخاطب العقلاء ، وإذا عجز عن التشفي ، وربما مزق ثوبه ، ولطم وجهه ، وقد يعدو
عدو المدهوش المتحير ، وربما اعتراه مثل الغشية ، أو سقط على الأرض لا يطيق النهوض
والعدو . وكيف يكون مثل هذه الأفعال القبيحة من فرط الرجولية وقد قال رسول الله (ص)
: الشجاع من يملك نفسه عند غضبه .
فصل (إمكان إزالة الغضب وطرق علاجه)
قد اختلف علماء الأخلاق في إمكان إزالة الغضب بالكلية وعدمه ، فقيل : قمع أصل الغضب
من القلب غير ممكن ، لأنه مقتضى الطبع ، إنما الممكن كسر سورته وتضعيفه ، حتى لا
يشتد هيجانه . وأنت خبير بأن الغضب الذي يلزم إزالته هو الغضب المذموم ، إذ غيره
مما يكون بإشارة العقل والشرع ليس غضبا فيه كلامنا ، بل هو من آثار الشجاعة ،
والاتصاف به من اللوازم وإن أطلق عليه اسم الغضب أحيانا حقيقة أو مجازا ، كما روي
عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : كان النبي (ص) لا يغضب للدنيا ، وإذا أغضبه
الحق لم يصرفه أحد ، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له . ولا ريب أن الغضب الذي يحصل
لرسول الله (ص) لم يكن غضبا مذموما ، بل كان غضبا ممدوحا يقتضيه منصب النبوة ،
وتوجيه الشجاعة النبوية ، ثم الغضب
الصفحة 259
المذموم ممكن الزوال ، ولولا إمكانه لزم وجوده للأنبياء والأوصياء ، ولا ريب في
بطلانه . ثم علاجه يتوقف على أمور ، وربما حصل ببعضها : (الأول) إزالة أسبابه
المهيجة له ، إذ علاج كل علة بحسم مادتها ، وهي ، والفخر ، والكبر ، والغدر ،
واللجاج ، والمراء ، والمزاح ، والاستهزاء ، والتعيير ، والمخاصمة ، وشدة الحرص على
فضول الجاه والأموال الفانية ، وهي بأجمعها أخلاق ردية مهلكة ، ولا خلاص من الغضب
مع بقائها ، فلا بد من إزالتها حتى تسهل إزالته . (الثاني) أن يتذكر قبح الغضب وسوء
عاقبته ، وما ورد في الشريعة من الذم عليه ، كما تقدم . (الثالث) أن يتذكر ما ورد
من المدح والثواب على دفع الغضب في موارده ، ويتأمل فيما وردد من فوائد عدم الغضب ،
كقول النبي (ص) : من كف غضبه عن الناس كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة
وقول الباقر عليه السلام : مكتوب في التوراة : فيما ناجى الله به موسى : أمسك غضبك
عمن ملكتك عليه اكف عنك غضبي . وقول الصادق (ع) : أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه
: يا ابن آدم ! اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي ، ولا أمحقك فيمن أمحق ، وإذا ظلمت
بمظلمة فارض بانتصاري لك ، فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك . وقوله (ع) : سمعت
أبي يقول : أتى رسول الله (ص) رجل بدوي ، فقال : إني أسكن البادية ، فعلمني جوامع
الكلم . فقال : آمرك ألا تغضب . فأعاد الأعرابي عليه المسألة ثلاث مرات ، حتى رجع
الرجل إلى نفسه ، فقال : لا أسأل عن شيء بعد هذا ، ما أمرني رسول الله (ص) إلا
بالخير . وقوله عليه السلام : إن رسول الله (ص) أتاه رجل ، فقال : يا رسول الله !
علمني عظة أتعظ بها ، فقال له : انطلق ولا تغضب ، ثم عاد عليه ، فقال له : انطلق
ولا تغضب . . . ثلاث مرات وقوله عليه السلام : من كف غضبه ستر الله عورته . . . إلى
غير ذلك من الأخبار . (الرابع) أن يتذكر فوائد ضد الغضب ، أعني الحلم وكظم الغيظ ،
الصفحة 260
وما ورد من المدح عليهما في الأخبار - كما يأتي - ويواظب على مباشرته ولو بالتكلف ،
فيتحلم وإن كان في الباطن غضبانا ، وإذا فعل ذلك مدة صار عادة مألوفة هنيئة على
النفس ، فتنقطع عنها أصول الغضب . (الخامس) أن يقدم الفكر والروية على كل فعل أو
قول يصدر عنه ، ويحافظ نفسه من صدور غضب عنه . (السادس) أن يحترز عن مصاحبة أرباب
الغضب ، والذين يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ، ويسمون ذلك شجاعة ورجولية ،
فيقولون : نحن لا نصبر على كذا وكذا ، ولا نحتمل من أحد أمرا . ويختار مجالسة أهل
الحلم ، والكاظمين الغيظ ، والعافين عن الناس . (السابع) أن يعلم إن ما يقع أنما هو
بقضاء الله وقدره ، وإن الأشياء كلها مسخرة في قبضة قدرته ، وإن كل ما في الوجود من
الله ، وإن الأمر كله لله ، وإن الله لا يقدر له ما فيه الخيرة ، وربما كان صلاحه
في جوعه أو مرضه ، أو فقره ، أو جرحه أو قتله ، أو غير ذلك . فإذا علم بذلك غلب
عليه التوحيد ، ولا يغضب على أحد ، ولا يغتاظ عما يرد عليه ، إذ يرى - حينئذ - أن
كل شيء في قبضة قدرته أسير ، كالقلم في يد الكاتب . فكما أن من وقع عليه ملك بضرب
عنقه لا يغضب على القلم ، فكذلك من عرف الله وعلم أن هذا النظام الجملي صادر منه
على وفق الحكمة والمصلحة ولو تغيرت ذرة منه عما هي عليه خرجت عن الأصلحية ، لا يغضب
على أحد ، إلا أن غلبة التوحيد على هذا الوجه كالكبريت الأحمر وتوفيق الوصول إليه
من الله الأكبر . ولو حصل لبعض المتجردين عن جلباب البدن يكون كالبرق الخاطف ،
ويرجع القلب إلى الالتفات إلى الوسائط رجوعا طبيعيا ، ولو تصور دوام ذلك لأحد لتصور
لفرق الأنبياء ، مع أن التفاتهم في الجملة إلى الوسائط مما لا يمكن إنكاره .
(الثامن) أن يتذكر إن الغضب مرض قلب ونقصان عقل ، صادر عن ضعف النفس ونقصانها ، لا
عن شجاعتها وقوتها ، ولذا يكون المجنون أسرع غضبا من العاقل ، والمريض أسرع غضبا من
الصحيح . والشيخ الهرم أسرع غضبا من الشاب ، والمرأة أسرع غضبا من الرجل ، وصاحب
الأخلاق
الصفحة 261
السيئة والرذائل القبيحة أسرع غضبا من صاحب الفضائل . فالرذيل يغضب لشهوته إذا
فاتته اللقمة ، والبخيل يغتاظ لبخله إذا فقد الحبة ، حتى يغضب لفقد أدنى شيء على
أعز أهله وولده . والنفس القوية المتصفة بالفضيلة أجل شأنا من أن تتغير وتضطرب لمثل
هذه الأمور ، بل هي كالطود الشاهق لا تحركه العواصف ، ولذا قال سيد الرسل (ص) : ليس
الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب . وإن شككت في ذلك فافتح
عينيك وانظر إلى طبقات الناس الموجودين ، ثم ارجع إلى كتب السير والتواريخ ، واستمع
إلى حكايات الماضين ، حتى تعلم : أن الحلم والعفو وكظم الغيظ شيمة الأنبياء
والحكماء وأكابر الملوك والعقلاء ، والغضب خصلة الجهلة والأغبياء . (التاسع) أن
يتذكر أن قدرة الله عليه أقوى وأشد من قدرته على هذا الضعيف الذي يغضب عليه ، وهو
أضعف في جنب قوته القاهرة بمراتب غير متناهية من هذا الضعيف في جنب قوته ، فليحذر ،
ولم يأمن إذا أمضى غضبه عليه أن يمضي الله عليه غضبه في الدنيا والآخرة ، وقد روي :
أنه ما كان في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم ، إذا غضب أعطاه صحيفة فيها : (إرحم
المساكين ، واخش الموت ، واذكر الآخرة) ، فكان يقرأها حتى يسكن غضبه . وفي بعض
الكتب الإلهية : يا ابن آدم ! اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب ، فلا أمحقك فيمن
أمحق (1) . (العاشر) أن يتذكر أن من يمضي عليه غضبه ربما قوي وتشمر لمقابلته ،
وجرد عليه لسانه بإظهار معائبه والشماتة بمصائبه ، ويؤذيه في نفسه وأهله وماله
وعرضه . (الحادي عشر) أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الغيظ والغضب فإن كان الخوف
الذلة والمهانة والاتصاف بالعجز وصغر النفس عند الناس ، فليتنبه أن الحلم وكظم
الغيظ ودفع الغضب عن النفس ليست ذلة ومهانة ، ولم يصدر من ضعف النفس وصغرها ، بل هو
من آثار قوة النفس وشجاعتها .
ـــــــــــــــــ
(1) روى الكافي في باب الغضب نفس هذا الحديث عن الصادق
(ع) بهذه العبارة : إن في التوراة مكتوبا : يا بن آدم ! اذكرني حين تغضب أذكرك عند
غضبي ، فلا أمحقك فيمن أمحق . . . وقد تقدم مثله ص 291 . ج : 1
الصفحة 262
وأضدادها تصدر من نقصان النفس وخورها . فدفع الغضب عن نفسه لا يخرجه من كبر النفس
في الواقع ، ولو فرض خروجه به منه في أعين جهلة الناس فلا يبالي بذلك ، ويتذكر أن
الاتصاف بالذلة والصغر عند بعض أرذال البشر أولى من خزي يوم المحشر والافتضاح عند
الله الملك الأكبر . وإن كان السبب خوف أن يفوت منه شيء مما يحبه ، فليعلم أن ما
يحبه ويغضب لفقده إما ضروري لكل أحد ، كالقوت والمسكن واللباس وصحة البدن ، وهو
الذي أشار إليه سيد الرسل - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله : من أصبح آمنا في
سربه ، معافى في بدنه ، وله قوت يومه ، فكأنما خيرت له الدنيا بحذافيرها . أو غير
ضروري لأحد ، كالجاه والمنصب وفضول الأموال . أو ضروري لبعض الناس دون بعض ،
كالكتاب للعالم ، وأدوات الصناعات لأربابها . ولا ريب أن كل ما ليس من هذه الأقسام
ضروريا فلا يليق أن يكون محبوبا عند أهل البصيرة وذوي المروات ، إذ ما لا يحتاج
إليه الإنسان في العاجل لا بد له من تركه في الآجل ، فما بال العاقل أن يحبه ويغضب
لفقده ، وإذا علم ذلك لم يغضب على فقد هذا القسم ألبتة . وأما ما هو ضروري للكل أو
البعض ، وإن كان الغضب والحزن من فقده مقتضى الطبع لشدة الاحتياج إليه . إلا أن
العاقل إذا تأمل يجد أن ما فقد عنه من الأشياء الضرورية إن أمكن رده والوصول إليه
يمكن ذلك بدون الغيظ والغضب أيضا ، وإن لم يمكن لم يمكن معهما أيضا . وعلى أي حال
بعد التأمل يعلم أن الغضب لا ثمرة له سوى تألم العاجل وعقوبة الآجل ، وحينئذ لا
يغضب ، وإن غضب يدفعه عن نفسه بسهولة . (الثاني عشر) أن يعلم إن الله يحب منه ألا
يغضب ، والحبيب يختار ألبتة ما يحب محبوبه ، فإن كان محبا لله فليطفئ شدة حبه له
غضبه . (الثالث عشر) أن يتفكر في قبح صورته وحركاته عند غضبه ، بأن يتذكر صورة غيره
وحركاته عند الغضب . تتميم إعلم أن بعض المعالجات المذكورة يقتضي قطع أسباب الغضب
وحسم مواده ، حتى لا يهيج ولا يصدر ، وبعضها يكسر سورته أو يدفعه إذا صدر
الصفحة 263
وهاج . ومن علاجه عند الهيجان الاستعاذة من الشيطان ، والجلوس إن كان قائما ،
والاضطجاع إن كان جالسا ، والوضوء أو الغسل بالماء البارد ، وإن كان غضبه على ذي
رحم فليدن منه وليمسه ، فإن الرحم إذا مست سكنت ، كما ورد في الأخبار
(1) .
وصل (فضيلة الحلم وكظم الغيظ)
قد عرفت أن الحلم هو طمأنينة النفس ، بحيث لا يحركها الغضب بسهولة ولا يزعجه
المكروه بسرعة ، فهو الضد الحقيقي للغضب ، لأنه المانع من حدوثه وبعد هيجانه لما
كان كظم الغيظ مما يضعفه ويدفعه ، فمن هذه الحيثية يكون كظم الغيظ أيضا ضدا له .
فنحن نشير إلى فضيلة الحلم وشرافته ، ثم إلى فوائد كظم الغيظ ومنافعه ، ليجتهد طالب
إزالة الغضب في الاتصاف بالآل فلا يحدث فيه أصلا ، وبالثاني ، فيدفعه عند هيجانه .
فنقول : أما (الحلم) فهو أشرف الكمالات النفسية بعد العلم ، بل لا ينفع العلم بدونه
أصلا ، ولذا كلما يمدح العلم أو يسأل عنه يقارن به ، قال رسول الله - صلى الله عليه
وآله وسلم - : اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم . وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -
: خمس من سنن المرسلين . . . وعد منها الحلم . وقال - صلى الله عليه وآله وسلم - :
وابتغوا الرفعة عند الله . قالوا : وما هي يا رسول الله ! ؟ قال : تصل من قطعك
وتعطي من حرمك ، وتحلم عمن جهل عليك . وقال - صلى الله عليه وآله وسلم - : إن الرجل
المسلم لدرك بالحلم درجة الصائم القائم . وقال - صلى الله عليه وآله وسلم - إن الله
يحب الحيي الحليم ، ويبغض الفاحش البذي . وقال - صلى الله عليه وآله وسلم - : ثلاث
من لم تكن فيه واحدة منهن فلا تعتدوا بشيء من عمله : تقوى تحجزه عن معاصي الله ،
وحلم يكف به السفيه ، وخلق يعيش به في الناس . وقال (ص) : إذا جمع الخلائق يوم
القيامة ، نادى مناد : أين أهل الفضل ؟ فيقوم ناس - وهم يسير - فينطلقون سراعا إلى
الجنة ، فتتلقاهم الملائكة فيقولون : إنا نراكم سراعا إلى الجنة ؟ فيقولون : نحن
أهل الفضل . فيقولون : ما
ـــــــــــــــــ
(1) روي ذلك في الكافي في باب الغضب عن الباقر (ع) .
الصفحة 264
كان فضلكم ؟ فيقولون : كنا إذا ظلمنا صبرنا ، وإذا أسئ إلينا عفونا ، وإذا جهل
علينا حلمنا . فقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العالمين وقال (ص) : ما أعز الله
بجهل قط ، ولا أذل بحلم قط . وقال أمير المؤمنين (ع) : ليس الخير أن يكثر مالك
وولدك ، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك . وقال علي بن الحسين (ع) : إنه
ليعجبني الرجل أن يدركه حلمه عند غضبه . وقال الصادق (ع) : كفى بالحلم ناصرا . وقال
(ع) : وإذا لم تكن حليما فتحلم . وقال (ع) : إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان ،
فيقول للسفيه منهما : قلت وقلت وأنت أهل لما قلت ، وستجزي بما قلت ، ويقولان للحليم
منهما : صبرت وحلمت سيغفر لك إن أتممت ذلك . قال (ع) : فإن رد الحليم عليه ارتفع
الملكان . وبعث (ع) غلاما له في حاجة فأبطأ ، فخرج على أثره فوجده نائما ، فجلس عند
رأسه يروحه حتى انتبه ، فقال له : يا فلان ! والله ما ذلك لك ! تنام الليل والنهار
، لك الليل ولنا منك النهار . وقال الرضا (ع) : لا يكون الرجل عابدا حتى يكون حليما
. وأما (كظم الغيظ) - فهو وإن لم يبلغ مرتبة الحلم فضيلة وشرافة ، لأنه التحلم : أي
تكلف الحلم ، إلا أنه إذا واظب عليه حتى صار متعادا تحدث بعد ذلك صفة الحلم الطبيعي
، بحيث لا يهيج الغيظ حتى يحتاج إلى كظمه ، ولذا قال رسول الله (ص) إنما العلم
بالتعلم والحلم بالتحلم . فمن لم يكن حليما بالطبع لا بد له من السعي في كظم الغيظ
عند هيجانه ، حتى تحصل له صفة الحلم . وقد مدح الله سبحانه كاظمي الغيظ في محكم
كتابه ، وتوارت الأخبار على شرافته وعظم أجره . قال رسول الله (ص) - : من كظم غيظا
ولو شاء أن يمضيه أمضاه ، ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا (14) . وقال (ص) - ما جرع
عبد جرعة أعظم أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى . وقال (ص) - : إن
لجهنم بابا لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى . وقال - (ص) من كظم غيظا
وهو يقدر على أن ينفذه
ـــــــــــــــــ
(1) روى الحديث الكافي في باب كظم الغيظ عن أبي عبد الله
(ع) .
الصفحة 265
دعاه الله يوم القيامة على رؤس الخلائق ، حتى يخبر من أي الحور شاء
(1) وقال - (ص)
: من أحب السبيل (2) إلى الله تعالى جرعتان : جرعة غيظ يردها بحلم ، وجرعة مصيبة
يردها بصبر وقال سيد الساجدين (ع) وما تجرعت جرعة أحب إلي من جرعة غيظ لا أكافي بها
صاحبها . وقال الباقر عليه السلام : من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه ، حشا الله
تعالى قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة . وقال (ع) لبعض ولده (3)
: يا بني ما من شيء أقر لعين أبيك من جرعة غيظ عاقبتها صبر ، وما يسرني أن لي بذل
نفسي حمر النعم . وقال الصادق (ع) : نعم الجرعة الغيظ لمن صبر عليها ، فإن عظيم
الأجر البلاء ، وما أحب الله قوما إلا ابتلاهم . وقال (ع) : ما من عبد كظم غيظا إلا
زاده الله - عز وجل - عزا في الدنيا والآخرة وقد قال الله - عز وجل - :
( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ
الْمُحْسِنِينَ ) (4) . وأثابه الله مكان غيظه ذلك . وقال أبو الحسن الأول
(ع) : اصبر على أعداء النعم ، فإنك لن تكافي من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله
فيه ومنها :
• الانتقام
بمثل ما فعل به ، أو بالأزيد منه - وإن كان محرما ممنوعا من الشريعة وهو من نتائج
الغضب ، إذ كل انتقام ليس جائزا ، فلا يجوز مقابلة الغيبة بالغيبة ، والفحش بالفحش
، والبهتان بالبهتان ، والسعاية إلى الظلمة بمثلها . وهكذا في سائر المحرمات . قال
سيد الرسل (ص) - : إن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه . وقال (ص) : المستبان
شيطانان يتهاتران . وقد
ـــــــــــــــــ
(1) صححنا هذا الحديث على ما في البحار الجزء الثاني من المجلد 15 في باب الحلم)
رواه عن جامع الأخبار للشيخ الجليل الحسن بن فضل الطبرسي وفيه اختلاف كثير عما في
نسخ جامع السعادات .
(2) كذا وجدنا الحديث في البحار والكافي ونسخ جامع السعادات .
والظاهر أن الأصح (السبل) .
(3) في الكافي في باب كظم الغيظ روي هذا الحديث هكذا :
عن أبي جعفر (ع) قال : قال لي أبي : يا بني ! ما من شيء . . . إلى آخر الحديث ،
فالقائل هو سيد الساجدين لا الباقر - عليهما السلام - .
(4) آل عمران ، الآية : 134 .
الصفحة 266
ورد : أن رجلا شتم أبا بكر بحضرة النبي (ص) وهو ساكت ، فلما ابتدأ لينتصر منه ، قام
رسول الله (ص) وقال مخاطبا له : إن الملك كان يجيب عنك ، فلما تكلمت ذهب الملك وجاء
الشيطان ، فلم أكن لأجلس في مجلس فيه الشيطان . فكل فعل أو قول يصدر من شخص بالنسبة
إلى غيره ظلما ، إن كان له في الشرع قصاص وغرامة ، فيجب ألا يتعدى عنه ، وإن كان
العفو عن الجائر أيضا أفضل وأولى وأقرب إلى الورع والتقوى ، وإن لم يرد له بخصوصه
من الشرع حكومة معينة ، وجب أن يقتصر في الانتقام وما يحصل به التشفي على ما ليس
فيه حرمة ولا كذب ، مثل أن يقابل الفحش والذم وغيرهما من الأذايا التي لم يقدر لها
في الشرع حكومة معينة ، بقوله : يا قليل الحياء . ويا سئ الخلق . ويا صفيق الوجه .
. . وأمثال ذلك ، إذا كان متصفا بها ومثل قوله : جزاك الله وانتقم منك . ومن أنت ؟
وهل أنت إلا من بني فلان ومثل قوله : يا جاهل . ويا أحمق . وهذا ليس فيه كذب مطلقا
، إذ ما من أحد إلا وفيه جهل وحمق ، (أما الأول) فظاهر ، (وأما الثاني) فلما ورد من
أن الناس كلهم حمقى في ذات الله . والدليل على جواز هذا القدر من الانتقام ، قول
النبي (ص) المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم
(1) وقول الكاظم
(ع) في رجلين يتسابان : البادئ منهما أظلم ، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يتعد
المظلوم (2) . وهما يدلان على جواز الانتصار لغير البادئ من دون وزر ما لم يتعد ،
ومعلوم أن المراد بالسبب فيهما أمثال الكلمات المذكورة دون الفحش والكلمات الكاذبة
، ولا ريب في أن الاقتصار على مجرد ما وردت به الرخصة بعد الشروع في الجواب مشكل ،
ولعل السكوت عن أصل الجواب وحوالة الانتقام إلى رب الأرباب أيسر وأفضل ، ما لم يؤد
إلى فتور الحمية وللغيرة ، إذ أكثر الناس لا يقدر على ضبط نفسه عند فور الغضب ،
لاختلاف حالهم في حدوث
ـــــــــــــــــ
(1) صححنا الحديث على ما في إحياء العلوم (ج 3 ص 106) وعلى نسختنا الخطية . وفي
المطبوعة : حتى يتعذر إلى المظلوم .
(2) صححنا الحديث على ما في أصول الكافي في باب السفه . وفي نسختنا الخطية
والمطبوعة : ما لم يعتذر إلى المظلوم .
الصفحة 267
الغضب وزواله . قال رسول الله (ص) : ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى منهم بطئ
الغضب سريع الفيئ ، ومنهم سريع الغضب سريع الفيئ ، قتلك بتلك . ومنهم سريع الغضب
بطئ الفيئ ، ومنهم بطئ الغضب بطئ الفيئ وإنألا خيرهم البطئ الغضب السريع الفيئ ،
وشرهم السريع الغضب البطئ الفيئ . وقد ورد في خبر آخر : إن المؤمن سريع الغضب سريع
الرضا ، فهذه بتلك . ثم طريق العلاج في ترك الانتقام : أن يتنبه على سوء عاقبته في
العاجل والأجل ، ويتذكر فوائد تركه ، ويعلم أن الحوالة إلى المنتقم الحقيقي أحسن
وأولى ، وإن انتقامه أشد وأقوى ، ثم يتأمل في فوائد العفو وفضيلته ، كما يأتي
وصل (العفو)
ضد الانتقام (العفو) ، وهو إسقاط ما يستحقه من قصاص أو غرامة ، ففرقه عن الحلم وكظم
الغيظ ظاهر ، والآيات والأخبار في مدحه وحسنه أكثر من تحصى ، قال الله تعالى سبحانه
: (
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) (1) .
وقال :
( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا )
(2) . وقال :
( وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلْتّقْوَى ) (3) . وقال رسول الله (ص) : ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت حالفا لحلفت
عليهن : ما نقصت صدقة من مال فتصدقوا ، ولا عفا رجل من مظلمة يبتغي بها وجه الله
إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة ، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله
عليه باب فقر . وقال (ص) : العفو لا يزيد العبد إلا عزا ، فاعفوا يعزكم الله . وقال
(ص) لعقبة : ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة : تصل من قطعك وتعطى من حرمك
وتعفو عمن ظلمك (4) وقال (ص) قال موسى : يا رب أي عبادك أعز عليك ؟ قال : الذي إذا
قدر عفى وقال سيد الساجدين (ع) إذا كان يوم القيامة ، جمع الله الأولين والآخرين في
ـــــــــــــــــ
(1) الأعراف ، الآية : 199 .
(2) النور ، الآية : 22 .
(3) البقرة ، الآية : 237
.
(4) في أصول الكافي في باب العفو : ألا أدلكم على خير
أخلاق الدنيا والآخرة : تصل من قطعك . . . إلى آخر الحديث .
الصفحة 268
صعيد واحد ، ثم ينادي مناد : أين أهل الفضل ؟ قال فيقوم عنق من الناس فتلقاهم
الملائكة ، فيقولون : وما فضلكم ؟ فيقولون : كنا نصل من قطعنا ، ونعطي من حرمنا ،
ونعفو عمن ظلمنا ، قال : فيقال لهم : صدقتم ، ادخلوا الجنة . وقال الباقر (ع) :
الندامة على العفو أفضل وأيسر من الندامة على العقوبة . وقال الصادق (ع) ثلاث من
مكارم الدنيا والآخرة : تعفو عمن ظلمك . . إلى آخر الحديث وقال أبو الحسن (ع) ما
التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفوا . وكفى للعفو فضلا وشرافة أنه من أجمل الصفات
الإلهية ، وقد يمدح الله تعالى به مقام الخضوع والتذلل ، قال سيد الساجدين عليه
السلام : أنت الذي سميت نفسك بالعفو ، فاعف عني . وقال (ع) أنت الذي عفوه أعلى من
عقابه . ومنها :
• العنف
وهو الغلظة والفظاظة في الأقوال أو الحركات أيضا ، وهو من نتائج الغضب ، وضده
(الرفق) ، أي اللين فيهما ، وهو من نتائج الحلم . ولا ريب في أن الغلظة في القول
والفعل ينفر الطباع ويؤدي إلى اختلال أمر المعاش والمعاد ، ولذلك نهى الله - سبحانه
- نبيه عنه في مقام الإرشاد ، وقال :
( وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ )
(1) . وروي عن سلمان : أنه قال : إذا أراد الله تعالى هلاك عبد نزع منه الحياء ، فإذا
نزع منه الحياء ، لم يلقه إلا خائنا مخونا ، وإذا كان خائنا مخونا نزعت منه الأمانة
، فإذا نزعت منه الأمانة لم يلقه إلا فظا غليظا ، فإذا كان فظا غليظا نزعت منه ربقة
الإيمان ، فإذا نزعت منه ربقة الإيمان لم يلقه إلا شيطانا ملعونا . ويظهر من هذا
الكلام أن من كان من أهل الغلظة والفظاظة فهو الشيطان حقيقة ، فيجب على كل عاقل أن
يجتنب عن ذلك كل الاجتناب ، ويقدم التروي على كل ما يصدر عنه من القول والفعل ،
ليحافظ نفسه عن التعنف والغلظة فيه ، ويتذكر ما ورد في فضيلة الرفق ، ويرتكبه في
حركاته ، ولو بالتكلف
ـــــــــــــــــ
(1) آل عمران ، الآية : 159 .
الصفحة 269
إلى أن يصير ملكة ، ونزول عن نفسه آثار العنف بالكلية .
وصل ( فضيلة الرفق)
الأخبار في فضيلة الرفق وفوائده أكثر من أن تحصى ، ونحن نشير إلى شطر منها هنا ،
قال رسول الله (ص) : لو كان الرفق خلقا يرى ، ما كان فيما خلق الله شيء أحسن منه .
وقال (ص) : إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه . وقال
(ص) : لكل شيء قفل ، وقفل الإيمان الرفق . وقال (ص) : إن الله رفيق يحب الرفيق ،
ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف (1) . وقال (ص) : ما اصطحب اثنان إلا كان
أعظمهما أجرا وأحبهما إلى الله تعالى ، أرفقهما بصاحبه . وقال (ص) : الرفق يمن ،
والخرق شؤم . وقال (ص) : من كان رفيقا في أمره نال ما يريده من الناس . وقال (ص)
إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق . وقال (ص) : من أعطى حظه من الرفق أعطي حظه
من خير الدنيا والآخرة ، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الدنيا والآخرة . وقال
(ص) : إذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق ، ومن يحرم الرفق يحرم الخير كله . وقال (ص) :
أتدرون من يحرم على النار ؟ كل هين لين سهل قريب . وقال الكاظم (ع) : الرفق نصف
العيش . وقال عليه السلام لمن جرى بيته وبين رجل من القوم كلام : ارفق بهم ، فإن
كفر أحدكم في غضبه ، ولا خير فيمن كان كفره في غضبه . ثم التجربة شاهدة بأن إمضاء
الأمور وإنجاح المقاصد موقوف على الرفق واللين مع الخلائق ، فكل ملك كان رفيقا
بجنده ورعيته انتظم أمره ودام ملكه ، وإن كان فظا غليظا اختل أمره وانفض الناس من
حوله ، وزال ملكه وسلطانه في أسرع زمان . وقس عليه غيره من طبقات الناس من العلماء
والأمراء وغيرهما ، من ذوي المناصب الجليلة ، وأرباب المعاملة والمكاسبة ، وأصحاب
الصنايع والحرف .
ـــــــــــــــــ
(1) روي هذان الحديثان في أصول الكافي ، في باب الرفق ،
عن أبي جعفر الباقر - عليهما السلام - .
الصفحة 270
تكملة (المداراة)
(المداراة) : قريب من الرفق معنى ، لأنها ملائمة الناس ، وحسن صحبتهم ، واحتمال
أذاهم ، وربما فرق بينهما باعتبار تحمل الأذى في المداراة دون الرفق ، وقد ورد في
مدحها وفوائدها الدنيوية والأخروية أخبار كثيرة كقول النبي (ص) : المداراة نصف
الإيمان ، وقوله (ص) : ثلاث من لم يكن فيه لم يتم عمله : ورع يحجزه عن معاصي الله ،
وخلق يداري به الناس ، وحلم يرد به جهل الجاهل وقوله (ص) : أمرني ربي بمداراة الناس
كما أمرني بأداء الفرائض . وقول الباقر عليه السلام : في التوراة مكتوب : فيما ناجى
الله - عز وجل - به موسى بن عمران عليه السلام : يا موسى ! أكتم مكتوم سري في
سريرتك وأظهر في علانيتك المداراة عني لعدوي وعدوك من خلقي . . إلى آخر الحديث
(1)
. وقول الصادق عليه السلام : جاء جبرئيل إلى النبي (ص) فقال : يا محمد ! ربك يقرئك
السلام ، ويقول : دار خلقي . وقوله عليه السلام : إن قوما من الناس قلت مداراتهم
للناس فنفوا (2) من قريش ، وأيم الله ما كان بأحسابهم بأس ، وإن قوما من غير قريش
حسنت مداراتهم فألحقوا بالبيت الرفيع . . ثم قال من كف يده عن الناس ، فإنما يكف
عنهم يدا واحدة ويكفون عنه أيدي كثيرة . ومنها :
• سوء الخلق بالمعنى الأخص
وهو التضجر ، وانقباض الوجه ، وسوء الكلام ، وأمثال ذلك . وهو
ـــــــــــــــــ
(1) وتمام الحديث في أصول الكافي في باب المداراة : ولا تستسب لي عندهم بإظهار
مكتوم سري ، فتشرك عدوي وعدوك في سبي . قال في الوافي : ولا تستسب لي : أي لا تطلب
سبي ، فإن من لم يفهم السر يسب من تكلم به ، فتشرك : أي تكون شريكا له ، لأنك أنت
الباعث له عليه .
(2) هكذا في النسخة المطبوعة . وفي بعض نسخ الكافي
المصححة فأنفوا ، وفي بعضها فألقوا . قال في الوافي : فأنفوا ، كأنه صبغة مجهول من
الآنفة ، بمعنى الاستنكاف ، إذ لم يأت الانفاء بمعنى النفي ، وفي بعض النسخ :
فألقوا من الإلقاء ، ولعله الأصح .
الصفحة 271
أيضا من نتائج الغضب ، كما أن ضده - أعني (حسن الخلق بالمعنى الأخص) وهو أن تلين
جناحك : وتطيب كلامك ، وتلقى أخاك ببشر حسن - من نتائج الحلم ، وأكثر ما يطلق سوء
الخلق وحسنه في الأخبار يراد به هذا المعنى ، ولا ريب في أن سوء الخلق مما يبعد
صاحبه عن الخالق والخلق ، والتجربة شاهدة بأن الطباع متنفرة عن كل سئ الخلق ، ويكون
دائما أضحوكة للناس ، ولا ينفك لحظة عن الحزن والألم ، ولذا قال الصادق عليه السلام
: من ساء خلقه عذب نفسه ، وقد يعتريه لأجله الضرر العظيم . هذا كله مع سوء عاقبته
في الآخرة وأدائه إلى العذاب الأبدي ، ولذا ورد به الذم الشديد من الشريعة . قال
رسول الله (ص) : لما خلق الله الإيمان قال : اللهم قوني ، فقواه بحسن الخلق والسخاء
. ولما خلق الله الكفر قال : اللهم قوني ، فقواه بحسن الخلق والسخاء . ولما خلق
الله الكفر قال : اللهم قوني ، فقواه بالبخل وسوء الخلق . وروي أنه قيل له (ص) : إن
فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها . قال : لا خير
فيها ! هي من أهل النار . وعنه (ص) : سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل
(1) وعنه (ص) : إن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم . وعنه (ص) : أبي الله
لصاحب الخلق السئ بالتوبة قيل : فكيف ذاك يا رسول الله ! ؟ قال : لأنه إذا تاب من
ذنب وقع في ذنب أعظم منه . وقال (ص) : سوء الخلق ذنب لا يغفر . وقال الإمام جعفر بن
محمد عليهما السلام : إذا خلق الله العبد في أصل الخلق كافرا لم يمت حتى يحبب الله
إليه الشر ، فيقرب منه ، فابتلاه بالكبر والجبروت ، فقسى قلبه ، وساء خلقه ، وغلظ
وجهه وظهر فحشه ، وقل حياؤه ، وكشف الله تعالى سره ، وركب المحارم ولم ينزع عنها ،
ثم ركب معاصي الله ، وأبغض طاعته ، ووثب على الناس لا يشبع من الخصومات ، فاسألوا
الله العافية واطلبوها منه . وقال بعض الأكابر : لئن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي
من أن يصحبني عابد
ـــــــــــــــــ
(1) روى هذا الحديث أصول الكافي في باب سوء الخلق عن
الصادق (ع) ولكن جاء فيه ليفسد العمل بدل يفسد العمل .
الصفحة 272
سئ الخلق . وطرق العلاج في إزالته : أن يتذكر أولا أنه يفسد آخرته ودنياه ، ويجعله
ممقوتا عند الخالق والخلق ، فيعد نفسه لإزالته ، ثم يقدم التروي والتفكر عند كل
حركة وتكلم ، فيحفظ نفسه عنده - ولو بالتحمل والتكلف - من صدور سوء الخلق ، ويتذكر
ما ورد في مدح حسن الخلق الذي هو ضده - كما يأتي - ويواظب حتى نزول على التدريج
آثاره بالكلية .
وصل (طرق اكتساب حسن الخلق)
قد عرفت أن ضد هذه الرذيلة (حسن الخلق بالمعنى الأخص) ، فمن معالجاتها أن يواظب
عليه حتى ترتفع آثارها بالكلية . وأقوى البواعث على اكتسابه والمواظبة عليه أن
يتذكر ما يدل على شرافته ومدحه عقلا ونقلا . أما حكم العقل على مدحه فظاهر لا يحتاج
إلى بيان ، وأما النقل فالأخبار التي وردت به أكثر من أن تحصى ، ونحن نورد شطرا
منها تذكرة لمن أراد أن يتذكر ، قال رسول الله (ص) : ما يوضع في ميزان امرئ يوم
القيامة أفضل من حسن الخلق وقال : يا بني عبد المطلب ! إنكم لن تسعوا الناس
بأموالكم ، فالقوهم بطلاقة الوجه ، وحسن البشر . وقال (ص) إن الله استخلص هذا الدين
لنفسه ، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ، ألا فزينوا دينكم بهما . وقال (ص)
: حسن الخلق خلق الله الأعظم . وقيل له (ص) : أي المؤمنين أفضلهم إيمانا ؟ قال :
أحسنهم خلقا . وقال (ص) : إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم خلقا
. وقال (ص) : ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فلا يعتد بشيء من علمه : تقوى تحجزه عن
محارم الله ، وحلم يكف به السيئة وخلق يعيش به في الناس . وقال (ص) : إن الخلق
الحسن يميت الخطيئة ، كما تميت الشمس الجليد (1) وقال (ص) : إن العبد ليبلغ بحسن
خلقه
ـــــــــــــــــ
(1) روي هذا الحديث في الكافي في باب حسن الخلق عن أبي
عبد الله الصادق (ع) ، وفي نهاية ابن الأثير : في الحديث : حسن الخلق يذيب الخطيئة
كما تذيب الشمس الجليد ، ويذيب بمعنى يميت .
الصفحة 273
عظيم درجات الآخرة وأشرف المنازل ، وإنه يضعف العبادة وقال (ص) لأم حبيبة : إن حسن
الخلق ذهب بغير الدنيا والآخرة وقال لها - بعد ما سألته أن المرأة يكون لها زوجان
في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلان الجنة لأيهما هي ؟ - : إنها لأحسنهما خلقا . وقال
(ص) : إن حسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم (1) . وقال (ص) : أكثر ما يلج
به أمتي الجنة تقوى الله وحسن الخلق . وقال (ص) : أفاضلكم أحسنكم أخلاقا ، الموطئون
أكنافا (2) الذين يألفون ويؤلفون . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : المؤمن مألوف
، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف . ولا ريب في أن سئ الخلق تتنفر عنه الطباع ، فلا
يكون مألوفا . وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليهما السلام : إن أكمل المؤمنين
إيمانا أحسنهم خلقا ، وقال عليه السلام : أتى رجل رسول الله ، فقال : يا رسول الله
! أوصني فكان فيما أوصاه أن قال : (إلق أخاك بوجه منبسط) . وقال الصادق عليه السلام
: ما يقدم المؤمن على الله - عز وجل - بعمل بعد الفرائض أحب إلى الله تعالى من أن
يسع الناس بخلقه . وقال عليه السلام : البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في
الأعمار . وقال عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن
الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله يعدو عليه ويروح . وقال عليه السلام : ثلاث من
أتى الله بواحدة منهن أوجب الله له الجنة : الإنفاق من إقتار ، والبشر لجميع العالم
، والإنصاف من نفسه . وقال عليه السلام : صنايع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة
ويدخلان الجنة ، والبخل وعبوس الوجه يبعدان من الله ويدخلان النار . ومن تأمل في
هذه الأخبار ، ورجع إلى الوجدان والتجربة ، وتذكر أحوال الموصوفين بسوء الخلق وحسنه
، يجد أن كل سئ الخلق بعيد من
ـــــــــــــــــ
(1) هذا الحديث مروي في الكافي في باب حسن الخلق عن أبي عبد الله - عليه السلام -
.
(2) قال المبرد في الكامل ص 3 : قوله (ص) : الموطئون
أكنافا ، مثل وحقيقته : إن التوطئة هي التذليل والتمهيد . . . فأراد القائل بقوله :
موطأ الأكناف ، إن ناحيته يتمكن فيها صاحبها غير مؤذي ولا ناب به موضعه .
الصفحة 274
الله ومن رحمته ، والناس يبغضونه ويشمئزون منه ، ولذا يحرم من يرهم وصلتهم ، وكل
حسن الخلق محبوب عند الله وعند الناس ، فلا يزال محلا لرحمة الله وفيوضاته ، ومرجعا
للمؤمنين بإيصال نفعه وخيره إليهم ، وإنجاح مقاصده ومطالبه منهم ، ولذلك لم يبعث
الله سبحانه نبيا إلا وأتم فيه هذه الفضيلة ، بل هي أفضل صفات المرسلين وأشرف أعمال
الصديقين ، ولذا قال الله تعالى لحبيبه مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه :
(وَإِنّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (1) . ولعظم شرافته بلغ رسول الله (ص) فيه ما بلغ من غايته ، وتمكن على
ذروته ونهايته ، حتى ورد : بينا رسول الله (ص) ذات يوم جالس في المسجد ، إذ جاءت
جارية لبعض الأنصار وهو قائم (2) فأخذت بطرف ثوبه فقام لها النبي (ص) فلم تقل شيئا
ولم يقل لها النبي (ص) شيئا ، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات ، فقام لها النبي (ص) في
الرابعة ، وهي خلفه ، فأخذت هدبة من ثوبه ثم رجعت ، فقال لها الناس : فعل الله بك
وفعل ! (3) حبست رسول الله ثلاث مرات لا تقولين له شيئا ولا هو يقول لك شيئا ! ما
كانت حاجتك إليه ؟ قالت : إن لنا مريضا فأرسلني أهلي لأخذ هدبة من ثوبه يستشفى
(4)
بها ، فلما أردت أخذها رآني فقام ، استحييت أن آخذها وهو يراني ، وأكره أن أستأمره
في أخذها ، فأخذتها (5) .
ـــــــــــــــــ
(1) القلم ، الآية : 4 .
(2) قال في البحار - ج 15 في باب حسن الخلق ص 207 - :
حال عن بعض الأنصار أي إن القائم هذا البعض صاحب الجارية ؟ النبي (ص) .
(3) قال في
البحار - في الموضع المتقدم - : كناية عن كثرة الدعاء عليها بإيذائها النبي (ص)
وهذا شائع في عرف العرب والعجم .
(4) قال في البحار - في الموضع المذكور ص 208 - :
في بعض النسخ - بل أكثرها - : ليستشفي .
(5) صححنا الحديث على أصول الكافي في باب حسن الخلق .
وفي نسخ جامع السعادات اختلاف كثير عما أثبتناه ، وقد جاء في أصول الكافي في صدر
الحديث : قال أبو عبد الله (ع) : يا بحر حسن الخلق يسر . . . ثم قال : ألا أخبرك
بحديث ما هو في يدي أحد من أهل المدينة ؟ قلت : بلى ! قال : بينا رسول الله . . .
إلى آخر الحديث .
|