جامع السعادات ج1

 
 

الصفحة 294

شيئا من ذلك لم تقدر عليه ، ثم خلق الحركات في أعضائك مستبدا باختراعها من غير مشاركة لك معه في الاختراع ، إلا أنه خلقها على ترتيب ، فلم يخلق الحركة ما لم يخلق في العضو قوة وفي القب إرادة ، ولم يخلق العلم ما لم يخلق القلب الذي هو محله ، فتدريجه في الخلق شيئا بعد شيء هو الذي خيل إليك أنك مستقل بإيجاد عملك ، وقد غلطت ، فإن تحريك البواعث وصرف العوائق ، وتهيئة الأسباب ، كلها من الله ، ليس شيء منها إليك . ومن العجائب أن تعجب بنفسك ، ولا تعجب بمن إليه الأمر كله ، ولا تعجب بجوده وكرمه ، وفضله في إيثاره إياك على الفساق من عباده ، إذ مكنهم من أسباب الشهوات واللذات ، وزواها عنك ، وصرف عنهم بواعث الخير وهيأها لك ، حتى يتيسر لك الخير من غير وسيلة سابقة منك . روي : أن أيوب عليه السلام قال : (إلهي إنك ابتليتني بهذا البلاء ، وما ورد علي أمر إلا آثرت هواك على هواي) ، فنودي من غمامة بعشرة آلاف صوت : يا أيوب ! أنى لك ذلك ؟ قال : فأخذ رمادا فوضعه على رأسه ، وقال : منك يا رب ! فرجع عن نسيانه ، وأضاف ذلك إلى الله تعالى ، ولذلك قال الله تعالى : ( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى‏ مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَداً ) (1) . وقال النبي (ص) : ما منكم من أحد ينجيه عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ! قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته . (فإن قيل) : ما ذكرت من استناد الصفات والأفعال ومحلها جميعا إلى الله تعالى ، يؤدي إلى الجبر ونفي التكليف ، وبطلان الثواب والعقاب ، (قلنا) : هذا فرع باب مسألة يتعلق بعلم آخر ، ولا يليق بيانها هنا (2) . ونحن لم نسلب القدرة والاختيار عن العبد بالكلية في متعلق التكليف - أعني أفعاله العرضية - بل نفينا استقلاله فيها . نعم ، في غيرها من المحال والأسباب والصفات اللازمة ، والتوفيق ، وتحريك البواعث ، وصرف الموانع ، لا قدرة له فيها أصلا ، ولا يلزم منه فساد .

ـــــــــــــــــ

(1) النور ، الآية : 21 .
(2) تقدم ذكر هذا الأمر ص 141 .

الصفحة 295

وأما (العجب بالحسب والنسب) : فعلاجه يتم بمعرفة أمور : الأول - أن يعلم أن التعزز بكمال الغير غاية السفاهة والجهل ، فإنه لو كان خسيسا في صفات ذاته ، فمن أين يجير خسته كمال غيره ، ولو كان أباه أوجده ، بل لو كان يعجب به بالانتساب حيا لكان له أن يقول الفضل لي لا لك وأنت دودة خلقت من فضلتي ، أفترى أن الدودة التي خلقت من فضلة الإنسان أشرف من الدودة التي خلقت من فضلة حمار ؟ ! هيهات ! فإنهما متساويان في الخسة ، إن الشرف للانسان لا للدودة ، ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : أنا ابن نفسي وكنيتي أدبي * من عجم كنت أو من العرب إن الفتى من يقول ها أنذا * ليس الفتى من يقول كان أبي وقيل : لئن فخرت بآباء ذوي شرف * لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا وقد روي : إن أبا ذر قال بحضرة النبي (ص) لرجل : (يا ابن السوداء !) ، فقال النبي (ص) : يا أبا ذر ! طف الصاع طف الصاع ، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل . فاضطجع أبو ذر وقال للرجل : قم فطأ على خدي . وروي : إن بلالا لما أذن يوم الفتح على الكعبة قال جماعة : هذا العبد الأسود يؤذن ! فنزل قوله تعالى : ( يَاأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى‏ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) (1) . وقال رسول الله (ص) : إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية - أي كبرها - كلكم بنو آدم وآدم من تراب . ونقل : أن واحدا من رؤساء اليونان افتخر على غلام ، فقال له : إن كان منشأ افتخارك آباؤك فالتفوق لهم لا لك ، وإن كان لباسك فالشرافة له دونك ، وإن كان مركوب فالفضيلة له لا لك ، فليس لك شيء يصلح للعجب والمفاخرة . ولذا قال متمم مكارم الأخلاق (ص) : لا تأتوني بأنسابكم وائتوني بأعمالكم . الثاني - أن يعرف نسبه الحقيقي ، قال أباه القريب نطفة قذرة ،

ـــــــــــــــــ

(1) الحجرات ، الآية : 13 .

الصفحة 296

وجده البعيد تراب ذليل ، وقد عرفه الله نسبه فقال : وبدأ خلق الإنسان من طين . ( ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِن مَاءٍ مَهِينٍ ) (1) . والأصل الذي يوطأ بالأقدام أو تغسل منه الأجسام أي رفعه يكون لفرعه ! الثالث - أن يعلم إن من يعجب بهم بالانتساب من أسلافه ، إن كانوا من أهل الديانة والخصال المرضية والشرافة الحقيقية ، فظاهر أنه ما كان من أخلاقهم العجب ، بل الذلة والإزراء على النفس ومذمتها واستعظام الخلق ، فإن اقتدى بهم في أخلاقهم فلا يليق به العجب والتعزز ، وإلا كان طاعنا في نسبه بلسان حاله . وإن لم يكونوا من أهل الديانة الواقعية والشرافة العلمية والعملية بل كان لهم مجرد شوكة ظاهرية ، كالسلاطين الظلمة وأعوانهم ، فأف لمن يفتخر بهم ويعجب بنفسه لأجلهم ! إذ الانتساب إلى الكلاب والخنازير أحسن من الانتساب إليهم ، كيف وإنهم ممقوتون عند الله معذبون في النار ، بحيث لو نظر إلى صورهم في النار وما لحقهم فيها من النتن والقذارة ، لاستنكف منهم وتبرأ من الانتساب إليهم . ولذلك قال (ص) : ليدعن قوم الفخر بآبائهم وقد صاروا فحما في جهنم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدوف بآنافهم القذر وروي : أنه افتخر رجلان عند موسى (ع) ، فقال أحدهما : أنا فلان بن فلان ، حتى عد تسعة ، فأوحى الله تعالى إلى موسى : قل للذي افتخر : بل التسعة من أهل النار وأنت عاشرهم ! . وأما (العجب بالجمال) : فعلاجه أن يعلم أنه في معرض الزوال بالعلل والآلام والأمراض والأسقام ، وأي عاقل يعجب بشيء تزيله حمى يوم أو قرحة أو جدري ! بر مال وجمال خويشتن غره مشو كآن را بشبى برند واين رابه تبى (2) ولو لم يرتفع بها ، فهل يشك عاقل زواله بذهاب الشباب ومجئ الشيب وبالموت الذي لا بد أن تذوقه كل نفس ؟ فانظر إلى الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة ، كيف تمزقت في التراب وأنتنت في القبور ، بحيث استقذرتها الطباع . أنه على لو نظر نظر العقلاء في باطنه عند اتصافه بغاية جماله ، لرأى

ـــــــــــــــــ

(1) السجدة ، الآية : 7 - 8 .
(2) معنى البيت : لا تغتر بمالك وجمالك ، فإن ذلك يذهب بليلة وهذا بحمى واحدة) .

الصفحة 297

من الفضائح ما يكدر عليه العجب والتعزز به ، فإنه وكلت إليه (1) الأقذار في جميع أجزائه : (البصاق) في فمه ، ، (والمخاط) في أنفه ، (والوسخ) في أذنه ، (والنتن) تحت إبطه ، (والصديد) تحت بشرته ، (والفضلات) في معدته ، (والرجيع) في أمعائه ، (والديدان) في أحشائه ، (والبول) في مثانته (والصفراء) في مرارته ، يتردد إلى الخلاء كل يوم مرتين ، ويغسل الغائط كل يوم بيده مرتين ، يخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلا أن يمسه أو يشمه . وفي أول أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور : من النطفة ودم الحيض ، وخرج عن مجاري الأقذار . أعني الصلب والذكر والرحم والفرج . ولو ترك نفسه في حياته يوما لم يتعهده بالغسل والتنظيف ، لثارت منه الأنتان والأقذار ، وصار أقذر وأنتن من الدواب المهملة . هذا أوله ووسطه ، وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار . فما للعاقل أن يعجب ويتعزز بهيئة حاصلة لبدن هذه حقيقته ! وأما (العجب بالمال) : فهو عجب بأمر خارج عن ذات الإنسان ، فهو أقبح أنواع العجب . وعلاجه أن يتفكر في آفات المال ، وكونه في معرض الفناء والزوال ، من الغضب والنهب والحرق والغرق ، وغير ذلك من الآفات السماوية والأرضية ، ويتذكر أن في اليهود والهندو من يزيد عليه في المال واف لشرف يسبقه اليهود والهندو ! واف لشرف يأخذه السارق في لحظة فيعود صاحبه ذليلا مفلسا ! ! ويتذكر ما ورد في ذم المال وحقارة الأغنياء ، وفي فضيلة الفقر وشرافة الفقراء ، وسبقهم إلى الجنة في القيامة ، وما ورد في عقوبة المعجب بالمال بخصوصه ، كقوله (ص) : بينما رجل يتبختر في حلة له قد أعجبته نفسه ، إذ أمر الله الأرض فأخذته ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (2) ، أشار به إلى عقوبة إعجابه بماله ونفسه . وكيف يتصور المؤمن العاقل أن يعجب بالمال ويفرح به ، مع كثرة حقوقه وعظم غوائله ، وإيجابه المؤاخذة وطول المحاسبة في القيامة ، والعقوبة والنكال إن كان حراما ، وانحطاط المرتبة والدرجة إن كان حلالا ، بل ينبغي له ألا يخلو ساعة عن الخوف من تقصيره ، في القيام بحقوقه ، وأخذه من حله ،

ـــــــــــــــــ

(1) وفي النسخ : وكل به ، ورجحنا ما أثبتناه .
(2) هذا الحديث صححناه على ما في إحياء العلوم - 3 : 322 - .

الصفحة 298

ووضعه في حقه . وأما (العجب بالقوة وشدة البطش) : فعلاجه أن يتذكر ما سلط عليه من العلل والأمراض ، وإن حمى يوم تضعف قوته ويتحلل منها ما لا ينجبر في مدة ، وإنه لو وجع عرق واحد من بدنه صار أعجز من كل عاجز وأذل من كل ذليل ، وإنه لو سلبه الذباب شيئا لم يستنقذه منه ، وإن بقة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في أذنه لقتلته ، وإن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته . ثم أقوى إنسان لا يكون أقوى من حمار أو جمل أو فيل أو بقر ، وأي عجب وافتخار في صفة يسبقه البهائم فيها ، هذا مع أن الغالب أن من يعجب بقوته يسلبها الله تعالى عنه بأدنى آفة يسلطها عليه . وأما (العجب بالجاه ، والمنصب ، وولاية السلاطين ، وكثرة الأتباع والأنصار : من الأولاد والأقارب والقبائل والعشائر والخدم والغلمان) : فعلاجه أن يعلم أن كل ذلك في معرض الانقطاع ، وعن قريب يقع بينه وبينها المفارقة ، إما بفنائه وموته أو بفنائها وهلاكها ، بل العاقل يجدها كسراب بقيعة ، وإنما هي خيالات تظن شيئا وليست بشيء ، وستفترق عنه إذا مات ودفن في قبره ذليلا مهينا وحده ، لا يرافقه أهل وأولاد ولا أعوان وأتباع ، فيسلمونه إلى البلاء وإلى العقارب والحيات والديدان ، ولا يغنون عنه شيئا وهو في أحوج أوقاته إليهم ، وكيف يعجب العاقل بمن يفارقه في أشد أحواله ! على أنهم في الدنيا يتبعونه ما دام يحصل منه ما يشتهونه من البذل والإعطاء ، فلا بد له من إيقاع نفسه في المهالك وتعرضه لسخط الله وعقوبته ، لتحصيل الأموال من الوجوه المحرمة وصرفها إليهم ، ليستمروا على متابعته وإعانته ، ولو نقص شيء مما يتمنونه تعرضوا لمقته وعداوته ، فضلا عن بقائهم على حمايته وإطاعته . ثم المعجب بتمكين السلطان وولايته بناء أمره على قلب هو أشد غليانا من القدر ، إذ لو تغير عليه كان أذل الخلق . وأما (العجب بالعقل والكياسة والتفطن لدقائق الأمور) : فعلاجه أن يعلم أن ذلك يزول عنه بأدنى مرض يصيب دماغه ، وربما زال عقله دفعة . مع أنه إن كان في الواقع فطنا كيسا في الأمور يلزم عليه أن يشكر الله تعالى


الصفحة 299

على ذلك ، ويستصغر (1) عقله وفطانته ، ليبقي الله تعالى عليه تلك النعمة ، ولا يسلبها عنه لأجل عجبه . وأما (العجب بالرأي الخطأ الذي يزين له بجهله) : فهو أقبح أنواع العجب ، إذ جميع أهل البدع والضلال والفرق الذين اختاروا مذاهب باطلة وآراء فاسدة إنما أصروا عليها لعجبهم بها ، ولذا يفتخرون بمذاهبهم على غيرهم ، وبذلك هلكت الأمم إذا افترقت فرقا ، وكل معجب برأيه ، و : ( كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) (2) . فكل من استحسن ما يسوقه الهوى والشبهة - مع ظن كونه حقا - يكون له هذا العجب ، وقد أخبر رسول الله (ص) : إن ذلك يغلب على آخر هذه الأمة . وعلاجه أشد من علاج غيره ، لأن صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطأه ، ولو عرفه لتركه . ولا يعالج الداء الذي لا يعرف ، إذ العارف يقدر على أن يبين للجاهل جهله ويزيله عنه إذا لم يكن معجبا برأيه وجهله ، وإذا كان معجبا به يتهمه ولا يصغي إليه حتى يعالجه ، فقد سلطت عليه بلية تهلكه وهو يظن أنها نعمة . وكيف يطلب الهرب مما يعتقد أنه سبب سعادته ! وإنما علاجه في الجملة أن يكون متهما لرأيه لا يغتر به ، لا أن يشهد له قاطع عقلي أو نقلي لا يعتريه ريب وشبهة . ومعرفة أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكان الغلط فيها موقوفة على عقل ثابت ، وقريحة تامة مستقيمة ، مع جد وتشمير في الطلب ، وممارسة الكتاب والسنة ، ومجالسة أهل العلم ، ومدارسة العلوم طول العمر ، ومع ذلك لا يؤمن عليه الغلط ، فالصواب للكل - إلا من أيده الله بقوة قدسية يتمكن بها من الخوض في غمرات العلوم - ألا يخوض في المذاهب الباطلة ولا يصغي إليها ، ويتبع أهل الوحي فيما جاؤا به من عند الله في الأصول والفروع .

وصل (انكسار النفس)

ضد العجب انكسار النفس واستحقارها وكونها في نظره ذليلة مهينة .

ــــــــــــــــــــ

 (1) في النسخ : يستغفر ، فرجحنا ما أثبتناه .
(2) المؤمنون ، الآية : 53 .

الصفحة 300

وكما أن العجب مجرد استعظام النفس من دون اعتبار استصغار الغير معه ، فكذا ضده مجرد استحقار النفس من دون اشتراط إعظام الغير معه ، إذ الأول مع اعتبار الثاني تكبر ، والثالث مع اشتراط الرابع تواضع ، وهما ضدان . ثم لا ريب في فوائد انكسار النفس واستصغارها ، وكل من بلغ مرتبة عظيمة فإنما بلغ بهذه الصفة ، لأن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم ، وقال رسول الله (ص) : ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة (1) يمسكانها ، فإن هو رقع نفسه جبذاها (2) ثم قالا : اللهم ضعه ، وإن وضع نفسه قالا : اللهم ارفعه (3) . وروي : أنه أوحى الله تعالى إلى موسى (ع) : أن يا موسى ! أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي ؟ قال : يا رب ! ولم ذلك ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه : أني قلبت عبادي ظهرا لبطن ، فلم أجد فيهم أحدا أذل نفسا لي منك ، يا موسى ! إنك إذا صليت وضعت خدك على التراب . وروي : أنه لما أوحى الله تعالى إلى الجبال أني واضع سفينة نوح عبدي على جبل منكن ، فتطاولت وشمخت ، وتواضع الجودي ، وهو جبل عندكم ، فضربت السفينة بجؤجؤها الجبل فقال نوح عند ذلك : (يا ماري أتقن) وهو بالسريانية : رب اصلح (4) ومنها :

• الكبر

وقد عرفت : إنه الركون إلى رؤية النفس فوق الغير ، وبعبارة أوضح : هو عزة وتعظيم يوجب رؤية النفس فوق الغير واعتقاده المزية والرجحان عليه ، فهو يستدعي متكبرا عليه . وبه ينفصل عن العجب ، إذ العجب مجرد استعظام النفس من دون اعتبار رؤيتها فوق الغير ، فالعجب سبب الكبر والكبر من نتائجه . ثم الكبر - أي العزة الموجبة لرؤية النفس فوق الغير - هو خلق الباطن يقتضي أعمالا في الظاهر هي ثمراته ، وتسمى تلك الأعمال الظاهرة

ـــــــــــــــــ

(1) الحكمة بالتحريك : ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه .
(2) بمعنى جذباها .
(3) صححنا الحديث على ما في إحياء العلوم - ج 2 ص 329 - .
(4) هذا الحديث وما قبله رواهما الكافي في باب التواضع ، فصححناهما عليه .

الصفحة 301

الصادرة منه تكبرا ، ولذا من تعزز ورأى نفسه باطنا فوق الغير ، من دون صدور فعل على جوارحه ، يقال له (كبر) ، وإذا ظهرت الأعمال يقال له (تكبر) . وهذه الأعمال الظاهرة التي هي ثمرات خلق الكبر أفعال وأقوال توجب تحقير الغير والإزراء به ، كالترفع عن مواكلته ومجالسته ، والاستنكاف عن مرافقته ومصاحبته ، وإبعاده عن نفسه ، وإبائه عن الجلوس بجنبه ، وانتظاره أن يسلم عليه ، وتوقعه أن يقوم ماثلا بين يديه . والاستنكاف من قبول وعظه ، وتعنيفه في إرشاده ونصحه ، وتقدمه عليه في المحافل والطرقات وعدم الالتفات إليه في المحاورات ، وتوقع التقديم عليه في كل ما يدل على التعظيم عرفا . وبالجملة : الأعمال الصادرة عن الكبر كثيرة ، ولا حاجة إلى إحصائها ، لكونها مشهورة معروفة ، ومن جملتها الاختيال في المشي وجر الثياب ، إذ فاعلها يرى نفسه فوق الأكثر ويقصد بهما استحقارهم ، فهما يقتضيان متكبرا عليه ، فيكونان من أنواع التكبر ، وما ورد في ذمهما يدل أيضا على ذمه ، كما يأتي . وهذه الأفعال المعبر عنها بالتكبر قد تصدر عن الحقد أو الحسد أو الرياء ، وإن لم تكن في النفس عزة وتعظم .

فصل (ذم الكبر)

الكبر آفة عظيمة وغائلته هائلة ، وبه هلك خواص الأنام فضلا من غيرهم من العوام ، وهو الحجاب الأعظم للوصول إلى أخلاق المؤمنين ، إذ فيه عز يمنع عن التواضع ، وكظم الغيظ ، وقبول النصح ، والدوام على الصدق ، وترك الغضب والحقد والحسد والغيبة والإزراء بالناس ، وغير ذلك . فما من خلق مذموم إلا وصاحب الكبر مضطر إليه ، ليحفظ به عزه ، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه . خوفا من فوات عزه . ولذا ورد في ذمه ما ورد من الآيات والأخبار ، قال الله سبحانه : ( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى‏ كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبّارٍ ) (1) . وقال : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الّذِينَ يَتَكَبّرُونَ ) (2) . وقال : والملائكة باسطوا أيديهم

ـــــــــــــــــ

(1) غافر ، الآية : 35 .
(2) الأعراف ، الآية : 146 .

الصفحة 302

أخرجوا أنفسكم . . . إلى قوله : ( وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) (1) . وقال : ( ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ ) (2) . وقال : ( فَالّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُنكِرَةٌ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ ) (3) . وقال : ( إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ ) (4) . وقال : ( إِن فِي صُدُورِهِمْ أَلاّ كِبْرٌ مَا هُم بِبَالِغِيهِ ) (5) . وقال رسول الله (ص) : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر (6) ، وقال : من تعظم في نفسه واختال في مشيته ، لقي الله وهو عليه غضبان . وقال (ص) : لا ينظر الله إلى رجل يجر أزاره بطرا . وقال (ص) : قال الله . الكبرياء ردائي والعظمة أزاري ، فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في جهنم . وقال (ص) : لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين ، فيصيبه ما أصابهم من العذاب . وقال (ص) : يخرج من النار عنق له أذنان تسمعان وعينان تبصران ولسان ينطق ، يقول وكلت بثلاثة : بكل جبار عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلها آخر ، وبالمصورين . وقال : (ص) : لا يدخل الجنة جبار ، ولا بخيل ، ولا سئ الملكة . وقال (ص) : ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان ، وملك جبار ، ومقل مختال . وقال (ص) : بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى ، بئس العبد عبد تبختر واختال ونسي الكبير المتعال ، وبئس العبد عبد غفل وسها ونسي المقابر والبلى ، وبئس العبد عبد عتا وبغي ونسي المبدأ والمنتهى . وقال (ص) : ألا أخبركم بأهل النار : كل عتل جواظ جعظري متكبر (7) . وقال (ص) :

ـــــــــــــــــ

(1) الأنعام ، الآية : 93 .
(2) الزمر ، الآية : 72 .
(3) النحل ، الآية : 23 .
(4) غافر ، الآية : 60 .
(5) غافر ، الآية : 56 .
6) روي الحديث في الكافي عن أحد الصادقين - عليهما السلام - في باب الكبر ، وجاء فيه هكذا : الكبر بتعريف كبر .
(7) صححنا الحديث على كنز العمال - ج 2 ص 107 - . والجواظ : المتكبر الجافي والجعظري : الفظ الغليظ .

الصفحة 303

إن أبغضكم إلينا وأبعدكم منا في الآخرة الثرثارون والمتشدقون المتفيهقون : أي المتكبرون . وقال (ص) : يحشر المتكبرون يوم القيامة في مثل صور الذر ، تطأهم الناس ذرا في مثل صور الرجال ، يعلوهم كل شيء من الصغار ، ثم يساقون إلى سجن في جهنم يقال له (يولس) ، تعلوهم نار شر أنيار (178) ، يسقون من طينة الخبال وعصارة أهل النار . وقال (ص) : يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذر تطأهم الناس لهوانهم على الله تعالى ، وقال : إن في جهنم واديا يقال له (هبهب) ، حق على الله أن يسكنه كل جبار ، وقال : إن في النار قصرا يجعل فيه المتكبرون ويطبق عليهم ، وقال : إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم (فارس) و(الروم) سلط الله بعضهم على بعض ، والمطيطاء : مشية فيها اختيال . وقال عيسى بن مريم : كما أن الزرع يثبت في السهل ولا ينبت على الصفاء ، كذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر ، ألا ترون أنه يتشمخ برأسه إلى السقف شجه ، ومن يطأطئ أظله وأكنه . ولما حضرت نوحا الوفاة ، دعا ابنيه فقال : إني آمركما باثنتين وأنهاكما عن اثنتين : أنهاكما عن الشرك والكبر وآمركما بلا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده . وقال سليمان بن داود يوما للطير والجن والإنس والبهائم : أخرجوا ، فخرجوا في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف من الجن ، فرفع حتى سمع زجل الملائكة بالتسبيح في السماوات ، ثم خفض حتى مست أقدامه البحر ، فسمع صوتا يقول : لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسفت به أبعد مما رفعته . وقال الباقر (ع) : الكبر رداء الله ، والمتكبر ينازع الله رداءه ، وقال : العز رداء الله والكبر أزاره ، فمن تناول شيئا منه أكبه الله في جهنم . وقال الصادق (ع) : إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له (سقر) شكى إلى الله شدة حره وسأله أن يأذن له يتنفس ، فتنفس فأحرق جهنم . وقال عليه السلام : إن المتكبرين يجعلون في صور الذر ، يتوطأهم الناس حتى

ـــــــــــــــــ

(1) كذا في النسخ . وفي نسخة إحياء العلوم - ج 2 ص 290 - : (نار الأنيار) ، ولم نعثر على جمع نار على أنيار ، وإنما جملة جموعها (نيار) . 

الصفحة 304

يفرغ الله من الحساب . وقال (ع) : ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه . وقال (ع) : إن في السماء ملائكة موكلين بالعباد فمن تواضع رفعاه ، ومن تكبر وضعاه . وقال (غ) : الجبار الملعون من غمض الناس وجهل الحق ، قال الراوي : أما الحق فلا أجهله ، والغمض لا أدري ما هو قال : من حقر الناس وتجبر عليهم فذلك الجبار . وقال عليه السلام : ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة وملك يمسكها ، فإذا تكبر قال له : اتضع وضعك الله ، فلا يزال أعظم الناس في نفسه وأصغر الناس في أعين الناس ، وإذا تواضع رفعها الله - عز وجل - ثم قال له : انتعش نعشك الله ، فلا يزال أصغر الناس في نفسه وأرفع الناس في أعين الناس .

فصل (التكبر على الله وعلى الناس)

التكبر قد يكون على الله ، كما كان لنمرود وفرعون ، وسببه الطغيان ومحض الجهل ، وهو أفحش أنواع الكبر ، إذ هو أعظم أفراد الكفر ، ولذا تكررت في ذمه الآيات ، كقوله تعالى : ( إِنّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنّمَ دَاخِرِينَ ) (1) . وقوله : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيحشرهم إليه جميعا (2) . وقوله تعالى : ( ثُمّ لَنَنزِعَنّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيّهُمْ أَشَدّ عَلَى الرّحْمنِ عِتِيّاً ) (3) . وقوله : ( فَالّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُنكِرَةٌ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ ) (4) . وقد يكون على الرسل من حيث تعزز النفس وترفعها عن انقيادهم ، كما كان لمن يقول : ( أَهؤُلاَءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنَا ) (5) . ولمن يقول : ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) (6) . ( إِنْ أَنتُمْ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ) (7) . ( وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ

ـــــــــــــــــ

(1) غافر ، الآية : 60 .
(2) النساء ، الآية : 172 .
(3) مريم ، الآية : 69 . (82) النحل ، الآية : 23 .
(4) الأنعام ، الآية : 53 .
(5) المؤمنون ، الآية : 47 .
(6) إبراهيم ، الآية : 10 .

الصفحة 305

إِنّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ ) (1) . ولمن قال : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (2) . وهذا في الشناعة قريب من التكبر على الله ، وإن كان دونه . وقد يكون على العباد بأن يستعظم نفسه ويستصغرهم ، وهذا وإن كان دون الأولين ، إلا أنه من المهلكات العظيمة ، من حيث أنه يؤدي إلى مخالفة الله سبحانه ، إذ صاحبه إذا سمع من عبد استنكف من قبوله واشمأز بجحده ، ومن حيث أن العز والعظمة والعلى لا يليق إلا بالعلي الأعلى ، فمهما تكبر العبد نازع الله في صفة من صفاته ، ولذا قال الله سبحانه : والعظمة أزاري والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما قصمته .

فصل (درجات الكبر)

الكبر درجات ثلاث : (الأولى) أن يكون مستقرا في قلبه ، يرى نفسه خيرا من غيره ، ويظهره في أفعاله : بالترفع في المجالس ، والتقدم على الأقران ، وأن يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم ، ويعبس وجهه ، ويقطب جبينه . وفي أقواله : بإظهار الإنكار على من يقصر فيما يتوقعه ، من التعظيم ، وإبداء الدعوى ، والمفاخرة والمباهاة ، وتزكية النفس ، والتشمير لغلبة الغير في العلم والعمل . وهذه الدرجة أقبح الدرجات وأشدها ، إذ صاحبها قد رسخت في قلبه شجرة الكبر وارتفعت أغصانها وفروعها ، بحيث أحاطت على جميع جوارحه . (الثانية) كالأولى . إلا في إظهاره على اللسان ، وهي دون الأولى ، لكونها أقل أغصانا منها . (الثالثة) أن يكون مستقرا في قلبه بحيث رأى نفسه خيرا من غيره ، إلا أنه يجتهد في التواضع ، ويفعل فعل من يرى غيره خيرا من نفسه . وهذا وإن رسخت في قلبه شجرة الكبر ، إلا أنه قطع أغصانها بالكلية . فإن كان مع ذلك منكرا على نفسه فيما رسخ فيها ، ومغضبا علمها ومتشمرا لإزالتها ، إلا أنه لم يقدر على دفعه بسرعة وسهولة ، وتميل النفس إلى ما تشتهيه في

ـــــــــــــــــ

(1) المؤمنون ، الآية : 34 .
(2) الفرقان ، الآية : 21 .

الصفحة 306

بعض الأحيان بدون اختيار ، ولكنه كان في مقام المجاهدة ، فلعله لم يكن عليه كثير إثم ، ومثله يوفقه الله للوصول إلى ما يطلبه بمقتضى وعده .

فصل (علاج الكبر علما وعملا)

الكبر كالعجب في كيفية العلاج إجمالا وتفصيلا ، إذ الكبر لما تضمن معنى العجب - أي استعظام النفس - وكان العجب منشأ له ، فما ذكر لعلاج مطلق العجب هو العلاج لمطلق الكبر أيضا . ولكن ما به الكبر - أعني بواعثه - هي بواعث العجب بعينها ، فما ذكر لعلاج العجب بالبواعث المذكورة مشترك بينهما . ومن المعالجات المختصة بالكبر : أن يتذكر ما ورد في ذمه من الآيات والأخبار المذكورة وغيرها ، ويتأمل فيما ورد في مدح ضده أعني التواضع - كما يأتي . ولكون الكبر مشتملا على شيء زائد على العجب هو رؤية النفس فوق الغير ، فينبغي أن يعلم أن الحكم بخيرية نفسه من الغير غاية الجهل والسفاهة ، فلعل في الغير من خفايا الأخلاق الكريمة ما ينجيه . وفيه من الملكات الذميمة ما يهلكه ويرديه . وكيف يجترئ صاحب البصيرة أن يرجح نفسه على الغير ، مع إبهام الخاتمة وخفاء الأخلاق الباطنة واشتراك الكل في الانتساب إلى الله تعالى ، وفي صدورها وترشحها منه ومعلوليتها ولازميتها له ، فالواقف بخطر الخاتمة وإناطة النجاة والهلاك بالبواطن لا يرى لنفسه مزية على غيره ، والعارف بكون كل فرد من أفراد الموجودات أثرا من آثار ذاته ولمعة من لمعات أنوار صفاته ، بل رشحة من رشحات فضله وجوده وقطرة من قطرات تيار فيض وجوده ، لا ينظر إلى أحد بنظر السوء والعداوة ، بل يشاهد الكل بعين الخيرية والمحبة .

أشكال وحل

(فإن قيل) : كيف يحسن أن يتواضع العالم الورع للجاهل الفاسق ويراه خيرا من نفسه ، مع ظهور جهله وفسقه ، وقطعه باتصاف نفسه بالعلم والورع وخلوه عنهما ؟ وكيف يجوز له أن يحب فاسقا أو كافرا أو مبتدعا ويتواضع له ولا يعاديه ، مع إنه مبغوض عند الله ، فيكون مأمورا ببغضه والجمع بين الحب والتواضع وبين البغض جمع بين النقيضين ؟


الصفحة 307

(أجبنا) عن (الأول) بأن حقيقة التواضع ألا يرى النفس لذاتها مزية واقعية وخيرية حقيقية على الغير ، لا ألا يرى مزية لذاتها عليه في الصفات الظاهرة التي يجزم باتصاف نفسه بها وعدم اتصافه بها ، كالعلم والعبادة والسخاوة والعدالة والاجتناب عن الأموال المحرمة وغير ذلك ، إذ العالم ببعض العلوم لا يمكنه أن يدفع عن نفسه القطع بكونه عالما بها وكون فلان العامي غير عالم بها . لكن المزية الواقعية والخيرية النفس الآمرية إنما هو يحصل بمجرد تعلم بعض العلوم والمواظبة على بعض العبادات أو غير ذلك من الصفات المحمودة ، بل المناط فيه حسن الخاتمة ، وهو أمر مبهم ، إذ العواقب مطوية عن العباد ، فيمكن أن يسلم الكافر ويختم له بالإيمان ويضل هذا العالم الورع ويختم له بالكفر ، فعلى كل عبد إن رأى من هو شرا منه ظاهرا أن يقول : لعل هذا ينجو وأهلك أنا ، فلا يراه شرا من نفسه في الواقع خائفا من العاقبة ، ويقول : لعل بر هذا باطن ، بأن يكون فيه خلق كريم بينه وبين الله فيرحمه الله ويتوب عليه ويختم له بأحسن الأعمال ، وبري ظاهر لا آمن أن تدخله الآفات فتحبطه . وبالجملة : ملاحظة الخاتمة والسابقة والعلم بأن الكمال في القرب من الله وسعادة الآخرة دون ما يظهر في الدنيا من الأعمال الظاهرة يوجب نفي الكبر والتواضع لكل أحد . وعن (الثاني) إن الحب ينبغي أن يكون لأجل النسبة الشريفة المذكورة والتواضع لأجل ملاحظة الخاتمة ، وبغضه وغضبه عليه لأجل ما ظهر منه من الكفر والفسوق . وأي منافاة بين الغضب لله في صدور معصية من عبد وبين عدم الكبر والإذلال ؟ ! إذ الغضب إنما هو لله لا لنفسك ، إذا أمرك بأن تغضب عند مشاهدة المنكر ، والتواضع وعدم الكبر إنما هو بالنظر إلى نفسك ، بألا ترى نفسك ناجيا وصاحبك هالكا في حال غضبك عليه لأمر الله ، بل يكون خوفك على نفسك مما علم الله من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليه مع الجهل بالخاتمة ، فليس من ضرورة الغضب والبغض لله أن تتكبر على المغضوب عليه ، وترى قدرك فوق قدره . ومثال ذلك : أن نكون لملك غلام وولد ، وقد وكل الملك الغلام على


الصفحة 308

ولده بأن يراقبه ويضربه مهما ساء أدبه ، ويغضب عليه إذا اشتغل بما لا يليق به ، فإن كان الغلام مطيعا محبا لمولاه يغضب عليه إذا ساء أدبه امتثالا لأمر مولاه ، ومع ذلك يحبه لانتسابه إلى مولاه بالولادة ، ولا يتكبر عليه ويتواضع له ، ويرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه ، لأن الولد أعز لا محالة من الغلام

تذنيب (العلاج العملي للكبر)

ما ذكرناه لعلاج الكبر إنما هو العلاج العلمي ، وأما (العلاج العملي) ، فهو أن يتواضع بالفعل ولسائر الخلق ، ويواظب على أخلاق المتواضعين ، ويكلف نفسه على ذلك إلى أن تقطع عن قلبه شجرة الكبر بأصولها وفروعها ، ويصير التواضع ملكة له . وللقطع الكلي وحصول ملكة التواضع امتحانات يعرفان بها ، فلا بد أن يمتحن نفسه بها حتى يطمئن بأنه متواضع ، إذ النفس قد تضمر التواضع وتدعي البراءة من الكبر ، فإذا وقعت الواقعة عادت إلى طبعها ونسيت وعدها : (الأول) أن يناظر مع أقرانه في بعض المسائل ، فإذا ظهر شيء من الحق على لسانهم ، فإن اعترف به مع السرور والاهتزاز والشكر لهم لتنبيههم إياه على ما غفل عنه فهو علامة التواضع ، وإن ثقل عليه القبول والاعتراف ولم يسر بظهور الحق على لسانهم فهو دليل بقاء الكبر بعد فليعالجه من حيث العلم بأن يتذكر سوء عاقبته وخسة نفسه وخباثتها ، من حيث أن قبول الحق يثقل عليها ، ومن حيث العمل بأن يكلف نفسه على ما يثقل عليها من الاعتراف بالحق وإطلاق اللسان بالثناء والشكر ، والاقرار على نفسه بالعجز والقصور ، ويقول : ما أحسن فطانتك ! لقد أرشدتني إلى الحق ، فجزاك الله خيرا . فإذا واظب على ذلك مرات متوالية ، صار ذلك له طبعا ، وسقط ثقل الحق عن قلبه وطاب له قبوله ، وإن لم يثقل عليه في الخلوة وثقل عليه في الملأ ، فليس فيه كبر ، بل فيه رياء ، فليعالج بما يأتي في معالجة الرياء . (الثاني) أن يقدم الأقران والأمثال على نفسه في المحافل ، ويمشي خلفهم في الطرق ، فإن لم يثقل ذلك عليه فهو متواضع ، وإلا فمتكبر ، فليقدمهم بالتكلف ، ويجلس تحتهم ، ويظهر السرور والارتياح بذلك ،


الصفحة 309

حتى يسقط عنه ثقله . قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام : إن من التواضع أن يجلس الرجل دون شرفه . وقال (ع) : من التواضع أن ترضى بالمجلس دون المجلس ، وأن تسلم على من تلقى ، وأن تترك المراء وإن كنت محقا ، ولا تحب أن تحمد على التقوى . ومن المتكبرين من إذا لم يجد مكانا في الصدر يجلس في صف النعال ، أو يجعل بينه وبين الأقران بعض الأراذل ولا يجلس تحتهم ، وغرضهم من ذلك استحقار الأقران أو إيهام أن تركهم للصدر إنما هو بالتفضل ، فهو أشد أنواع التكبر . (الثالث) أن يجيب دعوة الفقير ، ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء والأقارب ، ويجعل حاجتهم وحاجة نفسه منه إلى البيت ، فإن لم يثقل عليه ذلك في الخلوة والملأ فليس فيه كبر ورياء ، وإن ثقل عليه فيهما ففيه كبر ورياء ، وإن ثقل عليه عند مشاهدة الناس دون الخلوة ففيه رياء دون الكبر . قال أمير المؤمنين عليه السلام : لا ينقص الرجل الكامل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله . وروي : أنه اشترى لحما بدرهم فحمله في ملحفته فقال له بعضهم : أحمل عنك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا ! أبو العيال أحق أن يحمل . وروي : أن الصادق عليه السلام : نظر إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئا وهو يحمله ، فلما رآه الرجل استحيى منه ، فقال له أبو عبد الله عليه السلام : اشتريته لعيالك وحملته إليهم ، أما والله لولا أهل المدينة لأحببت أن أشتري لعيالي الشيء ثم أحمله إليهم . (الرابع) أن يلبس ثيابا بذلة ، فإن لم يثقل عليه ذلك أصلا فليس فيه كبر ورياء ، وإلا كان متكبرا أو مرائيا ، قال رسول الله (ص) : من اعتقل البعير ولبس الصوف فقد برئ من الكبر . وقال (ص) : إنما أنا عبد آكل في الأرض ، والبس الصوف ، واعقل البعير ، والعق أصابعي ، وأجيب دعوة المملوك ، فمن رغب عن سنتي فليس مني . وقيل لسلمان : لم لا تلبس ثوبا جديدا ؟ فقال : إنما أنا عبد ، فإذا أعتقت يوما لبست جديدا : أشار به إلى العتق في الآخرة . وقال رسول الله (ص) : البذاذة - أي الدون من اللباس - من الإيمان . وعوتب أمير المؤمنين عليه السلام في إزار مرقوع ، فقال : يقتدي به المؤمن وتخشع له القلوب .


الصفحة 310

(الخامس) أن يأكل مع خدامه وغلمانه ، فإن لم يثقل عليه فهو متواضع وإلا فمتكبر . وروي رجل من أهل بلخ ، قال : كنت مع الرضا (ع) في سفره إلى خراسان ، فدعا يوما بمائدة ، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم ، فقلت : جعلت فداك ! لو عزلت لهؤلاء مائدة ، قال عليه السلام إن الرب تعالى واحد ، والدين واحد ، والأم واحدة ، والأب واحد ، والجزاء بالأعمال . والامتحانات لبقاء الكبر ليست منحصرة بما ذكر ، بل هي كثيرة : كأن يحب قيام الناس له أو بين يديه ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام . وقال بعض الصحابة : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك . وأن يحب أن يمشي خلفه غيره ، وقد روي أنه لا يزال العبد يزداد من الله بعدا ما مشى خلفه . وكان رسول الله (ص) في بعض الأوقات يمشي مع بعض الأصحاب ، فيأمرهم بالتقدم ويمشي في غمارهم . وألا يزور غيره ، وإن كان في زيارته فائدة دينية . وأن يستنكف من مجالسة الفقراء والمعلولين والمرضى . روي أنه دخل على رسول الله رجل وعليه جدري قد تقشر ، وعنده ناس من أصحابه يأكلون ، فما جلس عند أحد إلا قام من جنبه . فأجلسه النبي (ص) إلى جنبه . وكان (ص) في نفر من أصحابه يأكلون في بينه . إذ دخل عليهم رجل به زمانة تنكره الناس لأجلها ، فأجلسه رسول الله على فخذه وقال له : أطعم ، وكأن رجلا من قريش اشمأز منه وتكره ، فما مات ذلك الرجل حتى كانت به زمانة مثلها . ومر سيد الساجدين عليه السلام على المجذومين (1) وهو راكب حماره ، وهم يتغدون ، فدعوه إلى الغداء ، فقال ، أما إني لولا أني صائم لفعلت فلما صار إلى منزله أمر بطعام فصنع ، وأمر أن يتنوقوا فيه ، ثم دعاهم فتغدوا عنده وتغدى معهم . . وقس على هذه غيرها من الامتحانات . ولقد كانت سيرة رسول الله (ص) جامعة لجميع ما يمتحن به التواضع

ـــــــــــــــــ

(1) وفي بعض نسخ الكافي المصححة في باب التواضع هكذا : (المجذمين) .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةاعلى