|
الصفحة (81)
ابن عبّاس إلى الخوارج بالنهروان فرجع بعضهم إلى الطاعة(1) .
وحديث مناظرة ابن عبّاس مع الخوارج مذكور في آخر خصائص أمير المؤمنين للنسائي
/ 48 .
وقال الشهاب الخفاجي ، المتوفّى سنة ( 1100 ) هـ : حديث النّبي (ص) :
(( تقتل عمّار الفئة الباغية )) ، وقد
قتله أصحاب معاوية وكان مع عليّ (ع) بصفّين ، وهو صريح في أنّ الخليفة هو عليّ (ع) , وأنّ
معاوية مخطئ في اجتهاده . والباغية من البغي : وهو الخروج بغير حقّ على الإمام . وفي
الحديث عنه (صلّى الله عليه وآله) : (( إذا اختلف الناس ، كان ابن سميّة مع الحقّ
)) . وابن سميّة
: هو عمّار ، كان مع علي (ع) . وهذا هو الذي ندين الله به ، وهو أنّ علياً كرّم الله وجهه على
الحقِّ ، ومجتهد مصيب في عدم تسليم قتلة عثمان(2) .
وقال الشوكاني ، المتوفى سنة ( 1255 ) هـ : في حديث أبي سعيد عن النّبي (صلّى الله عليه وآله) :
(( تكون اُمّتي فرقتين ، يخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهما بالحقّ
)) دلالة على أنّ علياً
(ع) ومَن معه هم المحقّون ، ومعاوية ومَن معه هم المبطلون(3) .
وحكى أبو الثناء الآلوسي المفسّر عن بعض الحنابلة : التصريح بوجوب قتال الباغين ؛
لأنّ علياً (ع) اشتغل في زمان خلافته بقتال الباغين دون الجهاد ، فهو إذاً أفضل من
الجهاد . ثمّ ذكر ندم عبد الله بن عمر على تركه المشاركة مع علي (ع) في قتال
الباغين ، ولمْ يتعقّبه الآلوسي بشيء(4) . وقال محمّد كرد علي : ما خالف علي في البراءة من قتلة عثمان , وقد كان قتلته من أكثر
القبائل ، وكانوا عدداً ضخماً لا طاقة لعليّ عليهم . ومن المتعذّر عليه أن يسلّمهم أو بعضهم
؛ وهم عضده ولو كان يعرفهم بأعيانهم . وقد وقعت المسألة على غير رضاه ، وليس من مصلحته أن
يستهدف لغضب عشائر كثيرة تقوم بنصرته اليوم . وكان علي (ع) يحلف بالله أن بني اُميّة لو
أرادوا منه أن يأتيهم بخمسين
____________________________
(1) تحفة المحتاج 4 / 110 , 112 .
(2) شرح الشفا 2 / 166 ط سنة / 1326 .
(3) نيل الاوطار للشوكاني 7 / 138 .
(4) روح المعاني 26 / 151 ط مصر .
الصفحة (82)
غلاماً من بني هاشم يحلفون بالله أنّه ما قتل عثمان ولا مالأ عليه(1) .
هذه نصوص علماء السنّة في أحقية علي (ع) بالخلافة من غيره ، وأن الخارج عليه باغ يستحق
القتال حتّى يثوب إلى الحقِّ ؛ ولذا كان خيار الصحابة والتابعين معه ، ومنهم اُويس القرني
، فإنّه كان في الرجّالة يوم صفين(2) .
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : ما وجدت في نفسي من شيءٍ ؛ مثل ما وجدت أني لم
اُقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله تعالى . وكان يحدّث بما أخبر به النبي (ص)
: أن
أبن سميّة عمّاراً تقتله الفئة الباغية ، وأن البُغاة على الإمام علي(ع) هم : معاوية وأصحابه
. ولمّا سئل عن المشاركة مع علي بن أبي طالب يوم صفين ؛ اعتذر بما لا يجديه يوم فصل
الخطاب ، فقال : إني لم أضرب بالسيف ، ولم أطعن بالرمح ، ولكن رسول الله (ص) قال :
(( أطع أباك
)) فأطعته(3) .
هذا هو التمويه والخداع ! كيف يسوّغ التذرع عن مخالفة الحقِّ بحمل كلام النبي (ص) على
غير حقيقته ؟ أتجوّز الشريعة حمل الحديث على وجوب طاعة الأب حتّى إذا استلزمت ترك
الفرائض ، أو ارتكاب المحرمات ؟ كلا ، إن طاعة الإمام الذي تمّت له البيعة ، كانت مفروضة
في أعناق المسلمين ، لا مناص للامّة حينئذ إلا الخضوع له ، ووجوب امتثال أمره فيما
يدعوهم إليه . ولا طاعة للأبوين في قبال طاعة الإمام (ع) ؛ ولعل قوله تعالى :
(
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ
تُطِعْهُمَا )(4) شامل لذلك ، فإن المراد من الشرك
المنهي عنه : الكناية عن ترك الإنقياد لله سبحانه ، ويدخل فيه الإعراض عن طاعة النبي
(ص) والإمام الذي تمت له البيعة في أعناق المسلمين ؛ ولذلك كانت عائشة تتم في سفرها
إلى البصرة في قتال علي (ع) ، فإن القصر عندها إنما يكون في سفر طاعة(5) .
إنّ الشريعة المقدسة أوجبت على إمام الاُمّة إقامة الحُجّة على كلِّ مَن عانده
،
____________________________
(1) الاسلام والحضارة العربية 2 / 380 .
(2) عمدة القارئ للعيني 11 / 346 .
(3) المصدر نفسه .
(4) سورة لقمان / 15 .
(5) نيل الاوطار 2 / 179 صلاة المسافر ـ باب من اجتاز في بلد
فتزوّج فيها .
الصفحة (83)
وخرج عن طاعته ، بتذكير آلاء الله تعالى المتتابعة على العباد مع ما هم عليه من
التمرد والطغيان . ثمّ يعرّفهم بأن الدنيا الزائلة لا تعود على المنهمك فيها إلا بالخسران
، إذ لعل
بالمواعظ القدسية ، وتلاوة الآيات المحكمة ، يستنير من أعمته الشهوات ؛ فيبصر سبيل الرشاد
، ويلمس الحقيقة الناصعة .
ولقد سار أمير المؤمنين (ع) على هذه الخطّة التي سنّها قانون الإسلام في أيامه
الثلاثة ، بعد الهتاف بأصحابه ألا يتعدوا مقررات الشريعة ، ومنها: عدم الأستعجال في
القتال حتّى تكون الفرقة المقابلة لهم هي العادية بقتال المؤمنين ؛ لتثبت الحُجّة على
البادي بالظلم(1) .
وقد أكثر سلام الله عليه وعلى أبنائه المعصومين ، من وعظ أهل الجمل وصفين والنهروان
؛ كي لا يبقى لأحد عذر يوم نشر الصحف ، وتُدحض حجة كلِّ مَن بلغته دعوته وأصر على الخلاف
والعناد ، فاستضاء بأنوار إرشاداته مَن هداه الله إلى الإيمان ، وضلّ مَن ضلّ عن سبيل
الحقِّ .
الحسين يوم الطفّ
وعلى هذه السنن مشى أبو عبد الله الحسين (ع) يوم الطفّ ، فلم يبدأ القوم بقتال مهما
رأى من أعدائه التكاتف على الضلال ، والمقابلة له بكلِّ ما لديهم من حول وطول حتّى منعوه
وعياله وصحبه من الماء ، الذي لم يزل صاحب الشريعة (ص) يجاهر بأنّ الناس في الماء
والكلأ شرع سواء ؛ لأنّه (ع) أراد إقامة الحُجّة عليهم . فوقف في ذلك الملأ المغمور
بالأضاليل ، ونادى بحيث يعي الجماهير حُجّته ، فعرَّفهم أولاً ، خسارة هذه الدنيا الفانية
لمَن تقلّب فيها ، فلا تعود عليهم إلا بالخيبة . ثمّ تراجع ثانية إلى التعريف بمنزلته من
نبيّ الإسلام ، وشهادته له ولأخيه المجتبى (عليهما السّلام) بأنهما سيّدا شباب أهل الجنة
. وناهيك بشهادة
مَن لا ينطق عن الهوى ، وكان محبوّاً بالوحي الإلهي أنْ تؤخذ ميزاناً للتمييز بين الحقِّ
والباطل . وفي الثالثة ، عرَّفهم أنّه يؤدّي كلَّ ما لهم عنده من مال وحرمات . وفي
الرابعة ، نشر المصحف
____________________________
(1) نهج البلاغة 3 / 304 في وصاياه (ع) .
الصفحة (84)
الكريم على رأسه ، ودعاهم إلى حُكمه . وحتّى إذا لم تجدِ هذه النصائح القيّمة فيهم
، ووضح لديه إصرارهم على الغيِّ والعناد لله تعالى ولرسوله (ص) ، كشف السّتار عن
الإباء العلوي ، الذي انحنت عليه أضالعه ، ورفع الحجاب عن الأنفة التي كان أبناء
علي (ع) يتدارسونها ليلاً ونهاراً ، وتلهج بباب أنديتهم ، فقال صلوات الله عليه :
(( ألا وإنّ الدعيَّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين ؛ بين
السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة . يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون ،
وحجورٌ طابت وطهرت ، واُنوف حميّة ، ونفوس أبيّة من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع
الكرام . ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العدد ، وخذلان الناصر )) .
كـيف يـلوي على الدنية iiجِيدا لـسوى الله مـا لواه iiالخضوعُ
ولـديه جـأش أردُّ من iiالدرعِ لـظمأى الـقنا وهـنَّ iiشروعُ
وبـه يـرجع الـحفاظ iiلصدرٍ ضاقت الأرض وهي فيه تضيعُ
فـأبى أن يـعيش إلا iiعـزيزا أو تجلّى الكفاح وهو صريعُ(1)
هذه وصايا الشريعة المطهّرة ، وأحكامها الباتّة في الدعوة إلى الحقِّ ، والنّهضة
لسدِّ باب الباطل . وكما ألزمت جهاد المضلّين المشركين أباحت ترك الجهاد للصبي ،
والمقعد ، والأعمى ، والشيخ الكبير ، والمرأة ، والبالغ الذي لم يأذن له أبواه .
لكن مشهد (الطفِّ) خرق ناموسها الأكبر ، وجاز تلك المقررات جرياً على المصالح
والأسرار التي قصرت عنها أحلام البشر ، وقد تلقّاها أبيّ الضَيم (عليه السّلام) من
جدّه المنقذ الأكبر ، وأبيه الوصي المقدَّم .
فالحسين (ع) لم يشرِّع سُنّة اُخرى في الجهاد ، وإنّما هو درسٌ إلهيّ أثبته اللوح
الأقدس في عالم الإبداع ، محدد الظرف والمكان ، تلقّاه الأمين جبرئيل(ع) وأفاضه على
حبيب الله وصفيه محمّد (ص) ، فأودعه صاحب الدعوة الإلهية عند ولده سيد الشهداء (ع) .
فكلُّ ما يُشاهَد في ذلك المشهد الدامي من الغرائب التي تنحسر عن الوصول إلى كنهها
عقول الرجال ؛ فهو ممّا آثر المولى سبحانه به وليّه وحجّته أبا عبد الله الحسين (ع)
.
____________________________
(1) من قصيدة في الحسين (ع) للسيد حيدر الحلّي رحمه الله .
الصفحة (85)
وعلى هذه السُّنن مشى شهيد الكوفة مسلم بن عقيل ، المُميّز في العلم والعمل
، ووفور العقل
، والملكات القدسية ، كما يقتضيها تأهّله للولاية والنّيابة عن الإمام الحُجّة (ع) . وقد كابد
من شدّة الظمأ ما يجوِّز له شرب النجس ، ولكن ابن عقيل كقمر الهاشميين رضيعا لبن واحد
، وخريجا مدرسة الإمامة والعصمة ، فحازا أرقى شهادة في الإخلاص بالمفاداة دون الدِّين
الحنيف ، من أئمّة معصومين جعلتهما القدوة في الأعمال الصالحة . فكما أنّ مسلماً لم يذق
الماء حتّى لفظ نفسه الأخير , لم تسمح نفس أبي الفضل في الورود ، حين زلزل الصفوف عن
مراكزها حتّى ملك الماء وحده ، وقد علم بعطش سيّد الشهداء (ع) ، وحرائر المصطفى (ص) ، والصبية
الفاطميّة . فلم تجوّز له الشريعة التي تلقّاها من أبيه الوصي ، وأخويه الإمامين
(( إن
قاما وإن قعدا ))(1) على حدّ تعبير النبي (ص) ، الريَّ من ذلك المعين
؛ تداركاً لنفس حجّة
الوقت ولو في آن يسير . غير أنّ المحتوم عاقه عن بلوغ الاُمنية :
لـم يـذُق الـفرات اُسـوة iiبـه مُـيـمماً بـمـائه نـحو iiالـخِبا
لـم يـرَ فـي الـدين يـبلّ iiغلّة وصـنوه فـيه الـظّما قـد iiألهبا
لــذاك قــد أسـنـده iiلـدينه وعـن يـقينٍ فـيه لن iiيضطربا
هـذا مـن الـشرع يـرى فعلتَه ومـن صـراط أحـمدٍ ما iiارتكبا
ومـثله الـحسين لـمّا مـلك iiال مــاءَ فـقيل رحـله قـد iiنُـهبا
أمَّ الـخـيام نـافـضاً iiلـمـائه إذ عـظم الأمـر به iiواعصوصبا
فـكـان لـلعبّاس فـيه iiاُسـوةٌ إذ فاض شهماً غير مفلول الشبا(2)
لقد نهض أبو عبد الله الحسين (ع) بذلك الجمع النزر ، المؤلّف من شيوخ وصبية ورضّع ونساء
، مع العلم بأن مقابليه لا يرقبون فيه إلاً ولا ذمة . قادمين على استئصال شأفة النبي (ص)
في أهله وذويه ، لكن سياسة ( شهيد الطفّ ) ـ التي لا يُدرك مداها ، وتنحسر العقول عن تفسير
مغزاها ـ عرَّفت الأجيال الواقفين على هذه الملحمة ـ التي لم يأت الدهر بمثلها ـ بأعمال
هؤلاء الجبابرة ، الذين لم يُسلم أسلافهم حين أظهروه إلا فرقاً من سيف الإسلام .
وقد
أصاب أبو عبد الله (ع)
____________________________
(1) كشف الغمة للأربلي ص 159 في أحوال الحسين (ع) .
(2) للحجة الميرز محمّد علي الغروي الأردوبادي .
الصفحة (86)
شاكلة الغرض يوم تقشّعت سحب الأوهام بأنوار نهضته الوضيئة ، وهتاف حرمه الذي بلبل
الأفكار ، وأقلق الأدمغة حتّى راحت الأندية تلهج بما احتقبه هؤلاء الطغاة ومَن قبلهم
، من
الشنار والعار .
الرخصة في المفارقة
وعلى هذا النّهج القويم تكون مصارحة سيّد الشهداء بكلمته الثمينة ، البعيدة المغزى
، الحكيمة الأساس ، المتضمنة تجويزه لأهل بيته وصحبته بمفارقته .
ونص ما يتحدث به
المؤرخون عن ذلك ؛ قوله (عليه السّلام) لأهل بيته وصحبه عشيّة التاسع من المحرم :
(( إنّي لا
أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي , ولا أهل بيت أبرَّ وأوصل من أهل بيتي , فجزاكم
الله عني جميعاً . ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء غداً , وإني قد رأيت لكم فانطلقوا
جميعاً في حلٍّ ليس عليكم مني ذمام . وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً , وليأخذ كلُّ رجل
منكم بيد رجل من أهل بيتي , فجزاكم الله جميعاً خيراً. وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم
؛ فإن القوم إنما يطلبوني , ولو أصابوني لذُهلوا عن طلب غيري ))(1)
.
ما أجلّ مغزاك يا أبيَّ
الضيم ! وما أسمى ما ترمي إليه يا سيّد الشهداء ! وما أحكم أقوالك وأفعالك يا روح النبوّة
! بلى إنّ هذه الجملة الذهبيّة كتبت بأحرف نوريّة على جبهة الدهر : إنّ اُولئك الصفوة
الميامين ـ الذين وصفهم أمير المؤمنين (ع) بأنّهم سادة الشهداء , وأنّهم لم يسبقهم سابق
, ولا يلحقهم لاحق(2) ـ زبدة العالم , ونخبة الكون . وقد استضأنا من تلك الإشعاعات طوايا
نيّاتهم ؛ من الحزم والثبات ، والإخلاص في المفاداة ، والتضحية القدسيّة ، وفي كلّ ذلك دروس
راقية لمَن يريد اقتصاص أثر اُولئك الاُباة في الترفّع عن الدنايا ، والموت تحت راية
العزم ، وعدم الخضوع للسّلطة الغاشمة ، إمّا ظفر بالأمنية ، أو فوز بالشهادة والسّعادة .
ولولا تلك الرخصة بالمفارقة الصادرة من أمين الشرع والشريعة ، وتلك
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 238 ، الكامل في التاريخ 4 / 24 ، البداية و
النهاية 8 / 178 وقد ذكر اذنه بالمفارقة ، وإصرار أصحابه وأهل بيته على المفاداة . ورواه الفضل
بن شاذان النيسابوري في (اثبات الرجعة) عن أبي جعفر (ع) ، ورواه الشيخ المفيد في
الإرشاد ، والطبرسي في إعلام الورى ، والفتّال النيسابوري في روضة الواعظين ، وذكره الخوارزمي في
المقتل 1 / 246 .
(2) كامل الزيارات لابن قولويه / 970 ـ 999 .
الصفحة (87)
الكلمات التي أباحتها نفوسهم الطاهرة ، لما أمكن للأجيال معرفة مبلغهم من العلم
واليقين ، وتفاضلهم في الملكات ، وطموحهم إلى أبعد الغايات السامية ، والثبات على المبدأ
بإخلاص وبصيرة .
فسيّد الشهداء أراد بذلك اختبار نفوسهم ـ والإختبار من الحكيم العالم بما كان ويكون
، لا يحطُّ من علمه ووقوفه على الخفايا بعد أن كانت الغاية الملحوظة له ثمينة ، والمقصد
سام . وهو الذي أشرنا إليه من التعريف بملكات أصحابه ، وأهل بيته (عليهم السّلام) ـ ولا غرابة في هذا
الإختيار بعد أن صدر مثله من ( فاطر الأكوان ) جلّ شأنه ، الذي لا يغادر علمه صغيراً ولا
كبيراً ؛ فيأمر خليله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وهو لا يريده ، مع العلم بطاعة رسوله
الخليل ، وثبات نبيّه إسماعيل ، لولا المصلحة التي يعلمها ربّ العالمين وإن انحسرت عن
إدراكها العقول .
وقصّة الأقرع ، والأبرص ، والأعمى تشهد بأنّ الله تعالى إنّما أراد
بالإنعام عليهم ؛ التعريف لمن يقف على قصّتهم بلزوم الشكر على الإنعام ، وإنّ الكفران
عاقبته الخسران(1) .
وأبو عبد الله (ع) أراد بهذا الإختبار ؛ تعريف الأجيال مبوّأ أهل بيته وصحبه من الشرف
، والعزِّ ، وطهارة أعراقهم ، وخضوعهم لما فيه مرضاة الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) .
إنّ العلم بمبلغ أي رجل في العالم من الطهارة ، والثبات على المبدأ ، والطاعة للأصلح
المرضي للمولى تعالى ، لا يحصل إلا بأقواله المشفوعة بالعمل الصحيح ، أو بشهادة مَن له
الوقوف على حركاته وسكناته . ولم يخفَ على كلّ أحد قصور التأريخ الذي بأيدينا ، عن كثير
من أعمال الرجال الصالحين ، الذين بذلوا كلَّ ما لديهم من جاه وحرمات في سبيل تأييد
الشريعة الحقّة ، ولم يحمل التأريخ شيئاً من أعمال اُولئك الصفوة ( شهداء كربلاء ) ؛
لنتشوَّف منه قداسة ضمائرهم ، وخلوص نيّاتهم ، وتزكية تفوسهم ، غير ذلك المشهد الدامي
. ولولا تلك الأقوال التي صارح بها أصحابُ الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته ، حينما أبدى لهم
الرخصة في مفارقته ، وأباح لهم تخليهم عنه مع القوم الذين تجمهروا عليه ، لما عرفنا
تفاضلهم في الملكات ، وتفاوتهم في النظرات البعيدة الغور ، والفضيلة التي لمْ يستوفها البشر
.
____________________________
(1) صحيح البخاري كتاب الأنبياء ـ باب الأقرع والأبرص 4 / 146 و فتح الباري 6
/ 323 في هذا الباب .
الصفحة (88)
والعلم نور يقذفه الله تعالى في قلب مَن يشاء من عباده ، مع التفاوت شدّةً وضعفاً .
فهذا مسلم بن عوسجة الأسدي ، لم يكشف التأريخ عن أعماله الخالدة ،
ومزاياه الصالحة بقليل ولا كثير ، غير كلمة شبث بن ربعي : أنّه غزا مع المسلمين ( آذربيجان ) وقتل ستّة من المشركين قبل تتام خيول المسلمين . وما
عسى أن يعرف منها القارئ إلا مدى ولائه الأكيد لخلفاء النّبي (ص)، وعدم تغيّره بتطوّر الزمن وملابسات الأحوال ، ولكنّ قوله للحسين
(ع) : أنحن نخليِّ عنك ولمّا نعذر إلى الله تعالى في أداء حقّك ؟ أما والله لا اُفارقك
حتّى أكسر في صدورهم رمحي ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لم يكن معي سلاح
اُقابلهم به لقذفتهم بالحجارة حتّى أموت معك .
أفادنا بصيرة بثبات الرجل على المبدأ في آخر مرحلة من مراحل الوجود ، وأنّه لا يهمه في
سبيل مرضاة الله تعالى ورسوله كلّ ما يلاقيه من آلام وجروح دامية . وقد شفّع هذا القول
بالجهود في العمل حين استقبل السيوف والرماح بصدره ونحره ، كما لم يقتنع بهذا حتّى أوصى حبيب بن مظاهر الأسدي ـ ذلك الذي استفاد علم المنايا والملاحم من أمير المؤمنين
(ع) ـ بنصرة
الحسين (عليه السّلام) ؛ ولأنّه لا يعذر عند رسول الله (ص) بالتقصير في حقّه وهو في آخر
رمق من الحياة ، وفاضت نفسه الغالية على هذه العقيدة والطاعة(1) .
وتابعه في إخلاص الولاء والمفاداة سعيد بن عبد الله الحنفي ، إذ يقول
: والله لا
نخلِّيك حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله (ص) فيك ، والله لو علمت أنّي اُقتل
ثمّ اُحيا ثمّ اُحرق حيّاً ثمّ أُذرَّى ، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامي
دونك . فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة ، ثمّ الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً
؟! .
فوقف دون أبي عبد الله (ع) ، ونصح في الذّب عنه ، ولمْ يقنعه ما أصابه من الجروح الدامية
، حين استُهدف لأعداء الله تعالى دون الحسين (عليه السّلام) وهو
____________________________
(1) يذكرني هذا التفاني دون ابن بنت المصطفى اعتذار سعد بن أبي وقّاص
لمّا طلب منه أمير المؤمنين (ع) نصرته ، فقال : إني أكره الخروج في هذه الحرب فاصيب مؤمناً إلا أن
تعطيني سيفاً يعرف المؤمن
من الكافر !! . كتاب الجمل للشيخ المفيد / 59 ط 2 .
الصفحة (89)
يصلّي الظهر في حومة الميدان حتّى استفهم من أبيِّ الضيم : أنّه
أدّى أجر الرسالة ، ووفي
بما أوجبه الله عليه ؛ فيموت جذلاً برضى الربِّ تعالى ، أم هو التقصير فالخيبة والخسران
؟ فطمأنه أبو عبد الله (ع) بنيل السّعادة بالشهادة ، ولقاء الرسول ( ص ) قبله .
وما إن فرغ من خطابه حتّى قام زهير بن القين البجلي ، يتلو على مسامع
الأجيال تعاليم
راقيةً في الدعوة إلى الدين ، أعقبت له الخلود إلى الأبد . فيقول للحسين (ع) : والله لوددت
أنّي قُتلت ، ثمّ نُشرت ، ثمّ قتلت حتّى اُقتل على هذه ألف مرّة ، وإنّ الله يدفع بذلك القتل عن
نفسك ، وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك .
لا شك قي قبول الطاعة من العبد لو كان ما يأتي به من الأعمال بلحاظ الربح يوم
الخلود ، ولكن هناك ما هو أبعد غوراً وأسمى قصداً ، وهو طاعة أهل اليقين الذين لا يهمهم
في أداء ما وجب عليهم ؛ إلا كون المولى سبحانه أهلاً للعبادة .
وزهير هذا هو وعاء
اليقين والإيمان الخالص ، أقرأنا في هذا الموقف نظراته البعيدة ، وعقائده الحقّة ، وغاياته
السّامية من حفظ شخص الإمامة الواجبة من قبل الله تعالى ، والنّفوس العزيزة لرسول الله
(ص) . وإنّه لا يريد بعبادته لله تعالى في جهاد أعدائه ، ثواب الآخرة ، والمجازات على
الجهود يوم تقسّم الاُجور على الصالحات ، وإنّما أراد بهذه العبادة دفع اليد العادية عمّا
يسوء شخص الرسالة الممتزجة بشخصيّة حُجّة الوقت على حدّ تعبير النّبي (صلّى الله عليه وآله
وسلّم) عنها : (( حسين منّي ، وأنا من حسين ))(1)
. فإنّ صاحب الشريعة لم يرد بهذا التعبير تعريف الاُمّة بكون
شهيد الطفِّ بضعة منه ؛ لما فيه من الركاكة التي يأباها كلام سيّد البلغاء ، لإنّ كلّ ولد
بضعة من أبيه فلا امتياز للحسين (ع) ، ولكنه أراد (ص) بهذه الجملة الذهبيّة ، الإشارة
إلى ما
ينوء به سيّد الشهداء من توطيد اُسس
____________________________
(1) رواه من الامامية السيد المرتضى في أماليه 1 / 157 المجلس
الخامس عشر، وابن قولويه في كامل الزيارات / 53 . ومن أهل
السنة الترمذي في جامعه في مناقب الحسين(ع) ، والحاكم في المستدرك 3 / 177 ، وابن عساكر في تاريخ
مدينة دمشق 14 / 149 ، وابن حجر في مجمع الزوائد 9 / 181 ، والهيثمي في الصواعق المحرقة
/ 115 حديث 23 ، والبخاري في الأدب المفرد ، والمتقي الهندي في كنز العمال 7 / 107
وغيرهم الكثير .
الصفحة (90)
الإسلام ، وكسح أشواك الباطل عن صراط شريعة العدل ، وتنبيه الاُمم على جرائم أعمال مَن
يعبث بقداسة الدِّين . فكما أنّ النّبي (ص) أول ناهض لنشر الدعوة الإلهيّة ، يكون الحسين آخر
ناهض لتثبيت دعامتها :
قـد أصبح الدينُ منه شاكياً iiسقماً ومـا
إلى أحدٍ غيرِ الحسين iiشكا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفا إلا إذا دمـه فـي كـربلا iiسُفكا
ومـا سـمعنا عـليلاً لا دواء iiله إلا بـنـفس مـداويه إذا iiهـلكا
بـقتله فـاح للإسلام نشرُ iiهدىً فـكلّما ذكـرته المسلمون ذكا(1)
ولولا هذه المصارحة من ( ابن القين ) ، لَما أمكننا استطلاع ما اختبأ بين جوانحه من
الولاء الأكيد لِمَن وجبت لهم العصمة من المهيمن سبحانه ، وقيّضهم أعلاماً لعباده وحفظة
لشرعه ، مع أنّ التاريخ لم يسجّل له غير الموالاة ( لعثمان بن عفّان ) ، ومقت ابن الرسول
الأطهر(ع) .
أمّا موقف عابس بن أبي شبيب الشاكري يوم البيعة لمسلم بن عقيل بالكوفة
، ويوم الطفِّ ، فيفسِّر
فضله الكثير ، وعقيدته الراسخة بمحبّة أهل البيت (عليهم السّلام) ، وإنّه لا يهمّه في سبيل
حفظ الإمام (ع) ـ ولو في بعض الأناة ـ إزهاق نفسه ، وبذل كلِّ ما لديه من نفيس . فيقول لمسلم
بن عقيل حينما شاهد تلك النفوس الخائنة متداكة على البيعة له : إني لا اُخبرك عن
الناس ، ولا أعلم ما في نفوسهم وما أغرّك منهم . ووالله إني اُحدثك عمّا أنا موطّن نفسي
عليه ؛ والله لأجيبنّكم إذا دعوتم ، ولاُقاتلنّ معكم عدوّكم ، ولأضربنّ بسيفي دونكم
حتّى ألقى الله ، لا اُريد بذلك إلا ما عند الله(2) .
ففسّر بهذه الكلمة الموجزة نوايا القوم وخور عزائمهم ، وأنّهم مجبولون على الغدر والنّفاق
ومتابعة الأهواء ، وأنّهم لم يرقهم المكاشفة في الميل عنه ؛ لئلا يعود ذلك فتّاً في عضد
البيعة الواهية ، ومثاراً للإحن . فأجملوا القول وهم ينتظرون نواجم العاقبة ، وإلا فلم لم
يحصل لمسلم بن عقيل الواحد من هؤلاء الآلاف مَن يدلّه على الطريق يوم اظلمت عليه
الآفاق ، فلم يدرِ إلى أين يتوجّه ؟! .
____________________________
(1) من قصيدة في الحسين(ع) للسيد جعفر الحلي طبعت في ديوانه .
(2) تاريخ الطبري 6 / 199 .
الصفحة (91)
ثمّ يقول ابن أبي شبيب للحسين (ع) يوم الطفِّ : ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد
أعزّ
علي منك ، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء أعزّ عليَّ من نفسي لفعلت(1) .
بلى يابن أبي شبيب ، إنّ الرجال المخلصين لله تعالى ، المتفانين في خدمته لا يرون
الوجود إلا متلاشي الأطراف ، والبقاء الأبدي بنصرة الإمام علّة الكائنات ومدار
الموجودات .
ثمّ يقوم نافع بن هلال فيقول : والله ما أشفقنا من قدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربّنا ، إنّا
على نيّاتنا وبصائرنا ؛ نوالي من والاك ونعادي من عاداك . ويتكلّم أصحابه بما يشبه ذلك .
ولمّا أذِن (عليه السّلام) لأهل بيته بالإنصراف قالوا بأجمعهم بصوت واحد : أنفعل ذلك
لنبقى بعدك ! لا أرانا الله ذلك أبداً ، ثمّ التفت إلى بني عقيل وقال :
(( حسبكم من القتل
بمسلم ، قد أذِنتُ لكم )) . فانطلقت ألسنتهم تعبّر عمّا أضمر في جوانحهم من النصرة للدِّين
، والذبِّ عن شخص الإمام
الحُجّة (ع) ، فقالوا : إذَن ما نقول للناس ؟! إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام
، ولمْ نرمِ معهم بسهم ، ولمْ نطعن برمح ، ولمْ نضرب بسيف ؟ لا والله لا نفعل ، ولكن نفديك
بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ؛ نقاتل معك حتّى نرد موردك ، فقبّح الله العيش بعدك .
إنّ هذه المفاداة في ذلك المأزق الحرج ، الذي تقطّعت فيه خطوط المدد ، وسدّ دونهم باب
الورود المباح للحيوانات ، تكشف عن بلوغهم أسمى صفات الكمال ، وتجرّدهم عن عوارض الدنيا
الفانية . ولو كانوا يحملون أقلّ شيء من الرغبة في البقاء والتبلغ في هذا الوجود ؛ لاتّخذوا الإذن بالمفارقة ذريعة يتذرّعون بها يوم الحساب
، ولكنّ هذه النّفوس التي فطرها
ربّ العالمين من طينة القداسة ، وامتزجت بنور اليقين لا ترغب في البقاء إلا
أن تحقّ الحقّ ، أو تبطل الباطل . وهل تستمرئ العيش وهي تعلم ما يلاقيه فلذة كبد الرسول
(ص) ، ومهجة الإسلام من الجروح الدامية ، والأوام المبرح ؟ :
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 254 .
الصفحة (92)
نـفوس أبـتْ إلا ترات iiأبيهُمُ فـهم بـين موتور لذاك iiوواترِ
لقد ألفت أرواحُهمْ حومة الوغى كما أنِست أقدامهم iiبالمنابرِ(1)
وفي هذا الحين اُنهيَ إلى محمّد بن بشير الحضرمي خبر أسر ابنه بثغر الرّي ، فقال : عند
الله أحتسبه ونفسي ، ما اُحبّ أنْ يؤسر وأبقى بعده . فلمّا سمع الحسين (ع) هذا منه أذِن له
بالمفارقة ، وحلّ عقد البيعة ؛ ليعمل في فكاك ابنه . فلمّا سمع ذلك من سيّد الشهداء ثارت به
حمية الدين ، وحفّزه الولاء الصادق إلى إظهار عقيدته الراسخة في التفاني دون شخص
الإمام (ع) ، فقال : يا أبا عبد الله ، أكلتني السّباع حياً إن فارقتك .
إنّ الإيمان الثابت ، والطاعة لله تعالى وللرسول (ص) يرفعان مَن تمكّنا فيه إلى أوج العظمة
، وفوق مستوى الفضيلة . ولو كان ابن بشير متزلزل العقيدة ؛ لاغتنم فرصة الإذْن بالإنصراف
عذراً عند المولى سبحانه وعند الناس .
إنّ ( الشهامة الحسينيّة ) لم تترك لصاحبها منتدحاً دون المجاهرة بالإفراج عن العبد
الأسود ( جون مولى أبي ذر الغفاري ) ؛ لئلا يقيّده الحياء عن الفرار . ولكن سيّد الشهداء
(ع) ، بعد أن عرف صبره ، وثباته عند الهزاهز أراد بامتحانه ؛ تعريف المتجمهرين عليه
، ومَن يأتي
من الاُمم نفسيّة هذا العبد الأسود ، ومبلغ موقفه في الذبِّ عن الشريعة ـ التي تلاعبت بها
أيدي الخائنين ـ مهما تفاقم الخطب ، وتراكمت الأهوال . فأباح له حلَّ العهد والنّجاة بنفسه
، فقال له : (( يا جون ، إنّما تبعتنا طلباً للعافية ، فلا تبتل بطريقتنا
)) . فعندها تسابقت دموعه
؛ خوفاً من عدم التوفيق لنيل السّعادة الخالدة ، وقد مزجها بقوله الذي لمْ يزل رجع صداه
في مسامع الأجيال ، معرفاً بنجاح الصابر عند الهزاهز ( وإنّما الراحة بعد العنا ) . فقال : أنا في الرخاء ألحَس قصاعكم ، وفي الشدّة أخذلكم ! إن ريحي لنتن ، وحسبي لئيم ، ولوني
أسود فتنفس عليَّ بالجنة ؛ ليطيب ريحي ، ويشرف حسبي ، ويبيضّ لوني . لا والله لا اُفارقكم
حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم(2) .
ولولا هذه المصارحة من الحسين (ع) ، لما تسنّى لكلّ أحد الوقوف على
____________________________
(1) مثير الأحزان لابن نما / 38 .
(2) الملهوف على قتلى الطفوف / 61 ط صيدا .
الصفحة (93)
طهارة ضمير هذا العبد ونواياه الحسنة . وإنَّ ثباته على القتل ، بعد الإفراج والإذن
بالمفارقة يخبر عن عقيدة راسخة .
الخلاصة
إنّ حفظ شخص الإمام (ع) كحفظ شخص النّبي (ص) مما يلزم به العقل والشرع
، ولا يسع كلّ أحد
التخلّف عنه وتركه ومَن يريد استئصاله ، بل الواجب بذل النّفس والنّفيس دونه ؛ ليدرأ بذلك
العدوان عن نفس الإمام الذي هو حياة الوجود وبقاء الكون . كما يجب على الإمام (ع)
الدعوة إلى نصرته والدفاع عنه ، مع العلم بأنّ الموافق له قادم على إزهاق نفسه القدسيّة
، وأنّه لا ندحة له عن دفع الموت ، فيجوز له عدم إلزام أي أحد بالدفاع عنه ؛ لخلوّه عن
الفائدة .
والحسين (ع) كان عالماً بما يجري عليه من أعدائه , وعدٌ لا خلف فيه ، وقضاء غير مردود
، كما
أنبأ اُمّ سلمة بقوله : (( إنْ لمْ أخرج اليوم خرجتُ في غد ، وإنْ لمْ أخرج في غد فبعد غد
. وهل
من الموت بُدّ ! أتظنين أنّك تعلمين ما لمْ أعلمه ؟ )) .
إذاً فلا يجب عليه إلزام الغير بالدفاع عنه . نعم ، لا يسقط التكليف عمّن فقد العلم
بالمقدّرات الإلهيّة من البشر في القيام بالدفاع عن شخص الإمام الحُجّة ، ولا يُعذر مَن
يبصر حصار القوم لمَن أهَّله الله تعالى خليفة على العباد ، وقطعهم خطوط المدد عنه ، وسدّ
باب الورود عليه ، فلم ينهض لردِّ العادية عنه ؛ كي لا يخلص إليه ما يزهق نفسه القدسيّة
. ولا
يقبل الله تعالى حجّة مَن ينظر هذا الحال ، ثمّ يتقاعس عن النّصرة وإنْ اعصوصب الأمر
وتفاقم الخطب ، أللهم إلا أنْ يأذن حُجّة الزمن بمفارقته ، وتخليته مع أعدائه ؛ لكونه العالم
بالمصالح تعليماً من لدن حكيم عليم ، تعالى شأنه . وحينئذ لا يلزم العقل ، ولا الشرع
بالبقاء معه والدفاع عنه ، ولا يكون مَن يفارقه متعدياً على مقررات الشريعة ، ويصحّ له
العذر ـ يوم نشر الصحف ـ بترخيص الإمام (ع) في ترك نصرته . ولا يكون الإمام مجازفاً لو
أباح للغير إفراده وأعداءه ، وحلّ عقدة العهد ، بعد التسليم بأنّه لا يتخطّى المصالح
الواقعيّة قيد شعرة . هذا ما يقتضيه تكليف الإمام .
وأمّا تكليف المأذون بالإنصراف ، فإنّه
إذا لم يشاهد استغاثة الإمام واستنصاره ، فلا تبعة عليه ولا مسؤوليّة . وأمّا مع مشاهدته
حيرة الإمام ، وتتابع استغاثته ، فلا يسوغ له ترك النّصرة ؛ للقطع بأنّه في هذا الحال
الصفحة (94)
بحاجة ماسّة إلى الذبّ عنه ، فلا يُقبل منه العذر يوم الحساب .
وإن كلمة أبي عبد الله (ع) لعبيد الله بن الحرّ الجعفي ، يوم اجتمع معه في قصر بني
مقاتل لمّا استنصره فأبى عليه ، قال له الحسين (ع) : (( إنّي أنصحك
إنْ استطعت أنْ لا تسمع
واعيتنا وصراخنا ، ولا تشهد وقعتنا فافعل ؛ فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا إلا
أكبّه الله على منخريه في نار جهنّم )) ، تؤيّد ما سجّلناه من دحض حُجّة مَن يسمع استغاثة الإمام ثمّ لا ينصره
. وأمّا مَن لمْ يسمع
الواعية ، وقد أباح له المفارقة ، فهو معذور.
فالضحّاك بن عبد الله المشرقي لا يُعذر يوم الحساب ؛ لأنّ استنصار الحسين
(ع) في مسامعه
، ويراه مكثوراً ، فالواجب عليه الدفاع إلى آخر نفس يلفظه .
وهذا الرجل جاء إلى الحسين (ع) قبل اشتباك الحرب ، وقال له : إني اُقاتل معك ما رأيت معك
مقاتلاً ، فإذا لم أرَ أحداً ، فأنا في حلّ ؟ . فقال له الحسين (ع) :
(( نعم )) . فخبّأ فرسه في بعض
الأبنية لمّا رأى خيل أصحاب الحسين (ع) تُعقر ، وصار يقاتل راجلاً . ولمّا بقي الحسين
(ع) وحده
قال له الضحّاك : إني على الشرط ؟ ، قال : (( نعم ، أنت في حلٍّ
إن قدرت على النجاة )) . فأخرج
فرسه من الفسطاط وركبها وغار على القوم فأفرجوا له ، وتبعه خمسة عشر رجلاً , فانتهى
إلى (شفية)(1) ، ولحقه القوم وعرفه أيوب بن مشرح الخيواني
، وكثيّر بن عبد
الله الشعبي ، وقيس بن عبد الله الصائدي ، وقالوا لإخوانهم : هذا ابن عمّنا ، ننشدكم الله
لما كففتم عنه ، فنجا منهم(2) .
وقول الحسين (ع) : (( أنت في حلٍّ )) لا يكون عذراً له يوم
الحساب ؛ لأنّ أبا عبد الله (ع) لا يسعه أنْ يقول له : إصبر على القتل ، وهو يعرف
مقام الإصرار على الذهاب . والمولى سبحانه لا يعذره يوم الحشر ؛ لأنّه يسمع استنصار
(أبيِّ الضيم) ، ومَن يسمع الاستغاثة ولا ينصره ، أكبّه الله على وجهه في النّار .
بقاء الشريعة بالحسين
لقد كانت نهضة الحسين (ع) الجزء الأخير من العلّة التامّة لاستحكام عروش
____________________________
(1) قرية قريبة من شاطئ الفرات .
(2) تاريخ الطبري 6 / 255 .
الصفحة (95)
الدِّين ؛ حيث إنّها فرّقت بين دعوة الحقِّ والباطل ، وميّزت أحد الفريقين عن الآخر
حتّى قيل :
إنّ الإسلام بدؤه محمديّ وبقاءه حسينيّ ؛ ولذلك لمْ يجد أئمّة الهدى وسيلة لنشر أمرهم في
الإصلاح ، ونفوذ كلمتهم في إحياء شرع جدّهم الأقدس (ص) إلا لفت الأنظار إلى هذه النّهضة
الكريمة ، لمّا اشتملت عليه من فجائع تفطر الصخر الأصم ، ويشيب لها فود الطفل ، ويذوب
الفؤاد . فطفقوا (عليهم السّلام) يحثّون الاُمّة على تأييدها ، والقيام بذكر ما لاقاه شهيد
الإصلاح من القسوة والإضطهاد ، وإعلام الاُمّة بما حدث في تلكم المشاهد الدمويّة من
مظلوميّة الحسين وأهله وذويه(ع) ؛ لأنّهم صلوات الله عليهم علموا أن في إظهار مظلوميّته
مجلبة للعواطف ، واسترقاقاً للأفئدة . فبطبع الحال ، يتحرّى السامع لتلكم الفجائع الوقوف
على مكانة هذا المضطهد ، وأسباب ما ارتُكب منه من أعمال قاسية ،
ويعلم أن سبط النبوّة إمام عدل لم يرضخ للدنايا ، ولم يصخ إلى دعوة المبطلين ، وأن
إمامته موروثة له من جدّه (ص) وأبيه (الوصي) (ع) ، وأنّ من ناواه لا يملك من منصّة الخلافة موضع
قدمه ، وكذا كلّ مَن حذا حذوه وذهب على شاكلته .
وإذا عرف السّامع هذا ، وعلِم أنّ الحقَّ كلَّه في جانب الحسين ومن خلفه
من أئمّة الدِّين (عليهم السّلام) ، لمْ تدع له
عقليته إلا السّير معهم ، واعتناق طريقتهم المثلى ؛ وبذلك تتوطد اُسس السّلام والوئام .
لقد أقعدت السّلطة الغاشمة من بني اُميّة وبني العبّاس أهل البيت (عليهم السّلام) في
دورهم ، وأوصدت عليهم أبواب الإجتماع بشيعتهم ، فلاقوا منهم ضروب الأذى والتنكيل ؛ فآثروا
العزلة على الخروج بالسّيف في وجه دعاة الباطل ، مع ما يشاهدونه من تمادي اُولئك في
الطغيان ، وظلم شيعة أمير المؤمنين (ع) وأبنائه ، وتتبعهم تحت كلّ حجر ومدر ، وإبادتهم
العلويين من جديد الأرض . وكان بمرأى منهم بناء المنصور والرشيد الإسطوانات على ذريّة
فاطمة (عليها السّلام) ، ظلماً وعدوانا(1) .
ولكن لم يفُتْهم الجهاد الأكبر بتحريض شيعتهم على عقد المحافل(2) لذكر
____________________________
(1) عيون أخبار الرضا(ع) 2 / 102 .
(2) عقد المحافل للتذكير بتلك الفاجعة المؤلمة لا يقتصر فيه على ذكرها في البيوت فقط
، فإنه خلاف إطلاق الأخبار . ففي أمالي الصدوق / 131 عن الرضا (ع) :
(( مَن ذكّر بمصابنا فبكى وأبكى
، لم تبك عينه يوم تبكي العيون )) . وفي قرب الإسناد / 26 عن أبي عبد الله (ع)
: (( مَن ذكرنا أو ذُكرنا عنده ، فخرج من عينه مثل
جناح الذباب ، غفر الله ذنوبه )) . وفي كامل الزيارات / 100 عن أبي هارون المكفوف عن أبي
عبد الله (ع) وفيه : (( مَن ذُكر الحسين (ع) عنده ، فخرج من عينه من الدموع مقدار جناج الذباب
، كان ثوابه على الله ، ولم يرضَ له بدون الجنة )) . وهذه الأخبار ونظائرها الكثير تحث
بعمومها على كل وسيلة يتذكر بها مصاب الحسين ، أو مصاب أهل البيت (عليهم السّلام) ، سواء في ذلك عقد
المأتم ، أو بذل المال لأجله ، أو نظم الشعر ، أو كتابة تلك الفوادح أو تدوينها أو
إنشاد
ما جرى عليهم ، أو تصوير تلك الفاجعة أمام الناس بكل مظهر من مظاهره ، فإن الجامع لهذه
الانحاء قوله (ع) (( مَن ذكّر بمصابنا )) .
الصفحة (96)
حادثة الطفِّ الخالدة وتواصل الإستياء ؛ لِما هنالك من فجائع ومصائب
، وإسبال الدموع
لكارثتها المؤلمة . وأكثروا من بيان فضل ذلك إلى حدٍّ بعيد ؛ لأنّهم علموا أنّ هذا هو
العامل القوي في إبقاء الرابطة الدينيّة ، التي لأجلها لاقى أمير المؤمنين (ع) ما
لاقاه ، وأصاب ولده الحسن (ع) ما أصابه . ومصاب الحسين (ع) يدكدك الجبال الرواسي .
فكان أهل البيت (عليهم السّلام) يتحرون أساليب مختلفة من البيان ، توجب توجيه النّفوس نحو
التذكارات الحسينيّة ؛ لِما لها من العلاقة التامّة لحفظ المذهب عن الإندراس ، فعبّروا عنها
بالعموم تارة ، وبالخصوص اُخرى . يقول الإمام الصادق (ع) :
(( رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا
في أمرنا ، فإنّ ثالثهما ملك يستغفر لهما . وما اجتمع إثنان على ذكرنا إلا باهى الله
بهما الملائكة ، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر ، فإنّ في اجتماعكم ومذاكرتكم احياءنا
، وخير
النّاس من بعدنا مَن ذاكر بأمرنا ، ودعا إلى ذكرنا ))(1) .
ويقول(ع) للفضيل بن يسار : (( تجلسون وتحدثون ؟ )) قال : نعم
، جعلت فداك . قال(ع) : (( إنّ تلك المجالس اُحبّها ، فأحيوا أمرنا
يا فضيل ، فرحم الله من أحيا أمرنا ))(2)
. ويقول (ع) أيضاً (( مَن جلس مجلساً يحيا فيه
أمرنا ، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب ))(3) .
فالأئمّة (عليهم السّلام) أرادوا بهذا النّحو من البيان حمل الاُمّة على الإعتقاد بإمامتهم
، وما أوجبه المولى سبحانه من عصمتهم ، وما أهّلهم له من الفضائل والفواضل ، وأنّ الدعوة
إليهم ملازمة لاعتقاد خلافتهم دون من اغتصب ذلك المنصب الإلهي .
إنّ التذكارات الحسينيّة على اختلاف صورها ؛ من عقد العزاء والمآتم(4)
____________________________
(1) أمالي الشيخ الطوسي / 224 .
(2) قرب الإسناد / 36 .
(3) أمالي الشيخ الصدوق / 131 .
(4) في مصباح المجتهد / 772 ، وكامل الزيارات / 174 عن مالك الجهني
: إن الامام الباقر (عليه السّلام) كان يقول في يوم عاشوراء ((
. . . ثمّ ليندب الحسين (ع) ويبكيه ، ويأمر مَن في داره ـ ممّن لا يتّقيه ـ بالبكاء عليه
، ويقيم في داره
المصيبة باظهار الجزع عليه ، وليعزِّ بعضهم بعضاً بمصابهم بالحسين
(ع) ، وأنا الضامن على الله لهم إذا فعلوا ذلك أن يعطيهم ثواب ألفي ألف حجة وعمرة وغزوة مع
رسول الله والأئمة الراشدين عليهم السلام )) .
بتصرّف .
الصفحة (97)
واللطم(1) في الدور والشوارع أوجبت تقدّم الطائفة ، وكان عمل الشبيه
أوضح المصاديق
والحجج على القساوة التي جاء بها الاُمويّون ولفيفهم من تلاوة الشعر . وإنّ ذكر المصاب
؛ لتسرب
ذلك بوضوح إلى أدمغة الأطفال والعامّة ، الذين لا يفهمون ما يشتمل عليه القريض والكتب
من دقائق الحادثة ، هو أحكم وآكد في تأثّر النّفوس ، واحتدام القلوب في حفظ الروابط
المذهبيّة بين الأئمّة (عليهم السّلام) ومواليهم ، وله نصيب وافر في رسوخ العقيدة .
ولقد قلّد الشيعة في تمثيل فاجعة الطفِّ غيرهم من الهنود وبعض فرق الإسلام
، وهم في
الهند أكثر رواجاً من جميع الممالك الإسلاميّة(2) .
فكان لفت الأنظار نحو هذه التذكارات ، والإعتناق بها أمسّ في إحياء أمر المعصومين(ع)
، المحبوب لديهم التحدّث والتذاكر فيه . ولعلّ جملة من هذه الفوائد لا تفهم الاُمّة منها النكتة المهمّة ، بل غاية ما يتصوّرون من فائدة عملهم ، هو الثواب عليه في الآخرة
فقط ، ولكنّ الواقف على أسرار أهل البيت (عليهم السّلام) ، والمستشرف لمغازي أقوالهم
وأفعالهم يتجلّى له ما ألمعوا إليه من هذه النّوادي والمجتمعات ، وحثّوا شيعتهم عليه بمزيد لطفهم وواسع علمهم
.
البكاء على الحسين
من تلك الفوائد ، ما ورد من الحثِّ الكثير البالغ حدِّ التواتر على
البكاء لما أصاب سيّد الشهداء (ع) حتّى جاء في ثواب مَن خرج من عينه كجناح ذبابة ،
أنّه يطفئ حَرّ جهنّم . فإنّ الغرض ليس إلا أنّ الدمعة لا تفاض إلا عند انفعال النّفس ،
وتأثّرها ممّا يصيبها ، أو يصيب مَن تمتُّ به بنحو من أسباب الصلة . ولا
____________________________
(1) روى الشيخ الطوسي في التهذيب 2
/ 283 عن الصادق (عليه السّلام)
أنه قال : (( ولقد شققن الفاطميات الجيوب ، ولطمن الخدود على الحسين بن علي
، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب )) . وذكره الشهيد في كتابه (الذكرى) ، في البحث الرابع من
المطلب الثالث من أحكام الأموات .
(2) ذكر الدكتور (جوزف) الفرنسي في كتابه
( الإسلام والمسلمون ) ، الذي نشرت جريدة
( الحبل المتين ) منه فصلاً بالفارسية في العدد 28 من سنتها 17 : إن التمثيل والشبيه
تداولا بين الشيعة من زمن الصفوية ، الذين نالوا السلطة بقوّة المذهب ؛ بفضل مساعدة
علمائهم الروحانيين .
الصفحة (98)
شكّ إنّا نرى النّفس عند تأثّرها بذلك تكون متأثّرة بشيء آخر ، وهو العداء والبغض لكلّ مَن
أوقع الفوادح والآلام . فالأئمّة ، حيث إنّهم أعرف النّاس بمقتضيات الأحوال والملابسات
التي تؤكّد دعوتهم ، كانوا يتحرّون التوصّل إلى أغراضهم بكلّ صورة ، وكان من الوسائل
التي توجب انحراف الاُمّة عن أعداء الله ورسوله (ص) أمرهم بالبكاء على مصاب الحسين
(ع) ؛ لِما فيه من استلزام تذكّر تلك القساوة انفعال النفس وانقباضها عمّا لا
يلائم خطّتهم ، وهذا هو المغزى لقول الحسين (عليه السّلام) : ((
أنا قتيل العبرة ، لا يذكرني مؤمن إلا استعبر ))(1)
. فالمؤمن حيث يمتُّ إلى الحسين (ع) بالولاء والمشايعة ، كان ذلك
موجباً لتأثّر نفسه ، واحتدام قلبه على كلّ مَن يوجّه إليه الأضرار والأخطار ، ويشتدّ هذا
التأثّر عند تناهي تلك الفوادح .
وكيف كان ، فإنّ سيّد الشهداء (ع) لمْ يقصد بـ ((
أنا قتيل العبرة )) خصوص التعريف بأنّ
قتله كان لأجل أنْ يُبكى عليه ؛ فيستحقّ به الأجر في الآخرة ، بحيث لا يكون هناك أثر آخر
يترتّب عليه قتله سوى البكاء عليه . كيف ؟ وهنالك آثار اُخرى ، أهمّها : إحياء شريعة الحقِّ
،
وتقويم ما اعوجّ من علم الهداية ، ونشر الإصلاح بين الاُمّة ، وتعريف الملأ ما عليه اُمراء
الجَور من السّير وراء المطامع .
ولكنّ الوجه في هذه الإضافة هو تأكّد الصلة بين ذكر مقتله ، وبين البكاء
عليه ، فإنّ لوعة المصاب به لا تطفأ ، ومضض الإستياء له لا تنفد ؛ لاجتماع الكوارث عليه
، وملاقاته لها بصدر رحيب ، وصبر تعجبت منه ملائكة السّماء
. فأول ما يتأثر به السّامع لها أنْ تستدر دموعه ، فلا يذكر الحسين (ع) إلا والعبرة
تسبق الذكر ، أضف إلى ذلك المودّة الكامنة له في قلوب أحبّائه ؛ بحيث إذا انضمّت
إلى تلك
، كانت أدعى لتأكّد الصلة بين ذكره ، وبين البكاء عليه . فمن هنا استحقّ إضافة القتل إليه
، فقال : (( أنا قتيل العبرة )) .
وعلى هذا سار العرب في كلامهم ، فإنّهم إذا رأوا بين الإنسان ، وبين بعض حالاته وصفاته
صلة أكيدة ، أضافوه إلى ذلك الحال ، فقالوا : ( مضر الحمراء ) ، و ( ربيعة الخيل )
، و ( زيد النّار ) ، و ( صبية النّار ) ، و ( مُسمّة الأزواج ) ؛ فإنّ ربيعة ومضر لم يتخلّيا عن
____________________________
(1) كامل الزيارات / 108 .
الصفحة (99)
كلّ صفة حميدة سوى اللواء والخيل ، ولا زيد ابن الامام موسى بن جعفر (ع) لم يتّصف بشيءٍ حسن
، أو
قبيح إلا حرقه دور بني العبّاس بالبصرة ، ولا أنّ أولاد ابن أبي معيط لم يحصلوا على نعت
من نعوت الإنسانيّة إلا النّار ، التي أضافها لهم رسول الله (ص) يوم أمر بقتل عقبة بن
أبي معيط ، وكان كافراً ، فقال : ي محمّد ، مَن للصبية ؟ . قال (صلى الله عليه وآله
وسلّم) :
(( لهم النّار )) .
ولا أنّ جعدة بنت الأشعث لم تتصف بالرذائل إلا السمّ ، الذي ناولته أب محمّد الحسن
السّبط (ع) ، ولكن لمّا كانت هذه الآثار هي الظاهرة بين النّاس ؛ قيل لمضر : ( الحمراء
) ، ولربيعة
( الخيل ) ، ولزيد ( النّار ) ، ولجعدة ( مُسمّة الأزواج ) .
فقول الحسين (ع) : (( أنا قتيل العبرة )) ، وقول الصادق (ع) :
(( بأبي قتيل العبرة )) من هذا القبيل
، وهو ما ذكرناه من تأكّد الصلة بين ذكر مقتله ، وبين استدرار الدموع .
التباكي
لقد راق أئمّة الهدى (عليهم السّلام) أنْ تبقى تلك الذكريات الخالدة مدى الدهر
، تتحدّث بها الأجيال
المتعاقبة ؛ علماً منهم ببقاء الدِّين غضّاً طرياً ، ما دامت الاُمّة تتذاكر تلك الفاجعة
العظمى . ولم يقتصروا على لازمها ، وهو البكاء حتّى رغّبوا إلى التباكي ، وهو : التشبيه
بالباكي من دون أن يخرج منه دمع . فيقول الإمام الصادق : (( من تباكى
، فله الجنة ))(1) .
ومعلوم أنّ التباكي إنّما يتصوّر فيمن تتعسّر عليه الدمعة ، لكنّه لم يفقد التأثّر لأجل
المصاب ، كما يشاهد في كثير من النّاس . فالتأثّر النّفساني بتصوّر ما ورد على المحبوب من آلام
وفوادح ، يستلزم قهراً النفرة عمّن أورد ذلك العدوان .
وفي الحديث عن النّبي (ص) ، أنه قرأ آخر الزمر : (وَسِيقَ
الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا )(2)
على جماعة من الأنصار ، فبكوا إلا شاباً منهم ، قال : لم تقطر من عيني قطرة ، وإنّي
تباكيت . قال (ص) : (( مَن تباكى ، فله الجنة ))(3) .
____________________________
(1) أمالي الصدوق / 86 ، المجلس
التاسع والعشرون .
(2) سورة الزمر / 71 .
(3) كنز العمال 1 / 147 .
الصفحة (100)
وروى جرير عنه ، أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال :
(( إنّي قارئ علكيم ( ألهاكم التكاثر
) ،
مَن بكى فله الجنة ، ومَن تباكى فله الجنة))(1) .
وحدّث أبو ذر الغفاري عن النّبي (ص) ، أنّه قال :
(( إذا استطاع أحدكم أن يبكي ، فليبكِ ، ومَن لم يستطع
، فليستشعر قلبه الحزن وليتباكَ ، فإنّ القلب القاسي بعيد من الله ))(2) .
وهذه الأحاديث تدلّنا على أنّ التباكي منبعث عن حزن القلب ، وتأثّر النّفس كالبكاء ، لكن
في باب الرهبة منه سبحانه وتعالى يكون الحزن والتأثّر ؛ لأجل تصوّر ما يترتّب على مخالفة
المولى من الخزي في الآخرة ، فيتباعد عنه ، ويعمل ما يقرّبه من المولى زلفة . وفي باب
تذكّر مصائب آل الرسول (ص) ، يستوجب بغض مَن ناوأهم ، وأوقع بهم ، وأساء إليهم .
ولعلّ ما أشرنا إليه ، هو مراد الشيخ محمّد عبده ، فإنّه قال : التباكي
: تكلّف البكاء لا
عن رياء(3) .
ويقول الشريف الجرجاني : باب التفاعل أكثره إظهار صفة غير موجودة ، كالتغافل والتجاهل
والتواجد . وقد أنكره قوم ؛ لِما فيه من التكلّف والتصنّع ، وأجازه قوم لِمن يقصد به تحصيل
الصفة . والأصل فيه ، قوله (صلّى الله عليه وآله) : (( إن لمْ تبكوا فتباكَوا
)) ، أراد به : التباكي
ممّن هو مستعدّ للبكاء ، لا تباكي الغافل اللاهي(4) .
فالباكي والمتباكي مشتركان في احتراق القلب ، وتأثّر النّفس ؛ لأجل تصوّر ما ورد من الظلم
على أهل البيت (ع) ، ومشتركان في لازمه ، وهو النفرة والتباعد عن كلّ مَن دفعهم عن مقامهم
. ومَن لا يفقه مغازي كلام المعصومين (عليهم السّلام) ، يحكم بالرياء على المتباكي
. وبعدما أوضحنا من السّر
تعرف قيمة البلاغة وقدر البلغاء .
وكم لأهل البيت (عليهم السّلام) من أسرار غامضة ، لا يقف عليها إلا من
____________________________
(1) كنز العمال 1 / 148 .
(2) اللؤلؤ والمرجان للنوري / 47 ، ومجموعة شيخ ورام
/ 272 .
(3) تفسير المنار 8 / 301 .
(4) التعريفات / 48 .
الصفحة (101)
مارس كلامهم ، ودرس مقتضيات الأحوال ، فإنّهم لمْ يزالوا يتحرّون الوسائل الدقيقة لتوجيه
النّفوس نحوهم ، وتعريف ما لهم من حقّ مغصوب . فمن ذلك ما
أوصى به الإمام الباقر (عليه السّلام) باعطاء ثمانمئة درهم لنوّادب يندبنه
بمنى أيّام الموسم(1) .
فإنّك إذا عرفت أنّ النّاس من مختلف الأقطار والمذاهب يجتمعون في منى أيّام الحجّ
، وقد
أحلّوا من كلِّ ما حُرّم عليهم إلا النّساء ، وأنّها أيّام عيد وتزاور ، فتعقد هنالك حفلات
المسرّة ونوادي التهاني ، تعرف النكتة الدقيقة التي لاحظها الإمام (ع) باختياره أيام منى على عرفات والمشعر
؛ لاشتغال النّاس بالعبادة والإبتهال إلى المولى سبحانه في هذين الموقفين مع قصر
الزمان .
نعم ، في أيام منى حيث إنّها ثلاثة : وهي أيام عيد وفرح وسرور ، لا حزن وبكاء
، وطبعاً أنّ
السامع للبكاء في أيام المسرّات ، يستفزّ إلى الأسباب الموجبة له ، ويتساءل عمّن يندبنه
، وما هي دعوته وأعماله ، ويسأل عمّن ناوأه ودافعه عن حقّه ، وبهذا الفحص يتجلّى له الحقُّ
والطريقة المثلى ؛ لأنّ نور الله لا يطفى ، والدعوة إليه جليّة البرهان .
وهذا النبأ يتناقله النّاس إلى مَن كان نائياً عن هذه المواقف عند الإياب إلى مقرّهم ،
فيصل إلى الغائبين بهذا الطريق ، وبه تتم الحُجّة ، فلا يسع كلّ أحد أن يتذرّع بعذر عدم
الوصول إلى المدينة ، التي هي موطن ( حُجّة الله (ع) ) ، ولا من أبلغه خبره ، ولا عرفت دعوة
الإمام وضلال مناوئه ، فلا يبقى حينئد جاهل قاصر على الأغلب .
ومن هنا نفهم السّبب في إعراض الإمام (ع) عن الوصيّة للنوادب يندبنه بمكّة
، أو في
المدينة أيام الحجّ ؛ فإنّه في البلدين لا تكون الندبة إلا في الدور ، فمن أين يقف الرجال
عليهن ؟ وكيف يكون هذا البكاء مشعراً بالغرض المطلوب ؟ .
____________________________
(1) التهذيب للشيخ الطوسي 2 / 108 كتاب المكاسب ، والمنتهى للعلامة الحلي 2
/ 112 ،
والذكرى للشهيد الأول ـ المبحث الرابع من أحكام الاموات . وفي كتاب من لا يحضره الفقيه
/ 36
: أنه (ع) أوصى بثمانمئة درهم لمأتمه ، وأن يندب في المواسم عشر سنين .
الصفحة (102)
ودعوى كون صوت المرأة عورة ، ويحرم على الأجانب سماعه مردودة ، بما رواه الكليني في
الكافي : أنّ اُمّ خالد دخلت على الإمام الصادق (ع) ، وكانت عاقلة عارفة ، وعنده أبو بصير
. فقال (عليه السّلام) لأبي بصير : (( أتحبّ أنْ تسمع كلامها ؟ ))
، ثمّ أجلسها معه على الطنفسة
، وتكلّمت اُمّ خالد فإذا هي امرأة بليغة عاقلة(1)
، فلو كان سماع صوت المرأة محرماً على
الأجانب ، لَما أجاز الإمام ذلك لأبي بصير .
على أنّ وصيّة الإمام الباقر(ع) بالمال للنوادب بمنى تفيد الجواز ؛ لأنّ سماع الرجال
أصواتهن لا ينكر ، وإلا لأمر بالبكاء عليه في دور المدينة ومكّة ، بل النكتة
الملحوظة للإمام (ع) لا تحصل إلا بسماع الرجال أصواتهن ، وما يدعونَّ إليه .
وفي حديث حمّاد الكوفي ، أن الصادق (ع) قال له :
(( بلغني أن اُناساً من أهل الكوفة يأتون قبر
أبي عبد الله (ع) في النصف من شعبان )) ، فبيّن مَن يقرأ ويقص إلى أنْ قال :
(( ونساء يندبنه )) ،
قال حمّاد : قد شهدت بعض ما تصف ، فقال : (( الحمد لله الذي جعل في شيعتنا مَن يفد إلينا
، ويمدحنا ويرثي لنا ))(2)
. ولا ينكر أن ندبة النّساء عند القبر يلزمها سماع الأجانب
أصواتهن ، ولو كان محرماً ، لما استحسنه الإمام الحُجّة ، ودعا لهم بالرحمة .
وأمّا كون صوت المرأة عورة ، فلم تشهد به رواية . وما ورد من منع الرجال محادثة
الأجنبية ، أو المبيت معها في بيت واحد ، فليس من جهة كون صوتها عورة ؛ بل للحذر عن
الوقوع فيما لا يُحمد عقباه . وما ذكره العلامة الحلّي في كتابه التحرير ، أول النّكاح
، المسألة التاسعة : لا يجوز للأعمى سماع صوت الأجنبيّة ، فلعلّه لذلك ، لا لأنّه عورة
.
نعم ، صرَّح في كتابه التذكرة ، أول النكاح : إنّ صوتها عورة ، يحرم استماعه مع خوف
الفتنة لا بدونه . وللشافعيّة قولان ، في كونه عورة أو لا . وردّ صاحب الجواهر على المحقق بالسيرة
المتواترة في الأعصار ، فقد كانت النّساء تخاطب الأئمّة (عليهم السّلام) ، وخطبة الزهراء
(عليها السّلام ) وبناتها
معلومة
.
والفقه السنّي لم يمنع منه ، ففي الفقه على المذاهب الأربعة 1 / 167
، صوت المرأة ليس
بعورة ، لأنّ نساء النّبي (ص) كنّ يتكلّمن مع الصحابة
____________________________
(1) الوسائل للحر العاملي 3 / 25 باب 106
، حكم سماع صوت الأجنبية ، وكذلك في روضة
الكافي ـ الحديث 319 .
(2) كامل الزيارات / 325 باب 108 ، اول النوادر .
الصفحة (103)
ويستمعون منهنّ أحكام الدِّين . وقال الشيباني الحنبلي : صوت المرأة لم يكن عورة
ولكن يحرم التلذذ بصوتها(1) . وهو مختار ابن حجر في كف الرعاع على
هامش الزواجر 1 / 27 . نعم ، ذهب بعض أهل السنّة إلى كونه عورة ، ولم يستصحّه ابن حجر
.
وفي البحر الرائق لابن نجيم الحنفي 1 / 270 ، ذكر المصنّف في الكافي : إنّ المرأة لا
تلبّي جهراً ؛ لأنّ صوتها عورة . وعليه صاحب المحيط في باب الأذان . وفي فتح القدير على
هذا ، لو قيل : إذا جهرتْ في الصلاة ، فسدت كان متّجهاً . وفي شرح المنية : الأشبه
أنّ صوتها
ليس بعورة ، وإنّما يؤدّي إلى الفتنة . كما علّل به صاحب الهداية وغيره في مسألة التلبية
. وفي النّوازل : نغمة المرأة عورة . وبنى عليه تعلّمها القرآن من المرأة أحبّ من تعلّمها
من الأعمى . انتهى البحر الرائق . وقال ابن نجيم في أحكام
الخنثى : صوتها عورة في قول(2) . وفي الفروع لابن مفلح الحنبلي 3
/ 12 ، قال : لا يحرم سماع
صوتها على الأصحّ ؛ لأنّه ليس بعورة . وفي عمدة القاري للعيني على شرح البخاري 4 / 12
، آخر باب
الأمر باتباع الجنائز : يجب على المرأة ردّ سلام الرجل ، ولا ترفع صوتها ؛ لأنّه عورة .
وفي طرح التثريب لزين الدِّين العراقي 1 / 250 : عند ابن عبد البر في الاستذكار عدم
كونه عورة ، وهو الصحيح عند الشافعيّة . وفي المصدر نفسه 7 / 45 في النّكاح : صوتها ليس بعورة . وفي
شرح المجموع للنووي 7 / 249 ط 2 ، صرح الدارمي والقاضي أبو الطيب : إنّ رفع صوتها
بالتلبية غير حرام . وفي نيل الأوطار للشوكاني 4 / 274 باب التلبية : عند الروياني
وابن الرفعة : لا يحرم رفع صوتها بالتلبية ؛ لأنّه ليس بعورة .
السّجود على التربة
من الأساليب التي اتخذها الأئمّة من أهل البيت (عليهم السّلام) للتعريف بمظلوميّة الحسين
(ع) ، وابتعاد من ناوأه عن سنن الحقِّ ، وأنّ نهضته أحكمت دعوة الرسول (ص) وعبّدت الطريق
إليها ، أمرهم بالسّجود على التربة . فإنّ من أهمّ أسرارها تذكّر المصلّي في أوقاته
الخمسة حينما يضع جبهته عليها ، تضحية ( روح النبي (ص) ) ، وأهل بيته البهاليل ، وصحبه المناجيد
في سبيل تركيز المبدأ الصحيح ، وما قاساه سيّد الشهداء (ع) من فجائع الصخر الأصم ، وقابلها
بالصبر الذي تعجّبت منه
____________________________
(1) نيل المآرب 2 / 127 .
(2) الاشباه والنظائر / 200 .
الصفحة (104)
ملائكة السّماوات كما جاء في زيارته ، ثمّ يتذكّر أنّ هذه التربة امتزج بها ( دم المظلوم (ع) )
، ودماء الأزكياء من أهل بيته وصحبه (عليهم السّلام) ، الذين وصفهم أمير المؤمنين(ع) بـ
(( أنّهم سادة الشهداء
، لا يسبقهم سابق ، ولا يلحقهم لاحق ))(1)
.
وبالطبع يحتدم
قلب الموالي لهم ، وتهمل عينه ، ويحترق فؤاده ، ويتباعد عن كلّ من أورد عليهم العدوان
، ومَن
سار على إثره ومَن أسس له . ويتجلّى له أنّ هذه النّهضة الجبّارة حطّمت هياكل الجور .
كما عرّفت الأجيال المتعاقبة استهانة أهمّ الذخائر ، وأعزّ الأنفس في تأييد العقيدة . ومثل
الأمر بالسّجود على التربة الحسينيّة أمرهم (عليهم السّلام) بالتسبيح في خرز معمولة منها
؛ تحقيقاً لتلك الغاية الثمينة ، وهذه الغايات ألمع إليها أهل البيت (ع) وإنْ لم تفهم
الاُمّة أسرارها الدقيقة .
وتجاهلُ غيرنا علينا بالابتداع والضلال ناشئ عن الجهل بهذه الأسرار الحكيمة
، وعدم فهم
حديث وحي السّماء (( جُعلتْ ليَ الأرضُ مَسجداً وطهُورا ))
. وهذه القطعة المُعدّة للسجود عليها
ترابٌ مزج بالماء فجمد ، فهي من مصاديق الحديث المتّفق عليه .
تشريع الزيارة
إنّ مجتمعات الزيارة كمواسم جاء الحثّ عليها ؛ حيث إنّ المَزور دعامة من دعائم الدِّين
ومنار هداه ، ومنه تؤخذ التعاليم ، وتُدرس المعارف . فإذا ازدلف الزائرون إلى قبره من
شتّى النّواحي ، وتعرّف كلٌّ بالآخر ، وشاهد كلٌّ منهم ذلك الزحام المعجب ، والتهافت المتواصل
، والتهالك دون ذلك المقصد الشريف ـ بما أنّ صاحب المشهد صاحب دعوة إلهيّة ، وداعية
إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحَسنة ـ
عظم في عينه الشخص المَزور ونزعته ودعوته ، وثلج صدره بذلك المنظر المبهج ، ورقّ له قلبه
، وثبت به يقينه . وبطبع الحال ينجذب إلى تتبع تعاليمه ، ودرس أحواله ، واقتصاص أثره
، وتعرّف مظلوميّته ، إلى ما هنالك من فوائد لا تحصى . وهناك معنى آخر ، وهو أنّ الزيارة تحكم
رابطة الاخوّة بين المؤمنين ، التي دعا إليها الكتاب المجيد (
إِنّمَا
المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ)(2) ،
فإنّ الزائرين باجتماعهم عند القبر ، وفي الطريق إليه يتبادلون المعروف والمكافاة
عليه ، ويتفاهمون في التوجيه نحو الدِّين الصحيح ؛
____________________________
(1) كامل الزيارات / 270 الباب 88 .
(2)
سورة الحُجُرات / من الآية 10 .
الصفحة (105)
فينكشف الخطأ في اعتقاد
الطوائف الاُخرى وشذوذها ، وتصبح الرابطة بينهما حكيمة الأساس .
هذه هي الحقيقة في زيارة
أئمّة الهدى أجمع ، فإنّهم الطريق المهيع ، والسّبيل الجديد إلى كلّ هدى متبع ، وناموس
مصلح ، وطقس مهذّب ، ورشد هاد ، ومعرفة كاملة . كما أنّه يجب أنْ يعتقد فيهم ذلك بعد
الوقوف على فضلهم الظاهر ، وعلومهم الجمّة ، وورعهم الموصوف ، ومعاجزهم الخارجة عن
حدِّ الاحصاء . ولا شكّ أنّ في المثول حول مشاهدهم المقدّسة بداعي الزلفى للمولى
سبحانه ، مزيداً لهاتيك العقيدة ورسوخها . هذا هو السّبب الوحيد لتشريع الزيارة .
أمّا تخصيص سيّد الشهداء
بزيارات خاصّة في أيّام السّنة ـ زائداً على ما جاء في الحثّ المتأكد على زيارته
المطلقة دون سائر الأئمة ، بل لم يخصّص سيّد المرسلين (ص) بزيارة خاصّة ـ فيتصور لذلك
علل وأسباب :
أهمّها : إنّ النّزعة
الاُمويّة لم تزل تنجم وتخبو في الفينة بعد الفينة ، تتعاوى بها ذوو أغراض مستهدفة
وإن أصبح الاُمويون رمماً بالية ، ولم يبقَ منهم إلا شية العار ، وسبّة عند كل ذكر
. لكن بما أنها إلحادية يتحراها لفيفهم ، ومن انضوى إليهم من كل الأجيال ، فكان
همُّ أهل البيت (ع) إخمادها ، ولفت الأنظار إلى ما فيها من المروق عمّا جاء به
المنقذ الأكبر(ص) ، الذي لاقى المتاعب في سبيل نشر دعوته واحيائها . ومن الطرق
الموجبة لتوجيه النّفوس نحوها ، وتعريف مظلوميّتهم ، ودفعهم عن الحقّ الإلهي المجعول
لهم من المشرّع الأعظم ذِكرُ قضيّة سيّد الشهداء (ع) ؛ لاحتفافها بمصائب يرقّ لها قلب
العدوّ الألد ، فضلاً عن الموالي المشايع لهم ، المعترف بما لهم من خلافة مغتصبة .
فأراد الأئمّة (عليهم السّلام) أن تكون شيعتهم على طول السّنة ، ومرّ الأيام غير غافلين عمّا عليه السّلطة
الغاشمة من الإبتعاد عن النّهج القويم ؛ فحمّلوهم على المثول حول مرقد سيّد شباب أهل
الجنة (ع) في مواسم خاصّة وغيرها ، فإنّ طبع الحال قاضٍ بأنّهم في هذا المجتمع
يتذاكرون تلك القساوة التي استعملها الاُمويّون ؛ من ذبح الأطفال ، وتسفير حرم
الرسالة من بلد لآخر :
الصفحة (106)
مـغلولة الأيدي إلى الأعناقِ تُسبى على عجف من النياقِ حـاسرة الـوجه بغير برقعِ لا سترَ غير ساعدٍ وأذرعِ(1)
وإنّ الحميّة والشهامة تأبى لكلّ أحد أن يخضع لمن أتى بهذا الفعل الشنيع مع كلّ أحد
، فضلاً عن آل الرسول الأقدس (ص) ؛ فتحتدم إذ ذاك النّفوس ، وتثور العاطفة ، ويحكم على هؤلاء
الأرجاس بالمروق عن دين الإسلام . وطبعاً هذا الداعي في سيّد الشهداء (ع) ألزم من غيره
من الأئمّة (عليهم السّلام) ؛ لاشتمال قضيّته على ما يرقق القلوب ، ومن هنا اتخذه المعصومون
(ع) حُجّة يصولون
بها على أعدائهم ، فأمروا شيعتهم بالبكاء تارة ، والإحتفال بأمره ـ بأيّ نوع كان ـ
تارة اُخرى ،
وزيارته ثالثة ، إلى غير ذلك ؛ ممّا ترك الاُمّة حسينيّة الذكر كما أنّها حسينيّة المبدأ
، ولا تلفظ نفسها الأخير إلا وهي حسينيّة المنتهى .
وإنّ دعاء الإمام الصادق (عليه السّلام) في سجوده ، الذي يرويه معاوية بن وهب ممّا يبعث
إلى القلوب نوراً ، وللعقيدة رسوخاً ، وللنفوس ارتياحاً ، ويوقفنا على أسرار غامضة
ممّا تأتي بها الاُمّة من هذه الأعمال .
قال (عليه السّلام) وهو ساجد : (( اللهمّ ، يا من خصَّنا بالكرامة ، ووعدنا بالشفاعة ، وخصّنا بالوصية ، وأعطانا علم ما
مضى وعلم ما بقي ، وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا ، اغفر لي ولإخواني وزوّار قبر
جدّي الحسين ، الذين أنفقوا أموالهم ، وأشخصوا أبدانهم رغبةً في بِرنا ، ورجاءً لما عندك في
صلتنا ، وسروراً أدخلوه على نبيّك ، وإجابة منهم لأمرنا ، وغيظاً أدخلوه على عدوّنا ؛ أرادوا
بذلك رضاك فكافئهم عنّا بالرضوان ، واكلأهم بالليل والنّهار ، وأخلف على أهاليهم وأولادهم
الذين خلفوا بأحسن الخلف ، وأصحبهم ، واكفِهم شرَّ كلِّ جبّار عنيد ، وكلّ ضعيف من خلقك وشديد
، وشرّ شياطين الإنس والجنّ ، وأعطهم أفضل ما أملوه في غربتهم عن أوطانهم ، وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم .
____________________________
(1) من اُرجوزة للحُجّة الشيخ هادي كاشف الغطاء (قدّس سره) .
الصفحة (107)
اللهمّ ، إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم إلينا
، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا ؛ خلافاً
منهم على ما خالفنا .
اللهم ، ارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس .
وارحم تلك الخدود التي تقلّبت على حفرة أبي عبد الله الحسين .
وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا .
وارحم تلك القلوب التي جزعت ، واحترقت لنا .
وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا .
اللهمّ ، إنّي استودعك تلك الأنفس والأبدان حتّى توفيهم على الحوض يوم العطش الأكبر )) .
ولمّا استكثر معاوية بن وهب هذا لزوّار الحسين ، قال له الإمام الصادق (ع) :
(( إنّ مَن يدعو
لزوّار الحسين في السّماء ، أكثر ممّن يدعو لهم في الأرض))(1) .
وهذا الدعاء من إمام الاُمّة اشتمل على أحكام جليلة ، ومزايا لا يقف عليها إلا من
استضاء بنورهم ، واعتصم بحبل ولايتهم . فمن ذلك ؛ رجحان البكاء ، والجزع والصراخ لِما
أصاب المعصومين من أهل البيت (عليهم السّلام) . والصرخة كما نص عليها علماء اللغة : هي الصيحة الشديدة
عند الفزع والمصيبة(2) . وحيث لم تخص في الدعاء بما إذا وقعت في الدور ، كان الاطلاق شاملاً لمحبوبيتها في كلّ حال
؛ سواء وقعت في الشوارع ، أو المشاهد ، أو غيرهما من
رجال أو نساء .
ومنها مسح الخدود على القبر الأطهر ، ولا يقتضي التخصيص بقبر الحسين (عليه السّلام)
، فإن
رواية الشيخ الطوسي في الصلاة على القبور ، عن محمّد بن عبد الله
الحميري قال : كتبت إلى الفقيه أسأله عن الرجل يزور القبور ، إلى أن قال في التوقيع
: أمّا السّجود على القبر ، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ، بل يضع خدّه الأيمن على القبر(3). وعمومه شامل لرجحان وضع الخدّ عند كل قبر من قبور المعصومين
(عليهم السّلام)
.
____________________________
(1) رواه الكليني في الكافي 4 /
582 ـ 583 ، وابن قولويه في كامل الزيارات / 116 ، والصدوق في
ثواب الأعمال / 54 .
(2) تاج العروس 3 / 66 ، مادة صرخ .
(3) التهذيب 1 / 200 .
الصفحة (108)
إيثارهم (عليهم السّلام)
وممّا أرشدنا إليه هذا الدعاء ، محبوبيّة ما تفعله الشيعة من بذل الأموال
؛ لإحياء أمر
أئمّتهم (عليهم السّلام) في العزاء والمواليد وغيرهما ، وإيثارهم بذلك على أبنائهم
وأهاليهم وقراباتهم .
وغير بعيد عنك معنى الإيثار ، فإنّه : ترجيح الغير على النّفس ، إمّا بسد خلّته
، أو لتأييده في
بلوغ اُمنيته ، أو لتكريمه . وهو من الخصال الحميدة المنبعثة عن كرم الطباع ، ودماثة
الأخلاق ، وطيب العنصر . وقد مدح سبحانه وتعالى المتّصفين به ، فقال : (
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
)(1) ، وهي الحاجة والفقر وسوء الحال(2) .
ولا إشكال في أنّ مَن اُريد إيثاره ، إذا كان جامعاً لموجباته يكون الإيثار فيه آكد ،
وأنت إذا أمعنت البصيرة في ذوي الفضائل ، لا تجد من هو أحقّ بالإيثار من (عترة الوحي)
؛
لِما منحهم الباري سبحانه من المرتبة الفاضلة ، ومبوَّءاً من الرفعة لا يسامى ، وأيادٍ
على الاُمّة لابدّ أن تكافأ ، وحقوقاً واجبة لا محيص عن أدائها .
فأيّ مُوالٍ لهم لا يؤثرهم على نفسه وأهله وقرباه ، وهو يذعن بأنّ الأئمّة أسباب الفيوض
الإلهيّة ، وهم المعلّمون بالشريعة ، وكلّ ما في السّعادة للإنسان ، وفوزه بالرقي من أخلاق
فاضلة ، وسياسة حقّه ، وأحكام اجتماعيّة ، وتعاليم كافلة للنجاح ،
مع ما لأئمّة الدِّين من جهود جبّارة ، دون انتشال الاُمّة إلى ساحل النّجاة ، وإنقاذها من
غمرات الهلكة حتّى أنّهم (عليهم السّلام) آثروا ذلك بالحياة السّعيدة ، فضحّوا بنفوسهم ؛ لتقف
الاُمّة على المحجّة ، أو ليدرأ عنها العذاب ، كما في حديث الإمام موسى بن جعفر (ع)
أنّه وقى بنفسه دون شيعته(3)
.
هذا مع
____________________________
(1) سورة الحشر / 9 .
(2) تاج العروس 4 / 387 .
(3) الحديث في أصول الكافي بهامش مرآة العقول 1
/ 189 ، ونصه : (( قال موسى بن جعفر (ع)
: إنّ الله غضب على الشيعة فخيّرني نفسي أو هم ، فوقيتهم والله بنفسي )) . قال المجلسي رحمه
الله : (( لعل الغضب إنما هو لأجل تركهم التقية حتّى انتشر أمر إمامته ، فتردد الامر بين أن
يقتلهم الرشيد ، أو يحبس الإمام ويقتله ، فاختار البلاء لنفسه ، ووقى بذلك شيعته )) .
ولا غرابة فيه بعد أن حمّل الله النبي (ص) ذنوب شيعة علي (ع) ، ثمّ غفرها لهم ، كما في
معاني الاخبار للصدوق / 100 ، وبحار الانوار6 / 250 ، باب المصافحة . وفي الروضة / 135
(ملحقة
بعلل الشرايع) : لم يزل أمير المؤمنين (ع) يدعو الله في غفران ذنوب شيعته . وفي بشارة
المصطفى / 274 : كان الامام الصادق (عليه السّلام) يقول : (( إنّ حقوق شيعتنا علينا كثيرة
)) . وفي كامل الزيارات : (( نحن
نترحّم عليهم كلّ صباح ومساء )) . وفي عيون المعجزات / 76 : قال الامام السجاد (ع) لام فروة بنت
القاسم بن محمّد بن أبي بكر : (( إنّي لأدعو لمذنبي شيعتنا في اليوم والليلة مئة مرّة
؛ لأنّا نصبر على ما نعلم ، ويصبرون على مالا يعلمون )) .
الصفحة (109)
حبّهم المتواصل لشيعتهم حتّى كانوا يترحمون عليهم كلّ صباح ومساء ، ويفرحون عند فرحهم
، كما يحزنون عند حزنهم ، لأنّهم من فاضل طينتهم ، وهم أوراق تلك الدوحة الطيبة ، التي أصلها
ثابت وفرعها في السّماء .
وقد ورد في دعاء الحُجّة عجّل الله فرجه : ((
اللهمّ ، إنّ شيعتنا خلقوا من شعاع أنوارنا ، وبقيّة طينتنا ، وقد فعلوا ذنوباً كثيرة
؛ إتكالاً على حبّنا وولايتنا . فإنْ كانت ذنوبهم فيما بينك وبينهم ، فاصفح عنهم ، فقد
رضينا . وما كان منها فيما بينهم ، فاصلح بينهم ، وقاص بها عن خمسنا ، وأدخلهم الجنة
، وزحزحهم عن النّار ، ولا تجمع بينهم وبين أعدائنا في سخطك))(1) .
وإني لا أراك ـ والحالة هذه ـ تجد في شريعة الحقوق ، أو يلتاح لك في منهج الوفاء
، أو يجوز
لك دافع المروءة أنْ تتقاعس عن مواساة آل الرسالة بإيثارهم على نفسك وأهلك في كلّ غالٍ
ورخيص ، إلا أنّ تسف إلى هوة الضِعة ، وتدعها رمية لنبال اللوم من ناحية العقل مرّة ، ومن
صوب الشريعة اُخرى ، ومن جهة الشهامة ثالثة .
ولا ريب في رغبة الإمام الصادق (ع) بالإيثار ؛ لإحياء أمرهم أجمع . نعرف ذلك من
الالتفات الذي استعمله الإمام في الدعاء ، فإنّه بعد أنْ دعا لزوّار الحسين (ع) بعطاء أفضل
ما يأملونه ، قال (ع) : (( وما آثرونا به )) . فلو أراد الإيثار في خصوص زيارة سيّد
الشهداء ، لقال : وما آثروه ، فحيث عدل عن المفرد إلى الجمع ، عُلم أنّ مراده بيان
محبوبيّة الإيثار فيما يعود إليهم أجمع
وإنْ كان الإيثار لزيارة قبر المظلوم (ع) أشمل ؛ لِما فيه من التذكير بهاتيك النّهضة
المقدّسة . فكأنّ الماثل أمام الضريح الأطهر يشاهد نفسه واقعاً بين الصفّين ؛
____________________________
(1) جنة المأوى للنوري / 281 ،
ملحق بالجزء الثاني عشر من البحار .
الصفحة (110)
جحفل القداسة (حسين الهداية ورهطه) ، وخميس الظلال (يزيد وأشياعه) ، فيبصر موقف هؤلاء
من الحقّ والنّزاهة ، ومبوأ اُولئك من الباطل والرجاسة ، فتحتدم بين أضالعه الخصلتان
: الولاية والبراءة .
وغير خافٍ على البصير النيقد المراد من قول أبي عبد الله في دعائه المتقدم :
(( اللهمّ
، إنّ أعداءنا عابوا عليهم خروجهم إلينا ، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا ؛ خلافاً منهم
على مَن خالفنا )) .
فإنّه (عليه السّلام) أراد تنشيط الشيعة في الدأب على مواساتهم ؛ بتعظيم شعائرهم ، وإقامة
آثارهم ، ونشر مآثرهم . وإنّ ما يقاسونه في هذا السّبيل من الأرزاء كلّه بعين الله تعالى
، ورضا أوليائه الأطهار ، وما يضرّهم ـ وهم على الحقّ ـ هزء المستهزئين . ولقد سخر اليهود
بالأذان ، كما سخر المشركون بالسّجود ، فلم يثن من عزم المسلمين شيئاً ، فمشوا على ذلك
النّهج القويم ، غير مبالين بعثرات غيرهم .
وما يضر المزدلفين إلى قبر أبي عبد الله الحسين (ع) ، والمتزاحمين على إقامة الشعائر
الحسينيّة سخريّة الجاهلين ، الذين يقول فيهم الإمام الصادق (عليه السّلام) :
(( والله ، لحظهم أخطؤوا ،
وعن ثواب الله زاغوا ، وعن جوار محمّد تباعدوا )) .
ولمّا قال له ذريح المحاربي : إنّي إذا ذكرت فضل زيارة أبي عبد الله (ع) ، هزأ بي ولدي
وأقاربي . قال (ع) : (( يا ذريح
، دع النّاس يذهبون حيث شاؤوا ، وكن معنا ))(1) .
وقال (عليه السّلام) لحمّاد : (( بلغني أنّ اُناساً من أهل الكوفة
، وقوماً آخرين من نواحيها
يأتون قبر أبي عبد الله في النّصف من شعبان ، فبين قارئ يقرأ القرآن ، وقاصٍّ يقص ،
ومادح لنا ، ونساء يندبنه )) .
فقال حمّاد : قد شهدتُ بعض ما تصف . فقال (ع) : (( الحمد لله الذي جعل في النّاس مَن يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا
، وجعل عدوّنا
يطعن عليهم ، ويقبّحون ما يصنعون ))(2) .
إذاً فسخريّة المتباعدين عن أهل البيت (ع) ، المائلين عن إقامة هذه الشعائر لا
____________________________
(1) كامل الزيارات / 143 ، الباب 51 .
(2) مزار البحار / 124 ، كامل الزيارات / 325
، الباب 108 الطبعة الأولى .
الصفحة (111)
يحطُّ من كرامة الآثار الموجبة لإحياء أمر الأئمة (ع) ، المحبوبة لهم
. وقد استفادت منها الاُمّة آثاراً دنيويّة واُخرويّة .
وفي الحديث عن رسول الله (ص) ، قال لأمير المؤمنين (ع) :
(( إنّ حثالة من الناس يعيِّرون
زوار قبوركم كما تُعيّر الزانية بزناها ، اُولئك شرار اُمّتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم
القيامة ))(1) .
قول الشعر فيهم
من الواضح الذي لا يرتاب فيه ، إنّ نظم الشعر في أيّ أحدٍ تعريف به ، وإحياء لذكره
، وإقامة
لأمره . فإنّ آثار الرجال مهما كبرت في النّفوس ، وعظم أمرها قد يخمل ذكرها بمرور الزمن
وتباعد العهد ؛ فيغفل عن تلك المآثر ، ويتناسى ما لها من أهميّة كبرى . ولمّا كان القول
المنظوم أسرع تأثيراً في الإصاخة ؛ لرغبة الطباع إليه ، فتسير به الناس ، وتلوكه الألسنة
، وتتحفّظ به القلوب ، وتتلقاه جيلاً بعد جيل ، وتأخذه اُمّة بعد اُمّة ، حفظ الأدب
العربي كثيراً من قضايا الاُمم وسيرها وحروبها في الجاهليّة والإسلام .
فممّا قاله دعبل الخزاعي في بقاء الشعر مدى الأزمان :
إنّي إذا قلت بيتاً مات قائلُهُ ومَن يُقال له والبيت لم يمتِ
وقال عروة بن اُذينة :
نُبّئْتُ أنَّ رجالاً خاف بعضهُمii iiشتمي وما كنت للأقوام شتّاما
فإن يكونوا براءً لا تطفْ بهمii iiمـنـه شكاةٌ ولا أسمعْهمُ ذاما
وإن يـجيئوا أقل قولاً له أثرٌii باقٍ يعنّى قراطيساً وأقلاما(2)
وبما أنّ ذكرى أهل البيت (عليهم السّلام) قوام الدِّين ، وروح الإصلاح ، وبها تُدرس تعاليمهم
، ويقتفى أثرهم
، طفق الأئمّة المعصومون (ع) يحثّون مواليهم بنشر ما لهم
____________________________
(1) فرحة الغري لابن طاووس / 31 .
(2) الموشح للمرزباني / 280 ـ 281 .
الصفحة (112)
من فضل كثير ، وما جرى عليهم من المصائب ، ولا قوه في سبيل إحياء الدِّين من كوارث ومحن
؛ لأنَّ فيه حياة أمرهم . ورحم الله من أحيا أمرهم ، ودعا إلى ذكرهم .
وقد تواتر الحثّ من الأئمّة (ع) على نظم الشعر فيهم ، مدحاً ورثاء ؛ بحيث عُدّ من أفضل الطاعات
. وفي ذلك قالوا (عليهم السّلام) : (( مَن قال فينا بيتاً من الشعر
، بنى الله تعالى له
بيتاً في الجنة )) . وفي آخر : (( حتّى يؤيد بروح القُدُس
)) . وفي ثالث : (( بنى الله له في الجنة
مدينة ، يزوره فيها كلُّ ملك مقرب ، ونبيّ مرسل ))(1) .
وقال أبو جعفر الباقر (عليه السّلام) للكميت لمّا أنشده قصيدته
: ( مَن لقلب متيم مستهام
) : ((
لا تزال مؤيداً بروح القُدُس ))(2) .
واستأذن الكميت على الامام الصادق (ع) في أيام التشريق ينشده قصيدته ، فكبر على الإمام أنْ
يتذاكروا الشعر في الأيام العظام ، ولمّا قال له الكميت : إنّها فيكم ، أنس أبو عبد
الله (ع) ، حيث إنّه من الذكر اللازم ؛ لأنّ فيه إحياء أمرهم . ثمّ دعا بعض أهله فقرب
، ثمّ
أنشده الكميت فكثر البكاء ، ولمّا أتى على قوله :
يُصيب به الرامون عن قوس غيرهم
فيا آخراً أسدى له الغيّ أولُ
رفع الإمام الصادق (ع) يديه ، وقال : (( اللهمّ ، اغفر للكميت ما قدّم وأخّر
، وما أسرّ وأعلن ، واعطه حتّى يرضى))(3) .
وأذن أبو جعفر الجواد (ع) لعبد الله بن الصلت أنْ يندبه ، ويندب أباه الرضا (ع) . وكتب إليه أبو طالب أبياتاً يستأذنه فيها في رثاء أبيه الرضا (ع)
، فقطع أبو جعفر (ع)
الأبيات عنده ، وكتب إليه : (( أحسنت ، وجزاك الله خيراً ))(4)
. وقال أبو عبد الله الصادق
(ع) لسفيان بن مصعب : (( أنشدني في الحسين )) . وأمر بتقريب اُمّ فروة وعياله
، فلمّا حضرن ، قال
سفيان :
( فرو جودي بدمعك المسكوب)
____________________________
(1) عيون أخبار الرضا (ع) / 5 .
(2) رجال الكشي / 136 .
(3) الأغاني 15 / 118 ، معاهد التنصيص 2
/ 27 .
(4) رجال الكشي / 350 .
الصفحة (113)
فصاحت اُمّ فروة وصِحنَ النساء . فقال أبو عبد الله (ع) :
(( الباب الباب )) . واجتمع أهل
المدينة ، فأرسل إليهم أبو عبد الله صبياً غشي عليه !(1)
. وهذا من محاسن التورية ،
فلقد غشي على أطفالهم يوم الطفّ ، وما أدري مَن عنى بالصبي !؟ أهو عبد الله الرضيع
؟ أم
عبد الله الأصغر ابن الإمام الحسين (ع) ، المذبوح بالسهم في حجر الحسين (ع) ؟ أم
محمّد بن
أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب ؟ .
ودخل جعفر بن عفان(2) على
الامام الصادق (ع) ، فقال له : (( إنك تقول الشعر في الحسين وتجيده
؟ )) . قال :
(( نعم )) . فاستنشده ، فلمّا قرأ عليه ، بكى حتّى جرت دموعه على خديه ولحيته ، وقال له :
(( لقد
شهدت ملائكة الله المقربون قولك في الحسين ، وإنهم بكوا كما بكينا ، ولقد اوجب الله لك
الجنة )) . ثمّ قال (ع) : (( مَن قال في الحسين شعراً
، فبكى وأبكى غفر الله له ، ووجبت له الجنة))(3) .
وجعفر هذا من رجال الشيعة المخلصين ، أطراه علماء الرجال ووثقوه ، وهو الذي ردّ على
مروان بن أبي حفصة ، القائل :
خلّوا iiالطريق لمعشر عاداتُهم iiحـطم المناكب كلَّ يوم زحامِ
اُرضـوا بما قسم الأله لكم بهii iiودعـوا وراثة كلَّ أصيد حامِ
أنّـى يكون وليس ذاك بكائنii لبني البنات وراثة الأعمامِ(4)
فقال جعفر بن عفان :
لـم لا يـكـون وأنّ ذاك لكائنٌii iiلـبـنـي البنات وراثة الأعمامِ
لـلـبـنت نصفٌ كاملٌ من مالهii والـعـمُّ مـتـروكٌ بـغير سهام
مـا لـلـطـليق وللتراث وإنماii صلّى الطليقُ مخافة الصمصامِ(5)
ودخل جماعة على الإمام الرضا (ع) فرأوه متغيّراً ، فسألوه عن ذلك . قال :
(( بتّ ليلتي ساهراً
متفكّراً في قول مروان بن أبي حفصة )) ، وذكر البيت المتقدّم .
____________________________
(1) روضة الكافي
ـ الحديث 263 .
(2) في الأغاني 7 / 8 ، وكذلك أيضاً في 9
/ 45 أنه طائي .
(3) رجال الكشي / 187 ، وذكر له الخوارزمي في المقتل 2
/ 144 فصل 13 مقطوعتين في
رثاء الحسين .
(4) الأغاني 12 / 17 .
(5) الأغاني 9 / 45 طبعة ساسي .
الصفحة (114)
قال : (( ثمّ نمتُ فإذا أنا بقائل قد أخذ بعضادة الباب وهو يقول
)) :
أنّـى يكون وليس ذاك بكائنٍii iiلـلـمـشركين دعائمُ الإسلامِ
لبني البنات نصيبهم من جَدِّهمْ iiوالـعـمُّ مـتروكُ بغير سهامِ
مـا لـلطليق وللتراث وإنماii
سجد الطليقُ مخالفة الصمصامِ
قـد كان أخبرك القرانُ بفضلهِii iiفمضى القضاءُ به من الحكّامِ
إنَّ iiابـنَ فـاطمة المنوَّهُ باسمهِ
iiحـاز الوراثةَ عن بني الأعمامِ
وبـقـى ابنُ نثلة واقفاً متردِّداii iiيبكي ويُسعده ذوو الأرحامِ(1)
ومروان سرق المعنى ممّا قاله مولى لتمّام بن معبد بن العبّاس بن عبد المطّلب
، معرّضاً
بعبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله (ص) ، فإنّه أتى الحسن بن علي (ع) ، وقال :
أنا
مولاك . وكان قديماً يكتب لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) ، فقال مولى تمّام :
جـحـدت بني العبّاس حقَّ أبيهمُii iiفما كنت في الدعوى كريمَ العواقبِ
مـتـى كـان أولاد النّبي كوارثٍii يحوز ويُدعى والداً في المناسبِ(2)
ومروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة كان يهودياً ، أسلم على يد مروان بن الحكم
.
وقيل : من سبي اصطخر ، اشتراه عثمان بن عفان ، وولاؤه لمروان . شهد يوم الدار مع مروان
، ولمّا اُصيب مروان بن الحكم ، حمله مولاه ابن أبي حفصة على عاتقه ، وهو يجره ومروان
يتأوه ، فيقول له : اسكت ، إن علموا بك قتلت . فأدخله بيت امرأة من عنزة ، وداواه
حتّى برئ ، فأعتقه مروان ، وشهد معه يوم الجمل ، ومَرج راهط(3)
.
وغضب صالح بن عطية الأضجم من بيت
مروان ( أنّى يكون وليس ذاك بكائن ) ، فاتصل به يخدمه مدّة
حتّى أنس به هو وأهله . حتّى إذا مرض ابن أبي حفصة ، كان صالح ممرّضاً له ، فلمّا خفّ مَن عنده ، وبقي صالح وحده ، وضع يده
على حلقه فخنقه حتّى مات ومضى عنه ، ولم يشكّ أهله به(4) .
____________________________
(1) عيون أخبار الرضا / 305 ، وذكر الطبرسي في الاحتجاج
/ 214 في أحوال موسى بن
جعفر (ع) : أنه الذي سمع الهاتف .
(2) طبقات الشعراء لابن المعتز / 15 نسخة التصوير .
(3) الاغاني 9 / 34 .
(4) المصدر نفسه / 46 .
الصفحة (115)
وحسب الشاعر أنّ تترتّب على عمله البار هاتيك المثوبات الجزيلة ، التي تشفُّ عن أنّ ما
يصفه بعين الله سبحانه حتّى يبوئه لجليل سبحانه من الخلد حيث يشاء ، وتزدان به غرف
الجنان ، ولا بُدعَ ، فإنّه بهتافه هذا معدود من أهل الدعوة الإلهيّة ، المعلنين
بكلمة الحقّ وتأييد الدِّين ؛ فهو بقوله الحقّ يرفع دعامة الأصلاح ، وتُشيّد مبانيه ، ويطأ
نزعة الباطل بأخمص الهدى ، ويقلع أشواكه المتكدّسة أمام سير المذهب ، ويُلحِب طريقه
الواضح .
ولم يعهد من الأئمّة (عليهم السّلام) ـ مع تحفّظهم على التقيّة ، وإلزام شيعتهم بها
ـ تثبيط الشعراء عن
المكاشفة في حقّهم ، وإظهار باطل المناوئين مع أنّ في الشعراء مَن لا يقرّ له قرار ، ولا
يؤويه مكان ؛ فرقاً من أعداء أهل البيت (عليهم السّلام) لمحض مجاهرتهم بالولاء ، والدعوة
إلى طريقة آل
الرسول (ص) ؛ كالكميت ودعبل الخزاعي ونظرائهما ، بل كانوا (عليهم السّلام) يؤكّدون ذلك
بالتحبيذ ، وإدرار المال عليهم ، وإجزال الهبات لهم ، وذكر المثوبات على عملهم هذا
.
وليس ذاك ؛ إلا لعلمهم بأنّ المكاشفة في أمرهم أدخل في توطيد اُسس الولاية ، وعامل قوي
لنشر الخلافة الإلهيّة حتّى لا يبقى سمع إلا وقد طرقه الحقّ الصراح ، ثمّ تتلقاه الأجيال
الآتية ، كلّ ذلك ؛ حفظاً للدين عن الإندراس ؛ ولئلا تذهب تضحية اُمناء الوحي في سبيله
إدراج
التمويهات .
ولولا نهضة اُولئك الأفذاذ من رجالات الشيعة للذبّ عن قدس الدِّين بتعريض أنفسهم للقتل
؛ كحجر بن عدي ، وعمرو بن الحمق ، وميثم التمّار ، وأمثالهم بما نال أهل البيت من
أعدائهم ، لَما عرفت الأجيال المتعاقبة موقف الأئمّة (عليهم السّلام) من الدِّين ، ولا ما قصده أعداؤهم من
نشر الجور والضلال .
( أَفَمَن
يَهْدِي إلى الحَقّ أَحَقّ أَن يُتّبَعَ أَمْ مَن لاَ يَهِدّي إِلا أَن
يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
)(1)
.
مشكلة الخروج بالعيال
إنّ الكلمة الناضجة في وجه حمل الحسين (ع) عياله إلى العراق ، مع
علمه بما يقدم عليه ومَن معه على القتل ، هي : أنّه (ع) لمّا علم بأنّ قتلتَه سوف
تذهب ضياعاً لو لم
____________________________
(1)
سورة يونس / 35
. |