ادب الطف

 
 

أدب الطف 92

إذا ذكـرته الـنفس بـتُّ iiكأنني      أسـيرُ  عـداً سدت عليه iiمذاهبه
وكـم لـيلة سـاهرت أنجم أفقها      إذا غاب عني كوكب لاح صاحبه
يـطول  عـليَّ الليل حتى iiكأنما      مـشـارقه  لـناظرين iiمـغاربه
وقـد  أسلم البدر الكواكب iiللدجى      وفـاءً  لـبدرٍ أسـلمته iiكـواكبه
يـخيل لـيأن الـظلام iiعـجاجة      وأن الـنجوم الـساريات iiمواكبه
وأن  الـبروق الـلامعات سيوفه      وأن الـغيوث الـهامعات مواهبه

ومنها :

فقل لليالي بعد ما صنعت بن     إلا هكذا فليسلب المجد سالبه

 

وقوله في العتاب والهجاء من قصيدة :

خـليلي إن ضـاقت بـلاد برحبها      ورائـي فـما ضاق الفضاء iiأماميا
يـظن  رجـال أنـني جئت سائلا      فـاسخطني أن خـاب فيهم iiرجائيا
ومـا  أتـا مـمن يـستفز iiبمطمع      فـيخلفه مـنه الـذي كـان iiراجيا
ولـكنني  أصـفت قـوماً iiمدائحي      فـأصبح لـي تقصيرهم بي iiهاجيا
فإن كنت لا ألفي على المنح ساخطاً      كـذلك لا ألـفي على البذل iiراضيا
مـحاسن لـي فـيهم كثيرٌ iiعديدها      ولـكـنها كـانت لـديهم مـساويا
تـقلدهم مـن درّ نـحري iiقـلائداً      ولـو  شئت عادت عن قليلٍ iiأفاعيا

ومنها :

ولو كنت أنصفت المدائح فيهم      لصيرتها للأكرمين مراثي

 

وقوله في ذم الزمان :

كم كنت أسمع أن الدهر ذو غير     فاليوم بالخبر أستغني عن الخبر

 

أدب الطف 93

ومنها :

تـشابه الـناس فـي خلق وفي ii(خُلُق)      تـشابه  الناس في الأصنام في iiالصور
ولـم  أبـت قـط مـن خلقٍ على iiثقةٍ      إلا  وأصـبحت مـن عقلي على iiغرر
لا تـخـدعني بـمـرثي iiومـسـتمع      فـما  أصـدق لا سـمعي ولا iiبصري
وكـيف  آمـن غـيري عـند iiنـائبة      يـوماً  إذا كـنت من نفسي على iiحذر
تـأبى  الـمكارم والـجد الـمؤثل iiلي      مـن أن أقـيم وآمـالى عـلى iiسـفر
إنـي لأشـهر فـي أهل الفصاحة iiمن      شـمسٍ  وأسـير فـي الآفاق من iiقمر
وسـوف أرمـي بـنفسي كـل iiمهلكة      تسري بها الشهب إن سارت على خطر
إمــا الـعلا وإلـيها مـنتهى iiأمـلي      أو  الــردى وإلـيه مـنتهى iiالـبشر

وقوله :

لا تـنكرن مـن الأنام iiتفاوتاً      إذ كـان ذا عـبداً وذلك iiسيدا
فالناس مثل الأرض منها بقعة      تلقى  بها خبثاً وأخرى مسجدا

وقوله :

ومن نكدد الأيام أني كما iiترى      أكابد  عيشاً مثل دهري iiأنكدا
أمنت  عداتي ثم خفت iiأحبتي      لقد صدقوا إن الثقات همُ العدا

ومن شعره في عدة فنون قوله :

لا  تـطمعن في أرض أن أقيم بها      فليس بيني وبين الأرض من نسب
حيث اغتربت فلي من عفتي iiوطنٌ      آوى  إلـيه وأهل من ذوي iiالأدب
لـولا  الـتنقل أعيا أن يبيق iiعلى      باقي الكواكب فضل السبعة الشهب

أدب الطف 94

وقوله في شمعة :

ومـصفرة  لا عن هوى غير iiأنها      تـحوز صـفات المستهام المعذب
شـجوناً وسقماً واصطباراً iiوادمعاً      وخـفقاً  وتـسهيداً وفـرط iiتلهب

إذا جمشتها(1) الريح كانت كمعصم      يـرد  سـلاماً بـالبنان iiالمخضب

وقوله :

لـئن  زادنـي قرب المزار iiتشوقاً      لـلقياك ، آدى فـعله عـدم iiالحسِّ
فـما أنـا إلا مـثل سـاهر iiلـيلة      بدا الفجر فازداد اشتياقاً إلى الشمس

(1) ـ التجميش ، الملاعبة والمغازلة .

