|
ادب الطف ـ الجزء الثاني 155
الحسين بن الحجّاج
أبـا حوا دم المقتول بالطف iiبعدما سقوه كؤس الموت بالبيض iiوالاسل
وتالله مـا أنـساه بـالطف iiصائلا كما الليث في سرب النعاج اذا حمل
يُـنهنه عـنه الـقوم يُـمناً iiويسرة ويـصبر للحرب الشنيع اذا iiاشتعل
فـلهفي لـمن كـان النبي iiقلوصه فيا خير محمول ويا خير مَن iiحمل
يـقـبّل فــاه مـرةً بـعد iiمـرّة ويـنكته أهـل الـبدائع iiوالـزلل
والقصيدة تربو على الستين بيتا . جاء في أولها :
دع الـمرهفات البيض والطعن iiبالاسل وسل عن دمي في مذهب الحب لِم يحِل
فـمـا لـلصفاح الـمشرفيات iiوالـقنا فـعال كـفعل الاعـين النجل iiوالمقل
فـما الـبيض إلا البيض يلمعن كالدُما ويـشرقن كـالاقمار فـي حلل iiالحلل
فخلّ حديث الطعن والضرب في الوغا فـما لـك فـيها ناقة لا ولا iiجمل(1)
(1) عن المجموع الرائق المخطوط للسيد احمد العطار ص 207 .
ادب الطف ـ الجزء الثاني 156
الحسين بن الحجاج المتوفي سنة 391 :
ابو عبد الله الحسين بن احمد بن الحجاج النيلي البغدادي الامامي الكاتب الفاضل من
شعراء أهل البيت ، كان فرد زمانه في وقته . يقال انه في الشعر في درجة امرئ القيس
وانه لم يكن بينهما مثلهما . كان معاصرا للسيدين وله ديوان شعر كبير عدة مجلدات ،
وجمع الشريف الرضي رحمه الله المختار من شعره سماه (الحسن من شعر الحسين) وكان ذلك
في حياة ابن الحجاج ، وفي أمل الأمل للحر العاملي قال : كان إمامي المذهب ويظهر من
شعره أنه من اولاد الحجاج بن يوسف الثقفي وعدّه ابن خلكان وابو الفداء من كبّار
الشيعة ، والحموي في معجم الأدباء يقول : من كبار شعراء الشيعة ، وآخر من فحول
الكتّاب ، فالشعر كان أحد فنونه كما أن الكتابة إحدى محاسنه الجمّة وعدّه صاحب رياض
العلماء من كبراء العلماء وكان ذا منصب خطير وهو توليه الحسبة ببغداد ـ والحسبة هي
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس كافّة ولا تكون إلا لوجيه البلد ولا
يكون غير الحر العدل والمعروف بالرأي والصراحة الخشونة بذات الله ومعروفا بالديانة
موصوفا بالصيانة بعيدا عن التهم ، وشاعرنا ابن الحجاج قد تولاها مرة بعد أخرى ،
قالوا إنه تولى الحسبة مرتين ببغداد ، مرة على عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله ،
واخرى أقامه عليها عز الدولة في وزارة ابن بقيّة الذي استوزره عز الدولة سنة 362
وتوفي سنة 367 والغالب على شعره الهزل والمجون ، وكان ذا استرسل فيهما فلا يجعجع به
حضور ملك أو هيبة أمير ، كما أن جلّ شعره يعرب عن ولائه الخالص لأهل البيت والوقيعة
في مناوئيهم .
ومن شعره قصيدته الغراء التي أنشدها في حرم أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه
السلام وأولها :
يا صاحب القبّة البيضا على iiالنجف مَـن زار قبرك واستشفي لديك iiشُفي
زوروا أبـا الـحسن الـهادي iiلعلكم تـحظون بـالأجر والأقبال iiوالزلف
ادب الطف ـ الجزء الثاني 157
زوروا لمن تسمع النجوى لديه iiفمن يـزره بـالقبر مـلهوفا لـديه iiكُفي
إذا وصـلت فـأحرم قـبل iiتـدخله مـلبيا واسـع سـعيا حـوله وطُف
حـتى إذا طـفت سـبعا حول iiقبته تـأمّل الـباب تِـلقا وجـهه iiفـقف
وقـل : سـلام من الله السلام iiعلى أهـل الـسلام وأهل العلم iiوالشرف
إنـي أتـيتك يـا مولاي من iiبلدي مـستمسكا من حبال الحق iiبالطرف
راج بـأنك يـا مـولاي تـشفع لي وتـسقني مـن رحيق شافي iiاللهف
لأنـك الـعروة الـوثقى فمن iiعلقت بـها يـداه فـلن يـشقى ولم iiيخَف
وإن أسـماءك الـحسنى إذا iiتـليت عـلى مريض شفي من سقمه iiالدنف
لأن شـأنك شـأن غـير iiمـنتقص وإن نـورك نـور غـير مـنكسف
وإنـك الآيـة الكبرى التي iiظهرت لـلعارفين بـأنواع مـن iiالـطرف
هــذي مـلائكة الـرحمن iiدائـمة يـهبطن نـحوك بالألطاف iiوالتحف
كـالسطل والـجام والمنديل جاء iiبه جـبـريل لا أحـد فـيه iiبـمختلف
كـان الـنبي إذا اسـتكفاك معضلة مـن الامـور وقد أعيت لديه iiكُفي
وقـصّة الـطائر المشويّ عن أنسٍ تـخبر بما نصّه المختار من iiشرف
والحب والقضب والزيتون حين iiأتوا تـكرّماً مـن إله العرش ذي iiاللطف
والـخيل راكـعة فـي النقع iiساجدة والمشرفيات قد ضجّت على iiالحجف
بـعثت أغـصان بانٍ في iiجموعهم فـأصبحوا كـرمادٍ غـير مـنتسف
لـو شئت مسخهم في دورهم iiمسخوا أو شئت قلت لهم : يا أرض انخسفي
والـموت طـوعك والأرواح iiتملكها وقـد حـكمت فـلم تظلم ولم iiتجف
لا قـدّس الله قـوما قـال قـائلهم : بـخ بـخ لك من فضل ومن iiشرف
وبـايـعوك «بـخمٍّ» ثـم iiأكّـدها «مـحمد» بـمقال مـنه غير iiخفي
عـاقوك واطـرّحوا قول النبي iiولم يـمنعهم قـوله : هـذا أخي iiخلَفي
هـذا ولـيكم بـعدي فـمن iiعلقت بـه يـداه فـلن يـخشى ولم iiيخف
قال الشيخ الأميني سلمه الله ان السلطان عضد الدولة بن بويه لما بنى سور المشهد
الشريف ودخل الحضرة الشريفة وقبّل اعتابها واحسن الأدب فوقف
ادب الطف ـ الجزء الثاني 158
ابو عبد الله الحسين بن الحجاج بين يديه وأنشد هذه القصيدة فلما وصل منها الى
الهجاء أغلظ له الشريف سيدنا المرتضى ونهاه أن ينشد ذلك في باب حضرة الإمام عليه
السلام فقطع عليه فانقطع فلمّا جنّ عليه الليل رأى إبن الحجّاج الإمام عليّا عليه
السلام في المنام وهو يقول : لا ينكسر خاطرك فقد بعثتا المرتضى علم الهدى يعتذر
إليك فلا تخرج إليه حتى يأتيك ، ثم رأى الشريف المرتضى في تلك الليلة النبي الأعظم
صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة صلوات الله عليهم حوله جلوس فوقف بين أيديهم وسلم
عليهم فحس منهم عدم إقبالهم عليه فعظم ذلك عنده وكبر لديه فقال : يا مواليّ أنا
عبدكم وولدكم ومواليكم فبمَ استحققت هذا منكم ؟ فقالوا : بما كسرت خاطر شاعرنا أبي
عبد الله إبن الحجاج فعليك أن تمضي إليه وتدخل عليه وتعتذر إليه وتأخذه وتمضي به
إلى مسعود بن بابويه وتعرّفه عنايتنا فيه وشفقتنا عليه ، فقام السيد من ساعته ومضى
إلى أبي عبد الله فقرع عليه الباب فقال إبن الحجاج : سيدي الذي بعثك إليّ أمرني أن
لا أخرج إليك ؛ وقال : إنه سيأتيك ، فقال : نعم سمعاً وطاعة لهم . ودخل عليه واعتذر
إليه ومضى به الى السلطا وقصا القصّة عليه كما رأياه فأكرمه وأنعم عليه وخصّه
بالرتب الجليلة وأمر بأنشاد قصيدته .
وله من قصيدة ردّ بها على قصيدة ابن سكرة محمد بن عبد الله بن محمد الهاشمي
البغدادي من ولد علي بن المهدي العباسي وقد تحامل بها على آل رسول الله (ص) فقال
ابن الحجاج في الرد عليه .
لا أكذب الله إن الصدق ينجيني يد الامير بحمد الله
تحييني
الى ان قال :
فـما وجـدت شـفاءً تـستفيد iiبـه إلا ابـتـغاءك تـهجو آل iiيـاسين
كـافاك ربـك إذ أجـرتك iiقـدرته بـسبّ أهـل الـعلا الغر الميامين
فـقر وكـفر هـميع أنـت iiبينهما حـتى الـممات بـلا دنيا ولا iiدين
ادب الطف ـ الجزء الثاني 159
فـكان قـولك فـي الزهراء iiفاطمه قـول امـرئ لهج بالنصب iiمفتون
عـيّرتها بـالرحا والـزاد iiتطحنه لا زال زادك حـبّاً غـير iiمطحون
وقـلت : إن رسـول الله زوّجـها مـسكينة بـنت مـسكين iiلـمسكين
كذبت يابن التي باب إستها سلس iiالأ غـلاق بـالليل مـفكوك iiالزرافين
سـتّ النساء غداً في الحشر iiيخدمها أهـل الـجنان بحور الخرّد iiالعين
فـقلت : إن أمـير الـمؤمنين iiبغى عـلى مـعاوية فـي يـوم iiصفين
وإن قـتل الـحسين الـسبط قام iiبه فـي الله عـزمٌ إمـام غير iiموهون
فـلا ابـن مـرجانة فـيه iiبمحتقب إثـمَ الـمسيء ولا شـمرٌ iiبملعون
وإن أجـر ابـن سعدٍ فيه استباحته آل الـنـبوة أجـر غـير مـمنون
هـذا وعـدت الـى عـثمان iiتندبه بـكل شـعر ضعيف اللفظ iiملحون
فصرت بالطعن من هذا الطريق الى مـا ليس يخفى على البُله iiلمجانين
وقلت : أفضل من يوم «الغدير» iiإذا صـحّت روايـته يـوم iiالـشعانين
ويـوم عـيدك عـاشورا تـعدّ iiله مـا يـستعد الـنصارى iiلـلقرابين
تـأتي بـيوتكم فـيه العجوز iiوهل ذكر العجوزو سوى وحي الشياطين
عـانـدت ربـك مـغتراً بـنقمته وبـأس ربـك بـأسٌ غير iiمأمون
فقال : كن أنت قرداً في استه iiذنب وأمـر ربـك بـين الكاف iiوالنون
وقـال : كـن لي فتى تعلو iiمراتبه عـند الـملوك وفي دور iiالسلاطين
والله قـد مـسخ الأدوار قـبلك iiفي زمـان مـوسى وفـي أيام iiهارون
بـدون ذنـبك فـالحق عندهم iiبهم ودع لـحاقك بـي إن كنت iiتنويني
قلنا سابقا ان السيد الشريف الرضي قد جمع شعر ابن الحجاج ورتبه على الحروف فقال ابن
الحجاج يشكر السيد ـ كما في الجزء الاخير من ديوانه ـ قوله:
أتـعرف شعري الى مَن iiضوي فـأضحى عـلى مـلكه iiيحتوي
إلـي الـبدر حـسناً إلى iiسيدي الـشريف أبي الحسن iiالموسوي
ادب الطف ـ الجزء الثاني 160
الــى مــن أعــوذّه كـلّما تـلـقيته بـالـعزيز iiالـقـوي
فتىً كنتُ مسخاً بشعري السخيف وقـد ردّنـي فـيه خـلقاً iiسوي
تـأملته وهـو طـوراً iiيـصحّ وطــوراً بـصـحّته iiيـلتوي
فـمـيّز مـعـوجه iiوالــردي فـيـه مـن الـجيّد iiالـمستوي
وصـحّح أوزانـه بـالعروض وقـرّر فـيه حـروف الـروي
وأرشــده لـطـريق iiالـسداد فـأصلح شيطان شعري iiالغوي
وبـيّن مـوقع كـفّ iiالـصناع فـي نـسج ديـباجه iiالخسروي
فـأقـسم بالله والـشـيخ iiفـي الـيمين على الحنث لا iiينطوي
لـو أن زرادشـت أصـغى له لأزرى عـلى الـمنطق الفهلوي
وصـادف زرع كـلامي iiالبليغ فـيه شـديد الـظما قـد iiذوي
فـما زال يـسقيه مـاء iiالطرا ومــاء الـبشاشة حـتى iiروي
فـلا زال يـحيى وقلب iiالحسود بـالغيظ مـن سـيدي iiمـكتوي
لـه كـبدٌ فـوق جـمر iiالغضا عـلى الـنار مطروحه iiتشتوي
لم يختلف اثنان في تاريخ وفاته وانها في جمادي الآخرة سنة 391 بالنيل وهي بلدة على
الفرات بين بغداد والكوفة وحمل الى مشهد الامام موسى الكاظم عليه السلام ودفن فيه ،
وكان أوصى أن يدفن هناك بحذاء رجلي الامام (ع) ويُكتب على قبره (وكلبهم باسط ذراعيه
بالوصيد) ورثاه الشريف الرضي بقصيدة توجد في ديوانه ومنها :
نـعَوه على حُسن ظني iiبه فـلله مـاذا نـعى الناعيان
رضـيع ولاءٍ لـه iiشـعبة من القلب مثل رضيع اللبان
وما كنتُ احسب أن iiالزمان يـفلّ بضارب ذاك iiاللسان
لـيبكِ الزمان طويلا عليك فقد كنتَ خفَة روح iiالزمان
وبرهن الشيخ الاميني أن الرجل عمّر عمراً طويلا تجاوز المائة سنة رحمه الله وأجزل
ثوابه . |