الصفحة (131)
ثم أقبل (ع) على الوليد وقال :
(( أيها الأمير ، إنّا أهل بيت النبوّة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف
الملائكة ، بنا فتح الله وبنا يختم . ويزيد رجل شارب الخمور ، وقاتل النّفس المحرَّمة
، معلن
بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة))(1) .
فأغلظ الوليد في كلامه ، وارتفعت الأصوات ، فهجم تسعة عشر رجلاً قد انتضوا خناجرهم
وأخرجوا الحسين إلى منزله قهراً(2) .
فقال مروان للوليد : عصيتني ، فولله لا يمكّنك على مثلها
. قال الوليد : وَبِّخ غيرك يا مروان
! اخترت لي ما فيه هلاك ديني ، أقتل حسيناً أنْ قال لا اُبايع ! والله لا أظن امرءاً
يحاسب بدم الحسين إلا خفيف الميزان يوم القيامة(3)
، ولا ينظر الله إليه ، ولا يزكّيه
، وله عذاب أليم(4) .
وعتبت أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، امرأة الوليد عليه ؛ لمّا جرى منه مع
الحسين ، فاعتذر بأنّه بدأه بالسّب ، قالت : أتسبّه وتسبّ أباه إنْ سبّك ! فقال : لا أفعل
أبداً(5) .
وفي هذه الليلة زار الحسين قبر جدّه (ص) ، فسطع له نور من القبر(6) فقال :
(( السّلام عليك
يا رسول الله ، أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك ، وسبطك الذي خلّفتني في اُمّتك
، فاشهد
عليهم يا نبيّ الله أنّهم خذلوني ولم
____________________________
(1) مثير الاحزان لابن نما الحلّي ، من أعلام القرن السادس .
(2) مناقب ابن شهرآشوب 2 / 208 .
(3) تاريخ الطبري 6 / 19 .
(4) اللهوف / 13 .
(5) ابن عساكر 4 / 328 .
(6) امالي الصدوق / 93 المجلس الثلاثون .
الصفحة (132)
يحفظوني ، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك )) ، ولم يزل راكعاً وساجداً
حتّى الصباح(1) .
وأرسل الوليد من يتعرّف له خبر الحسين ، وحيث لم يصبه الرسول في منزله ، اعتقد أنّه
خارج من المدينة ، فحمد الله على عدم ابتلائه به .
وعند الصباح لقي مروان أبا عبد الله (ع) ، فعرفه النصيحة التي يدخرها
____________________________
(1) مقتل
العوالم ص 54 والبحار ج 10 ص 172 عن محمد بن أبي طالب إن مسألة وجود الأنبياء
والأوصياء في قبورهم أو أنهم مرفوعون إلى السماء محل الخلاف لاختلاف الآثار . ففي
كامل الزيارات والتوحيد والمجالس والعيون والخصال للصدوق والخرايجك للراوندي
والبصائر ص 130 أخبار دلت على وجود نبينا (صلّى الله عليه وآله) وعلي والحسين ونوح
وشعيب وخالد العبسي ويوشع بن نون وعظام آدم وعظام يوسف وعظم النبي المذكور في خبر
الاستسقاء في الأرض وإنها أول ما تنشق عن نبينا (صلّى الله عليه وآله) ولهذه
الأخبار اختار السيد محمود بن فتح الله الحسيني الكاظمي في رسالة كتبها في المسألة
انهم موجودون في قبورهم ، ولكن في كامل الزيارات ص 390 باب 108 وتهذيب الطوسي آخر
المزار باب الزيارات ما من نبي أو وصي يبقى في الأرض أكثر من ثلاثة أيام حتى ترفع
روحه وعظمه إلى السماء ، وفي تهذيب الشيخ الطوسي لا يبقى اكثر من أربعين يوماً
فيرفع إلى السماء . والاختلاف بينهما أما لبيان الغاية في القلة والكثرة أو
للاختلاف في مراتبهم ، وفي شرح الأربعين للمجلسي ص 76 جمع آخر بين الخبرين وهو أن
بعضهم يرفع بعد الثلاثة وبعضهم بعد الأربعين . واحتمل أن تكون الاخبار واردة لقطع
طمع الخوارج عن النبش . وممن وافق على رفع الاجساد الأصلية الشيخ المفيد في
المقالات ص 84 والكراجكي في كنز الفوائد ص 258 والمجلسي في مرآة العقول ج 1 ص 373
والشيخ يوسف البحراني في الدرة النجفية ص 266 والمحدث النوري في دار السلام ج 2 ص
331 وذهب الفيض في (الوافي) الى أنهم يرتفعون بالأجساد المثالية وتبقى العنصرية في
الأرض، وفي مرآة العقول ج 1 ص 227 أن جماعة ذهبوا الى رجوعهم الى ضرائحهم بعد الرفع
.
ولما سأل
ابن الحاجب شيخنا المفيد عن معنى حضور الوافدين الى هذه الضرائح ؟ حينئذ أجابه
الشيخ المفيد بأنه انما جاء العباد الى محال قبورهم وان لم يكونوا فيها اكباراً لهم
وتقديساً للمواضع التي حلوا فيها ثم ارتفعوا عنها وهذا مثل تبعد الله العباد بالسعي
الى بيته الحرام مع انه سبحانه لا يحويه مكان وانما ذلك ذلك تعظيم له وتجليل لمقامه
جل شأنه .
وفي
الفتاوى الحديثية لابن حجر في 213 عن ابن العربي ان الأنبياء ترد اليهم أرواحهم في
القبور ويؤذن لهم في الخروج والتصرف في الملكوت العلوي أو السفلي فلا مانع من أن
يرى النبي (صلّى الله عليه وآله) الكثيرون لانه كالشمس . وفي وفاء الوفاء للسمهودي
ج 2 ص 407 الفصل الثاني في بنية المزارات روى عنه انه (صلّى الله عليه وآله) قال :
ما من نبي دفن الا وقد رفع بعد ثلاث غيري فاني سألت الله تعالى أن أكون بينكم إلى
يوم القيامة وروى عبد الرزاق ان سعيد بن المسيب رأى قوماً يسلمون على النبي (صلّى
الله عليه وآله) فقال : ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين ... وفي روح المعاني
للآلوسي ج 2 ص 37 سورة الاحزاب آية (ما كان محمداًَ أبا أحد من رجالكم) أحاديث عن
أنس قال (صلّى الله عليه وآله) ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحاً .
وعن سعيد بن المسيب وأبي المقدم ثابت بن هرمز ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين
يوماً .. ومن الأخبار ما ذكره امام الحرمين في النهاية والرافعي في الشرح ان النبي
قال : أنا أكرم على ربي أن يتركني في قبري بعد ثلاث .. زاد امام الحرمين وروى أكثر
من يومين ونقل عن القاضي ابن العربي والروض : ان الأنبياء ترد اليهم أرواحهم بعد ما
قبضوا ويؤذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي ، ثم ذكر
رأيه .
الصفحة (133)
لأمثاله ، وهي البيعة ليزيد ؛ فإنّ فيها خير الدِّين والدنيا ، فاسترجع الحسين وقال :
(( على
الإسلام السّلام ؛ إذا بليت الاُمّة براع مثل يزيد ، ولقد سمعت جدّي رسول الله (ص) يقول :
الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان(1)
، فاذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه ، وقد
رآه أهل المدينة على المنبر فلم يبقروا فابتلاهم الله بيزيد الفاسق )) ، وطال الحديث
بينهما حتّى انصرف مروان مغضباً(2) .
وفي الليلة الثانية جاء الحسين إلى قبر جدّه ، وصلّى ركعات ثم قال :
(( اللهمّ ، إنّ هذا قبر
نبيّك محمّد (ص) وأنا ابن بنت نبيّك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ، اللهمّ إنّي اُحبّ
المعروف واُنكِر المنكر ، وأسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومَن فيه إلا اخترت لي
ما هو لك رضىً ولرسولك رضىً )) ، وبكى .
ولمّا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فغفا ، فرأى رسول الله (صلّى الله عليه
وآله) في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يدَيه ، فضمّ الحسين إلى صدره وقبَّل
ما بين عينيه ، وقال : حبيبي يا حسين ، كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك ، مذبوحاً بأرض
كربلا بين عصابة من اُمّتي ، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم بعد ذلك
يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة ! حبيبي يا حسين ، إنّ أباك واُمّك
وأخاك قدموا عليَّ وهم مشتاقون إليك . فبكى الحسين وسأل جدّه أنْ يأخذه معه ويدخله في
قبره .
ولكن الرسول الأقدس أبى إلا أنْ يمضي ولده على حال أربى في نيل الجزاء وآثر عند
الجليل سبحانه يوم الخصام فقال (ص) : لابد أنْ ترزق الشهادة ؛ ليكون لك ما كتب الله
فيها من الثواب العظيم ، فانّك وأباك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة
حتّى تدخلوا الجنّة .
فانتبه الحسين وقصّ رؤياه على أهل بيته فاشتد حزنهم وكثر بكاؤهم(3)
____________________________
(1) اللهوف / 13 ، ومثير الأحزان / 10 .
(2) مقتل الحوارزمي 1 / 185 ، الفصل التاسع .
(3) مقتل العوام / 54 ، عن محمّد بن أبي طالب ، وهذا التذمّر بيان لمقتضى الحال وتعليم للاُمّة بأنّ في مشاهدة تلكم الأحوال من تداول المنكرات وإزهاق المعروف ممّا يستهان معه
الموت ، وذلك بقضاء من الشهامة والتعرّق في الدين ، ولم يكن هذا من سيّد الشهداء نكوصاً
عن الأفضل ولا جزعاً ـ وحاشاه ـ ممّا قدّر له ورضى به ، وأخذ عليه العهد والمواثيق
المؤكّدة وهو جدّ عليم بأنّه لابدّ من وقوع ما جرت به المقادير ، لكنّ أبي الضيم حسب
أنّ
دعاء جدّه (ص) بغير القضاء فعرفه صاحب الدّعوة الإلهيّة أنّ الله تعالى أجرى قضاءه
بإعطائه منازل لا تحصّل إلا مع الشهادة . وفي كلّ حرف من قضيّة السّبط الشهيد دروس راقية
، وهل في الاُمّة مَن يعتبر بها أو يدرسها ؟
الصفحة (134)
وعلموا قرب الموعد الذي كان رسول الله يخبر به ، ولحرصهم على نور النبوّة أنْ لا يحجب
عنهم ولا يفقدوا تلك الهبات العلويّة اجتمعوا عليه ، وطلبوا منه الموافقة ليزيد أو
الابتعاد عن هذه البلاد .
جماعة يتخوّفون على الحسين
1ـ رأي عمر الأطرف
فقال له عمر الأطرف بن أمير المؤمنين(1) : حدّثني أبو
محمّد الحسن عن أبيه أمير
المؤمنين ، أنّك مقتول ، فلو بايعت لكان خيراً لك . قال الحسين :
(( حدّثني أبي أنّ رسول
الله أخبره بقتله وقتلي ، وإنّ تربته تكون بالقرب من تربتي ، أتظنّ أنّك علمت ما لم
أعلمه ؟
، وإنّي لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً ، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ممّا لقيت ذريّتها من
اُمّته ، ولا يدخل الجنة من آذاها في ذريّتها)) (2)
.
وجاء عمر بن علي بن أبي طالب إلى المختار ـ حينما نهض بالكوفة ـ فقال له المختار : هل معك
محمّد بن الحنفيّة ؟ فقال : لا
.
فطرده عنه . فسار إلى مصعب حتّى حضر الوقعة وقُتل فيمَن قُتل من النّاس(3) .
لا بـد أن تـرد الـقيامة iiفاطم وقـميصها بـدم الحسين iiملطّخ
ويـلٌ لـمَن شـفعاؤه iiخصماؤه والصور في يوم القيامة ينفخ(4)
2ـ رأي ابن الحنفية
وقال محمّد بن الحنفية(5) : يا أخي أنت أحبّ النّاس إليَّ وأعزّهم عليَّ
____________________________
(1) ذكرنا ترجمته في هامش كتابنا زيد الشهيد / 100
الطبعة الثانية .
(2) اللهوف / 15 ، طـ صيدا .
(3) الاخبار الطوال للدينوري / 29 .
(4) في مناقب ابن شهرآشوب 2 / 91 : إنّها لمسعود بن عبد الله القايني .
(5) ذكرنا في كتابنا ( قمر بني هاشم / 104 ) : أنّ له يوم البصرة عشرين سنة
، فهو أكبر
من العبّاس بعشر سنين ، وكانت راية أمير المؤمنين معه في الجمل والنهروان ، وذكرنا في
كتابنا ( زين العابدين / 316 ) بعض أحواله .
وفي مقتل الخوارزمي 2 / 79 كتاب يزيد إلى ابن الحنفية بعد قتل الحسين وحضوره عنده ؛ وهذا ممّا يحطّ من مقامه ، وإنّي أقطع
بالافتعال عليه ؛ لأنّه لا يعقل صدوره من غيور موتور .
الصفحة (135)
ولستُ أدّخر النّصيحة لأحد من الخلق إلا لك وأنت أحقّ بها ، تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية
وعن الأمصار ما استطعت ، ثم ابعث برسلك إلى النّاس ، فإنْ بايعوك حمدتَ الله على ذلك
، وإنْ
اجتمعوا على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ، ولم تذهب مروءتك ولا فضلك ، وإنّي
أخاف عليك أنْ تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف النّاس بينهم فطائفة معك واُخرى عليك
فيقتتلون ، فتكون لأول الأسنّة غرضاً ، فإذا خيرُ هذه الاُمّة كلّها نفساً وأباً واُمّاً
،
أضيعها دماً ، وأذلّها أهلاً .
فقال الحسين : (( فأين أذهب ؟ )) ، قال : تنزل مكّة فإنْ اطمأنّت بك الدار
، وإلا لحقت بالرمال
وشعب الجبال وخرجت من بلد إلى آخر حتّى تنظر ما يصير إليه أمر النّاس ، فإنّك أصوب ما
تكون رأياً وأحزمه عملاً حتّى تستقبل الاُمور استقبالاً ولا تكون الأمور أبداً أشكل
عليك منها حين تستدبرها استدباراً(1) .
فقال الحسين : (( يا أخي ، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى
، لَما بايعت يزيد ابن معاوية
)) ، فقطع محمّد كلامه بالبكاء .
فقال الحسين : (( يا أخي ، جزاك الله خيراً ، لقد نصحت وأشرت بالصواب
، وأنا عازم على الخروج إلى مكّة ، وقد تهيّأتُ لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي أمرهم أمري ورأيهم رأيي ، وأمّا
أنت فلا عليك أنْ تقيم بالمدينة ، فتكون لي عيناً عليهم لا تخفي عنّي شيئاً من اُمورهم
)) (2)
.
وقام من عند ابن الحنفية ودخل المسجد ، وهو ينشد :
لا ذعرت السوام في فلق الصبح مغـيراً ولا دعـيت يـزيدا(3)
يوم أُعطي مخالفة الموت ضـيم والمنايا يرصدنني أن احيدا(4)
____________________________
(1) الطبري 6 / 191 ، وكامل ابن الأثير 4 / 7 .
(2) مقتل محمّد بن أبي طالب ، ولم يذكر أرباب المقاتل هذا العذر
، واعتذر العلامة الحلّي
في أجوبة مسائل ابن مهنا بالمرض .
في (أخذ الثأر) لابن نما الحلي ص81 : أصابته قروح
من عين نظرت إليه ، فلم يتمكّن من الخروج مع الحسين (ع) ، وجلالة ابن الحنفية ومواقفه
المشهودة ، واعترافه بإمامة السّجاد (ع) لا يدع لنا إلا الاذعان بمشروعيّة تأخيره عن
هذا المشهد على الإجمال .
(3) هو يزيد بن مفرغ .
(4) في أنساب الاشراف 4 / 66 : تمثل بهما في مكة .
الصفحة (136)
وسمعه أبو سعيد المقبري فعرف أنّه يريد أمراً عظيماً(1) .
3ـ رأي اُمّ سلمة
وقالت اُمّ سلمة : لا تحزنني بخروجك إلى العراق ، فإنّي سمعت جدّك رسول الله يقول :
(( يُقتل
ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا )) ، وعندي تربتك في قارورة دفعها إليَّ
النّبي (ص) .
فقال الحسين : (( يا اُمّاه ، وأنا أعلم أنّي مقتول مذبوح ظلماً وعدواناً
، وقد شاء عزّ وجلّ أنْ
يرى حرمي ورهطي مشرّدين ، وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيّدين ، وهم يستغيثون فلا يجدون
ناصراً )) .
قالت اُمّ سلمة : وآعجباً ! فأنّى تذهب وأنت مقتول ؟! .
قال (ع) : (( يا اُمّاه ، إنْ لم أذهب اليوم ذهبتُ غداً ، وإنْ لم أذهب في غد ذهبت بعد غد
، وما
من الموت والله بدّ ، واني لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه والسّاعة التي اُقتل فيها والحفرة
التي اُدفن فيها ، كما أعرفك ، وأنظر إليها كما أنظر إليك ، وإنْ أحببتِ يا اُمّاه
أنْ أريك
مضجعي ومكان أصحابي )) ، فطلبت منه ذلك ، فأراها تربة أصحابه(2)
، ثمّ أعطاها من تلك التربة ، وأمرها أنْ تحتفظ بها في قارورة ، فإذا رأتها تفور دماً تيقّنت قتله
. وفي اليوم العاشر
بعد الظهر نظرت إلى القارورتين فإذا هما يفوران دماً(3) .
____________________________
(1) الطبري 6 / 191 ، والاغاني 17 / 68 ، والمقتل للخوارزمي 1
/ 186 الفصل التاسع ، وتهذيب
تاريخ ابن عساكر 4 / 339 .
(2) مدينة المعاجز / 244 ، عن ثاقب المناقب لمؤلّفه الجليل أبي جعفر
محمّد بن علي بن محمّد المشهدي الطوسي ، كما في دار السلام للنوري 1 / 102 ، وحكى في روضات الجنات / 593
: نسبة الكتاب إليه عن كامل البهائي ، وعلى ما في دار السلام من ذكر روايته عن جعفر بن
محمّد الدرويستي الراوي عن المفيد في سنة 401 يكون من أعلام القرن الخامس .
(3) الخرايج في باب معجزاته ومقتل العوالم / 47 .
الصفحة (137)
الهاشميّات :
وكَبُرَ خروجه على نساء بني عبد المطّلب فاجتمعن ؛ للنياحة ، فمشى إليهنّ الحسين وسكّتهن وقال: (( اُنشدكنّ الله أنْ تبدين هذا الأمر معصية لله ولرسوله
)) ، فقلن : ولِمَن نستبقي النّياحة
والبكاء ؟! فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله وعلي وفاطمة والحسن وزينب واُمّ كلثوم
، فننشدك الله ـ جعلنا الله فداك ـ من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور . وأخبرته
بعض عمّاته أنّها سمعت هاتفاً يقول(1) :
____________________________
(1) في
كامل الزيارة ص 96 ذكر بيتين ثم هذا البيت وورد في أربعة أبيات في حماسة أبي تمام
كما في شرحها للتبريزي ج 2 ص 14 ، ومروج الذهب ج 2 ص 92 نقلاً عن انساب الزبير بن
بكار ومناقب ابن شهر اشوب ج 2 ص 228 ومثير الأحزان عن المرزباني وتذكرة الخواص ص
124 وورد في خمسة أبيات في معجم البلدان ج 6 ص 52 ومقالات الاسلاميين لأبي الحسن
الأشعري ج 1 ص 142 وفي ست أبيات في كامل ابن الأثير ج 4 ص 37 وسير أعلام النبلاء
للذهبي ج 2 ص 215 وفي سبع أبيات في مقاتل الطالبيين ص 19 ط ايران ونسب قريش لمصعب
الزبيري ص 41 وفي ثمان أبيات في البداية لابن كثير ج 8 ص 211 ومقتل الخوارزمي ج 2 ص
149 ومثير الأحزان لابن نما . وتهذيب تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 343 .
(واختلفوا
في قائلها) ففي كامل ابن الأثير ج 4 ص 37 انها للتيمي تيم مرة وكان منقطعاً لبني
هاشم ، وفي الاصابة ج 4 ص 74 ومقالات الاسلاميين انها لأبي رمح الخزاعي وهي رواية
ابن نما عن المرزباني ، وفي شرح التبريزي على الحماسة ج 3 ص 13 انها لأبي رمج
الخزاعي بالجيم المعجمة وفي الاستيعاب انها لأبي زميج الخزاعي وسماه البكري في
المعجم مما استعجم ج 3 ص 891 ابن رمح الخزاعي ولم يذكر الا هذا البيت الذي في
روايته (اذل رقاب المسلمين فذلت) .
ويذهب
الزبير بن بكار في أنساب قريش كما ذكره المسعودي في مروج الذهب انها لسليمان بن قبه
بالباء الموحدة وعند ابن عساكر في تاريخه ج 4 ص 342 والذهبي في سير اعلام النبلاء ج
3 ص 215 وابي عمرو في الاستيعاب (قنة) بالنون بعد القاف ويضيف ابن شهر اشوب الى ذلك
(الهاشمي) .
وفي تهذيب
كامل المبردج (2) ص 235 واعيان الشيعة ج 35 ص 136 ونسب قريش لمصعب الزبيري ص 41
سليمان بن قته ويضيف اليه ابو تمام في الحماسة (العدوي) وفي شرح التبريزي منسوب الى
عدي وفي وفي الحماسة البصرية لصدر الدين بن أبي الفرج بن الحسين البصري المتوفى سنة
659 هـ ج 1 ص 200 رقم 10 قال سليمان ابن قته العدوي مولى عمر بن عبد الله التيمي :
مررت على أبيات آل
محمد فلم أرها أمثالها يوم يوم حلت
وكتب
المعلق عليه انها خمسة ولم يذكرها وقال مثلها في الاستيعاب . وفي تذكرة الخواص ص
154 ط . ايران مر سليمان بن قته فنظر الى مصارع القوم فبكى ثم قال : وان قتيل الطف
... الى أربعة أبيات .
وفي مقاتل
أبي الفرج ص 49 والبداية لابن كثير ج 8 ص 211 سليمان بن (قتيبة) بالتاء المثناة من
فوق بعد القاف ثم الياء المثناة من تحت بعدها باء موحدة ملحقه بهاء ، وفي مثير
الاحزان لابن نما ان سليمان بن قتيبة العدوي مولى بني تميم مر بكربلا بعد قتل
الحسين بثلاث فنظر الى مصارعهم فاتكأ على قوس له عربية وانشأ الأبيات وفي اللهوف
لابن طاووس ص 119 ط صيدا ولقد احسن ابن قتيبة رحمه الله ، وفي معجم البلدان ج 6 ص
52 انها لأبي دهبل الجمحي ، ووافقه في تاج العروس بمادة الطف مع الاقتصار على نفس
البيت (وابو = دهبل) كما في الأغاني ج 6 ص 149 وهب بن زمعة بن اسد مادح معاوية وعبد
الله بن الزبير والوالي على اليمن من قبله وهذا يضعف كون الشعر له ، وفي الاغاني ج
17 ص 165 دخل مصعب بن الزبير الكوفة وأخذ يسأل عن الحسين وقتله وعروة بن المغيرة
يحدثه فقال متمثلا بقول سليمان بن قته :
فان الأولى بالطف من آل
هاشم تآسوا فسنوا للكرام التآسيا
وفي طبقات
القراء لابن الجزري ج 1 ص 314 سليمان بن قتة بفتح القاف والمثناة من فوق المشددة ،
وقته امه ، التيمي مولاهم البصري ثقة عرض على ابن عباس ثلاث عرضات وعرض عليه عاصم
الجحدري .
(ويمضي)
على الألسن ان التي سمعت الهاتف أم هاني ولا يصح لانها ماتت أما في أيام النبي
(صلّى الله عليه وآله) كما في مناقب ابن شهر آشوب ج 1 ص 110 أو أيام معاوية كما في
تقريب التهذيب لابن حجر ص 620 ط لكنهو .
الصفحة (138)
وإنَّ قتيل الطف من آل هاشم أذلَّ رقاباً من قريش فذلَّتِ
فصبَّرها الحسين وعرَّفها أنّه أمر جارٍ وقضاء محتوم .
4ـ رأي عبد الله بن عمر
وطلب منه عبد الله بن عمر بن الخطاب البقاء في المدينة فأبى الحسين وقال :
(( يا عبد
الله ، إنّ من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريّا يُهدى إلى بغيٍّ من بغايا بني
إسرائيل ، وأنّ رأسي يُهدى إلى بغي من بغايا بني اُميّة ، أما علمت أنّ بني إسرائيل كانوا
يقتلون ما بين طلوع الشمس سبعين نبياً ثمّ يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً ؟! فلم
يُعجّل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ذي انتقام ))(1) .
ولما عرف ابن عمر من الحسين العزم على مغادرة المدينة والنّهضة في وجه أتباع الضلال
وقمع المنكرات وكسح أشواك الباطل عن صراط الشريعة المقدّسة ، قال له : يا أبا عبد
الله أكشف لي عن الموضع الذي لم يزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقبّله منك ، فكشف
له عن سرّته ، فقبّلها ثلاثاً وبكى(2) .
فقال له : (( اتّق الله يا أبا عبد الرحمن ، ولا تَدَعَنَّ نصرتي
))(3) .
____________________________
(1) ابن نما واللهوف .
(2) أمالي الصدوق مجلس 30 / 93 .
(3) اللهوف / 17 .
الصفحة (139)
الوصيّة
وكتب الحسين قبل خروجه من المدينة وصيّةً قال فيها :
((
بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به الحسين بن علي (ع) إلى أخيه محمّد بن
الحنفيّة ، إنّ الحسين يشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمداً عبده
ورسوله جاء بالحقّ من عنده ، وأنّ الجنة حقّ والنّار حقّ ، والسّاعة آتية لا ريب فيها
، وأنّ
الله يبعث من في القبور .
وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في
اُمّة جدّي (ص) ، اُريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي
طالب ، فمَن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ ، ومَن ردّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله
بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين .
وهذه وصيّتي إليك يا أخي . وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلت وإليه اُنيب ، ثمّ طوى
الكتاب وختمه ودفعه إلى أخيه محمّد ))(1) .
رافـعٌ رايـة الـهدى iiبمهجته كـاشفٌ ظـلمة العمى iiببهجته
بـه اسـتقامت هـذه iiالشريعة بـه عـلت أركـانها iiالرفيعة
بـنى الـمعالي بمعالي iiهممه ما اخضرَّ عود الدين إلا iiبدمه
بـنفسه اشـترى حـياة iiالدين فـيا لـها مـن ثـمن iiثـمين
أحـيا مـعالم الـهدى iiبروحه داوى جروح الدين من جروحه
جـفت ريـاض العلم iiبالسموم لـم يـروها إلا دم iiالـمظلوم
فـأصبحت مـورقة iiالأشجار يـانـعة زاكـيـة iiالـثـمار
أقـعـد كـل قـائم بـنهضته حتّى أقـام الدين بعد iiكبوته
قـامت بـه قـواعد iiالتوحيد مـذ لـجأت بـركنها iiالشديد
____________________________
(1) مقتل العوام / 54 ، والمقتل للخوارزمي 1 / 188 الفصل
التاسع .
وغير خاف مغزى السبط
المقدس من هذه الوصية ، فإنّه أراد الهتاف بغايته الكريمة من نهضته المقدسة ، وتعريف
الملأ نفسَه ونفسيته ومبدأ أمره ومنتهاه ، ولم يبرح يواصل هذا بأمثاله إلى حين شهادته
دحضاً لما كان الأمويّون ولفائفهم يموهون على النّاس بأنّ الحسين خارج على خليفة الوقت
يريد شقّ العصا وتفريق الكلمة واستهواء النّاس إلى نفسه ؛ لنهمة الحاكمية وشره الرياسة
؛ تبريراً لأعمالهم القاسية في استئصال آل الرسول ، ولم يزل (ع) مترسلاً كذلك في جميع
مواقفه هو وآله وصحبه حتّى دحروا تلكم الاُكذوبة ، ونالوا اُمنيتهم في مسيرهم ومصير
أمرهم .
الصفحة (140)
غـدت بـه سـامية iiالـقباب مـعـاهد الـسّـنة iiوالـكتاب
أفـاض كـالحيا عـلى iiالورِّاد مـاء الـحياة وَهوَ ظامٍ iiصادي
وكـظَّه الظما وفي طيِّ iiالحشا ريِّ الورى والله يقضي ما يشا
والـتهبت أحـشاؤه من iiالظما فأمطرت سحائب القدس دما(1)
الخروج من المدينة
وخرج الحسين من المدينة متوجّهاً نحو مكّة ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب ومعه بنوه
وإخوته وبنو أخيه الحسن وأهل بيته(2)
، وهو يقرأ :
(
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَبُ قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ
الظّالِمِينَ )(3).
ولزم الطريق الأعظم ، فقيل له : لو تنكّبت الطريق كما فعل ابن الزبير ؛ كيلا يلحقك الطلب
، قال : (( لا والله ، لا أفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض
)) .
ودخل مكّة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان وهو يقرأ :
( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي
سَوَاءَ السَّبِيل )(4)(5) .
فنزل دار العبّاس بن عبد المطلب(6) واختلف إليه أهل مكّة ومَن بها من المعتمرين وأهل
الآفاق ، وابن الزبير ملازم جانب الكعبة ، ويأتي إلى الحسين فيمَن يأتيه وكان ثقيلاً
عليه دخول الحسين مكّة ؛ لكونه أجلَّ منه وأطوع في النّاس ، فلا يبايَع له ما دام الحسين
فيها .
وخرج (ع) في بعض الأيام إلى زيارة قبر جدّته خديجة ، فصلّى هناك وابتهل إلى الله
كثيراً(7) .
____________________________
(1) للعلامة الحجة الشيخ محمّد حسين الاصفهاني قدّس الله سرّه .
(2) تاريخ الطبري 6 / 190 .
(3) سورة القصص / 31 .
(4) سورة القصص / 22 .
(5) إرشاد المفيد .
(6) تاريخ ابن عساكر 4 / 328 .
(7) الخصائص الحسينية للشيخ جعفر الشوشتري / 35 ط تبريز ، ومقتل العوالم / 20 .
الصفحة (141)
أفدي الاولى للعلى أسرى بهم iiظعن وراء حـادٍ مـن الأقـدار iiيزعجه
رَكْـبٌ عـلى جنة الماوى iiمعرِّسه لـكن عـلى محن البلوى iiمعرِّجه
مِثل الحسين تضيق الأرض فيه فلا يـدري
إلى أيـن ماواه iiومولجه
ويطلب الأمن بالبطحا وخوف iiبني سـفيان يـقلقه مـنها iiويـخرجه
وهـو الذي شَرُفَ البيت الحرام iiبه ولاح بـعد الـعمى لـلناس منهجه
يـا حـائراً لا وحاشا نور iiعزمته بـمن سواك الهدى قد شع مسرجه
وواسـع الـحلم والدنيا تضيق iiبه سـواك ان ضاق خطب من iiيفرِّجه
ويـا مـليكاً رعـاياه عليه iiطغت وبـالـخلافة بـاريه مـتوِّجه(1)
في مكّة
وفي مكّة كتب الحسين (ع) نسخة واحدة إلى رؤساء الأخماس بالبصرة وهم ؛ مالك بن مسمع
البكري(2) ، والأحنف بن قيس
، والمنذر بن الجارود(3) ، ومسعود بن عمرو
، وقيس بن الهيثم
، وعمرو بن عبيد بن معمر . وأرسله مع مولى له يقال له سليمان(4) وفيه :
(( أمّا بعد ، فإنَّ
الله اصطفى محمداً (ص) من خلقه وأكرمه بنبوّته واختاره لرسالته ، ثمّ قبضه إليه ، وقد نصح
لعباده وبلّغ ما اُرسل به (ص) وكنّا أهله وأولياءه وورثته وأحقّ النّاس بمقامه في النّاس
، فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ، ونحن نعلم أنّا
أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممَّن تولاه ، وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب وأنا
أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ، فإنّ السُنَّة قد اُميتت والبدعة قد اُحييت ، فإنْ
تسمعوا قولي أهدكم إلى سبيل الرشاد )) .
____________________________
(1) لحجّة الإسلام الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء قدّس
سرّه .
(2) في تاريخ الطبري 6 / 63 الطبعة الاُولى سنة 38 : كان
مالك بن مسمع مائلاً إلى بني أمية وإليه لجأ مروان يوم الجمل .
(3) في الاصابة 3 / 480 : كان المنذر بن الجارود مع علي
(ع) يوم الجمل ، وأمّره على اصطخر ، واُمّه اُمامة بنت النعمان ، وولاه عبيد الله
بن زياد الهند ، فمات هناك سنة 61 ، وعند خليفة : ولاه السند فمات به سنة 62 .
وفي تاريخ الطبري 7 / 183 الطبعة أولى سنة 71ﻫ : أنّ مصعب بن الزبير قال للحكم بن
المنذر بن الجارود : كان الجارود علجا بجزيرة (ابن كاوان) فارسياً ، فقطع إلى ساحل
البحر فانتمى إلى عبد القيس ، ولا والله ما أعرف حياً أكثر اشتمالا على سوأة منهم
ثم انكح اخته المكعبر الفارسي فلم يصب شرفاً قط .
(4) هذا في تاريخ الطبري 6 / 200 ، وفي اللهوف / 21 :
يكنّى أبا رزين ، وفي مثير الأحزان / 12 : أرسله مع ذراع السدوسي .
الصفحة (142)
فسلّم المنذر بن الجارود العبدي رسولَ الحسين إلى ابن زياد فصلبه عشيّة الليلة التي
خرج في صبيحتها إلى الكوفة ؛ ليسبق الحسين إليها(1)
. وكانت ابنة المنذر ، بحرية زوجة
ابن زياد فزعم أنْ يكون الرسول دسيساً من ابن زياد ، فأمّا الأحنف فإنّه كتب إلى الحسين
(ع) : أمّا بعد ، فاصبر إنّ وعد الله حقّ ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون(2) .
وأمّا يزيد بن مسعود(3) فإنّه جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد
، فلمّا حضروا قال : يا
بني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم ؟ قالوا : بخ بخ ! أنت والله فقرة الظهر
ورأس الفخر ، حللت في الشرف وسطاً وتقدّمت فيه فرطاً ، قال : فإنّي قد جمعتكم لأمر أريد
أنْ اُشاوركم فيه وأستعين بكم عليه ، فقالوا : إنّا والله نمنحك النصيحة ، ونجد لك الرأي
، فقل حتّى نسمع .
فقال : إنّ معاوية مات فأهون به والله هالكاً ومفقوداً ، إلا وأنّه قد انكسر باب الجَور
والإثم ، وتضعضعت أركان الظلم ، وكان قد أحدث بيعة عقد بها أمراً ظنّ أنّه قد أحكمه ،
وهيهات الذي أراد اجتهد والله ففشل ، وشاور فخذل ، وقد قام يزيد ـ شارب الخمور ورأس
الفجور ـ يدّعي الخلافة على المسلمين ، ويتأمّر عليهم بغير رضىً منهم مع قصر حلم وقلّة علم
، لا يعرف من الحقّ موطأ قدَمَيه ، فاُقسم بالله قسماً مبروراً لجهاده على الدِّين أفضل من
جهاد المشركين ، وهذا الحسين بن علي وابن رسول الله (ص) ذو الشرف الأصيل والرأي
الأثيل له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف ، وهو أولى بهذا الأمر ؛ لسابقته وسنّه وقِدَمه
وقَرابته ، يعطف على الصغير ويُحسن إلى الكبير ، فأكرم به راعي رعيّة وإمام قوم وجبت لله
به الحُجّة ، وبلغت به الموعظة ، فلا تعشوا عن نور الحقّ ، ولا تسكعوا في وهد الباطل
، فقد كان
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 200 .
(2) مثير الاحزان / 13 .
(3) هذا في مثير الأحزان ، وعند الطبري وابن الأثير : مسعود بن عمرو وقال ابن حزم في
جمهرة أنساب العرب / 218 : كان عبّاد بن مسعود بن خالد بن مالك النهشلي سيداً ، واُخته
ليلى بنت مسعود تحت علي بن أبي طالب ، ولدت له ابا بكر قُتل مع الحسين ، وعبد الله كان
مع مصعب بن الزبير في خروجه على المختار وقُتل يوم هزيمة أصحاب المختار ، وذكرنا في
( زيد الشهيد / 101 ، الطبعة الثاني ) نصوص المؤرّخين في قتله بالمذار من سواد البصرة
، ولم يُعلم
قاتله ، وفي الخرايج للراوندي في معجزات علي (ع) : وُجِد مذبوحاً في فسطاطه ، ولم يُعلم
ذابحه .
الصفحة (143)
صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل ، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله (ص) ونصرته
، والله لا يقصّر أحدكم عن نصرته ، إلا أورثه الله تعالى الذلّ في ولده والقلّة في عشيرته
، وها أنا ذا قد لبستُ للحرب لامتها وادرعتُ لها بدرعها ، مَن لَمْ يُقتل يَمت ، ومَن يهرب لَمْ
يفت ، فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب .
فقالت بنو حنظلة : يا أبا خالد ، نحن نبل كنانتك وفرسان عشيرتك ، إنْ رميتَ بنا أصبتَ
وإنْ غزوتَ بنا فتحتَ ، لا تخوض والله غمرةً إلاّ خضناها ، ولا تلقى والله شدّة إلاّ
لقيناها ، ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا إذا شئت .
وتكلّمتْ بنو عامر بن تميم فقالوا : يا أبا خالد ، نحن بنو أبيك وحلفاؤك ، لا نرضى إنْ
غضبتَ ، ولا نبقى إن ظعنتَ ، والأمر إليك فادعنا إذا شئت .
وقالت بنو سعد بن زيد : أبا خالد ، إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك والخروج عن رأيك ،
وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال يوم الجمل ، فحمدنا ما أمرنا وبقى عزّنا فينا
، فأمهلنا نراجع المشورة ونأتيك برأينا . فقال لهم : لئن فعلتموها لا رفع الله السّيف عنكم أبداً
، ولا زال سيفكم فيكم .
ثمّ كتب إلى الحسين (ع) : أمّا بعد ، فقد وصل إليَّ كتابك ، وفهمتُ ما ندبتني إليه ودعوتني
له من الأخذ بحظّي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك ، وإنّ الله لمْ يخل الأرض قط من
عامل عليها بخير ودليل على سبيل نجاة ، وأنتم حُجّة الله على خلقه ووديعته في أرضه ،
تفرّعتم من زيتونة أحمديّة هو أصلها وأنتم فرعها ، فأقدِم سعدتَ بأسعد طائر ، فقد ذللتُ لك
أعناق بني تميم ، وتركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الإبل الظمّاء لورود الماء يوم
خمسها ، وقد ذللتُ لك رقاب بني سعد ، وغسلتُ درن قلوبها بماء سحاب مزن حين استهلّ برقها
فلمع .
فلمّا قرأ الحسين (ع) كتابه ، قال : (( مالك ، آمنك الله من الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش
الأكبر )) .
ولمّا تجهز ابن مسعود إلى المسير ، بلغه قَتْل الحسين (ع) فاشتدّ جزعه ، وكثر
الصفحة (144)
أسفه لفوات الأُمنية من السّعادة بالشهادة(1) .
وكانت مارية ابنة سعد أو منقذ أيما ، وهي من الشيعة المخلصين
، ودارها مألف لهم
يتحدّثون فيه فضل أهل البيت ، فقال يزيد بن نبيط وهو من عبد القيس لأولاده ـ وهم عشرة
ـ
: أيّكم يخرج معي ؟ فانتدب منهم اثنان عبد الله وعبيد الله . وقال له أصحابه ـ في بيت
تلك المرأة ـ : نخاف عليك أصحاب ابن زياد ، قال : والله لو استوت اخفافها بالجدد لهان
عليّ طلب من طلبني(2) ، وصحبه مولاه عامر وسيف بن مالك والأدهم بن اّميّة(3) فوافوا
الحسين بمكّة، وضمّوا رحالهم إلى رحله حتّى وردوا كربلا، وقُتلوا معه .
كتب الكوفيّين
وفي مكّة وافته كتب أهل الكوفة من الرجل والاثنين والثلاثة والأربعة ، يسألونه القدوم
عليهم ؛ لأنّهم بغير إمام ، ولم يجتمعوا مع النّعمان بن بشير في جمعة ولا جماعة ، وتكاثرت
عليه الكتب حتّى ورد عليه في يوم واحد ستمئة كتاب ، واجتمع عنده من نوب متفرّقة إثنا
عشر ألف كتاب وفي كلّ ذلك يشددون الطلب وهو لا يجيبهم . وآخر كتاب ورد عليه من شبث
بن ربعي ، وحجّار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث(4)
، وعزرة بن قيس ، وعمرو بن الحجّاج ، ومحمد بن
عُمَير ابن عطارد وفيه : إنّ النّاس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل يابن رسول
الله فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار . فأقدم إذا شئت
، فإنّما تقدم على جند لك مجنّدة(5) .
بعثت بزور الكتب سر واقدم إلى
نحو العراق بمكرها ودهاتها
____________________________
(1) مثير الأحزان / 13 واللهوف / 21 .
(2) تاريخ الطبري 6 / 198 .
(3) ذخيرة الدارين / 224 .
(4) في أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 338 : كان حوشب بن يزيد بن رويم يتبارى في اطعام
الطعام مع عكرمة بن ربعي احد بني تيم الله بن ثعلبة فقال مصعب : دعوهما ينفقا من
خيانتهما وفجورهما .
(5) إبن نماص / 11 . وذكر الخوارزمي 1 / 193 وما بعدها
الفصل العاشر ، تفصيل اجتماع الكوفيين
وكتبهم إلى الحسين .
الصفحة (145)
هـذي الـخلافة لا ولـيٌّ لها iiولا كـفؤ وإنّـك مـن خـيارiiكفاتها
فـأتى يـزجُّ الـيعملات iiبـمعشر كـالأسد والاشـطان مـنiiغاباتها
وحـصان ذيـل كـالأهلة iiاوجهاً بـسـنائها وبـهـائها iiوصـفاتها
مـا زال يـخترق الفلا حتّى iiأتى أرض الطفوف وحلَّ في iiعرصاتها
وإذا بـه وقـف الـجواد فقالiiيا قـوم اخبروني عن صدوق iiرواتها
ما الأرض قالوا ذي معالم iiكربلا مـا بـال طرفك حادَ عن iiطرقاتها
قـال انـزلوا فالحكم في iiأجداثنا ان لا تـشق سـوى على iiجنباتها
حـطَّ الرحال وقال يصلح iiعضبه الـماضي لقطع البيض في iiقمّاتها
بـينا يـجيل الطرف إذ دارت iiبه زمـر يـلوح الـغدر من iراياتها
مـا خـلت أنَّ بـدور تـم iبالعرا تمسي ( بنو الزرقاء ) من هالاتها(1)
جواب الحسين
ولمّا اجتمع عند الحسين ما ملأ خرجين ، كتب إليهم كتاباً واحداً دفعه إلى هاني بن
هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي وكانا آخر الرُسُل ، وصورته :
(( بسم الله الرحمن
الرحيم ، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين أمّا بعد ، فإنّ هانئاً وسعيداً
قدما عليَّ بكتبكم ـ وكانا آخر مَن قدِم عليَّ من رُسُلكم ـ وقد فهمتُ كلّ الذي قصصتم وذكرتم
، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فأقبِل لعلَّ الله يجمعنا بك على الهدى والحقّ
، وقد بعثت
إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي ، وأمرته أنْ يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم
، فإنْ
كتب أنّه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قَدِمت عليَّ به رُسُلكم
وقرأتُ في كتبكم ، أقدِم عليكم وشيكاً إنْ شاء الله ، فلعَمري ما الإمام إلاّ العامل
بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بالحقّ والحابس نفسَه على ذات الله ، والسّلام))(2)
.
ثمّ دفع
الكتاب إلى مسلم بن عقيل ، وقال له : (( إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة
، وسيقضي الله من أمرك
ما يُحبّ ويرضى ، وأنا أرجو أنْ أكون أنا وأنت في
____________________________
(1) من قصيدة في الحسين للشيخ محمّد بن اسماعيل البغدادي الحلّي
، الشهير بابن
الخلفة ، المتوفى سنة 1247 (شعراء الحلة 5 / 174) .
(2) الطبري 6 / 198 ، والأخبار الطوال / 238 .
الصفحة (146)
درجة الشهداء فامضِ ببركة الله وعونه ، فإذا دخلتها فانزل عند
أوثق أهلها ))(1) .
سفر مسلم
وبعث مع مسلم بن عقيل (ع) قيس بن مسهّر الصيداوي ، وعمارة بن عبد الله السلولي ، وعبد
الرحمن بن عبد الله الأزدي وأمره بتقوى الله والنظر فيما اجتمع عليه أهل الكوفة ، فإن
رأى النّاس مجتمعين مستوثقين عجّل إليه بكتاب(2) .
فخرج مسلم من مكّة للنصف من شهر رمضان(3) على طريق المدينة
، فدخلها وصلّى في مسجد
النّبي (ص) وودّع أهله(4)
، ثمّ استأجر رجليَن من قيس ليدلاّه على الطريق ، فضلاّ ذات ليلة
وأصبحا تائهين ، وقد اشتدّ بهما العطش والحَر ، فقالا لمسلم (ع) ـ وقد بان لهما سنن الطريق
ـ : عليك بهذا السّمت فالزمه لعلّك تنجو ، فتركهما ومضى على الوصف ومات الدليلان عطشاً(5) ، ولم يسعه حملهما
؛ لأنّهما على وشك الهلاك ، وغاية ما وضح للدليلَين العلائم المفضية إلى الطريق ، لا الطريق نفسه . ولَم تكن المسافة بينهم وبين الماء معلومة ، وليس لهما طاقة
على الركوب بأنفسهما ولا مردفين مع آخر ، وبقاء مسلم (ع) معهما إلى منتهى الأمر يفضي
إلى هلاكه ومَن معه ، فكان الواجب الأهم التحفّظ على النّفوس المحترمة بالمسير لإدراك
الماء ؛ فلذلك تركهما في المكان .
ونجا مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة الأنفس حتّى أفضوا إلى الطريق و وردوا الماء فأقام
فيه .
وكتب إلى الحسين (ع) مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء يخبره بموت الدليلَين وما
لاقاه من الجهد وإنّه مقيم بمنزله ، وهو المضيق من بطن الخبت حتّى يعرف ما عنده من
الرأي ، فسار الرسول ووافى الحسين بمكّة وأعطاه الكتاب .
____________________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 196 ، الفصل العاشر .
(2) إرشاد المفيد .
(3) مروج الذهب 2 / 86 .
(4) الطبري 6 / 198 .
(5) الأخبار الطوال / 232 .
|