الصفحة (116)
يتعقبها لسان ذرب ، وجنان ثابت يعرِّفان الاُمّة ضلال ابن ميسون
، وطغيان ابن مرجانة
باعتدائهما على الذريّة الطاهرة ، الثائرة في وجه المنكر ، ودحض ما ابتدعوه في الشريعة
المقدّسة .
كما عرف (أبيّ الضيم) خوف رجال الدِّين من التظاهر بالإنكار ، وخضوع الكلِّ للسلطة
الغاشمة ، ورسوف الكثير منهم بقيود الجور ؛ بحيث لا يمكن لأكبر رجل الإعلان بفظاعة
أعمالهم . وما جرى على ابن عفيف الأزدي ، يؤكّد هذه الدعوى المدعومة بالوجدان الصحيح .
وعرف سيّد الشهداء من حرائر الرسالة الصبر على المكاره ، وملاقاة الخطوب والدواهي
بقلوب أرسى من الجبال ؛ فلا يفوتهن تعريف الملأ ، المغمور بالترهات والأضاليل نتائج
أعمال هؤلاء المضلين ، وما يقصدونه من هدم الدِّين ، وأنّ الشهداء أرادوا بنهضتهم مع
إمامهم (ع) ـ قتيل الحنيفيّة ـ إحياء شريعة جدّه (ص) .
والعقائل من آل الرسول (ص) ، وإنْ استعرت أكبادهن بنار المصاب ، وتفاقم الخطب عليهن
، وأشجاهنّ
الأسى ، لكنهنّ على جانب عظيم من الأخذ بالثأر ، والدفاع عن قدس الدِّين .
وفيهنّ (العقيلة) ابنة أمير المؤمنين سلام الله عليها ، التي لم يرعها الأسر وذلّ
المنفى ، وفقد الأعزاء وشماتة العدوّ ، وعويل الأيامى وصراخ الأطفال وأنين المريض ،
فكانت تلقي خواطرها بين تلك المحتشدات الرهيبة ، أو فقل بين المخلب والنّاب غير
متلعثمة ، وتقذفها كالصواعق على مجتمع خصومها . فوقفت أمام ابن مرجانة ، ذلك الألد
، وهي
امرأة عزلاء ليس معها من حماتها حمي ، ولا من رجالها ولي غير الإمام الذي أنهكته
العلّة ، ونسوة مكتنفة بها ، بين شاكية وباكية ، وطفل كظّه العطش ، إلى اُخرى أقلقها الوجل
، وأمامها رأس علّة الكائنات ورؤوس صحبه وذويه ، وقد تركت تلك الأشلاء المقطّعة في
البيداء تصهرها الشمس ، والواحدة من هذه تهدّ القوى ، وتبلبل الفكر .
لكن ( ابنة حيدرة ) كانت على جانب عظيم من الثبات والطمأنينة ، فأفرغت عن لسان أبيها
بكلام أنفذ من السّهم ، وألقمت ابن مرجانة حَجراً ، إذ قالت له :
(( هؤلاء قوم كتب الله
عليهم القتل ؛ فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم ، فتحاجّ وتخاصم ، فانظر لِمَن
الفلج . ثكلتك اُمّك يابن مرجانة ! )) .
الصفحة (117)
وأوضحت للملأ المتغافل خبثه ولؤمه ، وأنّه لن يرحض عنه عارها وشنارها ، كما
أنّها أدهشت
العقول وحيّرت الفكر في خطبتها بكُناسة الكوفة ، والنّاس يومئذ حيارى يبكون ، لا يدرون
ما يصنعون ، وأنّى يرحض عنهم العار بقتلهم سليل النبوة ، ومعدن الرسالة ، وسيّد شباب أهل
الجنة ؟ وقد خاب السّعي ، وتبّت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وباؤوا بغضب من الله وخزي في
الآخرة ، ولعذاب الله أكبر لو كانوا يعلمون .
وبعد أنْ فرغت من خطابها اندفعت فاطمة ابنة الحسين(ع) بالقول الجزل ، مع ثبات جأش وهدوء
بال ، فكان خطابها كوخز السّنان في القلوب ، ولم يتمالك النّاس دون أنْ ارتفعت أصواتهم
بالبكاء ، وعرفوا عظيم الجناية والشقاء ، فقالوا لها : حسبك يا ابنة الطاهرين ،
فقد احرقت قلوبنا وانضجعت نحورنا .
وما سكتت حتّى ابتدرت اُمّ كلثوم ، زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) ، فعرّفت الحاضرين عظيم ما
اقترفوه ، فولول الجمع وكثر الصراخ ، ولم يرَ إذ ذاك أكثر باك وباكية(1) .
فهل يا ترى يمكنك الجزم بأنّ أحداً يستطيع في ذلك الموقف الرهيب ، الذي تحفّه سيوف
الجور أن يتكلّم بكلمة واحدة مهما بلغ من المنعة في عشيرته ؟ وهل يقدر أحد أنْ يعلن
بموبقات ابن هند وابن مرجانة غير بنات أمير المؤمنين (ع) ؟ كلا . إنّ على الألسن أوكية
، والأيدي مغلولة ، والقلوب مشفقة .
على أنّ هذا ، إنّما يقبّح ويستهجن إذا لمْ يترتّب عليه إلا فوائد دنيويّة مثارها رغبات
النّفس الأمّارة ، وأمّا إذا ترتّبت عليه فوائد دينيّة ، أهمّها : تنزيه دين الرسول (ص) عمّا ألصقوه
بساحته من الباطل ، فلا قبح فيه عقلاً ، ولا يستهجنه العرف ، ويساعد عليه الشرع .
والمرأة ، وإنْ وضع الله عنها الجهاد ومكافحة الأعداء ، وأمرها سبحانه وتعالى أنْ تقرّ في
بيتها ؛ فذاك فيما إذا قام بتلك المكافحة غيرها من الرجال . وأمّا إذا توقّف إقامة الحقّ
عليها فقط ؛ بحيث لولا قيامها لدرست اُسس الشريعة ، وذهبت
____________________________
(1) إقرأ الخطب الثلاثة في الاُمور المتأخرة عن الشهادة من هذا الكتاب .
الصفحة (118)
تضحية اُولئك الصفوة دونه أدراج التمويهات ، كان الواجب عليها القيام به .
ولذلك نهضت سيّدة نساء العالمين الزهراء (عليها السّلام) للدفاع عن خلافة الله الكبرى
؛ حين اُخذ العهد على سيّد الأوصياء بالقعود ، فخطبت في مسجد النّبي (ص) الخطبة البليغة في
محتشد من المهاجرين والأنصار .
على أنّ الحسين (ع) كان على علم بإخبار جدّه الأمين (ص) ؛ بأنّ القوم وإنْ بلغوا الغاية
، وتناهوا في الخروج عن سبيل الحميّة ، لا يمدّون إلى النّساء يد السّوء ، كما أنبأ عنه سلام
الله عليه بقوله لهنّ ساعة الوداع الأخيرة : (( البسوا أزركم
، واستعدّوا للبلاء ، واعلموا
أنّ الله حاميكم وحافظكم ، وسينجيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذّب
أعاديكم بأنواع العذاب ، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع النّعم والكرامة . فلا تشكوا
ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص من قدركم )) .
هذا كلّه لو لم نقل بالإمامة لسيّد الشهداء (ع) . وأمّا مع الخضوع لناموس علم الإمام
الشامل لِما كان ويكون ، وسيره حسب المصالح الواقعيّة ، وعصمته في أقواله وأفعاله ، كما
هو الحقّ الذي لا محيص عنه ، فكان المحتّم علينا الإذعان بأنّ ما صدر منه ناشئ عن حِكَمٍ
ربانيّة ، ومصالح إلهيّة لا يتطرّق إليها الشكّ ، وليس الواجب علينا إلا التصديق بجميع
أفعاله ، من دون أن يلزمنا العقل بمعرفة المصالح الباعثة على تلك الأفعال الصادرة منه
. وهكذا الحال في كلّ ما وجب على المكلّفين ، فإنّه لمْ يجب على العباد إلا التسليم
والخضوع للمولى ، من دون أنْ تعرف الأغراض الباعثة عليها . وهكذا الحال في العبيد مع
مواليهم ، فإنّ العقل لا يلزم العبد بأكثر من طاعة سيّده ومولاه حينما يأمره وينهاه .
نهضات العلويِّين
لقد كان من نتائج تلك النّهضة المقدّسة ومن ولائد ذلك (الفتح المبين) تطوّر في نظر
العلويين نسباً أو مذهباً أو مَن أخذ لدعوته لوناً من الانتماء إلى آل محمّد ، وإنْ
كان مضمراً غير ما يتظاهر به ، وكلٌ من هؤلاء لمْ يعدم التشييد لدعوة الحقّ ،
والوهن في دولة الباطل ، وتعريف الاُمّة بأنّ لآل محمّد حقّاً مغتصباً ،
الصفحة (119)
والواجب عليهم النّهوض لقطع اليد العادية .
فكانت تلكم الثورات المتتابعة باعثة إلى الأفئدة دواعي تحفّزها إلى تحرّي الرشد
حتّى تقف على صراح الحقيقة .
كانت الاُمّة تعتقد أنّه ليس من المستطاع النّهوض في وجه ا لمستحوذين على أمر الاُمّة وإمرة المسلمين لقوّة سلطانهم
، وإنّ القيام أمام السّلطة القاسية لا يعقب إلا فشلا ، بل
إنّ المحظور في الشريعة القاء النّفس في التهلكة من غير ما جدوى هنالك .
لكن سيّد الإباء والحميّة وسيّد شباب أهل الجنة أوحى إلى الملأ الدِّيني بصرخته في
مشهد الطفّ التي لم يزل دويّ صداها في مسامع القرون والأجيال : إنّ الواجب في الشريعة
الثورة أمام كلّ باطل ، إذا لمْ يكن ما يدحره غيرها .
وإنّ في مستوى اليقين بلوغ الغاية المتوخّاة لِمَن يجعل طلب الحق عنوان نهضته ، فإنّه
إمّا أنْ يفوز النّاهض بالظفر أو مَن يتلوه في نهضته حتّى تتجسّد الأماني بالفتح المبين .
وهذا ما نراه من تعاقب النّهضات تجاه عبث الاُمويِّين بالشريعة المطهّرة ، فكانت دعوة
المختار هي ثارات لآل محمّد .
وقام زيد بن علي بن الحسين (ع) وولده يحيى داعيَين إلى الرضا من آل محمّد ، وأظهر
بقيّة الهاشميِّين التذمّر من خلفاء الجَور ووثبوا لسدّ سَيل الضلال الجارف .
وإنّ التأمّل في سِيَر المعصومين من آل الرسول ، وما قيضهم المولى سبحانه له من كسح
أشواك
المنكر وإرشاد العباد إلى الطريقة المثلى تتجلّى له رغبتهم (عليهم السّلام) في هاتيك
المحتشدات الدامية ، لأنّ الغاية المتوخّاة لهم إنّما هي تعريف الاُمّة أحقيّتهم بمنصب
الرسول الأقدس ، وإنّ الدافع لهم عن هذا الحق المجعول لهم من الباري عزّ اسمه مائل عن
النّهج القويم ، وهذا المعنى إنّما يتسرّب إلى الأدمغة وتلوكه الأشداق ؛ بسبب هاتيك
الثورات في مختلف الاصقاع لتتم الحُجّة على الاُمّة ، فلا يسع أحداً الاعتذار بالجهل
بالإمام المنصوص عليه من النّبي الأعظم .
الصفحة (120)
وإنّما نشاهد من بعض أئمّة الهدى الإنكار والتبرّي من العلويِّين وغيرهم الخارجين
على خلفاء الجَور ، فإنّما هو للتقيّة من السّلطة الغاشمة ؛ كيلا تنسب إليهم الثورة
فينالهم مالا يحمد عقباه .
نعم كان في الثائرين اُناس اتّخذوا مظلوميّة أهل البيت فخّاً يصطادون به البسطاء .
فابن الزبير الذي كان يشيد بذكر الحسين (ع) والظلم الذي جرى عليه ، لمّا حسب أنّه
ملك الأمر تركه ، فكان أشدّ المناوئين لأهل البيت (عليهم السّلام) وأظهر ما انحنت
عليه جوانحه .
فترك الصلاة على النّبي (ص) أربعين جمعة فقيل له في ذلك ، قال : إنّ له أهل بيت سوء
، إذا ذكرته ، اشرأبت نفوسهم إليه وفرحوا بذلك ، فلا اُحبّ أنْ اُقرّ أعينهم(1)
.
ولقد جرّأه على ذلك معاوية بن أبي سفيان الذي يقول لمّا سمع المؤذّن يشهد بالرسالة
: (... وإنّ أخا هاشم يصرخ باسمه في كلّ يوم خمس مرّات : أشهد أنَّ محمداً رسول
الله (ص) ، فأيّ عمل يبقى مع هذا لا اُمّ لك ، والله إلا دفناً دفنا )(2)
.
ولمّا سمع المأمون بهذا الحديث كتب إلى الآفاق بلعنه على المنابر فأعظم النّاس ذلك
وأكبروه واضطربت العامّة فاُشير عليه بالترك فأعرض عمّا كان عليه(3)
.
وأعطف عليه بني العبّاس الذين ملأوا الجَوّ هتافاً بالاستياء لِما أصاب آل محمّد يوم
الطفّ ، ولمّا حصلوا على الاُمنية ، قلبوا لهم ظهر المجن وأبادوهم عن جديد الأرض ،
وكان موسى بن عيسى العباسي ، صاحب الوقعة (بفخ) يقول : لو نازعنا النّبي (ص) هذا
الأمر لضربنا خيشومه بالسّيف(4)
.
____________________________
(1) المقاتل لأبي الفرج ص165 ط ايران .
(2) شرح النهج الحديدي ج2 ص537 .
(3) مروج الذهب ج2 ص343 آخر أخبار المأمون .
(4) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج ص158 ط ايران .
الصفحة (121)
فهؤلاء إلى أمثالهم برئت منهم الذمّة وانقطعت العصمة وإن استفادت الاُمّة بنهضتهم من
ناحية استئصال شأفة أعدائها من آل حرب واُميّة :
طـمعت ابـناء حـرب ان تـرى فـيه لـلضيم انـعطافاً وانـكسارا
حـاولـت تـصطاد مـنه اجـدلا نـفض الـذلَّ عـلى الوكر وطارا
ورجــت لـلـخسف أن تـجذبه ارقـماً قـد ألـف الـعزّ وجـارا
كـيف يـعطي بـيد الـهون إلى طـاعة الـرجس عن الموت حذارا
فـأبـى إلا الـتـي إن ذكــرت هـزَّت الـكون انـدهاشاً وانذعارا
فـأتى مـن بـأسه فـي جـحفل زحـفه سـدَّ عـلى الباغي القفارا
ولـيوث مـن بـني عـمرو العلى لـبسوا الـصبر عـلى الطعن دثارا
أشـعـروا ضـرباً بـهيجاء غـدا لـهم فـي ضـنكها الموت شعارا
فـقضوا حـقّ الـمعالي ومـضوا طـاهري الأعراض لم يدنس عارا
بـذلـوهـا أنـفـسـاً غـالـية كبرت بالعزِّ أن ترضى الصغارا(1)
____________________________
(1) من قصيدة للسيد عبد المطلب الحلي ، ذكرت بتمامها بترجمته من شعراء الحلة للخاقاني .
الصفحة (122)
الصفحة (123)
حديث كربلاء
الصفحة (124)
بسم الله الرحمن الرحيم
قال رسول الله (ص) :
(( إنَّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً
))
مستدرك الوسائل 2 / 217 .
الصفحة (125)
هلَّ المحرم
هـلَّ الـمحرَّم فـاستهل مـكبِّراً وانـثر به درر الدموع على الثرى
وانـظر بـغرته الهلال إذا انجلى مـسـترجعاً مُـتـفجِّعاً مُـتفكِّراً
واخلع شعار الصبر منك وزرَّ من خـلع الـسّقام عـليك ثوباً أصفرا
فـثياب ذي الأشـجان ألـقيها به مـا كـان من حُمر الثياب مزررا
شـهر بـحكم الـدهر فيه تحكَّمت شـر الكلاب السّود في اُسد الشرى
لـلّـه أي مـصـيبة نـزلت بـه بـكت الـسّماء لـه نجيعاً أحمرا
خَـطبٌ دهـى الإسلام عند وقوعه لـبست عـليه حدادها (
اُمّ القرى)
أو ما ترى الحرم الشريف تكاد من زفـراته الـجمرات أن تـتسعَّرا
(وأبـا قبيس) في حشاه تصاعدت قـبسات وجد حرها يصلي (حرا)
عَـلِمَ (الـحطيمُ) به فحطَّمه الأسى ودرى (الـصفا) بـمصابه فتكدَّرا
واسـتشعرت مـنه المشاعر بالبلا وعـفا (مـحسرها) جوىً وتحسَّرا
قُـتل الـحسين فـيا لها من نكبة أضحى لها الإسلام منهدم الذرى(1)
شهر المحرّم
مُـحـرَّمٌ فـيه الـهنا مُـحرَّمُ والـحزن فـرضٌ والبكا مُحتَّمُ
شـهرٌ بـه الإيـمان ثَل عرشه والـكفر بـالإسلام بـان بطشه
هـلاله قوس رمى قلب الهدى والدِّين في سهم الحتوف والردى
قـد كـان عند الكفر والإسلام فـيـه الـقتال أعـظم الآثـام
____________________________
(1) ديوان معتوق بن شهاب الموسوي ط مصر سنة 1330ﻫ .
الصفحة (126)
وآل حرب حاربوا ربَّ السّما فـيه وحـلَّلوا الدم المحرَّما
وانتهكوا حرمة سادات الحرم وارتكبوا ما أمطر السّماء دم
يـا آل حـرب لا لقيتم سَلَماً ولا وقـيتم مـن لـسان ذما
لُـعنتُمُ في الأرض والسّماء عـلى لـسان جملة الأحياء
بـشراكُمُ بـالويل والـثبون وبـالعذاب يوم نَفخ الصور
كـم حـرة للمصطفى هتكتُمُ وكــم دم لِـولـده سـفكتُمُ
يـا امـة الخذلان والكفران وعـصبة الضلال والشيطان
بـأي عـين تبصرون جَده وقـد فـعلتم مـا فعلتم بعده
جزرتُمُ جزر الأضاحي نسله وسـقتُمُ سـوق الاماء أهله
نـسيتُمُ احـسان يـوم الفتح نـسيتُمُ فـيه جميل الصفح
قـد كـنتُمُ لولا بدور هاشم سـراً يضيع في ضلوع كاتم
بـهم تـسنمتم ذرى المنابر كما علوتم صهوة المفاخر(1)
يزيد بعد معاوية
لمّا هلك معاوية بدمشق للنصف من رجب سنة ستين هجرية ، كان ابنه يزيد في حوران ، فأخذ
الضحّاك بن قيس أكفانه ورقى المنبر ، فقال بعد الحمد لله والثناء عليه : كان معاوية
سور العرب وعونهم وجدّهم ، قطع الله به الفتنة وملّكه على العباد وفتح به البلاد ،
إلا
أنّه قد مات وهذه أكفانه فنحن مدرجوه فيها ، ومدخلوه قبره ومخلّون بينه وبين عمله ، ثمّ هو
البرزخ إلى يوم القيامة ، فمَن كان منكم يريد أنْ يشهد فليحضر .
ثمّ صلّى عليه الضحّاك ، ودفنه بمقابر باب الصغير وأرسل البريد إلى يزيد يعزّيه بأبيه
، والإسراع في القدوم ؛ ليأخذ بيعةً مجددةً من النّاس(2)
، وكتب في أسفل الكتاب(3) :
____________________________
(1) المقبولة الحسينية ص9 للحجة آية الله الشيخ هادي كاشف الغطاء
قدّس سره .
(2) البداية والنهاية لابن كثير 8 / 143 .
(3) مقتل الخوارزمي ج1 ص178 .
الصفحة (127)
مضى ابن أبي سفيان فرداً لشأنه وخلفت فانظر بعده كيف تصنع
أقمنا على المنهاج واركب محجة سداداً فأنت المرتجى حين نفزع
فلما قرأ يزيد الكتاب أنشأ يقول(1) :
جـاء الـبريد بقرطاس يخبُّ به فـأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قـلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم قـال الخليفة أمـسى مثقلا وجعا
مادت بنا الأرض أو كادت تميد بنا كـأن مـا عـزَّ من أركانها انقلعا
من لم تزل نفسه توفي على وجل تـوشك مقادير تلك النفس أن تقعا
لـما وردت وباب القصر منطبق لـصوت رملة هُدَّ القلب فانصدعا
وسار إلى دمشق ، فوصلها بعد ثلاثة أيام من دفن معاوية(2)
، وخرج الضحّاك في جماعة
لاستقباله ، فلمّا وافاهم يزيد جاء به الضحّاك أولاً إلى قبر أبيه ، فصلّى عند القبر
.
ثمّ
دخل البلد ورقى المنبر ، وقال : أيّها النّاس ، كان معاوية عبداً من عبيد الله ، أنعم الله عليه ثمّ قبضه إليه
. وهو خير
من بعده ودون من قبله . ولا أزكّيه على الله عزّ وجلّ ؛ فإنّه أعلم به ، إن عفا عنه فبرحمته
، وإن
عاقبه فبذنبه . وقد ولِّيتُ الأمر من بعده ، ولستُ آسى على طلب ، ولا أعتذر من تفريط
، وإذا
أراد الله شيئاً كان . ولقد كان معاوية يغزو بكم في البحر ، وإنّي لستُ حاملاً أحداً من
المسلمين في البحر . وكان يشتيكم بأرض الروم ، ولستُ مشتياً أحداً بأرض الروم . وكان
يخرج عطاءكم أثلاثاً ، وأنا أجمعه كلّه لكم(3) .
فلم يقدم أحد على تعزيته حتّى دخل عليه عبد الله بن همام السّلولي ، فقال : يا أمير
المؤمنين ، آجرك الله على الرزيّة ، وبارك لك في العطيّة ، وأعانك على الرعيّة ، فقد رزئت
عظيماً واُعطيت جسيماً ، فاشكر الله على ما اُعطيت ، واصبر على ما رزئت . فقد فقدتَّ خليفة
الله واُعطيت خلافة الله ، ففارقت جليلاً ووهبت جزيلاً ، إذ قضى
____________________________
(1) الاغاني ج16 ص34 طبعة دي ساسي .
(2) مقتل الخوارزمي ج1 ص178 وفي الاستيعاب على هامش الاصابة بترجمة معاوية عن
الشافعي : أن معاوية لما ثقل كتب إلى يزيد وكان غائباً يخبره بحاله فأنشأ يزيد يقول
وذكر أربع أبيات الاول والثالث واثنان لم يذكرا هنا .
(3) البداية لابن كثير ج8 ص143 .
الصفحة (128)
معاوية نحبه ، وولِّيت الرياسة واُعطيت السّياسة ، فاورده الله موارد السّرور ووفقك لصالح
الامور ، ثمّ أنشأ :
إصـبر يـزيد فقد فارقت ذا كرم واشـكر حباء الذي بالملك أصفاك
لا رزء أصبح في الأقوام قد علموا كـما رزئـت ولا عـقبى كعقباك
أصـبحت راعي أهل الدين كلهُمُ فـأنـت تـرعاهُمُ والله يـرعاك
وفـي مـعاوية الـباقي لنا خلف إذا نـعيت ولا نـسمع بـمنعاك
فانفتح بذلك للخطباء(1) ، وقال له رجل من ثقيف
: السّلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة
الله وبركاته ، إنّك قد فُجعت بخير الآباء ، واُعطيت جميع الأشياء ، فاصبر على الرزيّة
، واحمد
الله على حُسن العطيّة ، فلا أحد اُعطي كما اُعطيت ولا رزئ كما رزئت .
وأقبل الناس عليه
يهنّئونه ويعزّونه فقال يزيد : نحن أنصار الحقّ وأنصار الدِّين ، وأبشروا يا أهل الشام
، فإنّ
الخير لم يزل فيكم وستكون بيني وبين أهل العراق ملحمة ؛ وذلك إنّي رأيت في منامي منذ
ثلاث ليال كأنّ بيني وبين أهل العراق نهراً يطّرد بالدم جرياً شديداً ، وجعلتُ أجهد نفسي
لأجوزه فلم أقدر حتّى جازه بين يدي عبيد الله بن زياد وأنا أنظر إليه ! .
فصاح أهل الشام إمض بنا حيث شئت ، معك سيوفنا التي عرفها أهل العراق في صفّين ،
فجزاهم خيراً وفرّق فيهم أموالاً جزيلة .
وكتب إلى العمّال في البلدان يخبرهم بهلاك أبيه ، وأقرّهم على عملهم ، وضمّ العراقَين
إلى عبيد الله بن زياد ـ بعد أن أشار عليه بذلك سرجون مولى معاوية ـ ، وكتب إلى الوليد بن
عتبة وكان على المدينة :
أمّا بعد ، فإنّ معاوية كان عبداً من عباد الله أكرمه واستخلصه ومكّن له ، ثمّ قبضه
إلى روحه و ريحانه ورحمته وعقابه ، عاش بقدر ومات بأجل ، وقد كان عَهَدَ إليَّ وأوصاني بالحذر من
آل أبي تراب ؛ لجرأتهم على سفك الدماء ، وقد علمتَ يا وليد أنّ الله تبارك وتعالى منتقم
للمظلوم عثمان بآل أبي سفيان ؛ لأنّهم أنصار الحقّ وطلاب العدل ، فإذا ورد عليك كتابي هذا
، فخذ البيعة على أهل المدينة .
____________________________
(1) البيان والتبيين للجاحظ 2 / 109 ، ط 2 ، باب وصية معاوية
، وكامل المبرد 3 / 300 ، والعمدة لابن رشيق 2 / 148 ، باب الرثاء ( وبينهم اختلاف يسير
) ، والعقد الفريد
لابن عبد ربّه 2 / 309 ، باب طلب معاوية البيعة ليزيد .
الصفحة (129)
ثمّ أرفق الكتاب بصحيفة صغيرة فيها : خُذ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي
بكر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ، ومَن أبى فاضربْ عنقه ، وابعث إليَّ
برأسه(1) !
وقام العامل بهذه المهمّة ، فبعث على الحسين وابن الزبير نصف الليل ، رجاء أنْ يغتنم
الفرصة بمبايعتهما قبل النّاس ، فوجدهما رسوله عبد الرحمن بن عمرو بن عثمان بن عفّان(2) في مسجد النّبي (ص) ، فارتاب ابن الزبير من هذه الدعوة التي لم تكن في الوقت الذي
يجلس فيه للناس(3) ، لكن حُجّة الوقت (حسين الإصلاح )
أوقفه على أمر غيبي ، وهو هلاك
معاوية ، وأنّه يطلب منهم البيعة ليزيد وأيّده (ع) بما رآه في المنام من اشتعال النّيران
في دار معاوية ، وإنّ منبره منكوس(4) .
ورام ابـن ميسون على الدين امرة فـعاثت بـدين الله جهراً جرائمه
فـقام مغيثاً شرعة الدِّين شبل مَنْ بـصمصامه بـدءاً اقيمت دعائمه
وحفَّ به ( إذ محصَّ الناسَ ) معشر نـمته
إلى اوج الـمعالي مكارمه
فـمن اشوس ينميه للطعن ( حيدر) وينميه جد في قرى الطير ( هاشمه)
ورهط تفانى في حمى الدين لم تهن لـقـلته بـين الـجموع عـزائمه
إلى أن قضوا دون الشريعة صرَّعاً كما صرعت دون العرين ضراغمه
أراد ابن هند خاب مسعاه أن يرى ( حسينا) بأيدي الضيم تلوى شكائمه
ولـكن أبـى المجد المؤثل والإبا لـه الـذلُّ ثـوباً والحسام ينادمه
أبـوه عـلي وابـنة الـطُّهر اُمّه وطـه لـه جَـدٌّ وجـبريل خادمه
إلـى ابن سمي وابن ميسون ينثني يـمدُّ يـداً والـسّيف في اليد قائمه
____________________________
(1) مقتل الخوارزمي 1 / 178 ـ 180 ، طبع النجف ، وقد أشرنا في المقدّمة
إلى السّر في إنشاء هذا الكتاب الصغير فاقرأه .
(2) ابن عساكر 4 / 327 .
(3) الطبري 6 / 189 .
(4) مثير الاحزان لابن نما / 10 ، ومقتل الخوارزمي 1 / 182
الفصل الثامن . ولا يخفى أنّ رؤيا
الإمام (ع) مشاهدة لحقيقة الحال ، إبصار بنور الإمامة الذي لا تمنعه الحواجز عن ادراك
ما في الكون ، ولا بدع في ذلك ممَّن كوّنه الله تعالى حُجّة على العالمين ، فهو (ع) في مقام
الكناية عن نكوس منبره بانقلاب الأمر من يده وانقطاع شهواته بهلاكه ، واشتعال
النيران كناية عن احتدام الفتن بمثل فاجعة الطفّ ، و واقعة الحرة ، وهدم البيت الحرام
إلى أمثالها .
الصفحة (130)
فصال عليهم صولة الليث مغضباً وعسا له خصم النفوس وصارمه
فـحكَّم فـي أعـناقهم نافذ القضا صقيلاً فلا يستأنف الحكم حاكمه
الى أن أعاد الدين غضّاً ولم يكن بغير دماء السّبط تسقى معالمه(1)
و وضّح لابن الزبير ما عزم عليه الحسين من ملاقاة الوالي في ذلك الوقت ، فأشار عليه
بالترك حذار الغيلة ، فعرّفه الحسين (ع) القدرة على الامتناع(2)
.
وصار إليه الحسين في
ثلاثين(3) من مواليه وأهل بيته وشيعته
، شاكين بالسّلاح ، ليكونوا على الباب فيمنعونه
إذا علا صوته(4) وبيده قضيب رسول الله (ص)
. ولمّا استقرّ المجلس بأبي عبد الله (ع)
، نعى الوليد إليه معاوية ، ثم عرض عليه البيعة ليزيد ، فقال (ع) :
(( مثلي لا يبايع سرّاً ، فإذا دعوتَ النّاس إلى البيعة دعوتنا معهم
، فكان أمراً واحداً )) (5) .
فاقتنع الوليد منه ، لكن مروان ابتدر قائلاً : إن فارقك السّاعة ولم يبايع ، لم تقدر منه
على مثلها حتّى تكثر القتلى بينكم ، ولكن احبس الرجل حتّى يبايع أو تضرب عنقه .
فقال الحسين : (( يابن الزرقاء(6) أنت تقتلني أم هو ؟! كذبت وأثمت
))(7) .
____________________________
(1) من قصيدة للعلامة الشيخ محمّد تقي آل صاحب الجواهر .
(2) ابن الأثير 4 / 6 .
(3) اللهوف للسيّد رضي الدين ابن طاووس .
(4) مقتل الخوارزمي 1 / 183 الفصل الثامن .
(5) الطبري 6 / 189 .
(6) في تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي / 229 ، طبع ايران
، والاداب السلطانية للفخري / 88
، كانت جدّة مروان من البغايا .
وفي كامل ابن الأثير 4 / 75 ، كان الناس يعيّرون ولد
عبد الله بن مروان بالزرقاء بنت موهب ؛ لانّها من المومسات ومن ذوات الرايات .
وفي تاريخ
ابن عساكر 7 / 407 ، جرى كلام بين مروان وعبد الله بن الزبير فقال له عبد الله : وإنك
لههنا يابن الزرقاء .
وفي أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 129 ، قال عمرو بن العاص
لمروان ـ في كلام جرى بينهما ـ : يابن الزرقاء ، فقال مروان : إن كانت زرقاء ، فقد أنجبت
وأدت الشبه إذا لم تؤده غيرها .
وفي تاريخ الطبري 8 / 16 ، كان مروان بن محمّد بن الأشعث يقول : لم يزل بنو مروان
يعيَّرون بالزرقاء وان بني العاص من أهل (صفورية) .
غير خفي أنّ أدب الشريعة وإن حرج على المؤمن التنابز بالالقاب والطعن في الأنساب ،
ومَن تستفاد منه الحكم والآداب الإلهيّة أحرى بالأخذ بها ، إلا أنّ إمام الاُمّة والحُجّة
على الخليفة العارف بالملابسات لا يتعدّى هذه المقررات ، وابتعادنا عن مقتضيات أحوال
ذلك الزمن يلزمنا بالتسليم للإمام المعصوم (ع) في كلّ ما يصدر منه خصوصاً مع مطابقته
للقرآن العزيز الذي هو مصدر الأحكام ، والتعيير الصادر من الحسين لمروان صدر مثله
من الجليل عزّ شأنه مع الوليد بن المغيرة المخزومي إذ يقول في سورة القلم / 13 :
( عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) والزنيم ، في اللغة
: الدعي في النسب ، اللصيق به .
و ورد في حديث النّبي (ص)
كما في كنز العمال 1 / 156 : (( العتل الزنيم : الفاحش اللئيم
)) .
ويروي الآلوسي في روح
المعاني 29 / 28 : إنّ أباه المغيرة ادّعاه بعد ثمان عشرة سنة من مولده .
فإذا كان
( ينبوع الأدب والأسرار) يغمز في حقّ رجل معيّن ويسمّه بالقبيح في كتابه الذي يتلى في
المحاريب ليلاً ونهاراً ، فلا يستغرب من ابن النبوة إذا رمى مروان بالشائنة ، وهو ذلك
المتربّص بهم الغوائل .
(7) تاريخ الطبري ، وابن الأثير ، والإرشاد ، وإعلام الورى .
|