مقتل الحسين/ للمقرم

 
 

الصفحة (66)

الكوفة ؛ لعلمه بأنّ الحقائق لا تفاض لأيّ متطلب بعد اختلاف الأوعية ، سعةً وضيقاً ، وتباين المرامي قرباً وبُعداً ؛ فلذلك كان (ع) يجيب كلّ أحد بما يسعه ظرفه ، وتتحمّله معرفته وعقليّته . فإنّ علم أهل البيت (عليهم السّلام) صعب مستصعب ، لا يتحمّله إلا نبي مرسل ، أو ملك مقرّب ، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان .

الحسين فاتح

كان الحسين (ع) يعتقد في نهضته أنّه فاتح منصور ؛ لِما في شهادته من إحياء دين رسول الله (ص) ، وإماتة البدعة ، وتفظيع أعمال المناوئين ، وتفهيم الاُمّة أنّهم أحقّ بالخلافة من غيرهم . وإليه يشير في كتابه إلى بني هاشم : (( مَن لَحِقَ بنا منكم استشهد ، ومَن تخلّف لمْ يبلغ الفتح ))(1) . فإنّه لمْ يرد بالفتح إلا ما يترتب على نهضته وتضحيته من نقض دعائم الضلال ، وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المطهّرة ، وإقامة أركان العدل والتوحيد ، وأنّ الواجب على الاُمّة القيام في وجه المنكر .

وهذا معنى كلمة الإمام زين العابدين(ع) لإبراهيم بن طلحة بن عبيد الله ، لمّا قال له حين رجوعه إلى المدينة : مَن الغالب ؟ فقال السّجاد (ع) : (( إذا دخل وقت الصلاة ، فأذِّن وأقِم ، تعرف الغالب ))(2) ، فإنّه يشير إلى تحقّق الغاية التي ضحّى سيّد الشهداء (ع) بنفسه القدسيّة لأجلها ، وفشل يزيد بما سعى له من إطفاء نور الله تعالى ، وما أراده أبوه من نقض مساعي الرسول (ص) ، وإماتة الشهادة له بالرسالة بعد أنْ كان الواجب على الاُمّة في الأوقات الخمس الإعلان بالشهادة لنبيّ الإسلام ؛ ذلك الذي هدم صروح الشرك ، وأبطل العبادة للاصنام . كما وجب على الاُمّة الصلاة على النبيِّ وآله الطاهرين في التّشهُدَين ، وأنّ الصلاة عليه بدون الصلاة على آله ، بتراء(3) .

____________________________
(1) كامل الزيارات / 75 ، بصائر الدرجات10 / 141 .
(2) أمالي الشيخ الطوسي / 66 .
(3) الصواعق المحرقة / 87 ، كشف الغمّة 1 / 194 ، ولاحظ كتابنا (زين العابدين) ص371 .

الصفحة (67)

كما أنّ العقيلة ابنة أمير المؤمنين (عليها السّلام) ، أشارت إلى هذا الفتح بقولها ليزيد : فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا يرحض عنك عارها وشنارها .

إنّ المتأمل في حادثة الطفّ يتجلّى له ؛ أنّ هذه الشهادة أعظم من يوم بدر ، وإنْ كان هو أول فتح إسلامي ؛ لأنّ المسلمين يومئذ خاضوا غمرات الموت تحت راية النبوّة ، وقد احتفّ بهم ثلاثة آلاف من الملائكة مسوّمين ، وهتاف النبي (ص) بالنصر والظهور على العدوّ ملء مسامعهم ، فقابلوا طواغيت قريش مطمئنين بالغلبة .

وأمّا مشهد الطفِّ ، فالمقاسات فيه أصعب ، والكرب أشدّ . وقد التطمت فيه أمواج الحتوف ، وكشّرت الحرب عن نابها ، وأخذ بنو اُميّة على سبط النبيِّ أقطار الأرض ، وآفاق السّماء .

عـشـيـة  أنـهضها بغيُهاii      iiفـجـاءتـه  تركبُ طغيانَها
بجمع من الأرض سدَّ الفروج      وغـطّـى  النجود وغيطانَها
وطا الوحش إذ لم يجد مهرباًii      iiولا زمـت الـطـير أوكانَه

لكن عصبة الحقِّ لمْ يثن من عزمهم شيء ، فقابلوا تلك الأخطار من غير مدد يأملونه ، أو نصرة يرقبونها . وقد انقطعت عنهم خطوط الوسائل الحيويّة حتّى الماء الذي هو أوفر الأشياء ، والناس فيه شرع سواء ، وضوضاء الحرم من الشر المقبل ، وصراخ الأطفال من الاوام المبرح في مسامعهم ، إلا أنّهم تلقّوا جبال الحديد بكلّ صدر رحيب ، وجنان طامن . ولم تسلُ تلك النفوس الطاهرة إلا على فتل اُميّة المنقوض ، ولا اُريقت دماؤهم الزاكية إلا على حبلهم المنتكث ؛ فكان ملك آل حرب كلعقة الكلب أنفه حتّى اكتسحت معرّتهم عن أديم الأرض .

ولقد أجاد شاعر أهل البيت (عليهم السّلام) بقوله :

لَو لَمْ تكن جُمعت كلُّ العُلا فينا      لـكان ما كان يوم الطفِّ يكفينا
يـومٌ نهضنا كأمثال الاُسود به      وأقـبلت  كـالدبا زحفاً أعادينا
جاؤوا بـسبعين ألفاً سَلْ بقيتَهم      هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا
(1)

____________________________
 (1) شعراء الغري 1 / 387 ، والشاعر هو السيّد باقر الهندي نوّر الله ضريحه .

الصفحة (68)

فيوم الطفّ فتح أسلامي بعد الجاهليّة المستردة من جرّاء أعمال الاُمويِّين ، ولفيفهم الذين لمْ يستضيئوا بذلك الألق السّاطع ؛ نور التوحيد وشعاع النبوّة .

إنّ الحسين لمْ يكن قاصداً في خروجه محضَّ السلطنة ، والرئاسة ، وخفقان الرايات . فإنّه لو كان هذا غرضه ؛ لاتّخذ الوسائل الموصلة إليه وهو أعرف بها ، ولمْ يذع إلى مَن كان معه من الأعراب قتله ، وهلاك مَن معه ، واستسلام عائلته للأسر ؛ فيتفرّق جيشه ، وتتضاءل قواه الصوريّة . لكن نفسه المقدّسة ـ وهكذا الأحرار ـ أبت كتمان الأمر وإيهام الحال حتّى أختبرهم بالإذن في المفارقة ، فذهب عنه مَن كان همُّه الطمع ، وأبى أولئك الصفوة إلا مواساته ونصرته . فلا الجبن يطرق ساحتهم ، ولا الانكسار يبين في مجاليهم ؛ لأنّ ذلك شأن الآيس من غايته ، والقوم كانوا على يقين من الظفر بالأمنية ، كما تنم عنه كلماتهم التي أجابوا الحسين(ع)  بها لمّا أنبأهم ـ ليلة عاشوراء ـ بحراجة الموقف ، ورفع عنهم البيعة، وخلّى لهم السبيل ، فقالوا : الحمد لله الذي شرّفنا بالقتل معك . ولو كانت الدنيا باقية ، وكنّا فيها مخلَّدين ؛ لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها . فوجدهم (عليه السّلام) متفانين في الجهاد معه ، والذبِّ عن قدس الشريعة . وتلا على الملأ سطراً من صحيفتهم البيضاء بقوله : (( إنّي لا أجد أصحاباً أوفى من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرَّ وأوصل من أهل بيتي ))(1) .

وإنّي لأعجب من الرواة وحملة التاريخ ، حيث توسّعوا في النقل ، فقذفوا اُولئك الأطهار بما يندى منه وجه الإنسانيّة ، ويأباه الوجدان الصادق ، فقيل : كان القوم بحالة ترتعد فرائصهم ، وتتغير ألوانهم كلمّا اشتد الحال إلا الحسين ، فإنّ أسرّة وجهه تشرق كالبدر المنير !!(2) . وهذا بعد أن أعوزتهم الوقيعة في شهيد العزّ والإباء ، فلمْ يجدوا للغمز فيه نصيباً ؛ فمالوا على صحبه وأهل بيته ! وليس هذا إلا من الداء الدفين ، بين أضالع قوم دافوا السمَّ في الدسم إلى سذّجٍ حسبوه حقيقة راهنة ، فشوّهوا وجه التاريخ .

____________________________
 (1) الكامل في التاريخ 4 / 24 .
(2) نَفَس المهموم / 135 عن معاني الأخبار ، وبحار الانوار3 / 134 باب سكرات الموت ، وكذلك في البحار 10 / 167 عن معاني الأخبار .

الصفحة (69)

غير أنّ البصير النّاقد لا تخفى عليه نفسيّة القوم ، ولا ما جاؤوا به . وأعجب من ذلك ، قول زجر بن قيس الجعفي ليزيد : إنّا أحطنا بهم ، وهم يلوذون عنّا بالآكام والحفر ، لواذ الحمام من الصقر !!(1) . بفيك الكثكث أيّها القائل ، كأنّك لمْ تشاهد ذلك الموقف الرهيب ، فترى ما للقوم من بسالة وإقدام ، ومفاداة دون الدِّين الحنيف حتّى أغفل يومهم مع ابن المصطفى أيّام صِفين وما شاكلها من حروب دامية ، وحتّى أخذت أندية الكوفة لا تتحدّث إلا بشجاعتهم .

أجل ، إنّ تلك الأحوال أدهشتك فلمْ تدرِ ما تقول ! أو أنّ الشقّة بعدت عليك فنسيت ما كان . ولكن هل غاب عن سمعك صراخ الأيتام ، وعويل الأيامى في دور الكوفة حتّى طبق أرجاءها من جرّاء ما أوقعه أولئك الصفوة بأعداء الله وأعداء رسوله بسيوفهم الماضية ؟! . والعذر لك إنّك أدركت ساعة العافية ، فطفقت تشوّه مقامهم المشكور ؛ طلباً لمرضاة ( يزيد الخمور ) .

ولقد صرّح عن صدق نيّاتهم عدوّهم الألد ، عمرو بن الحجّاج ، محرّضاً قومه : أتدرون مَن تقاتلون ؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر ، وقوماً مستميتين لا يبرز إليهم أحد منكم إلا قتلوه على قلتهم . والله لو لمْ ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم(2) .

وقيل لرجل شهد الطفّ مع ابن سعد : ويحك أقتلتم ذريّة الرسول ؟! فقال : عضضت بالجندل ، إنّك لو شهدت ما شهدنا ؛ لفعلت ما فعلنا . ثارت علينا عصابة ، أيديها على مقابض سيوفها كالاُسود الضارية ، تحطّم الفرسان يميناً وشمالا ، تلقي نفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك . فلو كففنا عنها رويداً ؛ لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها ، فما كنّا فاعلين لا اُمّ لك؟!(3) .

وشهد لهم بذلك كعب بن جابر ، فانه لمّا قتل بريراً ؛ عتبت عليه زوجته

____________________________
 (1) العقد الفريد 2 / 313  .
(2) تاريخ الطبري 6 / 247 .
(3) شرح نهج البلاغة 1 / 307 .

الصفحة (70)

وقالت : أعنت على ابن فاطمة ! وقتلت سيّد القرّاء ! لقد أتيت عظيماً من الأمر ! والله لا اُكلّمك من رأسي كلمة واحدة . فقال يخاطبها من أبيات.

ولـمْ  تـرَ عيني مثلهم في زمانهمii       ولا  قـبلهم في  iiالناس إذ أنا يافعُ
أشـدَّ  قراعاً بالسّيوف لدى الوغىii      iiألا كـلّ مَـن يحمي الذمار مقارعُ
وقد صبروا للضرب والطعن حسّرا       وقـد iiنـازلوا لو أنّ ذلك نافعُ(1)

ثمّ أي فرد منهم أقلقه الحال حتّى ارتعدت فرائصه ؟ أهو زهير بن القين الذي وضع يده على منكب الحسين ، وقال مستأذناً :

أقدم هديت هادياً مهديا     فاليوم ألقى جدَّك النبيا

أم ابن عوسجة الذي يوصي حبيب بن مظاهر بنصرة الحسين(ع) ، وهو في آخر رمق من الحياة ، فكأنّه لمْ يقنعه في المفاداة ، كلّ ما لاقاه من جهد وبلاء ؟ . أم أبو ثمامة الصائدي الذي لم يهمّه في سبيل السّير إلى ربّه تعالى ، كلّ ما هنالك من فوادح وآلام ، إلا الصلاة التي دنا وقتها ؟ . أم سعيد الحنفي الذي استُهدف لهم عند الصلاة حتّى سقط ؛ لكثرة نزف الدم ، فيقول للحسين(ع) : أوفيتُ يابن رسول الله ؟ . أم ابن شبيب الشاكري الذي يلقي جميع لامته ؛ لتقرب منه الرجال فيموت ، في حين نرى الكماة الأبطال المعروفين بالشجاعة والإقدام ، يتدرعون للحرب ؛ كيلا يخلص إليهم ما يزهق نفوسهم ؟ . أم جون الذي يأذن له الحسين(ع) في الإنصراف ، فيقع على قدميه يقبّلهما ، وهو يبكي ويقول : إنّ لوني لأسود ، وحسبي لئيم ، وريحي منتن ، فتنّفس عليَّ بالجنة ؛ ليبيضَّ لوني ، ويشرف حسبي ، ويطيب ريحي ؟ .

وإذا تأملنا قول أبي جعفر الباقر (ع) : (( إنَّ أصحاب جدّي الحسين لم يجدوا ألم مسّ الحديد ))(2) ، وضّح ما عليه أولئك الأطايب من الثبات ، وأنّهم غير مكترثين بما لاقوه من

____________________________
 (1) تاريخ الطبري 6 / 247 .
(2) الخرائج للراوندي / 138 .

الصفحة (71)

ألم الجراح ؛ ولعاً منهم بالغاية ، وشوقاً إلى جوار المصطفى (ص) .

ولا تستغرب هذا ، فمَن يعرف حالة العاشق ، وأنّه عند توجّه مشاعره نحو المحبوب لا يشعر بما يلاقيه من عناء ونكد . ولقد حكى المؤرّخون : أنّ كثيّراً الشاعر(1) كان في خبائة يبري سهاماً له ، فلمّا دخلت عليه عَزّة ونظر إليها أدهشه الحال ، فأخذ يبري أصابعه ، وسالت الدماء وهو لا يحسّ بالألم(2) .

ويتحدّث الرواة : أنّ شاباً من الأنصار استقبل امرأة فأعجبته فأتبعها النظر ؛ فدخلت في زقاق وهو خلفها ينظر إليها ، فاعترضت وجهه زجاجة في حائط ؛ فشقت وجهه وهو لا يشعر ، فلمّا مضت المرأة رأى الدماء تسيل على ثوبه وصدره ، فأتى رسول الله (ص) وحكى له ، فنزل قوله تعالى: ( قُل لِّلمُؤمنينَ يَغُضُّوا من أَبصَارِهِمْ )(3) .

ويحدّث النبي (ص) ، بأنّ الشهيد المقتول في سبيل الدعوة الإلهيّة لا يجد من مسِّ القتل ، إلا كما يجد الإنسان من مسِّ القرصة(4) .

وأمّا رشيد الهجري(5) ، فإنّه لمّا دعاه ابن زياد ، وسأله عمّا أخبره أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) ، قال : بلى ، دخلت عليه يوماً وعنده أصحابه ، وكان في بستان ، فدعا

____________________________
(1) الاغاني 2 / 37 .
(2) في الموشح للمرزباني / 144 عند ذكر الشاعر كثيّر عزّة ، عن أبي عبيدة ، أنّ محمّد بن علي(ع) قال لكثيّر : (( تزعم أنك من شيعتنا وتمدح آل مروان ؟! )) فقال : إنّما أسخر منهم ، وأجعلهم حيات وعقارب وآخذ أموالهم .
(3) الكافي 3 / 511 باب 160 ما يحل النظر إليه من المرأة عن الباقر (عليه السّلام) ، وعنه في تفسير البرهان 3 / 731 في تفسير الآية 30 من سورة النور .
(4) تيسير الوصول لابن الديبع 1 / 129 ، وكنز العمال 2 / 278 فضل الشهادة .
(5) في الخلاصة للعلامة الحلّي : رشيد بضم الراء المهملة ، وفي رجال أبي داود : الهجري بفتحتين ، ومثله السيوطي في لب اللباب / 277 باب الهاء ، وفي أنساب السمعاني : هجري بفتح الهاء والجيم وكسر الراء وفي اخره ياء ، النسبة إلى هجر : بلاد باليمن من أقصاها . والمشهور بهذه النسبة جماعة ذكرهم ومنهم : رشيد من أهل الكوفة يروي عن أبيه . وفي تاريخ البخاري ج1 القسم الثاني ص305 : يروي عن أبيه عن عبد الله ، وأنّهم تكلّموا فيه . وفي اللباب لابن الاثير 3 / 285: رشيد الهجري ، نسبة إلى بلد معروف باليمن . وأمّا هجر التي قرب المدينة ، فذكر ابن القيسراني في الأنساب المتفقة / 223 ، وتاج العروس ، ولسان العرب مادّة هجر ، وابن الاثير في النهاية ، واختلف في القلتين المنسوبة إلى هجر ؛ ففي وفاء الوفاء للسمهودي 2 / 386 عن النووي : أنها هجر قرب المدينة ، ومثله في مصباح المنير ، ولسان العرب ، وتاج العروس ، ونهاية ابن الاثير . وفي آثار البلاد لزكريا بن محمود القزويني / 280 : نسب إلى هجر التي بالبحرين ، وسعتها خمسمئة . وحكاه الزركشي عن الأزهري كما في وفاء الوفاء مادة هجر .

الصفحة (72)

برطب من نخلة ، فقلت له : يا أمير المؤمنين أطيّب هذا الرطب ؟ فعرّفه (عليه السّلام) بأنّ الدّعيَّ عبيد الله سيحمله على البراءة منه ؛ وإلا فيقطع يدَيه ورجلَيه ولسانه ويصلبه على جذع من هذه النخلة . فقال رشيد : آخر ذلك إلى الجنة ؟ قال (ع) : (( أنت معي في الدنيا والآخرة )) , قال : إذاً والله لا أتبرّأ منك .

فكان رشيد يختلف إلى تلك النّخلة في النّهار ويسقيها الماء ، ويقول : لك غذيت ولي نبت ! وما دارت الأيّام حتّى تولّى ابن زياد الكوفة ؛ فدعاه وسأله عمّا أخبره به أمير المؤمنين , قال : أخبرني خليلي أنّك تدعوني إلى البراءة منه فلا أبرأ أبداً ؛ فتقطع يدي ورجلي ولساني . قال ابن زياد : لأكذبنّ قوله . ثم أمر به فقطعوا يدَيه ورجلَيه وتركوا لسانه ، وحُمل إلى أهله ؛ فاجتمع عليه الناس وهو يحدّثهم بما أطلعه أمير المؤمنين من علم المنايا والبلايا وفضل أهل البيت ، ثمّ قال : أيّها الناس ، سلوني إنّ للقوم عندي طِلبة لمْ يقضوها . فأسرع رجل إلى ابن زياد وقال : ما صنعت ! قطعت يدَيه ورجلَيه وهو يحدّث الناس بالعظائم ! فأمر به بأن يقطع لسانه ؛ فمات من ليلته ، ثم صُلب(1) على باب دار عمرو بن حُريث(2) .

تقول ابنته قنواء : سألت أبي عمّا يجده من الآلام ، فقال : يا بنيّة ، لا أجد إلا كالزحام بين النّاس(3) . واستفاد رشيد الهجري من صحبة أمير المؤمنين (ع) علم المنايا والبلايا(4) , وكان يخبر الرجل بما يجري عليه ؛ فسمّاه أمير المؤمنين (ع) راشداً(5) .

وهذا الحال يفيد المتأمّل بصيرة ؛ بأنّ كلّ من اتجهت مشاعره نحو المولى سبحانه وتعالى ، وتجلّت له المظاهر الربوبيّة ، وشاهد ما أعدَّ له من النّعيم الخالد في سبيل دعوة الدِّين ؛ هان عليه ألم الجراح . ويؤكّد ما قلنا من ذهول العاشق عندما يشاهد محبوبه عن كلّ ما يرد عليه من الأذى ؛ غفلة النّسوة عن ألم قطع المدية أيديهنّ ؛

____________________________
(1) رجال الكشي / 51 .
(2) ميزان الاعتدال 2 / 339 ، لسان الميزان 2 / 461 .
(3) رجال الكشي / 51 ، بشارة المصطفى / 113 ، أمالي الطوسي / 103 مجلس 6  ، وقد سُمّيت في هذين الأخيرين (أمة الله) .
(4) بصائر الدرجات 6 / 73 باب إن الأئمة يعرفون حال شيعتهم ، وعنه في بحار الانوار11 / 246 في أحوال الامام موسى بن جعفر ـ ط كمباني .
(5) أمالي الطوسي / 104 المجلس السادس ـ الطبعة الحجرية الاُولى .

الصفحة (73)

لمحض مشاهدة جمال الصدّيق يوسف (عليه السّلام) كما حكاه جلّ شأنه ( فَلَمّا رَأَينَهُ أَكبَرنَهُ وَقَطّعنَ أَيدِيَهُنّ وَقُلنَ حَاشَ للّهِ‏ِ مَا هذَا بَشَراً إِنْ هذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ)(1) . وإذا لمْ تشعر النّسوة(2) بمضض الجراح ، فليس من الغريب ألا يجد أصحاب الحسين (ع) ـ وهم زبدة العالم كلّه ـ ألم مس الحديد عند نهاية عشقهم لمظاهر الجمال الإلهي ، ونزوع أنفسهم إلى الغاية القصوى من القداسة بعد التكهرب بولاء سيّد الشهداء (ع) :

بـأبـي  اُفـدي وجـوهاً مـنهمُ      صـافحوا في كربلا فيها الصِفاحا
أوجـهـاً يـشرقن بـِشراً كـلّما      كـلح الـعامُ ويـقطرن سـماحا
تـتجلّى تـحت ظـلماء الـوغى      كـالمصابيح  إلـتماعاً وإلـتماحا
أرخصوا دون ابن بنت المصطفى         أنـفساً تـاقت إلـى الله رواحـا
فـقضوا صـبراً ومـن أعطافهمْ      أرجُ  الـعزِّ بـثوب الـدهر فاحا
لـم  تـذقْ مـاءاً سـوى منبعثٍ      مـن  دم القلب به غصت جراحا
أنـهـلتْ مـن دمـها لـو أنـه      كان من ظامي الحشا يطفى التياحا
اُعـريت فـهي عـلى أن ترتدي      بـنسيج  التّرب تمتاح الرياحا
(3)

 

الحسين مع أصحابه

تمهيد :

إنّ الشريعة المقدّسة أوجبت على النّاس النّهضة ؛ لسدّ باب المنكر ، والردع عن الفساد . وألزمت الاُمّة بمتابعة الإمام في ردِّ عادية الباغين على الخليفة المنصوب علماً للعباد ؛ بعد أنْ يدعوهم إلى التوبة عمّا هم فيه من معاندة الحقّ , والرجوع إلى ساحة الشرع الأعظم ، كما في قوله تعالى : ( وإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى‏ فَقَاتِلُوا التِي تَبغِي حَتّى‏ تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمرِ اللّهِ )(4) ،

____________________________
(1)  سورة يوسف / 31 .
(2) في ديوان الصبابة (في هامش تزيين الاسواق) / 39 : بلغ عدد اللائي قطعن أيديهم أربعين امرأة ، منهن تسع شوقاً ووجداً .
(3) من قصيدة في الحسين (ع) للسيّد عبد المطّلب الحلّي ذُكرت بتمامها في شعراء الحلة 3 / 214 .
(4) الحجرات / آية 9 .

الصفحة (74)

وقد نهض أمير المؤمنين (ع) أيّام خلافته ؛ للدفاع عن قدس الشريعة ، وتنبيه الاُمّة عن رقدة الجهل . وكان الواجب على الناس الفيء إليه ؛ لأنّه إمام الحقِّ ، المفروضة طاعته . وقد اعترف جمهور المسلمين بتماميّة البيعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، وحكموا بأنّ قتاله لمن خرج عليه حقٌّ ، وهذه كلماتهم التي سجّلوها في صحفهم ، شواهد متقنة على هذه الدعوى المدعومة بالعقل والنّقل .

فهذا أبو حنيفة يقول : ما قاتل أحد علياً إلا وعلي أولى بالحقِّ منه . ولولا ما سار علي (ع) فيهم ، لما علم أحد كيف السّيرة في المسلمين . ولا شكّ أنّ عليّاً (ع) إنّما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه ، وفي يوم الجمل سار عليّ (ع) فيهم بالعدل وهو أعلم المسلمين ، فكانت السُنّة في قتال أهل البغي(1) .

واقتفاه تلميذه محمّد بن الحسن الشيباني ، المتوفى سنة ( 187 ) فقال : لو لمْ يقاتل معاوية علياً (ع) ظالماً له متعدياً باغياً ؛ كنّا لا نهتدي لقتال أهل البغي(2) .

وقال سفيان الثوري : ما قاتل عليّ (ع) أحداً إلا كان عليّ أولى بالحقّ منه(3) .

وقال الشافعي : السّكوت عن قتلى صفّين حَسَنٌ ؛ وإنْ كان عليّ (ع) أولى بالحقِّ من كلّ مَن قاتله(4) .

وقال أبو بكر أحمد بن عليّ الرازي الجصّاص ، المتوفى سنة (370 ) : كان عليّ محقّاً في قتال الفئة الباغية ، لمْ يخالف فيه أحد . وكان معه من كبراء الصحابة وأهل بدر مَن قد علم مكانهم(5) .

وقال القاضي أبو بكر ابن العربي ، المتوفى سنة ( 546 ) : كان عليّ إماماً ؛ لأنّهم اجتمعوا عليه . ولمْ يمكنه ترك النّاس ؛ لأنّه أحقّهم بالبيعة ، فقبِلَها حوطة على الاُمّة أنْ لا تُسفك دماؤها بالتهارج فيتخرّق الأمر . وربّما تغيّر الدِّين ، وانقضّ عمود

____________________________
(1) مناقب أبي حنيفة للخوارزمي 2 / 83 ـ 84 ط حيدر آباد .
(2) الجواهر المضيئة 2 / 26 .
(3) حلية الأولياء 7 / 31 .
(4) أدب الشافعي ومناقبه / 314 .
(5) أحكام القرآن 3 / 492 .

الصفحة (75)

الإسلام , وطلب أهل الشام منه التمكين من قتلة عثمان ، فقال لهم عليّ (ع) : (( ادخلوا في البيعة ، واطلبوا الحقَّ تصلوا إليه )) . وكان عليّ (ع) أسدَّهم رأياً وأصوبهم قولاً ، لأنّه لو تعاطى القوَد ؛ لتعصبتْ لهم قبائلهم فتكون حرباً ثالثةً ، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر وتنعقد البيعة العامّة ، ثم ينظر في مجلس الحكم ويجري القضاء . ولا خلاف بين الاُمّة : أنّه يجوز للإمام تأخير القصاص ، إذا أدّى ذلك إلى إثارة الفتنة وتشتيت الكلمة .

وحينئذ فكلُّ مَن خرج على عليّ (ع) فهو باغ ، وقتالُ الباغي واجب حتّى يفيء إلى الحقِّ وينقاد إلى الصلح . وإنّ قتاله لأهل الشام الذين أبوا الدخول في البيعة ، وأهل الجمل والنّهروان الذين خلعوا بيعته حقٌّ ، وكان حقُّ الجميع أنْ يصلوا إليه ، ويجلسوا بين يدَيه ويطالبوه بما رأوا ، فلمّا تركوا ذلك بأجمعهم ، صاروا بغاة ، فتناولهم قوله تعالى : ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ )(1) .

ولقد عتب معاوية على سعد بن أبي وقّاص(2) ، بعدم مشاركته في قتال علي (ع) ؛ فردّ عليه سعد : بأنّي ندمت على تأخيري عن قتال الفئة الباغية ، يعني معاوية ومَن تابعه(3) .

وقال أبو بكر محمّد الباقلاني ، المتوفى سنة ( 403) هـ بعد ذكر جملة من فضائل أمير المؤمنين (ع) : إنّ علياً يصلح للخلافة ببعض هذه الخصال ، ودون هذه الفضائل ، ويستحقّ الإمامة . فهو حقيق بما نظر فيه وتولاه ؛ فوجب الإنقياد له بعقدِ

____________________________
(1) سورة الحجرات / 9 .
(2) في كامل ابن الأثير 3 / 74 عند ذكر البيعة لأمير المؤمنين (ع) قال : لم يبايع سعد بن أبي وقّاص ، وعبد الله بن عمر ، وحسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ومَسلمة بن مخلد ، وأبو سعيد الخدري ، ومحمد بن مسلمة ، والنعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ، ورافع بن حديج ، وفضالة بن عبيد ، وكعب بن عجرة ، وعبد الله بن سلام ، وصهيب بن سنان ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، واُسامة بن زيد ، وقدامة بن مظعون ، والمغيرة بن شعبة . وتعرّض لهم أبو منصور عبد القاهر البغدادي في اُصول الدين / 290 ، والباقلاني في التمهيد / 233 ، وابن تيمية في الفتاوى المصريّة 4 / 226 ، والطبري في تاريخه 3 / 153 . وتعرّض لاعتزال سعد بن أبي وقّاص الذهبي في سير أعلام النبلاء 1 / 79 ـ 83 ، وذكر اعتذاره غير المقبول عند الله وعند رسوله ، وهو عدم اتباعه أحداً إلا أن يعطيه سيفاً له لسان وعينان يعرف بهما المؤمن من الكافر! وفي ترجمته من الاستيعاب : إنّ معاوية كتب إليه شعراً يستميله إليه ؛ فردّ عليه بأبيات يقول فيها :

أتطمع في الذي أعطى علياً      على ما قد طمعت به العفاءُ
لـيومٌ مـنه خير منك حياً      ومـيتاً أنـت للمرء الفداءُ
فـأمّا أمـر عـثمان فدعهُ      فـإنّ الـرأي أذهبه البلاءُ

(3) أحكام القرآن 2 / 224 ـ 225 ط مصر / 1331ﻫ .

الصفحة (76)

مَن عقدها له من وجوه المهاجرين والأنصار ، عشيّة اليوم الثالث من مقتل عثمان بعد إمتناعه عليهم وإصرارهم عليه ؛ لأنّه أعلم مَن بقي ، وأفضلهم وأولاهم بهذا الأمر . وناشدوه الله تعالى في حفظ بقيّة الاُمّة ، وصيانة دار الهجرة ، فبايعوه قبل حضور طلحة والزبير ومبايعتهما له ؛ تبعاً لغيرهما بعد وجوبها عليهما ، ولو تأخّرا عن الإنقياد لكانا مأثومَين . وقولهما له : بايعناك مكرَهين(1) لا يضرّ بإمامة عليّ (عليه السّلام) ؛ لأنّ البيعة له تمّت قبل مبايعتهما ، وطلبهما منه قَتْلَ قتلة عثمان خطأً ، لأنّ عقد الإمامة لرجل على أنْ يَقتل الجماعة بالواحد لا يصح ؛ بعد أنْ كان الإمام متعبّداً باجتهاده ، فقد يؤدّي إلى أنّه لا يجوز قَتْل الجماعة بالواحد ، وإنْ أدّى إليه اجتهاده فقد يجتهد ثانياً إلى عدمه ، ولو ثبت أنّ علياً (ع) يرى جواز قتْل الجماعة بالواحد ، لمْ يجز أنْ يقتل جميع قتلة عثمان ؛ إلا بعد أنْ تقوم البيّنة على القتلة بأعيانهم ، وأنْ يحضر أولياء الدَّم مجلسه ويطالبون بدم أبيهم ووليّهم ، وأنْ لا يؤدّي القتل إلى هَرج عظيمٍ وفساد شديد ، قد يكون مثل قتلة عثمان أو أعظم منه . وتأخير إقامة الحدِّ إلى وقت إمكانه أولى وأصلح للاُمّة وأنفى للفساد(2) .

وقال أبو عبد الله محمّد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري ، المتوفى سنة ( 405 ) : الأخبار الواردة في بيعة أمير المؤمنين كلُّها صحيحة مجمع عليها ، وفيها يقول خزيمة بن ثابت وهو واقف بين يدي المنبر :

إذا  نـحن بـايعنا عـلياً فـحسبنا      أبـو حـسن مـمّا نخاف من الفتنْ
وجـدناه  أولـى الناس بالناس إنه      أطـبُّ قـريش بـالكتاب وبالسُّننْ
وإنّ قـريـشاً مـا تـشق غـبارَه      إذا ما جرى يوماً على الضمر البدنْ
وفـيه الـذي فـيهم من الخير كلِّه      ومـا فـيهمُ كلُّ الذي فيه من حَسنْ

وساق الذهبي جميعه في تلخيص المستدرك ولم يتعقّبه(3) ، ثم حكى الحاكم

____________________________
(1) في مستدرك الحاكم 3 / 114 : أول من بايعه طلحة فقال : هذه بيعة تُنكث .
(2) التمهيد / 229 ـ 232 .
(3) المستدرك 3 / 115 ، وقد زاد عليها السيد المرتضى في الفصول المختارة 2 / 67 أبياتاً أربعة ، هي :

وصـيُ  رسول الله من دون أهلِهِ      وفـارسُهُ قد كان في سالف الزمنْ
وأوّلُ  مَـن صلّى من الناس كلِّهم      سوى خيرة النسوان والله ذو المننْ
وصاحبُ كبش القوم في كل وقعةٍ      يكون  لها نفس الشجاع لدى الذقنْ
فـذاك الذي تُثنى الخناصر باسمه      إمـامُهم حتّى اُغـيب في الكفنْ


الصفحة (77)

عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنّه قال : ما وجدت في نفسي من شيء من أمر هذه الآية : ( فَقَاتِلُوا التِي تَبغِي حَتّى‏ تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللّه )(1) إلا أنّي لمْ اُقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى(2) .

وحكى الحاكم النيسابوري عن أبي بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة ، أنّه قال : عهدت مشايخنا يقولون : إنّا نشهد بأنّ كلَّ مَن نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في خلافته ، فهو باغ . وبه قال ابن ادريس(3) .

وقال أبو منصور عبد القاهر البغدادي ، المتوفى سنة ( 429 ) : أجمع أهل الحقِّ على صحّة إمامة عليّ (ع) وقت انتصابه لها بعد قتْل عثمان ، وأنّه كان محقّاً مصيباً في التحكيم ، وفي قتال أصحاب الجمل ، وأصحاب معاوية بصفّين(4) .

وقال أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي الفيروز آبادي ، المتوفى سنة ( 476 ) : إذا خرجتْ على الإمام طائفةٌ من المسلمين ، ورأت خلعه بتأويل ، أو منعت حقّاً توجّه عليها بتأويل ، وخرجتْ عن قبضة الإمام ، وامتنعتْ عليه بمنعة ، قاتلها الإمام ؛ لقوله عزّ وجلّ : ( فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي )(5) ؛ ولأنّ أبا بكر قاتل مانعي الزكاة ، وقاتل عليّ أهل البصرة يوم الجمل ، وقاتل معاوية بصفّين ، وقاتل الخوارج بالنهروان(6) . وظاهره أنّ قتال علي (ع) لهؤلاء بحقٍّ ؛ لأنّه إمام حقٍّ وجبت بيعته في أعناقهم ، وخروجهم عن طاعته ـ وإن كان بتأويل ـ لا يبرّر عملهم .

وقال إمام الحرمين الجويني ، المتوفى سنة ( 478 ) : كان علي بن أبي طالب إماماً حقّاً في توليته ، ومقاتلوه بغاة(7) .

وقال علاء الدِّين الكاساني الحنفي ، المتوفى سنة ( 587 ) : قاتل سيّدنا عليٌ أهل حروراء بالنّهروان بحضرة الصحابة ؛ تصديقاً لقوله (ص) لسيّدنا علي (ع) : (( إنّك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل )) ، والقتال على التأويل هو

____________________________
(1)  سورة الحجرات / 9 .
(2) المستدرك 2 / 463 .
(3) معرفة علوم الحديث / 84 .
(4) اُصول الدين / 286 ـ 292 .
(5) سورة الحجرات / 9 .
(6) المهذّب في الفقه الشافعي 2 / 234 ط مصر / 1343ﻫ .
(7) الإرشاد في اُصول الإعتقاد / 433 .

الصفحة (78)

القتال مع الخوارج . ودلّ الحديث على إمامة سيّدنا عليّ ؛ لأنّ النبي (ص) شبّه قتال سيّدنا عليّ بقتاله على التنزيل ، وكان رسول الله (ص) محقّاً في قتاله على التنزيل ، فلزم أنْ يكون سيّدنا عليٌّ محقاً في قتاله بالتأويل . فلو لمْ يكن إمام حقٍّ لَما كان محقّاً في قتاله إيّاهم ؛ لأنّ الدعوة قد بلغتهم لكونهم في دار الإسلام ومن المسلمين ، ويجب على كلِّ مَن دعاه إلى قتالهم أنْ يجيبه إلى ذلك ، ولا يسعه التخلّف إذا كان عنده غنىً وقدرة ؛ لأنّ طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض ، فكيف فيما هو طاعة ؟ وما روي عن أبي حنيفة : إذا وقعت الفتنة بين المسلمين ، فينبغي للرجل أن يلزم بيته ، محمول على وقت خاص ؛ وهو ألا يكون إمام يدعوه إلى قتال ، وأمّا إذا كان ، فدعاؤه يفترض عليه الإجابة لِما ذكرنا(1) .

وقال يحيى بن شرف النووي الشافعي ، المتوفّى سنة ( 677 ) : كان عليّ هو المُحقُّ المصيب في تلك الحروب . وقال معظم الصحابة والتابعين وعامّة علماء الإسلام : يجب نصر المحقِّ في الفتن ، والقيام معه بمقاتلة الباغين . قال الله تعالى : ( فَقَاتِلُوا الّتِي تَبغِي ) ، وهذا هو الصحيح(2) .

وقال ابن همام الحنفي ، المتوفى سنة ( 681 ) : كان عليّ (ع) على الحقِّ في قتال الجمل وقتال معاوية بصفّين ، وقول النبي (ص) لعمّار : (( تقتلك الفئة الباغية )) وقد قتله أصحاب معاوية ، صريح بأنّهم بغاة . ولقد أظهرت عائشة النّدم ـ كما ذكره أبو عمرو في الإستيعاب ـ وقالت لعبد الله بن عمر : يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري ؟ قال لها : رأيت رجلاً قد غلبك ، يعني ابن الزبير . فقالت : أما لو نهيتني ، ما خرجتُ(3) .

وقال ابن تيمية ، المتوفّى سنة ( 728 ) : لمّا قُتل عثمان ، بايعوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، وهو أحقُّ بالخلافة حينئذ وأفضل مَن بقي ، لكن كانت القلوب متفرّقة ، ونار الفتنة موقدة ؛ فلمْ تتّفق الكلمة ولمْ تنتظم الجماعة ، ولم يتمكّن الخليفة

____________________________
 (1) بدائع الصنائع 7 / 140 أحكام المرتدين .
(2) شرح صحيح مسلم ( في هامش إرشاد الساري )10 / 336 ، 338 .
(3) فتح القدير 5 / 461 كتاب القضاء ـ أدب القاضي ، وفي تاريخ الطبري 5 / 221 قالت عائشة : وددت أََني متُّ قبل يوم الجمل بعشرين سنة . وفي العقد الفريد 2 / 288 عند ذكر أصحاب الجمل ، ومعارف ابن قتيبة / 59 قيل لعائشة : ندفنك مع رسول الله (ص) قالت : لا .

الصفحة (79)

وخيار الاُمّة من كلّ ما يرون من الخير ، إلى أنْ ظهرت الحروريّة المارقة ، فقاتلوا أمير المؤمنين علياً ومَن معه ، فقتلهم بأمر الله تعالى ورسول الله (ص) ؛ طاعةً لقول النّبي (ص) : إنّ الطائفة المارقة يقتلها أدنى الطائفتين إلى الحقِّ ، فكان علي بن أبي طالب ومَن معه هم الذين قاتلوهم ؛ فدلَّ كلام النبي (ص) على أنّهم أدنى إلى الحقِّ من معاوية ومَن معه(1) .

وقال : كلّ فرقة من المتشيّعين مُقرّة بأنّ معاوية ليس كفؤاً لعليّ (ع) بالخلافة ، ولا يجوز أنْ يكون خليفة مع إمكان استخلاف عليّ (ع) ؛ فإنّ فضل عليّ وسابقته وعلمه ودينه وشجاعته وسائر فضائله ، كانت عنده ظاهرة معروفة ، ولمْ يكن بقي من أهل الشورى غيره وغير سعد ، وقد ترك سعد هذا الأمر ، وتوفّي عثمان فلمْ يبقَ لها معين إلا عليّ(2) .

وقال الزيلعي ، المتوفّى سنة ( 762 ) : كان الحقُّ بيد عليّ (ع) في نوبته ، فالدليل عليه ؛ قول النّبي (ص) لعمّار : (( تقتلك الفئة الباغية )) ، ولا خلاف أنّه كان مع علي (ع) وقتَله أصحاب معاوية . ثمّ قال : أجمعوا على أنّ علياً كان مصيباً في قتال أهل الجمل ؛ وهم طلحة والزبير وعائشة ومَن معهم ، وأهل صفّين ؛ وهم معاوية وعسكره . ثمّ قال : لمّا ولي عليّ (ع) الخلافة ، وكان معاوية بالشام قال : لا ألي له شيئاً ، ولا اُبايعه ، ولا أقدِم عليه(3) .

وقال ابن القيّم الجوزيّة ، المتوفّى سنة ( 751 ) : كان عليّ في وقته سابق الاُمّة وأفضلها ، ولمْ يكن فيهم حين وليها أولى بها منه(4) .

وقال أبو عبد الله بن محمّد بن مفلح الحنبلي ، المتوفّى سنة ( 763 ) : كان عليّ (ع) أقرب إلى الحقِّ من معاوية ، وأكثر المنصفين في قتال أهل البغي يرى القتال من ناحية علي (ع) ، ومنهم من يرى الإمساك . وقال ابن هبيرة في حديث أبي بكرة في ترك القتال في الفتنة ، أي في قتل عثمان: فأمّا ما جرى بعده ، فلمْ يكن لأحد من المسلمين التخلّف عن عليّ (ع) ، ولمّا تخلّف عنه سعد وابن عمر واُسامة ومحمد

____________________________
 (1) مجموع فتاوى ابن تيمية 2 / 251 .
(2) المصدر نفسه 4 / 224 .
(3) نصب الراية 4 / 69 في تخريج أحاديث الهداية ـ كتاب أدب القاضي .
(4) بدائع الفوائد 3 / 208 لابن القيّم الجوزية .

الصفحة (80)

ابن مسلمة ومسروق والأحنف ندموا . وكان عبد الله بن عمر يقول عند الموت : إنّي أخرج من الدنيا وليس في قلبي حسرة ، إلا تخلّفي عن عليّ (ع) . وكذا روي عن مسروق وغيره ؛ بسبب تخلفهم(1) .

وقال ابن حجر العسقلاني ، المتوفّى سنة ( 852 ) : كان الإمام علي بن أبي طالب على الحقِّ والصواب في قتال مَن قاتله في حروبه : الجمل وصفّين وغيرهما(2) .

ويحكي محمود العيني ، المتوفّى سنة ( 855 ) عن الجمهور : أنّهم صرّحوا بأنّ علياً (ع) وأشياعه كانوا مصيبين ؛ إذ كان عليّ (ع) أحقَّ الناس بالخلافة ، وأفضل مَن على وجه الدنيا حينئذ(3) .

وقال ابن حجر الهيثمي ، المتوفّى سنة ( 974 ) : إنّ أهل الجمل وصفّين رموا علياً (ع) بالمواطاة مع قتلة عثمان ، وهو بريء من ذلك وحاشاه(4) . ثمّ قال : ويجب على الإمام قتال البغاة ؛ لإجماع الصحابة عليه ، ولا يقاتلهم حتّى يبعث إليهم أميناً عدلاً فطناً ناصحاً يسألهم عمّا ينقمونه على الإمام ؛ تأسّياً بعليّ (ع) في بعثه

____________________________
(1) الفروع 3 / 542 ـ 543 .
(2) فتح الباري 12 / 244 كتاب استتابة المرتدّين ـ باب ترك قتال الخوارج  .
(3) عمدة القاري 11 / 346 كتاب الفتن .
(4) في الكامل لابن الأثير 2 / 240 ، كان محمّد بن سيرين يقول : ما علمت أن علياً اتُّهم في قتْل عثمان حتّى بويع ، إتّهمه الناس . وفي التمهيد للباقلاني ص235 كان علي (ع) يقول بالبصرة : (( والله ما قتلت عثمان ، ولا مالأت على قتله ، ولكنّ الله قتله وأنا معه )) فظنّ قوم أنه أخبر عن نفسه بالقتل بقوله : (( وأنا معه )) وإنّما أراد الله أن أماته ويميتني معه ؛ لأنّه حلف وهو الصادق : أنّه ما قتله ولا مالأ عليه . وفي العقد الفريد 2 / 274 في باب براءة علي من دم عثمان : كان علي (ع) في الكوفة يقول : (( ولئن شاءت بنو اُمية لاُباهلنّهم عند الكعبة خمسين يميناً ما بدأت في حقِّ عثمان بشيء )) . وفي مجموع الفتاوى المصريّة لابن تيمية 4 / 224 كان علي (ع) يحلف وهو البار الصادق بلا يمين : أنه لم يقتل عثمان ، ولا رضي بقتله . وفي تاج العروس 8 / 141 مادة ( نفل ) ، النفل : الحلف ، ومنه حديث علي (ع) : (( لوددت أن بني اُمية رضوا ، ونفلنا خمسين من بني هاشم يحلفون ما قتلنا عثمان ، ولا نعلم له قاتلاً )) ، أي : حلفنا لهم خمسين يميناً على البراءة . وفي إصلاح المنطق لابن السكيت ص170 باب ما يُهمز وترك العامة همزه ، في مادة ( ملأ ) : يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال : (( والله ما قتلت عثمان ، ولا مالأت على قتله )) ، والتمالؤ : الإجتماع على الأمر . وفي كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص60 ، قُتل المغيرة بن الأخنس يوم الدار مع عثمان ، فقال ابنه شعراً يعذر علياً عن الإشتراك مع القوم ، فقال من أبيات :
فأمّا علي فاستغاث ببيته  فلا آمرٌ فيها ولم يك ناهيا
ولابن أبي الحديد كلمة في شرح النهج 1 / 112 تدل على فقهه بالحوادث فقال : كان معاوية شديد الإنحراف عن علي (ع) ؛ لأنه يوم بدر قتل أخاه حنظلة ، وخاله الوليد ، وشرك في جدِّه عتبة أو عمّه شيبة ، وقتل من أعيان بني عبد شمس وأمثالهم نفراً كثيراً ؛ فمن هناك أشاع نسبة قتل عثمان إليه أو انضواء القتلة إليه . وفي الكامل للمبرد 2 / 240 كان عروة بن الزبير يقول : كان علي (ع) أتقى لله من أن يعين على قتل عثمان .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى