فاجعة الطف

 
 

الصفحة (1)

 

فاجعـة الطفِّ

 

السيد محمد كاظم القزويني


الصفحة (2)

هوية الكتاب

اسم الكتاب : فاجعة الطفِّ

تأليف : السيد محمد كاظم القزويني

القطع : صغير

عدد الصفحات : 79

الطبعة العاشرة

سنة الطبع : 1413هـ ـ 1992م


الصفحة (3)

لمحة خاطفة واستعراض موجز لواقعة كربلاء الدامية ، يتضمّن شرح الحادثة من مقدّمات خروج الإمام الحسين بن علي من المدينة المنوّرة إلى مكّة ، ومنها إلى كربلاء , والتقاءه بجيوش الأعداء ، وما جرى هناك من حوار واحتجاج , إلى أن انتهى الأمر بالقتال الذي تجلّت فيه بطولة العقيدة وجمال الاستقامة بأروع منظر في استشهاد أصحاب الحسين ، والفتية من آل الرسول الذين ورثوا الشجاعة والشهامة ، وحازوا عزّة النفس ، وشرف الضمير ، وثبات العقيدة ، وأسفرت الفاجعة عن شهادة الإمام سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السّلام) .

تلك الكارثة التي ألمّت كلّ ضمير حي ، وهيّجت كلّ عاطفة سليمة ، وأبكت ملايين العيون ، وأحرقت ملايين القلوب ، ولا يزال الحبل ممدوداً حتّى اليوم وبعد اليوم .

بسم الله الرحمن الرحيم

عظّم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بسيدنا الحسين (عليه السّلام) ، وجعلنا الله من الطالبين بثأره مع ولده الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه) .

إنّ هذا اليوم أعظم يوم في الإسلام ، وأكبر يوم تاريخي في العالم ، لقد وقعت في مثل هذا اليوم الفاجعة العظمى ، والمصيبة الكبرى التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً ولا نظيراً واقعة دامية ، وكارثة مؤلمة حلّت بالإسلام والمسلمين ، فأبكت العيون على مرِّ القرون والدهور ، وأحرقت القلوب بنار الأسى والحزن ؛ فهذا اليوم تتجدّد فيه أحزان أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأحزان كلّ مَنْ يحمل لهم الولاء والمودّة .

والعجب كلّ العجب من بعض المسلمين الذين يجعلون هذا اليوم يوم عيد وسرور ، وهم في غفلة عمّا حدث في هذا اليوم ، وما نزل بسيّد شباب أهل الجنة وسبط رسول الله وريحانته ، الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السّلام) من المصائب والنوائب التي أشفقن منها الجبال وأبين أن يحملنها ، وهذه الفجائع نزلت بآل رسول الله الطيّبين على يد بني أميّة وأتباعهم .

فقد مات معاوية بن أبي سفيان في النّصف من رجب سنة 59 أو 60 من الهجرة ، واستولى ابنه يزيد على مسند الخلافة ، وادّعى أنه خليفة رسول الله والقائم مقامه ، مع العلم أنّه لم تكن في (يزيد) مؤهّلات الخلافة ؛ من نسبه المهتوك ، وحسبه الدنيء ، وموبقاته التي كان يرتكبها من الخمور والفجور ، واللعب بالكلاب والقردة ، والاستهتار بجميع معنى الكلمة .

فاستنكف المسلمون أن يدخلوا تحت طاعة رجل لا يؤمن بالله ولا بالرسول ، ويحمل عقيدة الإلحاد والزندقة كما صرّح بذلك يوم قال :

لَـعِبَتْ هاشمُ بالملك iiفلا        خَبَرٌ جاءَ ولا وحي نزلْ

خروج الحسين (عليه السّلام) من المدينة

كَتب يزيد كتاباً إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان (والي المدينة) يُخبره بموت معاوية ، ويأمره بأخذ البيعة من هل المدينة عامّة ومن الحسين بن علي خاصّة ، فأرسل الوليد إلى الإمام الحسين وقرأ عليه كتاب يزيد ، فقال الحسين : (( أيّها الوليد ، إنّك تعلم إنّا أهلُ بيتٍ بنا فَتَح الله وبنا يَختم ، ومِثْلي لا يبايع ليزيد شارب الخمور ، وراكب الفجور ، وقاتل النفس المحترمة )) .

وخرج الإمام الحسين (عليه السّلام) من المدينة خائفاً يترقّب , وقصد نحو مكّة , فجعل أهل العراق يكاتبونه ويراسلونه ، ويطلبون منه التوجّه إلى بلادهم ليبايعوه بالخلافة ؛ لأنّه أولى من غيره ، فإنّه ابن رسول الله وسبطه ، والمنصوص عليه بالإمامة من جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لقوله : (( الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا )) . أي سواء قاما بأعباء الخلافة أو غُصبتْ عنهما .

إلى أن اجتمع عند الحسين اثنا عشر ألف كتاب من أهل العراق ، وكلّها مضمون واحد ، كتبوا إليه : قد أينعتِ الثمار ، واخضرّ الجناب ، وإنّما تقدم على جندٍ لك مجنّدة ، إنّ لك في الكوفة مئة ألف سيف ، إذا لم تقدم إلينا فإنّا نخاصمك غداً بين يدي الله .

فأرسل الحسين ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ، فلمّا دخل مسلم الكوفة اجتمع الناس حوله وبايعوه ؛ لأنّه سفير الحسين وممثّله ، فبايعه ثمانية عشر ألفاً ، أو أربعة وعشرون ألفاً .

وكتب مسلم إلى الحسين يخبره ببيعة الناس ، ويطلب منه التعجيل بالقدوم ، فلمّا علم يزيد ذلك أرسل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة ، فدخل ابن زياد الكوفة وأرسل إلى رؤساء العشائر والقبائل يُهدّدهم بجيش الشام ويطمعهم ، فجعلوا يتفرّقون عن مسلم شيئاً فشيئاً ، إلى أن بقي مسلم وحيداً ، فأضافته امرأة , فطوّقوا الدار التي كان فيها ، وخرج مسلم واشتعلت نار الحرب ، وقتل مسلم منهم مقتلة عظيمة ، وأُلقي عليه القبض يوم عرفة وضربوا عنقه ، وجعلوا يسحبونه في الأسواق والحبل في رجليه .

خروج الحسين (عليه السّلام) من مكّة

وخرج الحسين (عليه السّلام) من مكة نحو العراق يوم الثامن من ذي الحجّة ، ومنعه جماعة من التوجّه نحو العراق ، وأحدهم عبد الله بن العباس (حَبْر الأمّة) ، فقال له الحسين : (( يابن عباس ، إنّ رسول الله أمرني بأمرٍ أنا ماضٍ فيه )) .

فقال : بماذا أمرك جدّك ؟

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أتاني جدّي في المنام وقال : يا حسين ، اخرج إلى العراق ؛ فإنّ الله شاء أن يراك قتيلاً )) .

فقال ابن عباس : إذاً ، فما معنى حملُك هؤلاء النساء معك ؟

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( هنّ ودائع رسول الله ، ولا آمنُ عليهنّ أحداً ، وهنّ أيضاً لا يُفارقنني )) .

وخرج الحسين قاصداً الكوفة ، وفي أثناء الطريق التقى به سريّة من الجيش تتكوّن من ألف فارس بقيادة الحرّ بن يزيد الرياحي ، وأرادوا إلقاء القبض على الحسين وإدخاله الكوفة على ابن زياد ، إلاّ إنّ الحسين امتنع من الانقياد لهم ، فتمّ القرار على أن يسلك الحسين طريقاً لا يدخله الكوفة ولا يردّه إلى المدينة ، فوصل إلى أرض كربلاء فنزل فيها .

وقام ابن زياد خطيباً في الكوفة وقال : مَنْ يأتيني برأس الحسين فله الجائزة العظمى ، وأعطه ولاية ملك الرّي عشر سنوات .

فقام عمر بن سعد بن أبي وقاص وقال : أنا .

فعقد له رايةً في أربعة آلاف رجل ، وأصبح الصباح ، وأوّلُ راية سارتْ نحو كربلاء راية عمر بن سعد ، ولم تزل الرايات تترى حتّى تكاملوا في اليوم التاسع من المحرم ثلاثين ألفاً ، أو خمسين ألفاً ، أو أكثر من ذلك ، وحالوا بين الحسين وأهل بيته وبين ماء الفرات من اليوم السابع من المحرّم ، ولمّا كان اليوم التاسع اشتدّ بهم العطش ، واشتدّ الأمر بالمراضع والأطفال الرضّع .

قالت سكينة بنت الحسين : عزّ ماؤنا ليلة التاسع من المحرّم ؛ فجفّت الأواني ، ويبست الشفاه حتّى صرنا نتوقّع الجرعة من الماء فلم نجدها ، فقلت في نفسي : أمضي إلى عمّتي زينب لعلّها ادّخرت لنا شيئاً من الماء . فمضيتُ إلى خيمتها , فرأيتها جالسة وفي حجرها أخي عبد الله الرضيع ، وهو يلوك بلسانه من شدّة العطش ، وهي تارة تقوم وتارة تقعد ، فخنقتني العبرة فلزمتُ السكوت .

فقالت عمتي : ما يُبكيكِ ؟

قالت : حال أخي الرضيع أبكاني . ثمّ قلت : عمّتاه , قومي لنمضي إلى خيم عمومتي لعلّهم ادّخروا شيئاً من الماء . فمضينا واخترقنا الخيم بأجمعها , فلم نجد عندهم شيئاً من الماء ، فرجعت عمّتي إلى خيمتها , فتبعتها ، وتبعنا من نحو عشرين صبياً وصبيّة ، وهم يطلبون منها الماء ، وينادون : العطش .. العطش .

وآخر راية وصلت إلى كربلاء راية شمر بن ذي الجوشن في ستة آلاف مساء يوم التاسع ، ومعه كتاب من ابن زياد إلى ابن سعد ، فيه : فإن نزل الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليّ سلماً ، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم ، فإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره ... إلى آخره .

فزحف الجيش نحو خيام الحسين عند المساء بعد العصر ، واقترب نحو خيم الحسين ، والحسين جالس أمام خيمته ، إذ خفق برأسه على ركبتيه ، وسمعت اُخته زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين الصيحة , فدنت من أخيها ، وقالت : يا أخي , أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت ؟

فرفع الحسين (عليه السّلام) رأسه ، وقال : (( اُخيّه , أتى رسول الله الساعة في المنام فقال لي : إنّك تروح إلينا )) .

فلطمتْ أخته وجهها وصاحت : وا ويلاه ! فقال لها الحسين (عليه السّلام) : (( ليس الويل لك يا اُخيّه , ولا تُشمتي القوم بنا ، اسكتي رحمك الله )) .

فقال له العباس بن عليّ : يا أخي ، قد أتاك القوم فانهض .

فنهض ، ثمّ قال : (( يا عباس ، اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم ، وتقول لهم : ما لكم ؟ وما بدا لكم ؟ وما تريدون ؟ ))

فأتاهم العباس في نحو عشرين فارساً ، فقال لهم العباس : ما بدا لكم ؟ وما تريدون ؟

قالوا : قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم .

فرجع العباس إلى الحسين وأخبره بمقال القوم ، فقال الحسين : (( ارجع إليهم ، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غد ، وتدفعهم عنّا العشيّة ؛ لعلّنا نُصلّي لربّنا الليلة ، وندعوه ونستغفره , فهو يعلم أنّي قد كنت أحبّ الصلاة له ، وتلاوة كتابه )) .

فمضى العباس إلى القوم وسألهم ذلك ، فأبوا أن يمهلوهم ، فقال عمرو بن الحجّاج الزبيدي : ويلكم ! والله لو أنّهم من الترك والديلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم ، فكيف وهم آل محمد ؟!

وبات الإمام الحسين (عليه السّلام) وأصحابه وأهل بيته ليلة عاشوراء ، ولهم دويٌّ كدويّ النحل ؛ ما بين قائم وقاعد ، وراكع وساجد .

خطاب الإمام الحسين (عليه السّلام) في أصحابه

وجمعهم الحسين (عليه السّلام) ، وقام فيهم خطيباً ، وقال : (( أما بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيتٍ أبرّ ولا أوصل ولا أفضل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً عنّي خيراً ، فلقد بررتم وعاونتم .

ألا وإنّي لا أظنّ يوماً لنا من هؤلاء الأعداء إلاّ غداً ، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ من بيعتي , ليس عليكم منّي حرج ولا ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، وتفرّقوا في سواد هذا الليل ، وذروني وهؤلاء القوم ؛ فإنّهم لا يريدون غيري )) .

فقال له إخوته وأبناؤه وأبناء عبد الله بن جعفر : ولِمَ نفعل ذلك ؟ لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً .

وتكلّم إخوته وجميع أهل بيته فقالوا : يا بن رسول الله , فما يقول لنا الناس ؟ وماذا نقول لهم ؟ نقول : إنّا تركنا شيخنا وكبيرنا ، وابن بنت نبيّنا لم نرمِ معه بسهم ، ولم نطعن معه برمح ، ولم نضرب معه بسيف ؟ لا والله يا بن رسول الله لا نفارقك أبداً ، ولكن نقيك بأنفسنا حتّى نُقتل بين يديك ، ونرد موردك ، فقبّح الله العيش بعدك .

ثمّ قام مسلم بن عوسجة وقال : نحن نخلّيك هكذا وننصرف عنك ، وقد أحاط بك هذا العدو ؟! لا والله لا يراني الله وأنا أفعل ذلك حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لم يكن لي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، ولا اُفارقك حتّى أموت معك .

وقام سعد بن عبد الله الحنفي فقال : لا والله يا بن رسول الله ، لا نخلّيك أبداً حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا فيك وصيّة رسوله محمد . ولو علمت أنّي أُقتل فيك ثمّ اُحيا ، ثمّ أُحرق حيّاً ، ثمّ أُذرى ، ويُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك ، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ، ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ؟!

ثمّ قام زهير بن القين فقال : والله يا بن رسول الله ، لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ألف مرّة وإنّ الله قد دفع القتل عنك وعن هؤلاء الفتية من إخوتك وولدك وأهل بيتك .

وقام الأصحاب وتكلّموا بما تكلّموا ، فلمّا رأى الحسين ذلك منهم قال لهم : (( إن كنتم كذلك فارفعوا رؤوسكم ، وانظروا إلى منازلكم )) .

فكشف لهم الغطاء ـ بإذن الله ـ ورأوا منازلهم ، وحورهم وقصورهم ، فقال لهم الحسين : (( يا قوم ، إنّي غداً أُقتل وتُقتلون كلكم معي ، ولا يبقى منكم واحد )) .

فقالوا : الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك ، وشرّفنا بالقتل معك . أو لا ترضى أن نكون في درجتك يا بن رسول الله ؟

فقال : (( جزاكم الله خيراً )) .

فقال له القاسم بن الإمام الحسن المجتبى : وأنا في مَن يُقتل ؟ فأشفق عليه الحسين (عليه السّلام) وقال : (( يا بُني , كيف الموت عندك ؟ )) .

قال : يا عمّ ، فيك أحلى من العسل .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( إي والله فداك عمّك ، إنّك لأحدُ مَنْ يُقتل من الرجال معي بعد أن تبلو بلاءً حسناً ، ويُقتل ابني عبد الله )) .

فقال : يا عمّ , ويصلون إلى النساء حتّى يُقتل وهو رضيع ؟

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أحمله لأدنيه من فمي ، فيرميه فاسق فينحره )) .

ثمّ قال الحسين : (( ألا ومَنْ كان في رَحْلهِ امرأة فلينصرف بها إلى بني أسد )) .

فقام علي بن مظاهر وقال : لماذا يا سيدي ؟

فقال : (( إنّ نسائي تُسبى بعد قتلي ، وأخاف على نسائكم من السبي )) .

فمضى علي بن مظاهر إلى خيمته فقامت زوجته واستقبلته ، وتبسّمت في وجهه ، فقال لها : دَعيني والتبسّم ، فقالت : يابن مظاهر ، إنّي سمعتُ غريب فاطمة خطب فيكم خطبة ، وسمعت في آخرها همهمة ودمدمة فما علمتُ ما يقول .

قال : يا هذه ، إنّ الحسين قال لنا : (( ألا ومَنْ كان في رحله امرأة فليذهب بها إلى بني أسد ؛ لأنّي غداً أُقتل , ونسائي تُسبى )) .

فقالت : وما أنت صانع ؟

قال : قومي حتّى ألحقك ببني عمّك .

فقامت ونطحت رأسها بعمود الخيمة ، وقالت : والله ما أنصفتني يا بن مظاهر !أيسرّك أن تُسبى بنات رسول الله وأنا آمنة من السبي ؟! أيسرّك أن يبيّض وجهك عند رسول الله ويسودّ وجهي عند فاطمة الزهراء ؟! والله أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء .

فرجع علي بن مظاهر إلى الحسين وهو يبكي ، فقال الحسين (عليه السّلام) : (( ما يبكيك ؟ )) .

قال : يا سيدي , أبتِ الأسدية إلاّ مواساتكم . فبكى الحسين (عليه السّلام) وقال : (( جُزيتم منّا خيراً )) .

يوم العاشر

فلمّا أصبح الصباح من يوم عاشوراء نادى الحسين أصحابه وأمرهم بالصلاة ، فتيمّموا بدلاً عن الوضوء ، وصلّى بأصحابه صلاة الصبح ، ثمّ قال : (( اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كربٍ ، وأنت رجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة . كم من كربٍ يضعف فيه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته إليك ؛ رغبة منّي إليك عمّن سواك , ففرّجته عنّي وكشفته ، فأنت وليّ كلّ نعمة ، وصاحب كلّ حسنة ، ومنتهى كلّ رغبة )) .

ثمّ نظر إلى أصحابه وقال : (( إنّ الله قد أذن في قتلكم وقتلي ، وكلّكم تقتلون في هذا اليوم إلاّ ولدي علي بن الحسين ـ أي زين العابدين (عليه السّلام) ـ فاتقوا الله واصبروا )) .

وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم وخرج بالناس ، وجمع على ميمنة العسكر عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى المسيرة شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عروة بن قيس ، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي ، وأعطى الراية دُريداً غلامه .

ودعا الحسين بفرس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المرتجز ، وعبّأ أصحابه ، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً ، وأربعون راجلاً ، وقيل أكثر من ذلك ، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه ، وحبيب بن مظاهر في المسيرة ، وأعطى رايته أخاه العباس ، وجعلوا البيوت والخيم في ظهورهم ، وأمر بحطب وقصب أن يُترك في خندق عملوه في ساعة من الليل ، وأشعلوا فيه النار ؛ مخافة أن يأتيهم العدو من ورائهم ، وجعلوا جبهة القتال جهةً واحدة .

فغضب الأعداء بأجمعهم ، فنادى شمر بأعلى صوته : يا حسين ، أتعجّلت النار قبل يوم القيامة ؟

فقال الحسين : (( مَنْ هذا ، كأنّه شمر ؟ )) .

فقالوا : نعم .

فقال : (( يا بن راعية المعزى ! أنت أولى بها صليّاً )) .

وأراد مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين ، وقال : (( أكره أن أبدأهم بالقتال )) .

ثمّ تقدّم الحسين نحو القوم في نفر من أصحابه ، وبين يديه برير بن خضير الهمداني ، فقال له الحسين : (( كلّم القوم )) .

فتقدّم برير وقال : يا قوم ، اتقوا الله ؛ فإنّ ثِقل محمد (صلّى الله عليه وآله) قد أصبح بين أظهركم ، هؤلاء ذرّيته وعترته ، وبناته وحرمهن , فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أن تصنعوه ؟

فقالوا : نريد أن نمكّن منهم الأمير عبيد الله بن زياد فيرى رأيه فيهم .

فقال برير : أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه ؟ ويلكم يا أهل الكوفة ! أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها ؟ ويلكم ! أدعوتم أهل بيت نبيّكم وحلأتموهم عن ماء الفرات ؟! بئس ما خلفتم نبيّكم في عترته ! ما لكم ؟ لا سقاكم الله يوم القيامة , فبئس القوم أنتم !

فقال نفر منهم : ما ندري ما تقول .

فقال برير : الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة ، اللّهمّ إنّي أبرأ إليك من فعال القوم ، اللّهمّ ألقِ بأسهم بينهم حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان .

 خطاب الحسين (عليه السّلام) في القوم

فجعل القوم يرمونه بالسهام فرجع برير إلى ورائه ، فتقدّم الحسين (عليه السّلام) نحو القوم ، ثمّ نادى بأعلى صوته : (( يا أهل العراق ـ وكلهم يسمعون ـ ، فقال : أيّها الناس , اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ لكم عليّ ، وحتى أعذر إليكم ، فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك سعداء ، وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم ، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غُمّة ، ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون ، إنّ وليّي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين )) .

ثمّ حمد الله وأثنى عليه ، وذكره بما هو أهله ، وصلّى على النبي وآله وعلى الملائكة والأنبياء ، فلم يسمع متكلّم قطّ قبله ولا بعده أبلغ منه في المنطق .

ثمّ قال : (( أمّا بعد يا أهل الكوفة , فانسبوني فانظروا من أنا ، ثمّ راجعوا أنفسكم فعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟

ألستُ ابن بنت نبيّكم ، وابن وصيّه وابن عمّه ، وأوّل مصدّق لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بما جاء به من عند ربّه ؟

أو ليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي ؟

أو ليس جعفر الطيّار في الجنّة بجناحين عمّي ؟

أو لم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ فإن صدّقتموني بما أقول ـ وهو الحقّ ـ والله ما تعمّدتُ كذباً منذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله ، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم مَنْ إن سألتموه عن ذلك أخبركم .

سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري ، وسهل بن سعد الساعدي ، وزيد بن أرقم ، وأنس بن مالك يُخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي . أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟

يا قوم ، فإن كنتم في شكٍ من ذلك ، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم ؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍّ غيري فيكم ولا في غيركم .

ويحكم ! أتطالبوني بقتيل منكم قتلته ، أو مالٍ استملكته ، أو بقصاص من جراح ؟ )) .

فأخذوا لا يكلّمونه ، ونادى بأعلى صوته ، فقال : (( أنشدكم الله , هل تعرفونني ؟ )) .

قالوا : نعم ، أنت ابن رسول الله وسبطه .

فقال : (( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أن جدّي رسول الله ؟ )) .

قالوا : اللّهمّ نعم .

قال : (( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ أبي علي بن أبي طالب ؟ )) .

قالوا : اللّهمّ نعم .

قال : (( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ اُمّي فاطمة بنت رسول الله ؟ )) .

قالوا : اللّهمّ نعم .

قال : (( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الأمّة إسلاماً ؟ )) .

قالوا : اللّهمّ نعم .

قال : (( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي ؟ )) .

قالوا : اللّهمّ نعم .

قال : (( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ جعفر الطيّار في الجنّة عمّي ؟ ))

قالوا : اللّهمّ نعم .

قال : (( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول الله أنا متقلّده ؟ )) .

قالوا : اللّهمّ نعم .

قال : (( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول الله أنا لابسها ؟ )) .

قالوا : اللّهمّ نعم .

قال : (( أُنشدكم الله ، هل تعلمون أنّ علياً كان أوّل القوم إسلاماً ، وأعلمهم عِلماً ، وأعظمهم حلماً ، وأنّه ولي كلّ مؤمن ومؤمنة ؟ )) .

قالوا : اللّهمّ نعم .

قال : (( فبِمَ تستحلّون دمي وأبي الذائدُ عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يُذاد البعير الصادر عن الماء ، ولواءُ الحمد في يد أبي يوم القيامة ؟! )) .

قالوا : قد علمنا ذلك كلّه ، ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشانَ .

فلمّا خطب بهذه الخطبة وسمعت بناته وأخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن خدودهن ، وارتفعت أصواتهن ، فوجّه إليهنَّ أخاه العباس وابنه عليّاً ، وقال لهما : (( أسكتاهنّ ؛ فلعمري ليكثرن بكاؤهن )) .

خطبة اُخرى للحسين (عليه السّلام)

وذكر السيّد ابن طاووس خطبةً أخرى للحسين ، قال : فركب الحسين ناقته ـ وقيل : فرسه ـ فاستنصتهم , فأنصتوا . وفي رواية : فأبوا أن يُنصتوا حتّى قال : (( ويلكم ! ما عليكم أن لا تنصتوا لي فتسمعوا قولي ، وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد ، فمَنْ أطاعني كان من المرشدين ، ومَنْ عصاني كان من المهلكين ، وكلّكم عاصٍ لأمري غير مستمعٍ قولي ، فقد مُلئتْ بطونكم من الحرام ، وطُبعَ على قلوبكم ؟

ويلكم ! ألا تنصفون ؟ ألا تسمعون ؟ ألا تنصتون ؟ )) .

فتلاوم القوم وقالوا : أنصتوا له . فأنصتوا .

فحمد الله وأثنى عليه ، وذكره بما هو أهله ، وصلّى على محمد وآله وعلى الملائكة والأنبياء والرسل ، وأبلغ في المقال ، ثمّ قال : (( تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً ! حين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم ، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدلٍ أفشوه فيكم , ولا أملٍ أصبح لكم فيهم .

فهلاّ ـ لكم الويلات ! ـ تركتمونا والسيف مشيم ، والجأش طامن ، والرأي لمّا يستحصف ؟ ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدّبا ، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش ، فسُحقاً لكم يا عبيد الأمة ، وشذّاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرّفي الكلم ، وعُصبة الآثام ، ونفثة الشيطان ، ومطفئ السنن .

أهؤلاء تعضدون ، وعنّا تتخاذلون ؟! أجل والله غدرٌ فيكم قديم ، وشجت إليه اُصولكم ، وتأرّزت عليه فروعكم ، فكنتم أخبث ثمر , شجى للناظر وأكلة للغاصب !

ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركّز بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ؛ يأبى الله ذلك لنا ورسوله ، وحجور طابت ، وجدودٌ طهرت ، واُنوفُ حميّة ، ونفوسٌ أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام . ألا وإنّي زاحفٌ بهذه الأسرة مع قلّة العدد ، وخذلان الناصر )) .

ثمّ قال : ((

فـإن نـهزم فهزّامون iiقِدماً      وإن  نُـغلَبْ فـغَيرُ iiمُغَلّبينا
ومـا إن طـبّنا جبنٌ iiولكن      مـنايانا  ودولـةُ iiآخـرينا
إذا ما الموتُ رفّع عن اُناسٍ      كـلا  كـله أنـاخَ iiبآخرينا
فـأفنى ذلـكم سرواة iiقومي      كـما  أفنى القرون iiالأوّلينا
فـلو خلدَ الملوكُ إذن iiخلدنا      ولـو  بقي الكرامُ إذن iiبقينا
فـقل  لـلشامتين بنا iiأفيقوا      سـيلقى  الشامتون كما لقينا

ثمّ أيمُ الله ، لا تلبثون بعده إلاّ كريث ما يُركب الفرس ، حتّى تدور بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور ؛ عهدٌ عهده إليّ أبي عن جدّي ، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ، ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون ؛ إنّي توكّلت على الله ربّي وربّكم ، ما من دابة إلاّ هو آخذ بناصيتها ، إنّ ربّي على صراط مستقيم .

اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسنيِّ يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كاساً مصبّرة ؛ فإنّهم كذّبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير )) .

 استشهاد الأصحاب

وخطب فيهم خطبة أخرى ، وأتمّ عليهم الحجّة فما أفاد فيهم الكلام ، ثمّ أناخ راحلته ، ودعا بفرس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المرتجز فركبه ، فعند ذلك تقدّم عمر بن سعد وقال : يا دريد , أدنِ رايتك . ثمّ أخذ سهماً ووضعه في كبد القوس وقال : اشهدوا لي عند الأمير فأنا أوّل مَنْ رمى الحسين .

فأقبلت السهام من القوم كأنّها شآبيب المطر ، فقال الحسين (عليه السّلام) لأصحابه : (( قوموا رحمكم الله ؛ فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم )) .

فاقتتلوا ساعة من النهار حملةً وحملةً ، فلما انجلت الغبرة وإذا بخمسين من أصحاب الحسين صرعى ، فعند ذلك ضرب الحسين بيده على لحيته الكريمة وقال : (( اشتدّ غضبُ الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً ، واشتدّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة ، واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر ، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم . أما والله ، لا أُجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتّى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي )) .

ثمّ جعل أصحاب الحسين يبرزون واحداً بعد واحد ، وكلّ مَنْ أراد منهم الخروج ودّع الحسين ، وقال : السلام عليك يا أبا عبد الله .

فيجيبه الحسين : (( وعليك السلام ، ونحن خلفك )) ، ثمّ يتلو : ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) .

ولا يبرز منهم رجلٌ حتّى يقتل خلقاً كثيراً من أهل الكوفة ، فضيّقوا المجال على الأعداء حتّى قال رجل من أهل الكوفة يصفهم : ثارت علينا عصابةٌ ؛ أيديها على مقابض سيوفها كالأسود الضارية ، تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً ، وتلقي أنفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ، ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة ، والاستيلاء على الملك ، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها .

ونِعمَ ما قيل في حقّهم :

قــومٌ إذا نـودوا لـدفعِ iiمـلمّةٍ        والـخيلُ بـينَ مدَعّسٍٍ iiومكردسِ
لبسوا القلوبَ على الدروعِ وأقبلوا        يـتهافتونَ  عـلى ذهابِ iiالأنفسِ

وأقبل الحرّ بن يزيد الرياحي إلى عمر بن سعد ، وقال : يا عمر ، أمقاتل أنت هذا الرجل ؟

قال : إي والله ، قتالاً أيسرهُ أن تطير الرؤوس ، وتطيح الأيدي .

فقال الحرّ : أفما لكم فيما عرضه عليكم رضاً ؟

قال عمر : أمّا لو كان الأمر لي لفعلت ، ولكن أميرك أبى .

فأقبل الحرّ حتّى وقف موقفاً من الناس ، فأخذ يدنو من الحسين قليلاً قليلاً ، فقال له المهاجر بن أوس : ما تريد أن تصنع ؟ أتريد أن تحمل عليه ؟

فلم يجيبه الحر ، وأخذه مثل الإفكل ـ وهي الرعدة ـ فقال له المهاجر : إنّ أمرك لمريب ! والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل هذا ، ولو قيل لي : مَنْ أشجع أهل الكوفة ؟ ما عدوتك ، فما هذا الذي أراه منك ؟!

فقال الحرّ : إنّي والله اُخيّر نفسي بين الجنّة والنار ، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطّعتُ وحُرّقت .

ثمّ ضرب فرسه قاصداً نحو الحسين ، ويده على رأسه ، وهو يقول : اللّهمّ إليك أنبتُ فتُبْ عليّ ؛ فقد أرعبتُ قلوب أوليائك وأولاد بنت نبيّك .

فلمّا دنا من الحسين (عليه السّلام) قال له : (( مَنْ أنت ؟ )) .

قال : جعلني الله فداك ! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وسايرتك في الطريق ، وجعجعتُ بك في هذا المكان ، وما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم ، ولا يبلغون بك هذه المنزلة ، وأنا تائبٌ إلى الله ممّا صنعتُ ، فترى لي من ذلك توبة ؟

قال : (( نعم ، يتوب الله عليك , فانزل )) .

قال : أنا لك فارساً خير منّي لك راجلاً ؛ أُقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول يصير آخر أمري .

فقال له الحسين : (( فاصنع ـ رحمك الله ـ ما بدا لك )) .

فاستقدم أمام الحسين (عليه السّلام) فقال : يا أهل الكوفة , لأّمّكم الهُبل والعبر ! أدعوتم هذا العبد الصالح حتّى إذا أتاكم أسلمتموه ، وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه فعدوتم عليه لتقتلوه ؟! أمسكتم بنفسه ، وأخذتم بكظمه ، وأحطتم به من كلّ جانب لتمنعوه التوجّه إلى بلاد الله العريضة ، فصار كالأسير المرتهن ، لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً ، وحلأتموه ونساءه وصبيته عن ماء الفرات الجاري الذي تشربه اليهود والنصارى والمجوس ، وتتمرّغ به خنازير السواد وكلابه ، وها هم قد صرعهم العطش ! بئسما خلفتم محمداً في ذريّته ! لا سقاكم الله يوم الظمأ الأكبر .

فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل ، فأقبل حتّى وقف أمام الحسين ، واستأذن قائلاً : يا بن رسول الله ، كنت أوّل خارجٍ عليك ، فأذن لي لأكون أوّل قتيلٍ بين يديك ، وأوّل مَنْ يُصافح جدّك غداً .

فأذن له الحسين ، فبرز مرتجزاً :

إنـيّ  أنا الحرّ ومأوى iiالضيفِ        أضـربُ فـي أعناقكم iiبالسيفِ
عن خيرِ مَنْ حلّ بأرضِ الخيفِ        أضـربكم ولا أرى مـن iiحيفِ

وحمل عليهم وقتل منهم نيفاً وأربعين رجلاً ، فعقروا فرسه ، فجعل يُقاتلهم راجلاً ، ثمّ شدّت عليه عصابة فقتلوه .

فلمّا صُرع وقف عليه الحسين ودمه يشخب ، فجعل الحسين يمسح الدم والتراب عن وجهه ، وهو يقول : (( بخٍ بخٍ لك يا حر ! أنت الحرّ كما سمّتك اُمّك )) . وقضى نحبه ، وحملته عشيرته ودفنته .

وبرز برير بن خضير الهمداني بعد الحرّ ، وكان من عباد الله الصالحين ، فجعل يحمل عليهم ويقول : اقتربوا منّي يا قتلة أولاد رسول الله ، وذرّيته الباقين .

حتّى قتل منهم ثلاثين رجلاً ، فخرج إليه يزيد بن المغفّل أو معقل ، وقرّرا المباهلة إلى الله في أن يقتل المحقّ منهما المبطل ، فقتله برير ، ثمّ حمل عليه القوم وقتلوه (رحمه الله) .

ثمّ برز مسلم بن عوسجة وجعل يُقاتلهم قتالاً شديداً ، وبالغ في قتال الأعداء ، وصبر على أهوال البلاء حتّى سقط صريعاً , فمشى إليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر ، وبه رمق من الحياة ، فقال له الحسين : (( رحمك الله يا مسلم ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً )) .

ثمّ دنا منه حبيب بن مظاهر وقال : يعزّ والله عليّ مصرعك يا مسلم ، أبشر بالجنّة .

فقال مسلم بصوت ضعيف : بشّرك الله بالخير ، فقال حبيب : لو لا أعلم أنّي في الأثر لأحببت أن توصي إليّ بكلّ ما أهمّك .

فقال مسلم : اُوصيك بهذا ـ وأشار إلى الحسين (عليه السّلام) ـ قاتل دونه حتّى تموت .

فقال حبيب : لأنعمنّك عيناً .

نـصروكَ  أحياءً وعند مماتهمْ        يوصي بنصرتكَ الشفيقُ iiشفيقا
أوصى ابنُ عوسجةٍ حبيباً قائلاً        قاتل  دونهُ حتّى الحِمام تذوقا !

ونادى أصحاب عمر بن سعد مستبشرين : قد قتلنا مسلم بن عوسجة . فصاحت جارية له : وا سيّداه ! يابن عوسجتاه !

فلمّا سمع ابنه ذلك دخل عند اُمّه وهو يبكي ، فقالت : ما يبكيك ؟ قال : اُريد الجهاد . فقامت اُمّه وشدّت سيفاً في وسطه ، وقالت : أبرز يا بُني فإنّك تجد رمحاً مطروحاً بين أطناب المخيّم .

فخرج وأراد حمل الرمح فلم يتمكّن ، وجعل يسحبه على الأرض سحباً ، فبصر به الحسين فقال : (( إنّ هذا الشاب قد قُتل أبوه في المعركة ، وأخاف اُمّه تكره برازه )) .

فقال الغلام : يا سيدي ، إنّ اُمّي ألبستني لامة حربي . فبرزَ مرتجزاً :

أمـيري حسينٌ ونعمَ الأميرْ ii      ii سـرورُ فؤادِ البشيرِ النذيرْ
عـلـيٌّ  وفـاطـمةٌ والداهْ        فـهل  iiتعلمونَ لهُ من نظيرْ
لهُ طلعةٌ مثلُ شمسِ الضحى       ii لـهُ غـرّةٌ مـثلُ بدرٍ مُنيرْ

فقاتل حتّى قُتل , فاحتزوا رأسه ورموا بالرأس نحو معسكر الحسين ، فأخذت اُمّه رأسه ، وقالت : أحسنت يا بُني ، يا سرور قلبي ، يا قرّة عيني . ثمّ رمت برأس ولدها ، وأخذت عمود الخيمة ، وحملت عليهم وهي تقول :

أنا عجوزٌ سيّدي ضعيفهْ        خـاويةٌ بـاليةٌ iiنـحيفهْ
أضربكمْ  بضربةٍ iiعنيفهْ        دونَ بني فاطمةَ الشريفهْ

فأمر الحسين (عليه السّلام) بصرفها ، ودعا لها .

ثمّ برز وهب بن عبد الله الكلبي ، وكان نصرانياً ومعه أمّه وزوجته فأسلموا على يد الحسين في أثناء الطريق ، ورافقوه إلى كربلاء ، فأقبلت اُمّه وقالت : يا بُني ، قُم وانصُر ابن بنت رسول الله .

فقال : أفعل يا اُمّاه ولا اُقصّر . فبرز وهو يقول :

إن  تنكروني فأنا ابن iiالكلبي        سوفَ تروني وترونَ ضربي

وسطوتي وجولتي في iiالحربِ

فقتل جماعة منهم ، ثمّ رجع إلى اُمّه وقال : يا اُمّاه , ارضي عنّي .

فقالت : ما رضيتُ حتّى تُقتل بين يدي الحسين ، فقالت امرأته : بالله عليك لا تفجعني في نفسك .

فقالت اُمّه : اعزب عنها ولا تقبل قولها ، وارجع وقاتل بين يدي ابن بنت رسول الله ؛ تنل شفاعة جدّه يوم القيامة .

فرجع فلم يزل يُقاتل حتّى قتل تسعة عشر فارساً وعشرين راجلاً ، ثمّ قُطعت أصابع يده ، وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحوه ، وهي تقول : فداك أبي واُمّي ! قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله .

فأقبل كي يردّها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه ، وقالت : لن أعود أو أموت معك .

فقال لها : كنت تنهينني عن القتال ، والآن تحرّضينني ؟!

قالت : يا وهب ، لقد عفتُ الحياة منذ سمعت نداء الحسين يُنادي : (( وا غربتاه ! وا قلّة ناصراه ! أما من ذابّ يذبّ عنّا ؟! أما من مجير يجيرنا ؟! )) .

ثمّ استعان وهب بالحسين (عليه السّلام) ، وقال : سيدي ردّها .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( جُزيتم من أهل بيت خيراً ، ارجعي إلى النساء يرحمك الله )) . فانصرفت ، وقُتل وهب ورموا برأسه إلى عسكر الحسين .

فأخذت اُمّه الرأس فقبّلته ، وجعلت تمسح الدم من وجهه ، وهي تقول : الحمد لله الذي بيّض وجهي بشهادتك يا ولدي بين يدي أبي عبد الله الحسين . ثمّ رمت بالرأس ، وأخذت عمود الخيمة ، فقال لها الحسين (عليه السّلام) : (( ارجعي يا اُمّ وهب ، أنت وابنك مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) )) .

فذهبت امرأته تمسح الدم والتراب عن وجهه ، وهي تقول : هنيئاً لك الجنّة . فبصر بها شمرٌ ، فأمر غلامه فضربها بعمود فقتلها ، وهي أوّل امرأة قُتلت في عسكر الحسين .

ولم يزالوا كذلك حتّى دخل وقت الظهر ، فجاء أبو تمامة الصيداوي وقال : يا أبا عبد الله , أنفسنا لنفسك الفداء ، هؤلاء اقتربوا منك ، لا والله لا تُقتل حتّى أُقتل دونك ، واُحبّ أن ألقى الله (عزّ وجلّ) وقد صلّيت هذه الصلاة معك .

فرفع الحسين (عليه السّلام) رأسه إلى السماء وقال : (( ذكرت الصلاة , جعلك الله من المصلّين الذاكرين . نعم ، هذا أول وقتها )) . ثمّ قال (عليه السّلام) : (( سلوا هؤلاء القوم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي )) . فأذّن الحسين (عليه السّلام) بنفسه ، وقيل : أمر مؤذّنه ليؤذّن .

ثمّ قال الحسين (عليه السّلام) : (( ويلك يا بن سعد ! أنسيت شرائع الإسلام ؟ أقصر عن الحرب حتّى نصلّي وتصلّي بأصحابك ، ونعود إلى ما نحن عليه من الحرب )) .

فاستحى ابن سعد أن يجيبه ، فناداه الحصين بن نمير (عليه اللعنة) قائلاً : صلِّ يا حسين ما بدا لك ؛ فإنّ الله لا يقبل صلاتك .

فأجابه حبيب بن مظاهر : ثكلتك أمّك ! ابن رسول الله صلاته لا تُقبل وصلاتك تُقبل يا خمّار ؟!

فقال الحسين (عليه السّلام) لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله : (( تقدّما أمامي حتّى أُصلّي الظهر )) .

فتقدّما أمامه في نحو نصفٍ من أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف ، وسعيد تقدّم أمام الحسين فاستهدف لهم , فجعلوا يرمونه بالنبال ؛ كلّما أخذ الحسين (عليه السّلام) يميناً وشمالاً قام بين يديه ، فما زال يُرمى إليه حتّى سقط على الأرض وهو يقول : اللّهمّ العنهم لعن عادٍ وثمود ، اللّهمّ أبلغ نبيّك عنّي السلام ، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح ؛ فإنّني أردت بذلك نصرة ذرّية نبيّك . ثمّ مات (رحمه الله) .

وخرج حبيب بن مظاهر وودّع الحسين ، وجعل يُقاتل وهو يقول :

أنـا حـبيبٌ وأبي مظاهرُ ii       فارسُ هيجاءٍ وحربٍ تُسعرُ
أنـتـم أعـدُّ عـدّةً وأكثرُ       ii ونـحنُ أوفى منكمُ وأصبرُ
وأنـتمُ  iiعـندَ الوفاءِ أغدرُ       ii ونـحنُ أعلى حجّةً وأظهرُ

فقتل اثنين وستين فارساً ثم قُتل ، فبان الانكسار في وجه الحسين (عليه السّلام) ، فقال الحسين : (( لله درّك يا حبيب ! لقد كنت فاضلاً ، تختم القرآن في ليلة واحدة )) .

وتقدّم زهير بن القين وقاتل قتالاً لم يُرَ مثله ، ثمّ رجع ووقف أمام الحسين ، وجعل يضرب على منكب الحسين (عليه السّلام) ويقول :

فدتكَ نفسي هادياً مهديّا        اليوم  ألقى جدّكَ iiالنبيّا

وحسناً والمرتضى iiعليّا

إلى آخر [ رجزه ] ، فكأنّه ودّع الحسين وعاد يُقاتل حتّى قتل مئة وعشرين رجلاً ، ثمّ قُتل (رحمه الله) .

ووقف عليه الحسين وقال : (( لا يبعدك الله يا زهير ، ولعن [ مَنْ ] قتلك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير )) .

وجاء عابس بن شبيب الشاكري ومعه شوذب مولى آل شاكر ، فقال عابس : يا شوذب ، ما في نفسك أن تصنع اليوم ؟

فقال : ما أصنع ؟! اُقاتل معك دون ابن بنت رسول الله حتّى أُقتل .

فقال له عابس : ذلك الظنّ بك ، أمّا الآن فتقدّم بين يدي أبي عبد الله حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك من أصحابه ، وحتى أحتسبك أنا ؛ فإنّه لا عمل بعد اليوم ، وإنّما هو الحساب .

فتقدّم شوذب ، واستأذن وقاتل وقُتل .

وتقدّم عابس إلى الحسين سلّم عليه وقال : يا أبا عبد لله ، والله ما أمسى على وجه الأرض قريب أو بعيد أعزّ عليّ ولا أحبّ إليّ منك ، ولو قدرت أن أدفع عنك الضيق ، أو القتل بشيء أعزّ عليَّ من نفسي ودمي لفعلته . السلام عليك يا أبا عبد الله ، أشهد أنّي على هُداك وهُدى أبيك .

ثمّ مشى بالسيف مصلتاً نحو القوم ، فصاح رجل من أهل الكوفة : هذا أسد الأسود ، هذا ابن شبيب ! فأخذ عابس ينادي : ألا رجل ، ألا رجل ؟ فلم يتقدّم إليه أحد ، فنادى عمر بن سعد : أرضخوه بالحجارة . فرُمي بالحجارة من كلّ جانب ، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره خلفه ، ثمّ شدّ على الناس .

قال الراوي : فوالله لقد رأيته يطرد أكثر من مئتين من الناس ، حتّى أثخنه بالجرح ضرباً وطعناً ورمياً ، وقتلوه (رضوان الله عليه) .

وأقبل جون مولى أبي ذرّ الغفاري يستأذن في القتال ، فقل الحسين (عليه السّلام) : (( يا جون ، أنت في إذن منّي ؛ فإنّما تبعتنا طلباً للعافية ، فلا تبتلِ بطريقنا )) .

فقال جون : يا بن رسول الله ، أنا في الرخاء ألحسُ قِصاعَكم وفي الشدّة أخذلكم ؟! والله إنّ ريحي لنتن ، وإنّ حسبي للئيم ، وإنّ لوني لأسود ، فتنفّس عليّ بالجنّة ؛ فتطيب ريحي ، ويشرف حسبي ، ويبيضّ وجهي ، لا والله لا اُفارقكم حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم .

فأذن له الحسين ، فبرز يرتجز ويقول :

كيفَ يرى الكفّارُ ضربَ الأسودِ        بـالـمشرفيّ والـقنا iiالـمسدّدِ
يـذبُّ  عـن آلِ الـنبيِّ iiأحمدِ        يـذبُّ عـنهم بـاللسانِ والـيدِ

فقتل خمساً وعشرين رجلاً ثمّ قُتل ، فوقف عليه الحسين (عليه السّلام) وقال : (( اللّهمّ بيّض وجهه ، وطيّب ريحه ، واحشره مع الأبرار ، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمد )) .

وخرج غلام تركي وهو يقول :

البحرُ من طعني وضربي يصطلي        والـجوّ مـن نبلي وسهمي iiيمتلي
إذا حـسامي فـي يـميني iiينجلي        يـنشقُّ قـلبُ الـحاسدِ iiالـمبخّلِ

فقتل جماعة ثمّ سقط ، فجاءه الحسين وبه رمق يومي إلى الحسين ، فبكى الحسين واعتنقه ووضع خدّه على خدّه ، ففتح الغلام عينيه وتبسّم وفاضت نفسه .

ثمّ برز عمرو بن خالد الصيداوي وقال للحسين : يا أبا عبد الله , جعلتُ فداك ! هممت أن ألحق بأصحابك ، وكرهت أتخلّف فأراك وحيداً من أهلك قتيلاً .

فقال له الحسين (عليه السّلام) : (( تقدّم فإنّا لاحقون بك عن ساعة )) . فقاتل حتّى قُتل ، وبرز ابنه خالد مرتجزاً فقاتل حتّى قُتل .

ثمّ جاء حنظلة بن أسعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين (عليه السّلام) يقيه السهام والرماح بوجهه ونحره ,

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلي