الملهوف على قتلى الطُّفوف

 
 

 الصفحة ( 149 )

 عبد الله(1) وجعفر(2) والعباس وعثمان(3) ؟

ــــــــــــــــــــ
(1) عبد الله بن علي بن أبي طالب ، اُمّه اُم البنين بنت حزام ، كان عمره حين قُتل خمساً وعشرين سنة ، قال له أخوه العبّاس : تقدم بين يدي حتّى أراك وأحتسبك . . . ، قتله هاني بن ثبيت الحضرمي ، وقيل : رماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم وأجهز عليه رجل من بني تميم .
مقاتل الطالبيين / 82 ، تاريخ الطبري 6 / 89 ، تسمية مَن قُتل مع الحسين (عليه السّلام) / 149 ، رجال الشيخ / 76 ، أنصار الحسين / 29 ـ 130 وفيه : ورد ذكره في الزيارة والإرشاد والطبري والأصفهاني والمسعودي والخوارزمي .
(2) جعفر بن علي بن أبي طالب ، اُمّه أم البنين بنت حزام ، كان عمره حين قُتل تسع عشرة سنة ، قتله خولي بن يزيد الأصبحي ، وقيل : هاني بن ثبيت الحضرمي .
مقاتل الطالبيين / 83 ، تسمية مَن قُتل مع الحسين (عليه السّلام) / 149 ، رجال الشيخ / 72 ، أنصار الحسين / 130 وفيه : ورد ذكره في الزيارة والإرشاد والطبري والأصفهاني والمسعودي والخوارزمي .
(3) عثمان بن علي بن أبي طالب ، اُمّه أم البنين بنت حزام ، كان عمره حين قُتل إحدى وعشرين سنة ، رماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم فأضعفه ، وشدّ عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله وأخذ رأسه . وعثمان هذا هو الذي روي عن علي (عليه السّلام) أنّه قال : (( إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون )) . وفي رواية اُخرى عن هبيرة بن مريم قال : كنّا جلوساً عند علي (عليه السّلام) ، فدعا ابنه عثمان ، فقال له : (( يا عثمان )) . ثمّ قال : (( إنّي لم اسمّه باسم عثمان الشيخ الكافر ، وإنّما سمّيته باسم عثمان بن مظعون )) .
مقاتل الطالبيين / 84 ، تسمية مَن قُتل مع الحسين (عليه السّلام) / 150 ، تقريب المعارف / مخطوط ، أنصار الحسين / 130 وفيه : ورد ذكره في الزيارة والإرشاد والطبري والأصفهاني والمسعودي والخوارزمي .

 الصفحة ( 150 )

 فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أجيبوه وإنْ كان فاسقاً ، فإنّه بعض أخوالكم )) .

فقالوا له : ما شأنك ؟ فقال : يا بني اُختي أنتم آمنون ، فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين ، وألزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد بن معاوية . فناداه العبّاس بن علي (عليه السّلام) : تبّت يداك ، ولعن ما جئت به من أمانك يا عدوّ الله ، أتأمرنا أنْ نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء ؟! فرجع الشمر إلى عسكره مغضباً .

قال الراوي(1) : ولمّا رأى الحسين (عليه السّلام) حرص القوم على تعجيل القتال ، وقلّة انتفاعهم بالوعظ(2) والمقال ، قال لأخيه العبّاس (عليه السّلام) : (( إنْ استطعتَ أنْ تصرفهم عنّا في هذا اليوم فافعل ؛ لعلّنا نصلّي لربّنا في هذه الليلة ، فإنّه يعلم أنّي اُحبّ الصلاة له ، وتلاوة كتابه )) .

قال الراوي(3) : فسألهم العبّاس ذلك ، فتوقف عمر بن سعد . فقال له عمر(4) بن الحجّاج الزبيدي : والله ، لو أنّهم من الترك والديلم وسألوا ذلك لأجبناهم ، فكيف وهم آل محمَّد ! فأجابوهم إلى ذلك .

قال الراوي(5) : وجلس الحسين (عليه السّلام) فرقد ثمّ استيقظ ، وقال(6) : (( يا اُختاه ، إنّي رأيت السّاعة جدّي محمَّداً (صلّى الله عليه وآله) وأبي عليّاً واُمّي فاطمة وأخي الحسن

ــــــــــــــــــــ
(1) لفظ : الراوي ، لم يرد في ر .
(2) ع : بمواعظ الفعال .
(3) لفظ : الراوي ، لم يرد في ر .
(4) ع : عمرو .
(5) لفظ : الراوي ، لم يرد في ر .
(6) ب : قال ، ع : فقال .

 الصفحة ( 151 )

وهم يقولون : يا حسين (عليه السّلام) ، إنك رائحٌ(1) إلينا عن قريب )) ، وفي بعض الروايات (( غداً )) .

قال الراوي(2) : فلطمت زينب (عليها السّلام) وجهها وصاحت ، فقال لها الحسين (عليه السّلام) : (( مهلاً ، لا تُشمتي(3) القوم بنا )) .

ثم جاء الليل ، فجمع الحسين (عليه السّلام) أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ أقبل عليهم وقال : (( أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً خيراً منكم ، ولا أهل بيت أفضل وأبرّ من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً عنّي خيراً ، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ رجلٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سواد هذا الليل ، وذروني وهؤلاء القوم ، فإنهم لا يريدون غيري )) . فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء عبد الله بن جعفر(4) : ولِمَ نفعل ذلك ؟! لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً . وبدأهم بهذا القول العبّاس بن علي (عليه السّلام) ثمّ تابعوه .

قال الراوي (5) : ثمّ نظر إلى بني عقيل(6) وقال : (( حسبكم من القتل

ــــــــــــــــــــ
(1) ر : راحلٌ .
(2) قال الراوي : لم يرد في ر . الراوي ، لم يرد في ب .
(3) ر : لا يشمت .
(4) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ، صحابي ولد بأرض الحبشة لمّا هاجر أبواه إليها ، وهو أوّل من ولد بها من المسلمين .
كان كريماً يسمّى بحر الجود ، وللشعراء فيه مدائح ، وكان أحد الأمراء في جيش الإمام علي (عليه السّلام) يوم صفين .
توفّي بالمدينة سنة 80 هـ ، وقيل غير ذلك .
الإصابة ـ ترجمة رقم 4582 ، فوات الوفيات 1 / 209 ، تهذيب ابن عساكر 7 / 325 ، الأعلام 4 / 76 ، زينب الكبرى للشيخ جعفر النقدي .
(5) لفظ : الراوي ، لم يرد في ر .
(6) عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ، ويكنى أبا يزيد .
صحابي فصيح اللسان ، شديد الجواب ، كان أعلم قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها ، وهو أخو علي وجعفر لأبيهما ، وكان أسنَّ منهما ، هاجر إلى المدينة سنة 8 هـ ، وقد عمي في أواخر أيامه .
توفّي أوّل أيام يزيد ، وقيل : في خلافة معاوية .
الإصابة ـ ترجمة رقم 5630 ، البيان والتبيين 1 / 174 ، الطبقات 4 / 28 ، التاج 8 / 30 ، الأعلام 4 / 242 .

 الصفحة ( 152 )

بصاحبكم مسلم ، اذهبوا فقد أذنتُ لكم )) .

وروي من طريق آخر قال : فعندها تكلّم إخوته وجميع أهل بيته وقالوا : يابن رسول الله ، فماذا يقول النّاس لنا(1) وماذا نقول لهم اذ تركنا شيخنا وكبيرنا ، وسيّدنا وإمامنا وابن بنت نبيّنا ، لم نرمِ معه بسهم ، ولم نطعن معه برمح ، ولم نضرب معه بسيف ؟! لا والله يابن رسول الله لا نفارقك أبداً ، ولكنّا نقيك بأنفسنا حتّى نقتل بين يديك ونرِد موردك ، فقبّح الله العيش بعدك .

ثم قام مسلم بن عوسجة(2) وقال : نحن نخلّيك هكذا وننصرف عنك وقد أحاط بك هذا العدوّ ! لا والله ، لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي . ولو لم يكن لي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، ولم اُفارقك أو أموت دونك .

ــــــــــــــــــــ
(1) لنا ، لم يرد في ر .
(2) مسلم بن عوسجة الأسدي ، من أبطال العرب في صدر الإسلام ، كان صحابياً ممّن رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وكان من الشخصيات البارزة في الكوفة . عقد له مسلم بن عقيل على ربع مِذحج وأسد حين تحركه القصير الأجل ، فكان يأخذ البيعة للإمام الحسين عليه السلام هناك .
شهد واقعة كربلاء وهو شيخٌ كبير السن واستشهد فيها ، وقد أبدى شبث بن ربعي أسفه لقتله .
رجال الشيخ / 80 ، تاريخ الطبري 5 / 435 و369 ، بحار الأنوار 45 / 69 ، الأخبار الطوال / 249 و250 و252 ، الكامل في التاريخ 4 / 28 ، الأعلام 7 / 222 ، أنصار الحسين / 108 ، تسمية مَن قُتل مع الحسين (عليه السّلام) / 52 وفيه : مسلم بن عوسجة السعدي من بني سعد بن ثعلبة ، قتله مسلم بن عبد الله وعبيد الله بن أبي خشكاره .

 الصفحة ( 153 )

قال : وقام سعيد(1) بن عبد الله الحنفي ، فقال : لا والله يابن رسول الله ، لا نخلّيك أبداً حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا فيك وصيّة رسوله محمَّد (صلّى الله عليه وآله) ، ولوعلمت أنّي اُقتل فيك ثمّ اُحيا ثمّ اُحرق حيّاً ثمّ اُذرى ـ يفعل بي ذلك سبعين مرّة ـ ما فارقتك حتّى ألقى حمامي من دونك ، فكيف(2) وإنّما هي قتلة واحدة ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ؟! ثمّ قام زهير بن القَين ، وقال : والله يابن رسول الله ، لوددت أنّي قتلت ثمّ نشرت ألف مرّة ، وأنّ الله يدفع بذلك القتل عنك وعن هؤلاء الفتية من إخوتك وولدك وأهل بيتك .

قال : وتكلّم جماعة من أصحابه بمثل ذلك ، وقالوا : أنفسنا لك الفداء ، نقيك بأيدينا ووجوهنا ، فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربّنا وقضينا ما علينا .

وقيل لمحمَّد بن بشير الحضرمي(3) في تلك الحال : قد اُسّر إبنك بثغر الري(4) .

ــــــــــــــــــــ
(1) ر : سعد .
(2) ع : وكيف لا أفعل .
(3) ب : محمَّد بن بشير الحضرمي .
وفي ترجمة الإمام الحسين من كتاب الطبقات / 180 ذكر نص هذا الخبر وذكر اسمه كما هنا ، لكن في تاريخ الطبري 5 / 444 ، وأنساب الأشراف / 196 ذكر اسمه بشير بن عمرو ، فلاحظ .
(4) ر : بشعر الروم ، والمثبت من : ب . ع .
والثغر بالفتح ثمّ السكون : وراء كُلّ موضع قريب من أرض العدو ، كأنه مأخوذ من الثغرة التي هي في الحائط . والري : مدينة مشهورة من اُمهات البلاد وأعلام المدن ، كثيرة الفواكه والخيرات ، وهي محطّ الحاجّ على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال ، بينها وبين نيسابور مئة وستّون فرسخاً ، وإلى قزوين سبعة وعشرون فرسخاً .
معجم البلدان 2 / 79 و3 / 116 .

 الصفحة ( 154 )

فقال : عند الله أحتسبه ونفسي ، ما كنت أحبّ أنْ يؤسر وأنا أبقى بعده . فسمع الحسين (عليه السّلام) قوله فقال : (( رحمك الله ، أنت في حلّ من بيعتي ، فاعمل في فكاك ابنك )) . فقال : أكلتني السباع حيّاً إنْ فارقتك . قال : (( فأعط ابنك هذه البُرود(1) يستعين بها في فكاك أخيه )) . فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار .

 قال الراوي(2) : وبات الحسين (عليه السّلام) وأصحابه تلك الليلة ولهم دويٌّ كدويّ النحل ، ما بين راكع وساجد وقائم وقاعد ، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً(3) .

قال(4) : فلمّا كان الغداة أمر الحسين (عليه السّلام) بفسطاط فضرب ، وأمر بجفنة فيها مسك كثير وجعل فيها نورة(40) ، ثمّ دخل ليطلي .

فروي : أنّ برير بن حصين(5) الهمداني ، وعبد الرحمن بن عبد ربّه

ــــــــــــــــــــ
(1) البُرْد بالضم فالسكون : ثوب مخطط ، وقد يقال لغير المخطط أيضاً ، وجمعه برود وأبرد ، ومنه الحديث : الكفن يكون بُرداً . . .
مجمع البحرين 3 / 13 .
(2) الراوي ، لم يرد في ر .
(3) في نسخة ع جاء بعد قوله اثنان وثلاثون رجل :
وكذا كانت سجية الحسين عليه السلام في كثرة صلاته وكمال صفاته ، وذكر ابن عبد ربّه في الجزء الرابع من كتاب العقد الفريد : أنّه قيل لعلي بن الحسين (عليهما السّلام) : ما أقلّ ولد أبيك ؟! فقال : (( العجب كيف ولدتُ له ! كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة ، فمتى كان يتفرّغ للنساء ؟! )) .
(4) قال ، لم يرد في ر .
(5) ر : وأمر بحفية فيها مسك كبير وجعل عندها نورة . والمثبت من ب . ع .
(6) ب . ع . خضير ، وفي حاشية ر : حضير خ ل .

 الصفحة ( 155 )

الأنصاري(1) وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده ، فجعل برير يضاحك عبد الرحمن ، فقال له عبد الرحمن : يا برير أتضحك ! ما هذه ساعة ضحك ولا باطل .

فقال برير : لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلاً ولا شابّاً ، وإنّما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه ، فوالله ما هو إلاّ أنْ نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة ثمّ نعانق الحور العين .

قال الراوي(2) : وركب أصحاب عمر بن سعد ، فبعث الحسين (عليه السّلام) برير بن حصين(3) فوعظهم فلم يستمعوا ، وذكّرهم (4) فلم ينتفعوا . فركب الحسين (عليه السّلام) ناقته ـ وقيل : فرسه ـ فاستنصتهم فأنصتوا ، فحمد الله وأثنى عليه وذكره بما هو أهله ، وصلى على محمَّد (صلّى الله عليه وآله) وعلى الملائكة والأنبياء والرسل وأبلغ في المقال ، ثمّ قال : (( تبّاً لكم أيّتها الجماعةُ وترحاً(5) ! أحينَ استصرختُمُونا وَالهين فأصرخناكُمْ موجفين ، سللتُم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها

ــــــــــــــــــــ
(1) ر : عبد الرحمن عبد ربّه . والمثبت من ب . ع .
وهو عبدالرحمن بن عبد ربّه ـ رب ـ الأنصاري من بني سالم بن الخزرج .
يبدو أنّ عبد الرحمن هذا كان من الشخصيات البارزة ، وقد ربّاه أمير المؤمنين عليه السلام وعلّمه القرآن ، وكان من الذين يأخذون البيعة للحسين عليه السلام في الكوفة .
تاريخ الطبري 5 / 423 ، رجال الشيخ / 76 ـ 77 ، تسمية مَن قُتل مع الحسين (عليه السّلام) / 153 ، بحار الأنوار 45 / 1 ، أنصار الحسين / 97 .
(2) الراوي ، لم يرد في ر .
(3) ع : خضير . حاشية ر : حضير .
(4) ب : ومذكرهم .
(5) ر : وبرحاً .

 الصفحة ( 156 )

على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم أولياءً(1) لأعدائكم على أوليائكم ، بغير عدلٍ أفشوه(2) فيكم ، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم .

فهلاّ ـ لكم الويلات ـ تركتمونا والسيف مِشيَمٌ ، والجأش ضامرٌ ، والرأي لمّا يُستحصَف ، ولكنْ أسرعتم إليها كطير الدِّبا ، وتداعيتُم إليها كتهافت الفراش . فسحقاً لكم يا عبيد الاُمّة وشِرار(3) الأحزاب ، ونبذة الكتاب ومُحرّفي الكلم ، وعصبة الآثام ونفثة(4) الشيطان ومطفئ السنن . أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ؟! أجل والله ، غدرٌ فيكم قديم ، وشحّت عليه(5) اُصولكم ، وتأزّرت عليه فروعُكم ، فكنتم أخبث شجاً(6) للناظر وأكلةً للغاصب .

ألا وإنّ الدعيَّ ابن الدعيِّ قد ركز بين اثنتين : بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ، يأبى الله لنا ذلك ورسولُه والمؤمنون ، وحجورٌ طابت وحجور طهُرت ، واُنوف حميّة ونفوس أبيّة ؛ من أنْ نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام .

ألا وإنّي زاحف بهذا الاُسرة مع قلّة العدد ، وخذلان الناصر . . . . )) .

ــــــــــــــــــــ
(1) ع : ألباً .
(2) ر : أفشوا .
(3) ع : وشذاذ .
(4) في حاشية ر : وفئة خ .
(5) ع : وشجت إليه .
(6) ع : ثمر شجاً .

 الصفحة ( 157 )

ثم أوصل(1) كلامه بأبيات فروة بن مسيك المرادي(2) :

فـإنْ نُـهزم فهزّامون قِدماًii      iiوإنْ نُـغـلب فغيرُ مغلّبينا
ومـا انْ طـبّنا جبن ولكنْii      مـنـايانا  iiودولـة آخرينا
إذا ما الموت رفّع عن اُناسٍ      iiكـلاكـلـه أنـاخ بآخرينا
فـأفنى ذلكم سرواتِ قوميii      كـما  iiأفنى القرون الأوّلينا
فـلو  iiخلد الملوكُ إذاً خلدنا      ولـو بـقي iiالكرامُ إذاً بقينا
فـقل  iiلـلشامتين بنا أفيقوا      سـيلقى  الشامتون كما لقينا

ثم قال : (( أما والله ، لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يُركب الفرس حتّى يدور بكم دورَ الرَّحى ، ويُقلق بكم قلقَ المحور ، عهدٌ عهده إليّ أبي عن جدّي ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ(3) . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(4) . اللهمّ ، احبس عنهم قطرَ السّماء ، وابعث عليهم سنين كسنيِّ يوسف ، وسلّط عليهم غلامَ ثقيف يسومهم كأساً(5) مُصبرَّةً ؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير )) .

ــــــــــــــــــــ
(1) ر : وصل .
(2) فروة بن مسيك ـ أو مسيكة ـ ابن الحارث بن سلمة الغطيفي المرادي ، ويكنّى أبا عمرو .
شاعر يمني كان موالياً لملوك كندة في الجاهلية ، رحل إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو في مكّة سنة تسع أو عشر وأسلم على يديه ، سكن الكوفة في أواخر عمره .
توفّي سنة 30 هـ .
الطبقات 1 / 63 ، الإصابة ـ ترجمة رقم 6983 ، رغبة الآمل 4 / 10 ، الأعلام 5 / 143 .
(3) سورة يونس / 71 .
(4) سورة هود / 56 .
(5) ر : كأس .

 الصفحة ( 158 )

ثم نزل (عليه السّلام) ، ودعا بفرس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المرتجز فركبه ، وعبّى أصحابه للقتال .

روي عن الإمام الباقر (عليه السّلام) : (( أنّهم كانوا خمسة وأربعين فارساً ومئة راجل )) ، وروي غير ذلك .

قال الراوي(1) : فتقدّم عمر بن سعد فرمى نحو عسكر الحسين (عليه السّلام) بسهم ، وقال : اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَن رمى . وأقبلت السهام من القوم كأنها القطر ، فقال (عليه السّلام) لأصحابه : (( قوموا ـ رحمكم الله ـ إلى الموت ، إلى الموت الذي لا بدّ منه ؛ فإنّ هذه السهام رسُل القوم إليكم ))(2) . فاقتتلوا ساعة من النهار ، حملةً وحملة حتّى قُتل من أصحاب الحسين (عليه السّلام) جماعة .

قال(3) : فعندها ضرب الحسين (عليه السّلام) يده(4) على لحيته وجعل يقول : (( اشتدّ غضبُ الله تعالى على اليهود إذ جعلوا له ولداً ، واشتدّ غضبُ الله على النّصارى إذ جعلوه ثالثَ ثلاثة ، واشتدّ غضبُه على المجوسِ إذ عبدوا الشّمس والقمر دونه ، واشتدّ غضبُه على قومٍ اتَّفقت كلمتُهم على قتل ابن بنت نبيِّهم . أما والله ، لا اُجيبهم إلى شي‏ءٍ ممّا يُريدون حتّى ألقى الله وأنا مخضّبٌ بدمي )) .

وروي عن مولانا الصادق (عليه السّلام) أنّه قال : (( سمعت أبي يقول : لمّا التقى

ــــــــــــــــــــ
(1) قال الراوي ، لم يرد في ر .
(2) إليكم ، لم يرد في ر . وفي حاشية ر جاء لفظ : الموت خ ، بدلاً من لفظ القوم .
(3) قال ، لم يرد في ر .
(4) ر : بيده .

 الصفحة ( 159 )

 الحسين (عليه السّلام) وعمر بن سعد لعنه الله ، وقامت الحرب على ساق ، أنزل الله تعالى النّصر حتّى رفرف على رأس الحسين (عليه السّلام) ، ثمّ خُيّر بين النّصر على أعدائه وبين لقاء ربّه(1) ، فاختار لقاء ربّه )) (2) .

قال الراوي : ثمّ صاح (عليه السّلام) : (( أما من مغيثٍ يُغيثنا لوجه الله ؟ أما من ذابٍّ يذبُّ عن حرم رسول الله ؟ )) .

قال : فإذا الحرّ بن يزيد قد أقبل على عمر بن سعد ، فقال له : أمقاتلٌ أنت هذا الرجل ؟ قال : إي والله ، قتالاً أيسره أنْ تطير الرؤوس ، وتطيح الأيدي . قال : فمضى(3) الحرّ ووقف موقفاً من أصحابه ، وأخذه مثل الأفكل ، فقال له المهاجر بن أوس(4) : والله ، إنّ أمرك لمُريب ! ولو قيل : مَن أشجع أهل الكوفة ؟ لما عدوتك ، فما هذا الذي أرى منك ؟! فقال : إنّي والله ، اُخيّر نفسي بين الجنّة والنّار ، فوالله ، لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعت واُحرقت .

ــــــــــــــــــــ
(1) ب : الله تعالى .
(2) ب : الله تعالى .
وجاء بعد هذا في ع : رواها أبو طاهر محمَّد بن الحسين النرسي في كتاب معالم الدين . ولم ترد هذه العبارة في ر . ب .
(3) ر : فمر .
(4) لم يذكروه .
وفي كتاب تسمية من قُتل مع الإمام الحسين / 155 ، ذكر من جملة شهداء الأصحاب المهاجر بن أوس من بجيلة .
ولا أعلم هل المهاجر بن أوس اثنان أم واحد كان في معسكر ابن سعد ثمّ التحق بمعسكر الإمام الحسين(عليه السّلام) واستشهد معه ؟

 الصفحة ( 160 )

ثم ضرب فرسه قاصداً إلى الحسين (عليه السّلام) ـ ويده على رأسه ـ وهو يقول : اللهمَّ ، إنّي تبتُ إليك فتب عليّ ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيّك .

وقال للحسين (عليه السّلام) : جعلتُ فداك ، أنا صاحبك الذي حبسك عن الرجوع وجعجع بك ، والله ما ظننت أنّ القوم يبلغون بك ما أرى ، وأنا تائب إلى الله تعالى ، فهل ترى لي من توبة ؟ فقال الحسين (عليه السّلام) : (( نعم يتوب الله عليك فانزل )) . فقال : أنا لك فارساً خيرٌ منّي راجلاً ، وإلى النزول يؤول آخر أمري . ثمّ قال : فإذا كنتُ أوّل من خرج عليك ، فاذنْ لي أنْ أكون أوّل قتيل بين يديك ؛ لعلّي أكون ممّن يصافح جدّك محمَّداً (صلّى الله عليه وآله) غداً في القيامة .

قال جامع الكتاب (ره) : إنّما أراد أوّل قتيل من الآن ؛ لأنّ جماعة قُتلوا قبله كما ورد .

فأذنَ له ، فجعل يقاتل أحسن قتال حتّى قَتل جماعة من الشجعان والأبطال ثمّ استشهد ، فحُمل إلى الحسين (عليه السّلام) ، فجعل يمسح التراب عن وجهه ، ويقول : (( أنت الحُرّ كما سمّتك اُمّك ، حرّ في الدنيا وحرّ الآخرة )) .

قال الراوي(1) : وخرج برير بن خضير(2) ، وكان زاهداً عابداً ، فخرج إليه يزيد بن معقل(3) ، واتفقا على المباهلة إلى الله في أنْ يَقتل المحقّ منهما المبطل ، فتلاقيا فقَتله برير ، ولم يزل يقاتل حتّى قُتل رضوان الله عليه .

ــــــــــــــــــــ
(1) الراوي ، لم يرد في ر .
(2) ر : حضير .
(3) ع : يزيد بن المغفل .
لم يذكروه ، وهو خبيث ملعون .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى