مقتل الحسين/ للمقرم

 
 

الصفحة (147)

فكتب الحسين (ع) يأمره بالمسير إلى الكوفة ولا يتأخر .

ولمّا قرأ مسلم الكتاب سار من وقته ، ومر بماء لطي فنزل عليه ثم ارتحل ، فإذا رجل يرمي ظبياً حين أشرف له فصرعه ، فتفأل بقتل عدوّه(1) .

دخول الكوفة

ولخمس خلون من شوّال دخل الكوفة(2) ، فنزل دار المختار بن أبي عبيد الثقفي(3) ، وكان شريفاً في قومه ، كريماً عالي الهمّة مقداماً مجرّباً قويّ النّفس ، شديداً على أعداء أهل البيت (عليهم السّلام)، له عقل وافر ورأي مصيب ، خصوصاً بقواعد الحرب والغلبة على العدوّ ، كأنّه مارس التجارب فحنكته ، أو لابس الخطوب فهذّبته ، انقطع إلى آل الرسول الأقدس فاستفاد منهم أدباً جمّاً وأخلاقاً فاضلة ، وناصح لهم في السِّر والعلانية .

البيعة

ووافت الشيعة مسلماً في دار المختار بالترحيب وأظهروا له من الطاعة والانقياد ما زاد في سروره وابتهاجه ، فعندما قرأ عليهم كتاب الحسين ، قام عابس ابن شبيب الشاكري وقال : إنّي لا أخبرك عن النّاس ، ولا أعلم ما في نفوسهم ، ولا أغرّك بهم ، والله إنّي اُحدّثك عمّا أنا موطّن عليه نفسي ، والله لأجيبنّكم إذا دعوتم ، ولاُقاتلنَّ معكم عدوّكم ، ولأضربنَّ بسيفي دونكم حتّى ألقى الله لا اُريد بذلك إلاّ ما عند الله .

وقال حبيب بن مظاهر : قد قضيتَ ما في نفسك بواجز من قولك ، وأنا والله الذي لا إله إلاّ هو ، على مثل ما أنت عليه .

وقال سعيد بن عبد الله الحنفي مثل قولهما(4) .

____________________________
(1) ارشاد المفيد .
(2) مروج الذهب 2 / 86 .
(3) الطبري 6 / 199 .
(4) الطبري 6 / 199 .

الصفحة (148)

وأقبلت الشيعة يبايعونه حتّى أحصى ديوانه ثمانية عشر ألفاً(1) ، وقيل بلغ خمساً وعشرين ألفاً(2) ، وفي حديث الشعبي بلغ مَن بايعه أربعين ألفاً(3) ، فكتب مسلم إلى الحسين مع عابس بن شبيب الشاكري ، يخبره باجتماع أهل الكوفة على طاعته وانتظارهم لقدومه وفيه يقول : الرائد لا يكذب أهله ، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي(4) .

وكان ذلك قبل مقتل مسلم بسبع وعشرين ليلة(5) ، وانظم إليه كتاب أهل الكوفة وفيه : عجّل القدوم يابن رسول الله ، فانّ لك بالكوفة مئة ألف سيف فلا تتأخر(6) .
فساء هذا جماعة ممَّن لهم هوى في بني اُميّة منهم ؛ عمر بن سعد بن أبي وقّاص ، وعبد الله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي ، وعمارة بن عقبة بن أبي معيط ، فكتبوا إلى يزيد يخبرونه بقدوم مسلم بن عقيل وإقبال أهل الكوفة عليه وأنّ النّعمان بن بشير لا طاقة له على المقاومة(7) .

فأرسل يزيد على سرجون(8) مولاه يستشيره ـ وكان كاتبه وأنيسه ـ فقال سرجون : عليك بعبيد الله بن زياد ، قال : إنّه لا خير عنده ، فقال سرجون : لو كان معاوية حيّاً وأشار عليك به أكنت توليه ؟ قال : نعم ، فقال : هذا عهد معاوية إليه بخاتمه ولم يمنعني أنْ أعلمك به إلا معرفتي ببغضك له ، فانفذه إليه . وعزل النّعمان بن بشير ، وكتب إليه : أمّا بعد فإنّ الممدوح مسبوب يوماً ، وإنّ المسبوب يوما ممدوح ، وقد سمي بك إلى غاية أنت فيها كما قال الأول .

____________________________
(1) تذكرة الخواص / 138 ، وتاريخ الطبري 6 / 211 .
(2) ابن شهرآشوب 2 / 310 .
(3) ابن نما / 11 .
(4) الطبري 6 / 210 .
(5) الطبري 6 / 224 .
(6) البحار 10 / 185 .
(7) تاريخ الطبري 6 / 99 إلى 201 .
(8) في الإسلام والحضارة العربية 2 / 158 ، لمحمد كرد علي : كان سرجون بن منصور من نصارى الشام ، استخدمه معاوية في مصالح الدولة ، وكان أبوه منصور على المال في الشام من عهد هرقل قبل الفتح ، ساعد المسلمين على قتال الروم ومنصور بن سرجون بن منصور : كانت له خدمة في الدولة كأبيه ، وكان عمر بن الخطاب يمنع من خدمة النصارى إلاّ إذا أسلموا .

الصفحة (149)

رُفِعتَ وجاوزتَ السَّحاب وفوقه    فمالَكَ الا مرقبُ الشمسِ مَقعَدُ(1)

وأمره بالاستعجال على الشخوص إلى الكوفة ؛ ليطلب ابن عقيل فيوثقه أو يقتله أو ينفيه(2) .

فتعجّل ابن زياد المسير إلى الكوفة مع مسلم بن عمرو الباهلي والمنذر بن الجارود وشريك الحارثي وعبد الله بن الحارث بن نوفل في خمسمئة رجل انتخبهم من أهل البصرة ، فجدّ في السير وكان لا يلوي على أحد يسقط من أصحابه حتّى أنّ شريك بن الأعور سقط أثناء الطريق ، وسقط عبد الله بن الحارث ؛ رجاء أنْ يتأخّر ابن زياد من أجلهم فلَم يلتفت ابن زياد إليهم ؛ مخافة أنْ يسبقه الحسين إلى الكوفة . ولمّا ورد القادسيّة سقط مولاه مهران فقال له ابن زياد : إنْ أمسكت على هذا الحال فتنظر القصر فلك مئة ألف ، فقال : والله لا أستطيع ، فتركه عبيد الله ولبس ثياباً يمانيّة وعمامة سوداء وانحدر وحده ، وكلّما مرّ بالمحارس ظنّوا أنّه الحسين (ع) فقالوا : مرحباً بابن رسول الله ، وهو ساكت ، فدخل الكوفة ممّا يلي النّجف(3) .

واستقبله النّاس بهتاف واحد : مرحباً بابن رسول الله ، فساءه هذا الحال وانتهى إلى قصر الامارة ، فلم يفتح النّعمان باب القصر ، وأشرف عليه من أعلى القصر يقول : ما أنا بمؤد إليك أمانتي يابن رسول الله ، فقال له ابن زياد(4) : افتح

____________________________
(1) أنساب الاشراف للبلاذري 4 / 82 .
(2) الطبري 6 / 199 .
(3) مثير الأحزان لابن نما الحلّي .
(4) لم ينص المؤرخون على ولادة ابن زياد على التحقيق ، وما ذكروه منه لا يصح ، ومنه يصح على وجه التقريب والظن ؛ فالأول ما يحكيه ابن كثير في البداية 8 / 283 : عن ابن عساكر عن أحمد بن يونس الضبي أن مولد عبيد الله بن زياد سنة تسع وثلاثين ، فيكون له يوم الطفّ أواخر سنة (60 هـ) إحدى وعشرون سنة ، وله يوم موت أبيه زياد الواقع سنة (53 ﻫـ) أربع عشرة سنة ... وهذا لا يتّفق مع ما ذكره ابن جرير في التاريخ 6 / 166 : أنّ معاوية ولّى عبيد الله بن زياد خراسان سنة ( 53 ﻫـ) فإنّه يبعد أن يتولّى ابن أربع عشرة سنة بلداً كبيراً مثل خراسان ، وما ذكره ابن جرير يكون له وجه على الظن فإنه في 6 / 166 من تاريخه يقول : في سنة ( 53 ﻫـ) ولّى معاوية عبيد الله بن زياد خراسان وله خمس وعشرون سنة ؛ وعليه تكون ولادته سنة (28 هـ) وله يوم الطفّ اثنتان وثلاثون سنة ، وما ذكره يتّفق مع ما حكاه ابن كثير في البداية 8 /283 : عن الفضل بن ركين إنّ لعبيد الله بن زياد يوم قتل الحسين 28 سنة ؛ وعليه تكون ولادته سنة ( 32ﻫـ) ويوم موت زياد الواقع في سنة ( 53ﻫـ) له إحدى وعشرون سنة .
وذكر ابن حجر في ( تعجيل المنفعة / 271 طبعة حيدر آباد) : أنّ عبيد الله بن زياد ولد سنة 32 ( أو سنة 33 هـ) فيكون له يوم الطفّ الواقع أول عام (61ﻫـ) سبع وعشرون سنة أو ثمان وعشرون سنة .
وعلى كلّ ، كانت اُمّه مرجانة مجوسيّة ، وعند ابن كثير في البداية 8 / 383 ، وعند العيني في ( عمدة القاري شرح البخاري 7 / 656 كتاب الفضائل في مناقب الحسنين ) : أنّها سبيّة من اصفهان وقيل مجوسيّة .
وفي تاريخ الطبري 7 / 6 : قالت مرجانة ـ لمّا قُتل الحسين ـ لعبيد الله : ويلك ! ماذا صنعت ؟ وماذا ركبت ؟ .
وفي كامل ابن الاثير 4 / 103 في مقتل ابن زياد ، قالت مرجانة لعبيد الله : يا خبيث ، قتلت ابن رسول الله ؟! والله لا ترى الجنة أبداً .
وفي سِير أعلام النبلاء للذهبي 3 / 359 قالت له اُمّه مرجانة : قَتلتَ ابن رسول الله ! لا ترى الجنة ، ونحو هذا .
ويذكر بعض المؤرخين أنّها قالت له : وددتُ أنّك حيظة ولم تأت إلى الحسين ما أتيت .
وفي تاريخ الطبري 6 / 268 ، وكامل ابن الاثير 4 / 34 عليه مروج الذهب قال له أخوه عثمان : وددتُ في أنف كلّ رجل من بني زياد خزامة إلى يوم القيامة وأنّ الحسين لم يُقتل ، فلم يرد عليه عبيد الله ، وكيف يرد عليه ؟! وقد شاهد حيطان قصر الامارة تسيل دماً حينما اُدخل الرأس المقدّس عليه ، كما في الصواعق المحرقة / 116 ، وتاريخ ابن عساكر 4 / 339 .
وفي أنساب الاشراف للبلاذري 4 / 77 : كان عبيد الله بن زياد جميلاً أرقطاً . وفي صفحة 81 : كان مملواً شرّاً ، وهو أول من وضع المثالب ؛ ليعارض بها النّاس بمثل ما يقولون فيه . وفي صفحة 86 : كان أكولاً لا يشبع ، يأكل في اليوم أكثر من خمسين أكلة .
وفي المعارف لابن قتيبة / 256 : كان طويلاً جدّاً لا يرى ماشياً إلاّ ظنوه راكباً .
وفي البيان والتبيين للجاحظ 1 / 75 الطبعة الثانية : كان ألكناً ، يقلب الحاء هاءً قال لهارون بن قبيصة : ( اهروري ) يريد ( احروري ) ، ويقلب القاف كافاً يقول ( كلت له ) يريد ( قلت له ) ، وفيه 2 / 167 : جاءته اللكنة من الأساورة ؛ فإنّ زياداً تزوّج ( مرجانة ) من شيرويه الاسواري ، وكان عبيد الله معها فنشأ بين الأساورة ؛ تغلّبت عليه لغتهم
وفي أنساب الأشراف 5 / 84 : كان ابن زياد إذا غضب على أحد ، ألقاه من فوق قصر الامارة واطمار كل مرتفع وفي صفحة 82 : تزوّج عبيد الله هنداً بنت أسماء بن خارجة ، فعاب عليه محمّد بن عمير بن عطارد ومحمد بن الاشعث وعمرو بن حريث ، فتزوّج عبيد الله اُمّ النعمان بنت محمّد بن الاشعث ، وزوّج أخاه عثمان ابنة عمير بن عطارد ، وزوّج أخاه عبد الله ابنة عمرو بن حريث .
وفي النقود القديمة الإسلامية للتبريزي / 50 ، ضمن مجموعة النقود العربية ، جمع انستاس الكرملي : أنّ أول من غشّ الدراهم وضربها زيوفاً عبيد الله بن زياد ، حين فرّ من البصرة سنة ( 64ﻫـ ) ثمّ فشت بالأمصار . ومثله جاء في إغاثة الاُمّة بكشف الغمّة للمقريزي / 61 ، والنقود الإسلامية القديمة للمقريزي / 50 ، وفي مآثر الاناقة للقلقشندي 1 / 185 : في خلافة المهدي انه ردّ نسب زياد بن أبيه إلى عبيد الله الرومي .

الصفحة (150)

فقد طال ليلك ! فسمعها رجل وعرفه ، فقال للناس : انه ابن زياد وربّ الكعبة(1) .

فتفرّقوا إلى منازلهم ، وعند الصباح جمع ابن زياد النّاس في الجامع الأعظم ، وخطبهم وحذّرهم ومنّاهم العطيّة وقال : أيّما عريف وُجَد عنده أحد من بغية أمير المؤمنين ولَم يرفعه إلينا ، صُلِب على باب داره(2) .

____________________________
(1) الطبري ج6 ص201 .
(2) الارشاد .

الصفحة (151)

موقف مسلم

ولمّا بلغ مسلم بن عقيل خطبة ابن زياد ووعيده وظهر له حال النّاس ، خاف أنْ يؤخذ غيلةً ، فخرج من دار المختار بعد العتمة إلى دار هاني بن عروة المذحجي ، وكان شديد التشيع(1) ، ومن أشراف الكوفة(2) ، وقرّائها(3) ، وشيخ مراد وزعيمها ، يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل ، فإذا تلاها أحلافها من كندة ركب في ثلاثين ألفاً(4) ، وكان من خواصّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(5) ، حضر حروبه الثلاثة(6) ، وأدرك النّبي (ص) ، وتشرّف بصحبته ، وكان له يوم قتله بضع وتسعون سنة(7) .

ونزل مع مسلم بن عقيل شريك(8) بن عبد الله(9) الأعور الحارثي

____________________________

(1) كامل ابن الاثير 4 / 10 .
(2) الأخبار الطوال / 235 .
(3) الأغاني 14 / 95 .
(4) مروج الذهب 2 / 89 .
(5) الاصابة 3 / 616 القسم الثالث .
(6) ذخيرة الدارين / 278 ، وفي كامل ابن الأثير 4 / 10 : حارب في صفين مع عمار بن ياسر .
(7) الاصابة 3 / 616 القسم الثالث .
(8) الاصابة 3 / 616 القسم الثالث .
(9) مقتل الخوارزمي 1 / 201 : لقد اشتبه الأمر على الحجة السيد الامين في التعريف عن شريك ( بالهمداني ) ، والذي أوقعه في الاشتباه كلّ من ؛ الخوارزمي في مقتل الحسين ، وابن نما في مثير الأحزان ، مع ما ذكره ابن جرير في الذيل على تاريخه الملحق بالجزء الثاني عشر من تاريخ الاُمم والملوك . فإنّ سلسلة النسب المذكورة لشريك هي للحارث بن الأعور صاحب أمير المؤمنين ؛ ومنشأ الاشتباه قول المؤرخين ( شريك بن الأعور الحارثي ) ، وذهب عليهم أنّ شريكاً مذحجي والحارث الأعور همداني .
وممَّن نصّ على مذحجية شريك ابن دريد في الاشتقاق / 401 ، فإنّه قال : من رجال عبد المدان بن الحارث ، شريك بن الأعور الذي خاطب معاوية فقال :

أيشتمني معاوية بن حرب     وسيفي صارم ومعي لساني

وفي صفحة 397 وما بعدها : رجال سعد العشيرة يسمّون مذحجاً ، وهو مالك بن أدد ، ومن رجالهم عبد المدان ، وبيت عبد المدان أحد بيوتات العرب الثلاثة ؛ بيت زرارة بن عدس في بني تميم ، وبيت خذيفة بن بدر في فزارة ، وبيت عبد المدان في بني الحارث ، ومن رجالهم شريك بن الأعور الذي خاطب معاوية وله معه حديث .
والمحاورة التي جرت بين معاوية وشريك ذكرها الهمداني في ( الاكليل 2 / 229 طبعة مصر سنة 1386ﻫـ) ، وذكر فيها أربعة أبيات لشريك .
وذكرها الابشيهي في ( المستطرف 1 / 55 الباب الثامن ) في الأجوبة المسكتة ، وذكر ثلاثة أبيات .
 وذكرها ابن حجة في ( ثمرات الأوراق ) على هامش المستطرف 1 / 45 ، وذكر الأجوبة الهاشمية ولم يذكر الشعر ، وذكر ستة أبيات فقط في ( الحماسة البصرية 1 / 70 ) .
وفي مادة ( عوى ) من تاج العروس الاشارة إلى هذه المحاورة .
وفي ( ربيع الابرار ) للزمخشري باب الأجوبة المسكتة ذكر المحاورة وأبياتاً أربعة .
وممّا يستأنس لمذحجيته ، نزوله بالكوفة في [ بيت ] هاني بن عروة ؛ فإنّه من عشيرته ولحمته ، ولو كان ابن الحارث همدانياً لنزل في بيت والده ، مات الحارث الهمداني سنة ( 65ﻫـ ) .


الصفحة (152)

الهمداني البصري ، وكان من كبار شيعة أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالبصرة ، جليل القدر في أصحابنا(1) ، شهد صفّين وقاتل مع عمار بن ياسر(2) . ولشرفه وجاهه ولاّه عبيد الله بن زياد من قِبَل معاوية كرمان(3) ، وكانت له مواصلة وصحبة مع هاني ابن عروة .

فمرض مرضاً شديداً عاده فيه ابن زياد ، وقبل مجيئه قال شريك لمسلم (ع) : إنّ غايتك وغاية شيعتك هلاكه ، فأقم في الخزانة حتّى إذا اطمأنّ عندي ، اخرج إليه واقتله ، وأنا أكفيك أمره بالكوفة مع العافية(4) .

وبينا هم على هذا إذ قيل الأمير على الباب ، فدخل مسلم الخزانة ودخل عبيد الله على شريك ، ولمّا استبطأ شريك خروج مسلم ، جعل يأخذ عمامته من على رأسه ويضعها على الأرض ثمّ يضعها على رأسه فعل ذلك مراراً ، ونادى بصوت عال ـ يسمع مسلماً ـ :

مـا تنظرون بسلمى لا تحيوها      حيوا  سليمى وحيوا من يحييها
هل شربة عذبة أسقى على ظمأ      ولـو  تلفت وكانت منيتي فيها
وان  تخشيت من سلمى مراقبة      فـلست  تأمن يوماً من دواهيها

ولم يزل يكرّره وعينه رامقة إلى الخزانة ، ثمّ صاح بصوت رفيع ـ يسمع مسلماً ـ : اسقونيها ولو كان فيها حتفي(5) . فالتفت عبيد الله إلى هاني وقال : ابن عمّك يخلط في علّته ، فقال هاني : إن شريكاً يهجر منذ وقع في علّته ، وانه ليتكلّم بما لا يعلم(6) .

فقال شريك لمسلم : ما منعك منه ؟ قال خلتان ؛ الاُولى : حديث علي (ع) عن

____________________________
(1) ابن نما / 14 .
(2) الطبري  6 / 203 .
(3) النجوم الزاهرة 1 / 153 ، وكامل ابن الأثير 3 / 206 ، والأغاني 17 / 60 و 64  و 70  طبعة ساسي .
(4) ابن نما / 14 .
(5) رياض المصائب / 60 ، وفي تاريخ الطبري 6 / 204 : كان شريك يقول : ما تنظرون بسلمى لا تحيوها ، اسقونيها ولو كان فيها حتفي .
(6) ابن نما / 14 .

الصفحة (153)

رسول الله (ص) : (( إنّ الإيمان قيد الفتك ، فلا يفتك مؤمن ))(1) .

والثانية : امرأة هاني ، فإنّها تعلّقت بي وأقسمت عليَّ بالله أنْ لا أفعل هذا في دارها ، وبكت في وجهي فقال هاني : يا ويلها ! قتلتني وقتلت نفسها ، والذي فرّت منه وقعت فيه(2) .

ولبث شريك بعد ذلك ثلاثة أيام ومات فصلّى عليه ابن زياد(3) ، ودفن بالثوبة ، ولمّا وضح لابن زياد أنّ شريكاً كان يحرّض على قتله ، قال : والله لا اُصلّي على جنازة عراقي أبداً ولولا أنّ قبر زياد فيهم لنبشتُ شريكاً(4) .

وأخذت اليشعة تختلف إلى مسلم بن عقيل في دار هاني على تستّر واستخفاء من ابن زياد وتواصوا بالكتمان ؛ فخفي على ابن زياد موضع مسلم ، فدعا معقلاً مولاه ، وأعطاه ثلاثة آلاف ، وأمره أنْ يلقى الشيعة ويعرّفهم أنّه من أهل الشام مولى لذي الكلاع ، وقد أنعم الله عليه بحبِّ أهل بيت رسوله ، وبلغه قدوم رجل منهم إلى هذا المصر داعيةً للحسين ، وعنده مال يريد أن يلقاه ويوصله

____________________________
(1) ابن الأثير 4 / 11 ، وتاريخ الطبري 6 / 240 ، وقد تكرر ذكر الحديث في الجوامع ، ففي مسند أحمد 1 / 166 ، ومنتخب كنز العمّال بهامشه 1 / 57 ، والجامع الصغير للسيوطي 4 / 123 ، وكنوز الحقايق بهامشه 1 / 95 ، ومستدرك الحاكم 4 / 352 ، ومقتل الخوارزمي 1 / 202 الفصل العاشر ، ومناقب ابن شهر آشوب 2 / 318 ، والبحار الجزء الحادي عشر في معاجز الصادق (ع) ، و وقايع الأيام عن الشهاب في الحكم والآداب .
(2) ابن نما / 14 : وهذه الكلمة من عالم أهل البيت وخليفة سيّد الشهداء في الأمور الدينية والمدنية تفيد الملأ الديني المقتفي آثارهم فقهاً بشريعة الرسول الأقدس المانعة من الغدر ، وأنّ النفوس الطاهرة تأبى للضيف أنْ يدخل بمَن استضافهم ما يكرهون وهذه تعاليم مقدّسة للاُمّة لو كانوا يفقهون .
وهناك سرّ دقيق ومغزى آخر نظر إليه ( شهيد القصر ) لمسناه جوهرة فريدة من قول عمّه أمير المؤمنين في جواب مَن قال له : ألا تقتل ابن ملجم ؟ فقال (ع) : (( إذن فمَن يقتلني ؟ )) ، ومن قول الحسين لاُمّ سلمة : (( إذا لم أمض إلى كربلا فمن يقتلني ؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي ؟ وبماذا يختبرون ؟! )) ، فإنّ مفاد ذلك عدم قدرة أحد على تغيير المقادير الإلهية المحتّمة ، وقد أجرى الله القضاء بشهادة أمير المؤمنين والحسين على يد ابن ملجم ويزيد .
وإذا كان من الجائز أن يطلع أمير المؤمنين الخواص من أصحابه كميثم وحبيب ورشيد وكميل على كيفية قتلهم وعلى يد مَن يكون ، فمن القريب جداً أنْ يوقف سيّد الشهداء (ع) مسمل بن عقيل على ما يجري عليه حرفاً حرفاً ؛ لأنّ ابن عقيل في السنام الأعلى من اليقين والبصيرة النافذة ، ولكنّ الظرف لم يساعده على إظهار هذه الأسرار ، فإنّ سرّ آل محمّد مستصعب ، فأخذ يجمل في البيان ، وعليك بمراجعة كتابنا ( الشهيد مسلم / 134 ) فقد تبسّطنا في إيضاح ذلك تحت عنوان ( مسلم لا يغدر ) .
(3) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 202 الفصل العاشر ، وتاريخ الطبري 6 / 202 .
(4) تاريخ الطبري 6 / 202 .

الصفحة (154)

إليه ، فدخل معقل الجامع الأعظم ورأى مسلم بن عوسجة الأسدي يصلّي ، فلمّا فرغ دنا منه وقصّ عليه حاله ، فدعا له مسلم بالخير والتوفيق ، وأدخله على ابن عقيل ، فدفع إليه المال وبايعه(1) وسلّمه إلى أبي ثمامة الصائدي ، وكان بصيراً شجاعاً ومن وجوه الشيعة عيّنه مسلم لقبض ما يرد عليه من الأموال ؛ ليشتري به سلاحاً .

فكان ذلك الرجل يختلف إلى مسلم كلّ يوم فلا يُحجب عنه ويتعرّف الأخبار ، ويرفعها إلى ابن زياد عند المساء(2) .

موقف هاني

ولمّا وضح الأمر لابن زياد وعرف أنّ مسلماً مختبئ في دار هاني بن عروة ، دعا أسماء بن خارجة ومحمد بن الأشعث وعمرو بن الحَجّاج وسألهم عن انقطاع هاني عنه ، قالوا : الشكوى تمنعه ، فلم يقتنع ابن زياد بعد أن أخبرته العيون بجلوسه على باب داره كلّ عشيّة ، فركب هؤلاء الجماعة إليه وسألوه المسير إلى السّلطان فإنّ الجفاء لا يحتمله وألحّوا عليه ، فركب بغلته ، ولمّا طلع عليه قال ابن زياد : أتتك بخائن رجلاه(3) ، والتفت إلى شريح القاضي وقال(4) :

اُريد حباءه ويريد قتلي    عذيرك من خليلك من مراد

____________________________
(1) الأخبار الطوال / 237 .
(2) الارشاد للمفيد .
(3) في مجمع الأمثال للميداني 1 / 19 : قاله الحارث بن جبلة الغساني لمّا ظفر بالحرث بن عفيف العبدي حين هجاه .
(4) في الاصابة 2 / 274 ( بترجمة قيس بن المكشوح ) : إنّ البيت لعمرو بن معد يكرب من أبيات قالها في ابن اُخته وكانا متباعدين .
وفي الأغاني 14 / 32 : إنّ أمير المؤمنين (ع) تمثل به لمّا دخل عليه ابن ملجم المرادي يبايعه .
وفي تاريخ اليعقوبي 3 / 97 المطبة الحيدرية بالنجف : أنّ أبا العبّاس السفاح بلغه تحرك محمّد بن عبد الله بالمدينة ، فكتب إلى أبيه عبد الله بذلك وكتب في الكتاب .
اُريد حباءه ويريد قتلي      عذيرك من خليلك من مراد
فكتب إليه عبد الله:
وكـيف يريد ذاك وأنت iiمنه      بـمنزلة  الـنياط من iiالفؤاد
وكـيف يريد ذاك وأنت iiمنه      وزندك حين يقدح من زنادي
وكـيف يريد ذاك وأنت iiمنه      وأنـت  لـهاشم رأس iiوهاد

الصفحة (155)

 ثمّ التفت إلى هاني وقال : أتيت بابن عقيل إلى دارك ، وجمعت له السّلاح ؟! فأنكر عليه هاني وإذ كثر الجدال ، دعا ابن زياد معقلاً ، ففهم هاني أنّ الخبر أتاه من جهته ، فقال لابن زياد : إنَّ لأبيك عندي بلاءً حسناً وأنا اُحبّ مكافأته ، فهل لك في خير ؟ تمضي أنت وأهل بيتك إلى الشام سالمين بأموالكم ؛ فإنّه جاء مَن هو أحقّ بالأمر منك ومن صاحبك(1) ، فقال ابن زياد : وتحت الرغوة اللبن الصريح(2) .

فقال ابن زياد : والله لا تفارقني حتّى تأتيني به ، قال : والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه ، فأغلظ له ابن زياد وهدّده بالقتل فقال هاني : إذاً تكثر البارقة حولك ، وهو يظنّ أنّ مراداً تمعنه ، فأخذ ابن زياد بظفيرتيه وقنع وجهه بالسّيف حتّى كسر أنفه ونثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته وحبسه عنده(3) .

وبلغ عمرو بن الحَجّاج أنّ هانياً قُتِل ـ وكانت اُخته روعة تحت هاني ، وهي اُمّ يحيى بن هاني ـ فأقبل في جمع من مذحج ، وأحاط بالقصر فلمّا علم به ابن زياد ، أمر شريح القاضي(4) أن يدخل على هاني ويعلمهم بحياته ، قال شريح : لمّا رآني هاني صاح بصوت رفيع : يا للمسلمين ! إنْ دخل عليَّ عشرة أنقذوني . فلو لَم يكن معي حميد بن أبي بكر الأحمري وهو شرطي ، لأبلغتُ أصحابه مقالته ولكن قلتُ : إنّه حيّ ، فحمد الله عمرو بن الحَجّاج وانصرف بقومه(5) .

نهضة مسلم

ولمّا بلغ مسلماً خبر هاني ، خاف أن يؤخذ غيلةً فتعجّل الخروج قبل الأجل الذي بينه وبين النّاس ، وأمر عبد الله بن حازم أنْ ينادي في أصحابه ، وقد ملأ بهم

____________________________
(1) مروج الذهب 2 / 88 .
(2) المستقصى للزمخشري 1 / 15 ط حيدر آباد .
(3) مثير الأحزان لابن نما .
(4) ذكر خليفة بن عمرو في كتاب الطبقات 1 / 330 رقم 1037 : إنّه من ( الأبناء ) الذين باليمن وعداده في كندة ، مات سنة ( 76ﻫ ) .
وفي التعليق على الطبقات لسهيل زكار 16 / 1 قال : الأبناء ، هم ولد الفرس الذين أتوا مع سيف بن ذي يزن لمساعدته على طرد الأحباش ، والأبناء في اليمن يشكّلون طبقة خاصّة فان آباءهم فرس واُمهاتهم عربيات .
(5) الطبري 6 / 206 : وعند ابن نما وابن طاووس اسمها رويحة بنت عمرو بن الحجاج .

الصفحة (156)

الدور حوله فاجتمع إليه أربعة آلاف ينادون بشعار المسلمين يوم بدر : ( يا منصور أمتْ ) .

ثمّ عقد لعبيد الله بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة ، وقال : سر أمامي على الخيل . وعقد لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج وأسد ، وقال : انزل في الرجال . وعقد لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان . وعقد للعبّاس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة .

وأقبلوا نحو القصر فتحرّز ابن زياد فيه وغلق الأبواب ولَم يستطع المقاومة ؛ لأنّه لَم يكن معه إلاّ ثلاثون رجلاً من الشرطة وعشرون رجلاً من الأشراف ومواليه ، لكن نفاق الكوفة وما جبلوا عليه من الغدر لم يدع لهم علماً يخفق ، فلم يبقَ من الأربعة آلاف إلاّ ثلاثمئة(1) .

وقد وصفهم الأحنف بن قيس بالمومسة تريد كلّ يوم بعلاً(2) .

ولمّا صاح مَن في القصر يا أهل الكوفة اتقوا لله ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام ، فقد ذقتموهم وجرّبتموهم ، فتفرّق هؤلاء الثلثمئة حتّى أنّ الرجل يأتي ابنه وأخاه وابن عمّه فيقول له : انصرف ، والمرأة تأتي زوجها فتتعلق به حتّى يرجع(3) .

فصلّى مسلم (عليه السّلام) العشاء بالمسجد ومعه ثلاثون رجلاً ثمّ انصرف نحو كنده(4) ومعه ثلاثة ولم يمض إلا قليلاً وإذا لم يشاهد مَن يدلّه على الطريق(6) ، فنزل عن فرسه ومشى متلدداً في أزقّة الكوفة لا يدري إلى أين يتوجّه(5) .

ولمّا تفرق الناس عن مسلم وسكن لغطهم ولم يسمع ابن زياد أصوات

____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 207 .
(2) أنساب الأشراف 5 / 338 ، وفي الأغاني 17 / 162 : وصفهم بذلك إبراهيم بن الأشتر لمصعب لمّا أراد أنْ يمدّه بأهل العراق .
(3) تاريخ الطبري 6 / 208 .
(4) الأخبار الطوال / 240 .
(5) شرح مقامات الحريري للشريشي 1 / 192 آخر المقامة العاشرة .
(6) اللهوف / 29 .

الصفحة (157)

الرجال ، أمَرَ مَن معه في القصر أنْ يشرفوا على ظلال المسجد لينظروا هل كمنوا فيها ، فكانوا يدلون القناديل ، ويشعلون النّار في القصب ويدلونها بالحبال إلى أنْ تصل إلى صحن الجامع فلم يروا أحداً ، فأعلموا ابن زياد ، وأمَرَ مناديه أنْ ينادي في النّاس ؛ ليجتمعوا في المسجد ، ولمّا امتلأ المسجد بهم ، رقى المنبر وقال : إنّ ابن عقيل قد أتى ما قد علمتم من الخلاف والشقاق ، فبرأت الذمّة من رجل وَجدناه في داره ، ومن جاء به فله ديته ، فاتقواء الله عباد الله ، والزموا طاعتكم وبيعتكم ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً .

ثمّ أمر صاحب شرطته ، الحصين بن تميم أنْ يفتّش الدور والسّكك ، وحذّره بالفتك به إنْ أفلت مسلم وخرج من الكوفة(1) .

فوضع الحصين الحرس على أفواه السّكك ، وتتبّع الأشراف النّاهضين مع مسلم ، فقبض على عبد الأعلى بن يزيد الكلبي وعمارة بن صلخب الأزدي ، فحبسهما ثمّ قتلهما ، وحبس جماعة من الوجوه ؛ استيحاشاً منهم ، وفيهم الأصبغ بن نباته ، والحارث الأعور الهمداني(2) .

حبس المختار

وكان المختار عند خروج مسلم في قرية له تدعى ( خطوانية )(3) ، فجاء بمواليه يحمل راية خضراء ، ويحمل عبد الله بن الحارث راية حمراء ، وركّز المختار رايةً على باب عمرو بن حريث وقال : أردت أنْ أمنع عمراً(4) ، ووضح لهما قتل مسلم وهاني واُشير عليهما بالدخول تحت راية الأمان عند عمرو بن حريث ففعلا وشهد لهما ابن حريث باجتنابهما ابن عقيل ، فأمر ابن زياد بحبسهما بعد أنْ شتم المختار واستعرض وجهه بالقضيب فشتر عينه(5) ، وبقيا في السّجن إلى أنْ

____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 209 و210 .
(2) في طبقات ابن سعد 6 / 169 طبعة صادر : كانت وفاة الحارث الأعور بالكوفة أيام خلافة عبد الله بن الزبير وعامله عليها عبد الله بن يزيد الأنصاري الخطمي ، فصلّى على جنازة الحارث بوصيّة منه .
(3) أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 214 ، وفي معجم البلدان 3 / 449 : هي ناحية في بابل العراق .
(4) تاريخ الطبري 6 / 215 .
(5) في المعارف لابن قتيبة / 253 باب ذوي العاهات ، والمحبر لابن حبيب / 303 : ضرب عبيد الله بن زياد وجه المختار بالسوط فذهبت عينه .

الصفحة (158)

قُتل الحسين (عليه السّلام)(1) .

وأمر ابن زياد محمّد بن الأشعث(2) ، وشبث بن ربعي ، والقعقاع بن شور الذهلي(3) ، وحَجّار بن أبجر(4) ، وشمر بن ذي الجوشن ، وعمرو بن حريث أنْ يرفعوا راية الأمان ويخذِّلوا النّاس(5) ، فأجاب جماعة ممَّن خيَّم عليهم الفرق ، وآخرون جرّهم الطمع الموهوم ، واختفى الذين طهُرت ظمائرهم وكانوا يترقّبون فتح الأبواب للحملة على صولة الباطل .

مسلم في بيت طوعة

وانتهى بابن عقيل السّير إلى دور بني جبلة من كندة ، و وقف على باب امرأة يقال لها طوعة اُمّ ولد كانت للأشعث بن قيس أعتقها ، وتزوّجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالاً ، كان مع النّاس ، واُمّه واقفة على الباب تنتظره ، فاستسقاها مسلم فسقته ، واستضافها فأضافته ، بعد أنْ عرَّفها أنّه ليس له في المصر أهل ولا عشيرة ، وأنّه من أهل بيت لهم الشفاعة يوم الحساب ، وهو مسلم بن عقيل فأدخلته بيتاً غير الذي ياوي إليه ابنها ، وعرضت عليه الطعام فأبى ، وأنكر ابنها كثرة الدخول والخروج لذلك البيت ، فاستخبرها فلم تخبره إلاّ بعد أنْ حلف لها كتمان الأمر .

وعند الصباح أعلم ابن زياد بمكان مسلم ، فأرسل ابن الأشعث في سبعين من قيس ليقبض عليه ، ولمّا سمع مسلم وقع حوافر الخيل ، عرف أنّه قد اُتي(6) فعجّل دعاءه الذي كان مشغولاً به بعد صلاة الصبح ، ثمّ لبس لامته وقال لطوعة : قد أدّيتِ ما عليك من البِرّ ، وأخذتِ نصيبك من شفاعة رسول الله ، ولقد رأيت البارحة عمّي أمير المؤمنين في المنام وهو يقول لي : أنت معي غداً(7) .

____________________________
(1) أنساب الأشراف 5 / 215 .
(2) في الطبقات لخليفة 1 / 331 رقم 1043 : محمّد بن الأشعث بن قيس اُمّه اُم فروة بنت أبي قحافة قتل سنة 67 مع مصعب أيام المختار ، الجرح والتعديل 3 القسم الثاني / 206
(3) في الطبقات لخليفة 1 / 328 رقم 1032 : القعقاع بن شور بن النعمان بن غنال بن حارثة بن عباد ابن امرئ القيس بن عمرو بن شيبان بن ذهل ، نزل الكوفة . الجرح والتعديل 3 القسم الثاني / 137 .
(4) في تاريخ الطبري 6 / 84 : كان ابجر نصرانياً ، مات سنة أربعين .
(5) كامل ابن الأثير 4 / 12 .
(6) المقاتل لأبي الفرج ، وتاريخ الطبري 6 / 210 ، ومقتل الخوارزمي 1 / 208 الفصل العاشر .
(7) نفس المهموم / ٍ56 .

الصفحة (159)

وخرج إليهم مصلتاً سيفه ، وقد اقتحموا عليه الدار فأخرجهم منها ، ثمّ عادوا إليه وأخرجهم وهو يقول :

هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع      فـأنت  بـكأس الموت لا شك جارع
فـصـبراً لأمـر الله جـلَّ جـلاله      فـحكم قـضاء الله فـي الخلق ذايع

فقتل منهم واحداً وأربعين رجلاً(1) ، وكان من قوّته يأخذ الرجل بيده ويرمي به فوق البيت(2) .

وأنفذ ابن الأشعث إلى ابن زياد يستمدّه الرجال ، فبعث إليه اللائمة ، فأرسل إليه : أتظنّ أنّك أرسلتني إلى بقّال من بقّاليّ الكوفة أو جرمقاني من جرامقة الحيرة(3) وإنّما أرسلتني إلى سيف من أسياف محمّد بن عبد الله ، فمدّه بالعسكر(4) .

واشتدّ القتال فاختلف مسلم وبُكير بن حمران الأحمري بضربتين ، ضرب بُكير فَم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع السّيف إلى السّفلى ونصلت لها ثنيتان ، وضربه مسلم على رأسه ضربةً منكرةً واُخرى على حبل العاتق حتّى كادت أنْ تطلع إلى جوفه ، فمات(5) .

ثمّ أشرفوا عليه من فوق ظهر البيت يرمونه بالحجارة ويلهبون النّار في أطنان القصب(6) ويلقونها عليه ، فشدّ عليهم يقاتلهم في السّكة ، وهو يرتجز بأبيات حمران بن مالك :

أقـسمت لا اُقـتل إلا iiحُرّا      وان رأيت الموت شيئاً نكرا
كـلّ امرئ يوماً ملاق iiشرّا      ويـخلط الـبارد سخناً iiمرّا

____________________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 212 .
(2) نفس المهموم / 57 .
(3) في الصحاح : الجرامقة : قوم من العجم صاروا إلى الموصل ، وزاد في القاموس ( أوائل الإسلام ، والواحد جرمقاني ) ، وفي تاج العروس : إنّه كالاسم الخاص ، وفي اللسان : جرامقة الشام : أنباطها ، واحدهم جرمقاني ( بضمّ الميم والجيم بينهما راء ) ، وفي جمهرة ابن دريد 3 / 324 : وجرمق : غير عربي ، والجرامق : جيل من الناس .
(4) المنتخب / 299 الليلة العاشرة .
(5) مقتل الخوارزمي 1 / 210 الفصل العاشر .
(6) في الصحاح والقاموس : الطن ( بالضمّ ) : حزمة القصب ، والقصبة الواحدة من الحزمة طنة .

الصفحة (160)

ردَّ شعاع النفس فاستقر    اخاف ان أكذب او اغرّا(1)

وأثخنته الجراحات ، وأعياه نزف الدّم ، فاستند إلى جنب تلك الدار ، فتحاملوا عليه يرمونه بالسّهام والحجارة ، فقال : مالكم ترموني بالحجارة كما ترمى الكفّار ، وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار ، ألا ترعون حقّ رسول الله في عترته ؟

فقال له ابن الأشعث : لا تقتل نفسك وأنت في ذمّتي ، قال مسلم : أاُوسر وبي طاقة ؟! لا والله لا يكون ذلك أبداً ، وحمل على ابن الأشعث فهرب منه ، ثمّ حملوا عيه من كلّ جانب وقد اشتد به العطش ، فطعنه رجل من خلفه فسقط إلى الأرض واُسر(2) .

وقيل : إنّهم عملوا له حفيرة وستروها بالتراب ، ثمّ انكشفوا بين يدَيه حتّى إذا وقع فيها أسروه(3) .

ولمّا انتزعوه سيفه ، دمعت عينه فتعجّب عمرو بن عبيد الله السّلمي من بكائه .

مسلم وابن زياد

وجيء به إلى ابن زياد ، فرأى على باب القصر قلّة مبرَّدة فقال : اسقوني من

____________________________
(1) هذه الأبيات ذكرها ابن طاووس في اللهوف /30 طبعة صيدا ، وابن نما في مثير الأحزان بدون الشطر الخامس ، وسمّاه يوم ( القرم ) ، وذكرها الخوارزمي في المقتل 1 / 209 الفصل العاشر بزيادة شطرين ولم ينسبها ، وذكر ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 212  الطبعة الاُولى ايران ستة أشطر .
وهذا اليوم لم يذكره المؤلفون في أيام العرب الجاهلية ، نعم في معجم البلدان 7 / 64 ، والمعجم ممّا استعجم للبكري 3 / 1062 ، وتاج العروس 9 / 310 : قرن : اسم جبل كانت فيه واقعة على بني عامر ، وفي نهاية الارب للقلقشندي / 321 : بنو قرن : بطن من مراد ، ومنهم اُويس القرني ، وكلّه لا يرشدنا إلى شيء صحيح ، نعم ذكر محمّد بن حبيب النسابة في رسالة المغتالين / 243 المدرجة في المجموعة السابعة من نوادر المخطوطات ، تحقيق عبد السلام هارون : أنّ خثعماً قتلت الصميل أخا ذي الجوشن الكلابي ؛ فغزاهم ذو الجوشن ، وسانده عيينة بن حصن على أن يكون له المغنم ، ولقوا خثعما بـ ( الفزر ) ، وهو جبل ، فقتلا واثخنا وغنما ، قوتل بالجبل حمران بن مالك بن عبد الملك الخثعمي ، فأمره أن يستأسر فأنشأ يقول :
أقسمت لا اُقتل إلاّ حرّا      إنّي رأيت الموت شيئاً نكرا
أكره أن اُخدع أو اُغرا
 ثمّ قُتل ، و رثته اُخته فقالت :
ويـل  حمران أخا مظنه      أوفى على الخير ولم يمنه
والطاعن  النجلاء مرثعنه      عائدها  مثل وكيف الشنه
(2) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 212 ، ومقتل الخوارزمي 1/ 209 و210 .
(3) المنتخب للطريحي / 299 المطبعة الحيدرية في النجف ، عند ذكر الليلة العاشرة .

الصفحة (161)

هذا الماء ، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي(1) : لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم ، قال مسلم (ع) : من أنت ؟ قال : أنا من عرف الحقّ إذ أنكرته ، ونصح لإمامه إذ غششته ، فقال له ابن عقيل : لاُمّك الثكل ، ما أقساك وأفظّك ، أنت ابن باهلة أولى بالحميم ، ثمّ جلس وتساند إلى حائط القصر(2) .

فبعث عمارة بن عقبة بن أبي معيط غلاماً له يُدعى قيساً(3) فأتاه بالماء ، وكلّما أراد أنْ يشرب ، امتلأ القدح دماً ، وفي الثالثة ذهب ليشرب فامتلأ القدح دماً وسقطت فيه ثناياه فتركه وقال : لو كان من الرّزق المقسوم لشربتُه .

وخرج غلام ابن زياد فأدخله عليه ، فلم يسلِّم ، فقال له الحرسي : ألا تسلِّم على الأمير ؟ قال له : اسكت إنّه ليس لي بأمير(4) ، ويقال أنّه قال : السّلام على من اتبع الهدى وخَشِي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى ، فضحك ابن زياد وقال : سلَّمت أو لَمْ تسلِّم إنّك مقتول(5) ، فقال مسلم : إنْ قتلتني فلقد قَتَل مَنْ هو شرّ منك مَنْ هو خيراً منّي ، وبعد فإنّك لا تدع سوء القتلة ولا قبح المثلة وخبث السريرة ولؤم الغلبة لأحد أولى بها منك .

فقال ابن زياد : لقد خرجتَ على إمامك ، وشققتَ عصا المسلمين ، والقحت الفتنة ، قال مسلم : كذبت إنّما شقّ العصا معاوية وابنه يزيد ، والفتنة ألقحها أبوك ، وأنا أرجوا أنْ يرزقني الله الشهادة على يد شرّ بريّته(6) .

ثمّ طلب مسلم أنْ يوصي إلى بعض قومه فأذِن له ونظر إلى الجلساء فرأى عمر بن سعد ، فقال له : إنّ بيني وبينك قرابة ، ولي إليك حاجة ، ويجب عليك نجح حاجتي وهي سرّ . فأبى أن يمكّنه من ذكرها ، فقال ابن زياد : لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمّك ، فقام معه بحيث يراهما ابن زياد ، فأوصاه مسلم أنْ

____________________________
(1) في كامل ابن الأثير 4 / 126 حوادث سنة ( 71ﻫـ ) : مسلم بن عمرو الباهلي ، والد قتيبة ، وفي تاريخ الطبري 7 / 185 الطبعة الاُولى حوادث سنة ( 71ﻫـ ) : قتل مسلم بن عمرو الباهلي ( بدير الجاثليق ) وكان مع مصعب بن الزبير لمّا التقى مع جيش عبد الملك ..
(2) الارشاد للشيخ المفيد .
(3) الطبري 6 / 212 : وعند المفيد : أنّ عمرو بن حريث بعث غلامه سليما فأتاه بالماء .
(4) اللهوف / 30 ، وتاريخ الطبري 6 / 212 .
(5) المنتخب / 300 .
(6) ابن نما / 17 ، ومقتل الحوارزمي 1 / 211 الفصل العاشر .

الصفحة (162)

يقضي من ثمن سيفه ودرعه ديناً استدانه منذ دخل الكوفة يبلغ ستمئة درهم(1) ، وأنْ يستوهب جثّته من ابن زياد ويدفنها ، وأنْ يكتب إلى الحسين بخبره . فقام عمر بن سعد إلى ابن زياد وأفشى كلّ ما أسرّه إليه فقال ابن زياد : لا يخونك الأمين ، ولكن قد يؤتمن الخائن (2).

ثمّ التفت ابن زياد إلى مسلم وقال : أيهاً يابن عقيل ، أتيت النّاس وهم جمع ففرّقتهم ، قال : كلاّ ، لستُ أتيتُ لذلك ، ولكن أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعوا إلى حكم الكتاب .

قال ابن زياد : ما أنت وذاك أوَ لَمْ نكن نعمل فيهم بالعدل ؟ فقال مسلم : إنّ الله لَيعلم إنّك غير صادق ، وإنّك لتقتل على الغضب والعداوة وسوء الظنّ ، فشمته

____________________________
(1) في الأخبار الطوال / 241 : يبلغ ألف درهم .
(2) الارشاد وتاريخ الطبري ج 6 ص 212 وهذه الجملة التي هي كالمثل وردت في لسان أهل البيت (عليهم السلام) ، ففي الوسائل للحر العاملي ج 2 ص 643 باب 9 عدم جواز ائتمان الخائن ، روى الكليني مسنداً عن معمر بن خلاد قال سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول : لم يخنك الأمين ولكن ائتمنت الخائن .
ثم انه لم تخف على شهيد القصر مسلم (عليه السلام) نفسية عمر بن سعد ولم يجهل دنس أصله ولكنه أراد ان يعرف الكوفيين مبلغه من المروءة والحفاظ كي لا يغتر به احد ، وهناك سر آخر وهو ارشاد الملأ الكوفي إلى أن أهل البيت (عليهم السلام) وولاتهم لم يقصدوا الا الاصلاح ونشر الدعوة الإلهيّة وهذا الوالي من قبلهم لم يمد يده الى بيت المال وكان له ان يتصرف فيه كيف شاء غير انه قضى أيامه البالغة أربعاً وستين بالاستدانة وهكذا ينبغي أن تسير الولاة فلا يتخذون مال الفقراء مغنما ... ولقد ذكرني هذا (الخائن) بقصة خالد القسري على كتمان السر لأنه من شيم العرب واخلاق الاسلام مع ما يحمله من المباينة لنبي الاسلام (صلّى الله عليه وآله) وشتم سيد الأوصياء على المنابر وقوله فيه ما لا يسوغ لليراع ان يذكره وذلك أن الوليد بن عبد الملك أراد الحج فعزم جماعة على اغتياله وطلبوا من خالد المشاركة معه فأبى ، فقالوا له اكتم علينا ، فأتى خالد الوليد وقال له دع الحج هذا العام فاني خائف عليك قال الوليد من الذين تخافهم علي ؟ سمّهم لي ، فامتنع أن يسمهم وقال : اني نصحتك ولن اسمهم لك فقال اني ابعث بك الى عدوك يوسف بن عمر قال : وان فعلت فلن اسمهم فبعث به الى يوسف فعذبه ولم يسمهم فسجنه ثم وضع على صدره المضرسة فقتل سنة 126 هـ عن ستين سنة ودفن بناحية ، وعقر عامر بن سهل الأشعري فرسه على قبره فضربه يوسف سبعمائة سوط ولم يرثه احد من العرب على كثرة أياديه عندهم الا ابا الشغب العبسي قال :

ألا  ان خـير الـناس حـياً وهالكا      أسـير سـقيف عندهم في السلاسل
لـعمري  لـقد عمرتم السجن خالداً      وأوطـأتـموه  وطــأة 
الـمتثاقل
فان تسجنوا القسري لا تسجنوا اسمه      ولا  تـسجنوا مـعروفه في 
القبائل

تهذيب ابن عساكر ج 5 ص 79 .

الصفحة (163)

ابن زياد وشتم علياً وعقيلاً والحسين(1) ، فقال مسلم : أنت وأبوك أحقّ بالشتم ، فاقض ما أنت قاض يا عدوّ الله(2) .

فأمر ابن زياد رجلاً شامياً(3) أنْ يصعد به إلى أعلى القصر ويضرب عنقه ، ويرمي رأسه وجسده إلى الأرض ، فأصعده إلى أعلى القصر ، وهو يسبّح الله ويهلّله ويكبّره(4) ويقول : اللهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا وكذبونا ، وتوجه نحو المدينة وسلّم على الحسين(5) .

وأشرف به الشامي على موضع الحذائين وضرب عنقه ورمى برأسه وجسده إلى الأرض(6) ، ونزل مذعوراً ، فقال له ابن زياد : ما شأنك ؟ قال : رأيت ساعة قتله رجلاً أسود سَيِّء الوجه حذائي عاضّاً على إصبعه ، ففزعتُ منه فقال ابن زياد : لعلّك دُهشت(7) .

ثمّ أخرج هاني إلى مكان من السوق يُباع فيه الغنم وهو مكتوف ، فجعل يصيح وآمذحجاه ! ولا مذحج لي اليوم ، وآمذحجاه ! وأين منّي مذحج ؟ فلمّا رأى أنّ أحداً لا ينصره جذب يده ونزعها من الكتاف وقال : أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يدافع رجل عن نفسه ؟ ووثبوا عليه وأوثقوه كتافاً وقيل له : مدّ عنقك ، فقال : ما أنا بها سخي ، وما أنا بمعينكم على نفسي ، فضربه بالسّيف مولى لعبيد الله ابن زياد تركي يُقال له رشيد ، فلم يصنع فيه شيئاً فقال هاني : إلى الله المعاد اللهمّ إلى رحمتك ورضوانك ، ثمّ ضربه اُخرى فقتله . وهذا العبد قتله عبد الرحمن بن الحصين المرادي رآه مع عبيد الله بـ ( الخازر)(8) .

وأمر ابن زياد بسحب مسلم وهاني بالحبال من أرجلهما في الأسواق(9)

____________________________
(1) كامل ابن الأثير 4 / 14 والطبري 6 / 213 .
(2) اللهوف / 31 .
(3) مقتل الخوارزمي 1 / 213 .
(4) تاريخ الطبري 6 / 213 .
(5) أسرار الشهادة / 259 .
(6) ميثر الأحزان / 18 .
(7) مقتل الخوارزمي / 1 / 312 ، والملهوف .
(8) تاريخ الطبري 6 / 214 .
(9) المنتخب / 301 ، وفي تاريخ الخميس 2 / 266 عند ذكر أولاد أبي بكر : أمر معاوية ابن خديج بسحب محمّد بن أبي بكر في الطريق ويمرّوا على دار عمرو بن العاص ؛ لعلمه بكراهيته لقتله ، ثمّ أمر بإحراقه ، فاُحرقت جثته بعد ان وضع في جوف حمار .
وفي كامل ابن الأثير 11 / 153 حوادث سنة 555 ، عليه مروج الذهب : لمّا قتل ظهير الدين ابن العطار أمر فوضعوا حبلاً في مذاكيره وسحبوه في الشوارع ، و وضعوا في يده مغرفة فيها عذرة وفي يده الاُخرى وضعوا قلماً وهم يصيحون : وقّع لنا يا مولانا .
وفي مضمار الحقائق لصاحب حماة محمّد بن تقي الدين الأيوبي / 12 : أنّ بعضهم قطع اُذنه وذلك في 15 ذي القعدة سنة ( 575ﻫـ ) .

الصفحة (164)

وصلبهما بالكناسة منكوسين(1) ، وأنفذ الرأسين إلى يزيد ، فنصبهما في درب من دمشق(2) .

وكتب إلى يزيد : أمّا بعد ، فالحمد لله الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقّه وكفاه مؤنة عدوّه ، أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هاني بن عروة المرادي ، وإنّي جعلت عليهما العيون ودسست إليهما الرجال وكدتهما حتّى استخرجتهما ، وأمكن الله منهما فضربتُ أعناقهما ، وبعثتُ إليك برأسيهما مع هاني بن أبي حيّة الوادعي الهمداني ، والزبير بن الاروح التميمي ، وهما من أهل السّمع والطاعة والنصيحة ، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ ، فإنّ عندهما علماً وصدقاً وفهماً وورعاً ، والسّلام .

وكتب يزيد إلى ابن زياد : أمّا بعد ، فإنّك لَم تعد أنْ كنتَ كما اُحبّ ، عملت عمل الحازم ، وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش ، فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظنّي بك ورأيي فيك ، وقد دعوت رسوليك فسألتهما وناجيتهما ، فوجدتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرتَ فاستوص بهما خيراً ، وإنّه قد بلغني أنّ الحسين بن علي قد توجّه نحو العراق ، فضع المناظر والمسالح ، واحترس على الظن ، وخذ على التهمة(3) ، وهذا الحسين قد ابتلي به زمانك من بين الأزمان وبلادك من بين البلدان ، وابتليت

____________________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 21 ، ومقتل الخوارزمي 1 / 215 : وهذه الفعلة لا يأتي بها إلاّ من خرج عن ربقة الإسلام ، ولم يحمل أقلّ شيء من العطف والرقّة ، وبمثلها صنع الحَجّاج بعبد الله بن الزبير ، كما في أنساب الأشراف للبلاذري 5 / 268 ، وابن حبيب في المحبر / 481 .
وفي مختصر تاريخ الدول لابن العبري / 116 : إن الملك نارون صلب فطرسا وبولسا منكوسين بعد أن قتلهما .
وفي حياة الحيوان مادة الكلب : إنّ ابراهيم الفزاري ضبطت عليه اُمور منكرة من الاستهزاء بالله والأنبياء فأفتى فقهاء القيروان بقتله وصلب منكساً ثم اُنزل واُحرق بالنّار .
وفي المحبر لمحمد بن حبيب / 481 طبعة حيدر آباد : صلب الحَجّاج بن يوسف عبدَ الله بن الزبير بمكة منكساً .
(2) تاريخ أبي الفدا 1 / 190 ، والبداية لابن كثير 8 / 157 .
(3) تاريخ الطبري 6 / 214 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث