|
الصفحة 311
بريئة عن جميع ما يصدر من الكبر من الأفعال والحركات ، فينبغي لكل مؤمن أن يقتدي به
. وقد روى أبو سعيد الخدري : أنه (ص) كان يعلف الناضح ، ويعقل البعير ، ويقم البيت
، ويحلب الشاة ، ويخصف النعل ، ويرقع الثوب ، ويأكل مع خادمه ، ويطحن عنه إذا أعيى
، ويشتري الشيء من السوق ، ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه
وينقلب إلى أهله . يصافح الغني والفقير والصغير والكبير ، ويسلم مبتدئا على كل من
استقبله من صغير أو كبير أسود أو أحمر حر أو عبد من أهل الصلاة ، ليست له حلة
لمدخله ولا حلة لمخرجه ، لا يستحيي من أن يجيب إذا دعي ، وإن كان أشعث أغبر ، ولا
يحقر ما دعي إليه ، وإن لم يجد إلا حشف الرقل (1) ، لا يرفع غداء لعشاء ولا عشاء
لغداء . هين المؤنة ، لين الخلق كريم الطبيعة ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بساما
من غير ضحك ، محزونا من غير عبوس ، شديدا في غير عنف ، متواضعا في غير مذلة ، جوادا
من غير سرف ، رحيما لكل ذي قربى ، قريبا من كل ذمي ومسلم ، رقيق القلب دائم الإطراق
، لم يبسم قط من شبع ، ولا يمد يده إلى طمع . هذا وقال أبو الحسن عليهما السلام :
التواضع : أن تعطي الناس ما تحب أن تعطاه . وسئل عن حد التواضع الذي إذا فعله العبد
كان متواضعا ، فقال : التواضع درجات : منها أن يعرف المرء قدر نفسه ، فينزلها
منزلتها بقلب سليم لا يحب أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يؤتى إليه ، إن رأى سيئة
درأها بالحسنة ، كاظم الغيظ عاف عن الناس ، والله يحب المحسنين .
وصل (التواضع ومدحه)
قد أشير إلى أن ضد الكبر (التواضع) ، وهو انكسار للنفس يمنعها من أن يرى لذاتها
مزية على الغير ، وتلزمه أفعال وأقوال موجبة لاستعظام الغير وإكرامه ، والمواظبة
عليها أقوى معالجة لإزالة الكبر . ولا بد من الإشارة إلى الأخبار الواردة في مدح
التواضع وفوائده ، تحريكا للطالبين السعي إلى في تحصيله الموجب لإزالة ضده ، وهذه
الأخبار كثيرة خارجة
ـــــــــــــــــ
(2) في إحياء العلوم - ج 3 ص 306 - هكذا : (الدقل) وكل
من النسختين يصح به .
الصفحة 312
عن حد الاحصاء ، فنكتفي بإيراد بعض منها : قال رسول الله (ص) : ما تواضع أحد لله
إلا رفعه الله . وقال (ص) : طوبى لمن تواضع في غير مسكنة ، وأنفق مالا جمعه من غير
معصية ، ورحم أهل الذلة والمسكنة ، وخالط أهل الفقه والحكمة . وروي : أن الله
سبحانه أوحى إلى موسى : إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعاظم على خلقي وألزم
قلبه خوفي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات من أجلي . وقال رسول الله (ص)
لأصحابه : مالي لا أرى عليكم حلاوة العبادة ! قالوا : وما حلاوة العبادة ؟ قال :
التواضع . وقال (ص) : إذا تواضع العبد رفعه الله إلى السماء السابعة . وقال (ص) :
إذا هدى الله عبدا الإسلام وحسن صورته وجعله في موضع غير شائن له ورزقه مع ذلك
تواضعا ، فذلك من صفوة الله . وقال (ص) : أربع لا يعطيهن الله إلا من يحبه : الصمت
وهو أول العبادة ، والتوكل على الله ، والتواضع ، والزهد في الدنيا . وقال (ص) :
ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده يكون مهنة لأهله يدفع به الكبر عن نفسه . وقال
(ص) : من تواضع لله رفعه الله ، ومن تكبر خفضه الله ، ومن اقتصد في معيشة رزقه الله
، ومن بذر حرمه الله ، ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله ، ومن أكثر ذكر الله أظله الله
في جنته . وروي أنه أتى رسول الله (ص) ملك ، فقال : إن الله تعالى يخيرك أن تكون
عبدا رسولا متواضعا أو ملكا رسولا . فنظر إلى جبرئيل عليه السلام وأومى بيده أنت
تواضع ، فقال : عبدا متواضعا رسولا ، فقال الرسول يعني الملك - : مع أنه لا ينقصك
مما عند ربك شيئا . وقال عيسى بن مريم عليه السلام : طوبى للمتواضعين في الدنيا !
هم أصحاب المنابر يوم القيامة ، طوبى للمصلحين بين الناس في الدنيا ! هم الذين
يرثون الفردوس يوم القيامة . طوبى للمطهرة قلوبهم في الدنيا ! هم الذين ينظرون إلى
الله تعالى يوم القيامة . وقال (ص) : إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة ، فتواضعوا
يرحمكم الله . وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : يا داود ! كما إن أقرب
الناس إلى الله المتواضعون كذلك أبعد الناس من الله المتكبرون . وروي : أن سليمان
بن داود إذا
الصفحة 313
أصبح تص وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيئ إلى المساكين فيقعد معهم ويقول مسكين مع
مساكين . وروي : أنه ورد على أمير المؤمنين (ع) أخوان له مؤمنان ، أب وابن ، فقام
إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه وجلس بين أيديها . ثم أمر بطعام فأحضر فأكلا
منه ، ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل ، وجاء ليصب على يد الرجل ، فوثب أمير
المؤمنين وأخذ الإبريق ليصب على يد الرجل ، فتمرغ الرجل في التراب ، وقال : وقال :
يا أمير المؤمنين ! الله يراني وأنت تصب على يدي ! قال : اقعد واغسل ، فإن الله -
عز وجل - يراك وأخوك الذي لا يتميز منك ولا ينفصل عنك يخدمك . يريد بذلك في خدمته
في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا . فقعد الرجل . وقال له علي عليه السلام :
أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته لما غسلت مطمئنا كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك
قنبر ، ففعل الرجل ذلك ، فلما فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنفية ، وقال : يا بني !
لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ، ولكن الله عز وجل يأبى أن يسوي
بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان ، لكن قد صب الأب على الأب فليصب الابن على الابن ،
فصب محمد بن الحنفية على الابن (1) . وقال الصادق
عليه السلام : التواضع أصل كل شرف نفيس ومرتبة رفيعة ، ولو كان للتواضع لغة يفهمها
الخلق لنطق عن حقائق ما في مخفيات العواقب . والتواضع ما يكون لله وفي الله ، وما
سواه فكبر . ومن تواضع لله شرفه الله على كثير من عباده . ولأهل التواضع سيماء
يعرفها أهل السماوات من الملائكة وأهل الأرض من العارفين . قال الله عز وجل :
( وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيَماهُمْ ) (2) . وأصل التواضع من إجلال الله وهيبته وعظمته . وليس لله عز وجل عبادة
يقبلها ويرضاها إلا وبابها التواضع . ولا يعرف ما في معنى حقيقة
ـــــــــــــــــ
(1) روي هذا الحديث في البحار - في الجزء الرابع من المجلد الخامس عشر ص 149 باب
التواضع - عن الاحتجاج والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام .
(2) الأعراف ، الآية : 46 .
الصفحة 314
التواضع إلا المقربون من عباده المستقلين بوحدانيته ، قال الله عز وجل :
( وَعِبَادُ الرّحْمنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرضِ هَوْناً وَإِذَا
خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً )
(1) . وقد أمر الله - عز وجل - أعز خلقه وسيد بريته
محمدا (ص) بالتواضع ، فقال عز وجل :
( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) . والتواضع مزرعة الخضوع والخشوع والخشية والحياء
، وإنهن لا يأتين إلا منها وفيها ، ولا يسلم الشرف التام الحقيقي إلا للمتواضع في
ذات الله تعالى (3) . وقال الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهم السلام :
أعرف الناس بحقوق إخوانهم وأشدهم قضاء لهم أعظمهم عند الله شأنا ، ومن تواضع في
الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي تتميم ابن أبي طالب عليه
السلام حقا (4) .
(الذلة)
لما عرفت أن كل فضيلة وسط له طرفان مذمومان ، فأحد طرفي التواضع (الكبر) - كما عرفت
- وهو من طرف الإفراط ، وآخرهما (الذلة) والتخاسس ، وهو من طرف التفريط . فكما إن
الكبر مذموم ، فكذلك المذلة والتخاسس أيضا مذموم ، إذ كلا طرفي الأمور ذميم ،
والمحمود : هو التواضع من دون الخروج إلى شيء من الطرفين ، إذ أحب الأمور إلى الله
أوسطها . وهو أن يعطي كل ذي حق حقه ، وهو العدل ، فلو وقع في طرف النقصان فليرفع
نفسه ، إذ ليس للمؤمن أن يذل نفسه ، فالعالم إذا دخل عليه إسكاف فخلى له مجلسه
وأجلسه فيه ، وترك تعليمه وإفادته ، وإذا قام عدا إلى الباب خلفه ، فقد تخاسس وتذلل
، وهو غير محمود ،
ـــــــــــــــــ
(1) الفرقان ، الآية : 63 .
(2) الشعراء ، الآية : 215 .
(3) روي هذا الحديث في
البحار أيضا في الموضع المتقدم عن مصباح الشريعة .
(4) هذا الحديث من نفس الحديث المتقدم عن الاحتجاج
والتفسير المنسوب إلى الإمام .
الصفحة 315
بل هو رذيلة في طرف التفريط . فاللازم إذا وقع فيه أن يرفع نفسه إلى أن يعود إلى
الوسط الذي هو الصراط المستقيم . فإن العدل أن يتواضع بمثل ما ذكر لأمثاله ولمن
يقرب درجته . فأما تواضعه للسوقي ، فبالبشر الكلام في ، والرفق في السؤال ، وإجابة
دعوته ، والسعي في حاجته ، وأمثال ذلك ، وألا يرى نفسه خيرا منه ، نظرا إلى خطر
الخاتمة . ثم ينبغي ألا يتواضع للمتكبرين ، إذ الانكسار والتذلل لمن يتكبر ويتعزز
مع كونه من التخاسس والمذلة المذمومة يوجب إضلال هذا المتكبر ، وتقريره على تكبره ،
وإذا لم يتواضع له الناس وتكبروا عليه ربما تنبه وترك التكبر ، إذا المتكبر لا يرضى
بتحمل المذلة والإهانة من الناس ، ولذا قال رسول الله (ص) : إذا رأيتم المتواضعين
من أمتي فتواضعوا لهم ، وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم ، فإن ذلك لهم مذلة
وصغار . ومنها :
• الافتخار
أي المباهاة باللسان بما توهمه كمالا ، والغالب كون المباهاة بالأمور الخارجة عن
ذاته ، وهو بعض أصناف التكبر - كما أشير إليه - فكل ما ورد في ذمة يدل على ذمه ،
والأسباب الباعثة عليه هي أسباب التكبر . وقد تقدم أن شيئا منها لا يصلح لأن يكون
منشأ للافتخار ، فهو ناش من محض الجهل والسفاهة . قال سيد الساجدين (ع) : عجبا
للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة ثم (هو) (1) غدا جيفة . وقال الباقر (ع) :
عجبا للمختال الفخور ، وإنما خلق من نطفة ثم يعود جيفة ، وهو فيما بين ذلك لا يدري
ما يصنع به . وقال (ع) : صعد رسول الله (ص) المنبر يوم فتح مكة ، فقال : أيها الناس
إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها ، ألا إنكم من آدم وآدم من
طين ، ألا إن خير عباد الله عبد اتقاه . وقال له (ع) عقبة بن بشير الأسدي : أنا في
الحسب الضخم عزيز في قومي ، فقال له : تمن علينا بحسبك ! إن الله تعالى رفع
بالأيمان من كان الناس يسمعونه وضيعا إذا كان مؤمنا ، ووضع بالكفر من كان الناس
يسمعونه
ـــــــــــــــــ
(2) في بعض نسخ الكافي في باب الفخر والكبر زيادة كلمة
(هو) .
الصفحة 316
شريفا إذا كان كافرا . فليس لأحد فضل على أحد إلا بتقوى الله . وقال الصادق (ع) :
قال رسول الله (ص) : آفة الحسب الافتخار والعجب . وقال (ع) : أتى رسول الله (ص) رجل
، فقال : يا رسول الله ! أنا فلان بن فلان . . . حتى عد تسعة ، فقال رسول الله :
أما إنك عاشرهم في النار ! . ونقل : أن قريشا تفاخروا عند سلمان ، فقال : لكني خلقت
من نطفة قذرة ثم أعود جيفة منتنة ثم إلى الميزان ، فإن ثقل فأنا كريم وإن خف فأنا
لئيم . ثم ضده استحقار نفسه وترجيح غيره عليها بالقول . ومنها :
• البغي
ويسمى البذخ أيضا ، وهو صعوبة الانقياد والتابعية لمن يجب أن ينقاد (له) ، وقد فسر
بمطلق العلو والاستطالة ، سواء تحقق في ضمن عدم الانقياد لمن يجب أن ينقاد (له) ،
أو في ضمن أحد أفعال الكبر ، أو في ضمن الظلم والتعدي على الغير . وعلى أي تقدير هو
أفحش أنواع الكبر ، إذ عدم الانقياد لمن يجب أن ينقاد (له) - كالأنبياء وأوصيائهم -
يؤدي إلى الكفر الموجب للهلاك الأبدي . ولقد هلك بذلك أكثر طوائف الكفار ، كاليهود
والنصارى وكفار قريش وغيرهم . وكذا الظلم والتعدي على المسلم وإذلاله بالمقهورية
والمغلوبية من المهلكات العظيمة ، ولذا ورد في ذمه ما ورد ، قال رسول الله (ص) : إن
أعجل الشر عقوبة البغي . وقال (ص) : حق على الله عز وجل ألا يبغي شيء على شيء إلا
أذله الله ، ولو أن جبلا بغى على جبل لهد الله الباغي منهما . وقال أمير المؤمنين
(ع) : أيها الناس ! إن البغي يقود أصحابه إلى النار ، وإن أول من بغى على الله عناق
بنت آدم ، وأول قتيل قتله الله عناق ، وكان مجلسها جريبا في جريب ، وكان لها عشرون
أصبعا في كل إصبع ظفران مثل المنجلين ، فسلط الله عليها أسدا كالفيل ، وذئبا
كالبعير ، ونسرا كالبغل ، فقتلنها . وقد قتل الله تعالى الجبابرة على أفضل أحوالهم
وأمن ما كانوا . وقال الصادق (ع) : يقول إبليس لجنوده : ألقوا بينهم الحسد والبغي
فإنهما يعدلان عند الله الشرك . وكتب (ع) إلى بعض أصحابه : انظر ألا تكلمن بكلمة
بغي أبدا ، وإن
الصفحة 317
أعجبتك نفسك وعشيرتك . وعلاجه : أن يتذكر - أولا - هذه الأخبار الواردة في ذمه ، و-
ثانيا - ما ورد في مدح ضده - أعني التسليم والانقياد لمن يلزم إطاعته وتابعيته -
كقولهم عليهم السلام : شيعتنا المسلمون . والآيات والأخبار الواردة في وجوب إطاعة
الله وإطاعة النبي (ص) وأولي الأمر ، وغيرهم من العلماء والفقهاء الذين هم نواب
الأئمة في زمن الغيبة . وبعد ذلك يكلف نفسه التابعية والاطاعة لمن يجب أن يطاع ،
ويتخضع له قولا وفعلا ، حتى يصير ذلك له ملكة . ومنها :
• تزكية النفس
أي نفي النقائص عنها ، وإثبات الكمالات لها . وهو من نتائج العجب . وقبحه أظهر من
أن يخفى ، إذ من عرف حقيقة الإمكان ، ثم أطلع على خلق الإنسان ، يعلم أنه عين
القصور والنقصان ، فلا يطلق بمدح نفسه اللسان . على أنه يتضمن بخصوصه قبحا يشهد به
الذوق والوجدان ، والوجدان ، ولذا قال أمير المؤمنين (ع) : تزكية المرء لنفسه قبيحة
. وقد تقدم ما يكفيك لمعرفة حقارة الإنسان وخساسته . ثم ضد التزكية عدم تبرئة من
العيوب والاقرار بها وإثبات النقائص لها ، فإذا كلف نفسه عليه وفعل ذلك مرات
متوالية ، يصير معتادا له ، ويزول عنه ما اعتاده من مدح نفسه . ومنها :
• العصبية
وهي السعي في حماية نفسه أو ماله إليه نسبة : من الدين ، والأقارب والعشائر ، وأهل
البلد ، قولا أو فعلا : فإن كان ما يحميه ويدفع عنه السوء مما يلزم حفظه وحمايته ،
وكانت حمايته بالحق من دون خروج من الإنصاف والوقوع في ما لا يجوز شرعا ، فهو
الغيرة الممدوحة التي هي من من فضائل قوة الغضب - كما مر - . وإن كان مما يلزم
حمايته ، أو كانت حمايته بالباطل ، بأن يخرج عن الإنصاف وارتكب ما يحرم شرعا ، فهو
الصفحة 318
التعصب المذموم ، وهو من رداءة قوة الغضب . وإلى ذلك يشير كلام سيد الساجدين (ع)
حيث سئل عن العصبية ، فقال : العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار
قومه خيرا من خيار قوم آخرين ، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ، ولكن من
العصبية أن يعين قومه على الظلم . والغالب إطلاق العصبية في الأخبار على التعصب
المذموم ، ولذا ورد بها الذم ، كقول النبي (ص) : من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربق
الإيمان من عنقه . وقوله (ص) : من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم
القيامة مع أعراب الجاهلية . وقال السجاد (ع) : لم يدخل الجنة حمية غير حمية حمزة
بن عبد المطلب ، وذلك حين أسلم عصبا للنبي (ص) في حديث السلى الذي ألقي على النبي
(ص) . وقال الصادق (ع) : إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم ، وكان في علم
الله أنه ليس منهم ، فاستخرج ما في نفسه بالحمية والعصب ، فقال :
( خَلَقْتَنِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) (1) . ومنها :
• كتمان الحق والانحراف عنه
وباعثه إما العصبية أو الجبن ، فهو من نتائج واحدة منهما ، فعلم (الأول) يكون من
رذائل قوة الغضب من جانب الإفراط ، وعلى (الثاني) يكون من رذائلها من جانب التفريط
. وربما كان الباعث في بعض أفراده الطمع المالي ، إلا أن الظاهر كون الفاعل المباشر
النفس مع رداءة قوة الغضب ، كما في نفس الغضب وغيره ، إذ ما لم يحصل في النفس ضعف
وفي القوة الغضبية خمود لم يتحقق كتمان الحق . ويندرج تحته الميل في الحكم ، وكتمان
الشهادة ، وشهادة الزور ، وتصديق المبطل ، وتكذيب المحق ، وغير ذلك . والظواهر
الدالة على ذمه مطلقا ، وعلى كل واحد من الأصناف المندرجة تحته كثيرة ، ولا حاجة
إلى ذكرها لاشتهارها . وعلاج العصبية وكتمان الحق : أن يتذكر - أولا - إيجابهما
لسخط الله ومقته ، وربما تأديا إلى
ـــــــــــــــــ
(1) الأعراف ، الآية : 12 . ص ، الآية : 76 .
الصفحة 319
الكفر ، و- ثانيا - فوائد ضدهما ، أعني الإنصاف والاستقامة على الحق . وبعد ذلك
يكلف نفسه على إظهار ما هو الحق والعمل به ، ولو بالمشقة الشديدة ، إلى أن يصير ذلك
عادة له ، فيزول عن نفسه ما صار لها ملكة من التعصب وكتمان الحق .
وصل (الإنصاف والاستقامة على الحق)
لما كان ضدهما الإنصاف والاستقامة على الحق ، فلنشر إلى بعض ما ورد في مدحهما
تحريكا للطالبين إلى الأخذ بهما ، قال رسول الله (ص) : لا يستكمل العبد الإيمان حتى
يكون فيه ثلاث خصال : الإنفاق من الاقتار ، والإنصاف من نفسه ، وبذل السلام . وكان
(ص) يقول في آخر خطبته : طوبى لمن طاب خلقه ، وطهرت سجيته ، وصلحت سريرته وحسنت
علانيته ، وأنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله ، وأنصف الناس من نفسه وقال
(ص) : سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك . . إلى آخره . وقال (ص) : من واسى الفقير
من ماله وأنصف الناس من نفسه ، فذلك المؤمن حقا . وقال (ص) ثلاث خصال من كن فيه أو
واحدة منهن كان في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله : رجل أعطى الناس عن نفسه ما هو
سائلهم . . . الحديث . وقال أمير المؤمنين (ع) في كلام له : ألا إنه من ينصف من
نفسه لم يزده الله إلا عزا . وقال الصادق (ع) من يضمن لي أربعة بأربعة أبيات في
الجنة : أنفق ولا تخف فقرا ، وافش السلام في العالم ، واترك المراء وإن كنت محقا ،
وأنصف الناس من نفسك . وقال (ع) : لا أخبركم بأشد ما فرض الله على خلقه ، فذكر
ثلاثة أشياء أولها : (إنصاف الناس من نفسك) . وقال (ع) : من أنصف الناس من نفسه رضي
به حكما لغيره . وقال (ع) : ما تدارى اثنان في أمر قط فأعطى أحد النصف صاحبه فلم
يقبل منه إلا أديل منه . وقال (ع) : ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله تعالى يوم
القيامة حتى يفرغ من الحساب : رجل لم تدعه قدرة في حال غضبه على أن يحيف على من تحت
يده ، ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة ،
الصفحة 320
ورجل قال بالحق فيما له وعليه . وقال (ع) : إن لله جنة لا تدخلها إلا ثلاثة ، أحدهم
من حكم في نفسه بالحق (1) . ومنها :
• القساوة
وهي ملكة عدم التأثر عن تألم أبناء النوع . ولا ريب في كونه ناشئا من غلبة السبعية
، وأكثر ذمائم الصفات : من الظلم والإيذاء ، وعدم إغاثة المظلومين ، وعدم مواساة
الفقراء والمحتاجين وغير ذلك يترتب عليه . وضده الرحمة والرقة ، وهو التأثر عن
مشاهدة تألم أبناء نوعه ، ويترتب عليه من الصفات المرضية أضداد ما ذكر . وقد ورد به
المدح والترغيب في الأخبار الكثيرة ، كقول النبي (ص) : يقول الله تعالى : أطلبوا
الفضل من الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم ، فإني جعلت فيهم رحمتي . ولا تطلبوه
من القاسية قلوبهم ، فإني جعلت فيهم سخطي . وكقول الصادق (ع) : اتقوا الله وكونوا
أخوة بررة متحابين في الله متواصلين متراحمين . . . . وقوله (ص) : تواصلوا وتباروا
وتراحموا وكونوا أخوة بررة كما أمركم الله . وقوله (ع) : يحق على المسلمين الاجتهاد
في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض ، حتى
تكونوا كما أمركم الله عز وجل : رحماء بينهم متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم
على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (ص) . وقد ورد : إن من ترحم على
العباد يرحمه الله . والأخبار الواردة في فضيلة مطلق الرحمة ، وفي فضيلة خصوص كل
واحد واحد فيما يندرج تحته : من إعانة المحتاج ، وإغاثة المظلوم ، ومواساة الفقير ،
والاغتمام بمصائب المؤمنين ، وأمثال ذلك ، أكثر من أن تحصى . ثم إن إزالة القساوة
واكتساب الرحمة في غاية الإشكال ، إذ القساوة صفة راسخة في القب لا يقدر على تركها
بسهولة ، فطريق العلاج أن يترك لوازمها وآثارها من الأفعال الظاهرة ، ويواظب على ما
يترتب على الرحمة من الصفات الاختيارية ، ويكلف نفسه على ذلك حتى يرتفع على التدريج
مبدأ الأولى ويحصل مبدأ الثانية .
ـــــــــــــــــ
(2) هذا الحديث رواه في الكافي في باب الإنصاف والعدل عن
الباقر (ع) .
|