أدب الطف ـ الجزء الثالث 95

طلايع بن رزيك

يـا  تـربة بالطف iiجادت      فـوقك  الـديم iiالـهموعه
وغــدا  الـربيع iiمـقيدا      فـي ربـعك العافي iiربيعه
حتى  يرى الدمن iiالمروعة      مـنك  مـخصبة iiضريعه
ولئن  أخيف حيا iiالسحائب      فـيك أن يـذري دمـوعه
وحـمتك  بـارقة iiالـعدى      عـن كـل بـارقة iiلموعه
فـلقد سـقيت من iiالروابي      الـطهر  عـن ظمأ نجيعه
اذ ضـيع الـقوم iiالشريعة      فـيه لـحفظهم iiالـشريعه
مـنعت لـذيذ الـماء iiمنه      كـتـائب  مـنهم iiمـنيعه
قـد أشـرعت صـم iiالقنا      فـحمته  من ورد iiشروعه
غـدرت هـناك وما iiوفت      مـضر  العراق ولا iiربيعه
لـمـا  دعـتـه iiأجـابها      ودعـا  فـما كانت iiسميعه
شــاع الـنفاق iiبـكربلا      فـيهم وقـالوا: نحن iiشيعه
هـيهات سـاء iiصـنيعهم      فـيها وما عرفوا iiالصنيعه
يــا  فـعلة جـاؤا iiبـها      فـي  الغدر فاضحة iiشنيعه
خاب الذي أضحى iiالحسين      لـطول  شـقوته iiصريعه
أفـذاك  يـرجو ان iiيكون      مـحـمد أبــداً iiشـفيعه
عـجباً لـمغرورين iiضيع      قـومـهم  بـهم iiالـوديعة

 أدب الطف ـ الجزء الثالث 96

ولأمــة  كـانـت الـى      مـا شـاء خـالقها سريعه
وغــدت  بـحق iiنـبيها      فـي  حفظ عترته iiمضيعه
جــار  الـظلال بـها و      نور الحق قد أبدى سطوعه
عـصت  النبي iiوأصبحت      لـسواه  سـامعة iiمـطيعه
بـاعـت  هـناك iiالـدين      بـالدنيا  وخـسران iiكبيعه
مـا كـان فـيما قد iiمضى      اسـلامـها  إلا iiخـديـعه
تـحت الـسقيفة iiأضمرت      مـا بالطفوف غدت iiمذيعه
فـلذاك  طـاوعت iiالدعي      وكـثرت  مـنه iiجـموعه
بـجيوش  كـفر قـد iiغدا      ذاك الـنفاق لـها iiطـليعه
أبـنـي أمـية ان iiفـعلكم      بـهـم بـئـس iiالـذريعة
وأبــو  بـنيه iiوصـهره      وأخـوه  ذو الحكم iiالبديعه
ووصــيـه iiوأمـيـنـه      بـعد  الوفاة على iiالشريعه
مــا  حـل مـسجده ولا      بـيت  الـبتول ولا iiبقيعه
صـبراً أمـيرالمؤمنين iiفأ      نـت  ذو الـدرج iiالرفيعه
صـلة  الـبني اليك iiكانت      مـنـهم سـبب iiالـقطيعه

أدب الطف ـ الجزء الثالث 97

الملك الصالح فارس المسلمين طلايع بن رزيك المولود سنة خمس وتسعين وأربعمائة بأرمينية، مدينة بأذربيجان ونشأ وتربى على الفضل والأدب والكمال وكبر النفس وسمو الغاية وبعد المقصد وقوة العقيدة، قال المقريزي في خططه: وكان محافظاً على الصلاة، فرائها ونوافلها شديد المغالاة في التشيع. قال ابن العماد: وكان يجمع الفقهاء، ويناظرهم على الإمامة وعلى القدر.

تولى الوزارة للخليفة الفائز سنة 549 ويسمى: الملك الصالح ولم يلقب أحد من الوزراء قبله بالملك. وعلا نجمه وارتفع شأنه وعظمت هيبته لما أبداه من بطولة وسياسة وحنكة وفراسة مضافاً إلى سماحة كفه وفيض نائلة وبره بالعلماء والأدباء وإكرامه وتقديره للشعراء والفضلاء ،وكان كما قيل فيه :حاز الملك الصالح طلايع من العلوم والاداب ما لم يدانه فيه احد من الامراء والملوك في زمانه وسمع من الشعرفاكثر، وكان متكلماً شاعراً أديباً عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا مع مسؤوليته السياسية والتفكير في شؤون الجيش وإعداده وتأميم حياتهم الفردية والاجتماعية وما يفتقرون اليه من العتاد والأسلحة والذخائر الحربية، كيف لا وفي نفسيته الكبيرة ذلك الأمل والطموح في غزو الصليبين وقتلهم وشن الحملات والغارات عليهم. وقد أجمع المؤرخون على فضله وعلمه وعظيم مواهبه.

قال علي بن أحمد السخاوي الحنفي: جمع له بين السلطنة والوزارة وكان

أدب الطف ـ الجزء الثالث 98

مجاهداً في سبيل الله، وهو الذي أنشأ الجامع تجاه باب زويلة المعروف الآن يجامع الصالح. وهو بظاهر القاهرة.

وقال الشيخ القمي في الكنى والألقاب: الملك الصالح فارس المسلمين كان وزير مصر للخليفة العاضد يعد وزارته للفائز، وتزوج العاضد بابنته، وكان فاضلاً سمحاً في العطاء محباً لأهل الأدب.

ويقول المقريزي: كان شجاعاً كريماً جواداً فاضلاً محباً لأهل الأدب جيد الشعر، رجل وقته فضلاً وعقلاً وسياسة وتدبيراً، وكان مهاباً في شكله، عظيماً في سطوته، ولم يترك مدة أيامه غزو الفرنج وتسيير الجيوش لقتالهم في البر والبحر، وكان يخرج البعوث في كل سنة مراراً، وكان يحمل في كل عام الى اهل الحرمين بمكة والمدينة من الأشراف سائر ما يحتاجون اليه من الكسوة وغيرها حتى يحمل إليهم ألواح الصبيان التي يكتب فيها، والأقلام والمداد.

وفي سنة 559 كانت المؤامرة على اغتياله وقتله، وبكاه الناس وندبته المحافل ورثته الشعراء منهم الفقيه عمارة اليمني رثاه بقصائدة كثيرة منها قوله:

أفـي اهل ذا النادي عليهم iiأسائله      فـإني لـما بي ذاهب اللب iiذاهله
سـمعت  حديثاً أحسد الصم iiعنده      ويـذهل داعـيه ويـخرس iiقائله
فهل  من جواب يستغيب به iiالمنى      ويـعلو  على حق المصيبة iiباطله
وقـد رابني من شاهد الحال iiأنني      أرى الدست منصوبا وما فيه كافله

ورثاه أبو الندى حسان بن نمير بقصيدة مستهلها:

جل ما أحدثت صروف iiالليالي      عـند  مستقطم العلى iiوالجلال
مـلك بـعد قبضه بسط iiالخط      ب  يـديه إلـى بـني iiالآمال

أدب الطف ـ الجزء الثالث 99

جـادت  العين بعد بخل iiعليه      بـيـواقيت دمـعها والـلآلي
وغـدا كـل نـاطق iiبـلسان      مـوجعاً  في قائلاً: ما احتيالي
والـذي كـف كفه أيدي iiالفقر      بـما  بـث من جزيل iiالنوال
حـل  في الترب منه من iiكان      يرجوه ويخمشاه كل حي حلال

دفن بالقاهرة ثم نقل ولده العادل سنة 557 رفات أبيه من القاهرة الى مشهد بني له في القرافة.

وقال الشيخ القمي في الكني: الملك الصالح ابو الغارات طلايع بن رزيك بضم الراء وتشديد الزاي المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها كاف، فارس المسلمين كان وزير مصر للخليفة العاضد بعد وزارته للفائز، وتزوج العاضد بأبنته، وكان فاضلاً سمحا في العطاء محبا لأهل الأدب، حكي انه ارسلت له عمة العاضد الخليفة من قتله بالسكاكين ولم يمت من ساعته وحمل الى بيته وارسل يعتب على العاضد فاعتذر وحلف وارسل عمته اليه فقتلها، ثم مات وكان ذلك في 19 شهر رمضان سنة 556 واستقر ابنه رزيك في الوزارة ولقب الملك العادل، وكان لطلايع المذكور شعر حسن فمنه قوله:

ابـى الله إلا أن يـدين لنا iiالدهر      ويـخدمنا في ملكنا العز iiوالنصر
عـلمنا  بـأن الـمال تفنى iiألوفه      ويبقى  لنا من بعده الذكر iiوالاجر
خـلطنا  الندى بالبأس حتى iiكأننا      سحاب لديه الرعد والبرق والقطر

وله رحمه الله:

بحب علي أرتقي منكب العلى      وأسحب ذيلي فوق هام السحائب

إمامـي الذي لما تلفظت باسه     غلبـت به من كان بالكثر غالبي

وله:

وفي الطائر المشوي أوفى دلالة     لو استيقظوا من غفلة وسبات

وفي نسمة السحر طلايع بن رزيك وزير مصر الملك الصالح فارس المسلمين

أدب الطف ـ الجزء الثالث 100

الذي قتل في 19 رمضان سنة 559 كان شجاعاً كريماً جواداً فاضلاً محباً لأهل الأدب شديد المغالات في التشيع له كتاب الاعتماد في الرد على اهل العناد وناظرهم عليه وهو يتضمن امامة اميرالمؤمنين عليه السلام وهو ممن أظهر مذهب الامامية ومن شعره:

يـا امـة سـلكت ضلالا iiبينا      حتى استوى اقرارها وجحودها
قـلتم  الا إن المعاصي لم iiتكن      إلا  بـتقدير الالـه iiوجـودها
لـو صح ذا كان الاله iiبزعمكم      مـنع الشريعة أن تقام iiحدودها
حـاشا وكـلا ان يـكون إلهنا      يـنهى عن الفحشاء ثم iiيريدها

قال المقريزي في الخطط ج4 ص 8 زار الملك الصالح مشهد الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه في جماعة من الفقراء وإمام مشهد علي رضي الله عنه يومئذ السيد إبن معصوم (1) فزار طلايع وأصحابه وباتوا هناك فرأى السيد في منامه الإمام صلوات الله عليه يقول له: قد ورد عليك الليلة أربعون فقيراً من جملتهم رجل يقال له: طلايع بن رزيك بن اكبر محبينا فقل له: إذهب فإنا قد وليناك مصر. فلما أصبح أمر من ينادي: من فيكم اسمه طلايع بن رزيك؟ فليقم الى السيد ابن معصوم فجاء طلايع الى السيد وسلم عليه فقص عليه رؤياه، فرحل الى مصر وأخذ امره في الرقي، فلما قتل نصر بن عباس الخليفة الظافر إسماعيل إستثارت نساء القصر لأخذ ثاراته بكتاب في طيه شعورهن، فحشد طلايع الناس يريد النكبة بالوزير القاتل، فلما قرب من القاهرة فر الرجل ودخل طلايع المدينة بطمأنينة وسلام،

(1) قال السيد ابن شدقم في (تحفة الازهار) كان ابو الحسن ابن معصوم ابن ابي الطيب احمد سيداً شريفاً جليلاً عظيم الشأن رفيع المنزلة، كان في المشهد المغروي كبيراً عظيماً ذا جاه وحشمة ورفعة وعز واحترام عليه سكينة ووقار انتهى
قال الشيخ الاميني رحمه الله في (الغدير) وهو جد الاسرة الكريمة النجفية المعروفة اليوم ببيت الخرسان.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث