مقتل الحسين/ للمقرم

 
 

الصفحة (180)

الشقوق

وفي الشقوق(1) رأى الحسين رجلاً(2) مقبلاً من الكوفة فسأله عن أهل العراق فأخبره أنّهم مجتمعون عليه فقال (عليه السّلام) : (( إنّ الأمر لله ، يفعل ما يشاء ، وربّنا تبارك هو كلّ يوم في شأن )) ، ثمّ أنشد .

فـإنْ  تـكن الـدنيا تُـعَدُّ نـفيسة      فـدار  ثـواب اللـه أعـلى وانبل
وإنْ  تـكن الأمـوال للترك جمعها      فـما  بـال متروك به المرء يبخل
وإنْ تـكن الأرزاق قَـسْماً iiمـقدّراً      فقلّة حرص المرء في الكسب أجمل
وإنْ تـكن الأبـدان للموت iiأُنشئت      فقتل امرىء بالسيف في الله iiأفضل
عـليكم سـلام الله يـا آل iiأحـمد      فانِّي  أراني عنكُمُ سوف iiأرحل
(3) 

زُبالة

وفي زبالة اُخبر بقتل عبد الله بن يقطر الذي أرسله الحسين من الطريق إلى مسلم بن عقيل ، فقبض عليه الحصين بن نمير في القادسيّة وسرّحه إلى عبيد الله بن زياد ، فأمره أنْ يصعد المنبر ويلعن الكذّاب ابن الكذّاب ، ولمّا أشرف على النّاس قال : أيّها النّاس أنا رسول الحسين بن فاطمة ؛ لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة ، فأمر به عبيد الله فاُلقي من فوق القصر ، فتكسّرت عظامه وبقي به رَمَق ، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه ، فلمّا عيب عليه قال : إنّما أردت أنْ اُريحه ، وقيل الذي ذبحه رجل طوال يشبه عبد الملك بن عمير ..

فأعلم بذلك النّاس وأذِنَ لهم بالانصراف ، فتفرّقوا عنه يميناً وشمالاً ، وبقي في أصحابه الذين جاؤا معه من مكّة وإنّما تبعه خلق كثير من الأعراب ؛ لظنّهم أنّه يأتي بلداً أطاعه أهله ، فكره (عليه السّلام) أن يسيروا معه إلاّ على عِلمٍ بما يقدمون

____________________________
(1) ابن شهر آشوب 2 / 213 : الشقوق ( بالضم ) : منزل بعد زبالة للذاهب من الكوفة إلى مكة ، هو لبني أسد فيه قبر العبادي ( معجم البلدان ) .
(2) سمّاه الخوارزمي في المقتل 1 / 233 : الفرزدق . وهو اشتباه .
(3) لم يذكر الخوارزمي في المقتل 1 / 223 البيت الخامس ، وجعلها من إنشائه ( عليه السّلام ) .

الصفحة (181)

عليه ، وقد عَلِم أنّه إذا أذِنَ لهم بالانصراف لَم يصحبه إلاّ مَن يريد مواساته على الموت(1) .

بطن العقبة

وسار من زبالة حتّى نزل بطن العقبة وفيها قال لأصحابه : (( ما أراني إلاّ مقتولاً ، فإنّي رأيت في المنام كلاباً تنهشني ، وأشدّها عليَّ كلب أبقع ))(2) .

وأشار عليه عمرو بن لوذان من بني عكرمة بالرجوع إلى المدينة ؛ لِما عليه أهل الكوفة من الغدر والخيانة ، فقال أبو عبد الله (عليه السّلام) : (( ليس يخفى عليَّ الرأي ، وإنَّ الله لا يغلب على أمره ))(3) .

ثم قال (عليه السّلام) : (( إنّهم لَن يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جَوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فِرَق الاُمم ))(4) .

شراف

وسار من بطن العقبة حتّى نزل شراف(5) ، وعند السّحر أمر فتيانه أنْ يستقوا من الماء ويكثروا ، وفي نصف النّهار سمع رجلاً من أصحابه يكبّر فقال الحسين : (( لِمَ كبَّرت ؟ )) قال : رأيت النّخل فأنكر مَن معه أنْ يكون بهذا الموضع نخل ، وإنّما

____________________________
(1) الطبري 6 / 226 : ( وهي بضمّ الزاي المعجمة ) وتقع قبل الشقوق للذاهب من الكوفة إلى مكة فيها حصن وجامع لبني أسد ، سمّي الموضع باسم زبالة بنت مسعر امرأة من العمالقة ، ويوم زبالة من أيام العرب ، ونسب إلى المكان جماعة من المحدّثين ( معجم البلدان ) .
(2) كامل الزيارات / 75 .
(3) تاريخ الطبري 6 / 226 .
(4) إرشاد المفيد ، ونفس المهموم للمحدّث القمي / 98 وما بعدها الطبعة الاُولى ، ايران .
(5) في معجم البلدان : ( بفتح أوله وآخره فاء وثانيه مخفف ) سمّي باسم رجل يقال له شراف ، استخرج عيناً ، ثمّ حدثت آبار كبار كثيرة ماؤها عَذِب ، ومن شراف إلى واقصة ميلان ، وفي تأريخ الطبري 4 / 87 : لمّا كان سعد بن أبي وقاص بشراف ، قدم عليه الأشعث بن قيس بألف وسبعمئة من أهل اليمن ، فترك الجموع بشراف ونهض إلى العراق .

الصفحة (182)

هو أسنّة الرماح وآذان الخيل ، فقال الحسين : (( وأنا أراه ذلك )) ، ثمّ سألهم عن ملجأ يلجأون إليه ، فقالوا : هذا ( ذو حسَم )(1) عن يسارك فهو كما تريد ، فسبق إليه الحسين وضرب أبنيته .

وطلع عليهم الحرّ الرياحي(2) مع ألف فارس بعثه ابن زياد ؛ ليحبس الحسين عن الرجوع إلى المدينة أينما يجده أو يقدم به الكوفة ، فوقف الحرّ وأصحابه مقابل الحسين في حَر الظهيرة(3) .

فلمّا رأى سيّد الشهداء ما بالقوم من العطش أمر أصحابه أنْ يسقوهم ويرشفوا الخيل ، فسقوهم وخيولهم عن آخرهم ، ثمّ أخذوا يملأون القصاع والطساس ويدنونها من الفرس فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت ، وسقي آخر حتّى سقوا الخيل كلّها(4) .

وكان علي بن الطعّان المحاربي مع الحرّ فجاء آخرهم وقد أضرَّ به العطش فقال الحسين : (( أنخ الراوية )) ـ وهي الجمل بلغة الحجاز ـ فلمْ يفهم مراده فقال له : (( أنخ الجمل )) ولمّا أراد أنْ يشرب جعل الماء يسيل من السّقاء ، فقال له ريحانة الرسول : (( أخنث السّقاء )) ، فلم يدرِ ما يصنع لشدّة العطش ، فقام (ع) بنفسه وعطف السّقاء حتّى ارتوى وسقى فرسه .

وهذا لطف وحنان من أبي الضيم على هؤلاء الجمع في تلك البيداء المقفرة التي تعزّ فيها الجرعة الواحدة وهو عالم بحراجة الموقف ونفاد الماء ، وإنّ غداً دونه تسيل النّفوس ، ولكنّ العنصر النبوي والكرم العلويّ لَمْ يتركا صاحبهما إلاّ أنْ يحوز الفضل .

أحشاشةَ الزهراء بل يا مهجةَ      الكّرار  يا روحَ النبي iiالهادي

____________________________
(1) حسم ( بضم الحاء المهملة وفتح السين بعدها ميم ) : جبل كان النعمان بن المنذر يصطاد به ، وفيه للنابغة أبيات .
(2) في جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 215 : الحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب الردف بن هرمي بن رياح يربوع ، وقيل لعتاب الردف ؛ لأنّ الملوك تردفه ، وفي صفحة 213 قال ، يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم .
(3) مقتل الخوارزمي 1 / 230 الفصل الحادي عشر .
(4) تاريخ الطبري 6 / 226 ، والطساس : جمع طس ، طبقات النحويين للنبيذي / 50 ، قال : وأمّا طست فجمعه طسات .

الصفحة (183)

عـجباً لهذا الخلق هلا iiأقبلوا      كـل إلـيك بروحه لك iiفادي
لـكنّهم مـا وازنـوك iiنفاسة      أنّـى  يُـقاسُ الذر iiبالاطواد
عـجباً لـحلم الله جل iiجلاله      هتكوا حجابك وَهْوَ بالمرصاد
عجباً  لآل الله صاروا iiمغنماً      لـبني  يزيد هدية iiوزياد
(1)

ثمّ إنّ الحسين استقبلهم فحمد الله وأثنى عليه وقال : (( إنّها معذرةً إلى الله عزّ وجلّ وإليكم ، وإنّي لَم آتكم حتّى أتتني كتبكم وقَدِمَت بها عليَّ رُسُلكم أنْ اقْدِم علينا فإنّه ليس لنا إمام ولعلّ الله أنْ يجمَعنا بك على الهدى ، فإنْ كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فاعطوني ما أطمئنّ به من عهودكم ومواثيقكم ، وإنْ كنتم لمَقدمي كارهين ، انصرفتُ عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم )) . فسكتوا جميعاً .

وأذَّنَ الحَجّاج بن مسروق الجعفي لصلاة الظهر ، فقال الحسين للحرّ : (( أتصلّي بأصحابك ؟ )) ، قال : لا ، بل نصلّي جميعاً بصلاتك ، فصلّى بهم الحسين .

وبعد أنْ فرغ من الصلاة أقبل عليهم فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النّبي محمّد وقال : (( أيّها النّاس إنّكم إنْ تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل بيت محمّد (ص) أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين بالجور والعدوان ، وإنْ أبَيتم إلاّ الكراهيّة لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم ، انصرفتُ عنكم )) .

فقال الحرّ : ما أدري ما هذه الكتب التي تذكرها ، فأمر الحسين عقبة بن سمعان فأخرج خرجَين مملوأين كتباً .

____________________________
(1) من قصيدة طويلة للعلامة الشيخ أحمد النحوي ذكرت في شعراء الحلّة 1 / 70 ، وللسيد الحجة ثقة الإسلام السيد محمّد الكشميري :
سـقيت  عِـداك الـماء منك تحنُّناً      بـأرض  فـلاة حيثُ لا يوجد الماء
فـكيف  إذا تـلقى مـحبيك في غد      عطاشى من الاجداث في دهشة جاؤا

الصفحة (184)

قال الحرّ : إنّي لستُ من هؤلاء ، وإنّي اُمرت أنْ لا اُفارقك إذا لقيتك حتّى أقدمك الكوفة على ابن زياد .

فقال الحسين : (( الموت أدنى إليك من ذلك )) ، وأمر أصحابه بالركوب ، و ركبت النّساء ، فحال بينهم وبين الانصراف إلى المدينة فقال الحسين للحرّ : (( ثكلتك اُمّك ما تريد منا ؟ )) .

قال الحرّ : أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذا الحال ، ما تركتُ ذكر اُمّه بالثكل كائناً من كان ، والله ما لي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدر عليه . ولكن خذ طريقاً نصفاً بيننا لا يدخلك الكوفة ولا يردّك إلى المدينة حتّى أكتب إلى ابن زياد ؛ فلعلّ الله أنْ يرزقني العافية ، ولا يبتليني بشيء من أمرك . ثمّ قال للحسين : إنّي اُذكرك الله في نفسك ، فإنّي أشهد لئن قاتلت لَتقتلَنَّ ، فقال الحسين : (( أفبالموت تخوفني ؟! وهل يعدو بكم الخطب أنْ تقتلوني ، وسأقول ما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله صلّى الله عليه وآله ))(2) :

سأمضي وما بالموت عار على الفتى      إذا مـا نـوى حـقاً وجـاهد مسلما
وواسـى الـرجال الصالحين iiبنفسه      وفـارق  مـثبوراً وخـالف iiمجرما
فـان  عشت لم اندم وان متُّ لم iiأُلَمْ      كـفى بـك ذَّلاً ان تـعيش iiوتُرْغما

فلمّا سمع الحرّ هذا منه ، تنحى عنه .

فكان الحسين يسير بأصحابه في ناحية والحرّ ومَن معه في ناحية(3) .

البيضة

وفي البيضة(3) خطب أصحابَ الحر فقال بعد الحمد لله والثناء عليه : (( أيّها

____________________________

(1) تقدّم استشهاده (ع) وتكرّر منه الاستشهاد بها .
(2) ارشاد المفيد ، وزاد ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 193 بعد البيت الثاني :

اقدم نفسي لا اريد بقاءها      لتلقى خميساً في الهياج عرمرما

تقدّم تمثله (عليه السّلام) بالبيت الأول والثاني وما جرى بين الحر والحسين في الطريق ( مقتل الخوارزمي 1 / 230 وما بعدها ) .
(3) البيضة ما بين واقصة إلى عذيب الهجانات وهي أرض واسعة لبني يربوع بن حنظلة .


الصفحة (185)

النّاس إنّ رسول الله قال : مَن رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرام الله ، ناكثاً عهده ، مخالفاً لسنّة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قَول ، كان حقّاً على الله أنْ يدخله مدخله ، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفَيء ، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ ممَّن غير ، وقد أتتني كتبكم وقدمتْ عليَّ رُسُلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلّموني ولا تخذلوني فإنْ أتممتم عليَّ بيعتكم تصيبوا رشدكم ، فأنا الحسين بن علي ، وابن فاطمة بنت رسول الله، نفسي مع أنفسكم وأهلي مع أهليكم ولكم فيَّ اُسوة ، وإنْ لَمْ تفعلوا ونَقضتم عهدكم وخلعتم بيعتي من أعناقكم فلَعَمري ما هي لكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم، فالمغرور من اغترّ بكم فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيّعتم ومَن نكث فإنّما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ))(1) .

الرُهَيمة

وفي الرهيمة(2) لقيه رجل من أهالي الكوفة يقال له أبو هرم فقال : يابن رسول الله ما الذي أخرجك عن حرم جدك ؟ فقال : يا أبا هرم إنّ بني اُميّة شتموا عرضي فصبرت ، وأخذوا مالي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ، وأيمَ الله ليقتلوني فيلبسهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً ويسلّط عليهم من يذلّهم(3) حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ ، إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم ))(4) .

القادسيّة

وفي القادسيّة(5) قبض الحصين بن نمير التميمي على قيس بن مسهّر

____________________________
(1) الطبري 6 / 229 ، وكامل ابن الأثير 4 / 21 .
(2) في معجم البلدان : الرهيمة ( بالتصغير ) : عين تبعد عن خفية ثلاثة أميال ، وتبعد خفية عن الرحبة مغرباً بضعة عشر ميلاً . وفي وفاء الوفاء لمسهودي 2 / 236 : من حمي فيدماء يقال له الرحيمة بالحاء المهملة .
(3) أمالي الصدوق / 93 المجلس الثلاثون .
(4) في مقتل الخوارزمي 1 / 226 ، ومثير الأحزان لابن نما ، وفيه رواية الحديث بتمامه .
(5) في معجم البلدان 3 / 451 : خفان : موضع قرب الكوفة فيه عين عليها قرية لولد عيسى بن موسى الهاشمي . وفيه 7 / 125 : القطقطانة تبعد عن الرهيمة إلى الكوفة نيفا وعشرين ميلا .

الصفحة (186)

الصيداوي رسول الحسين إلى أهل الكوفة ، وكان ابن زياد أمره أن ينظم الخيل ما بين القادسيّة إلى خفان ومنها إلى القطقطانة(1) ، ولمّا أراد أنْ يفتّشه أخرج قيس الكتاب وخرّقه وجيء به إلى ابن زياد ، فقال له : لماذا خرّقت الكتاب ؟ قال : لئلاّ تطّلع عليه ، فأصرّ ابن زياد على أنْ يُخبره بما فيه ، فأبى قيس ، فقال : إذاً اصعد المنبر وسبّ الحسين وأباه وأخاه وإلاّ قطّعتك إرباً ، فصعد قيس المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النّبي وآله وأكثر من الترحّم على أمير المؤمنين والحسن والحسين ، ولعن عبيدَ الله بن زياد وأباه وبني اُميّة ، ثم قال : أيّها النّاس أنا رسول الحسين إليكم ، وقد خلّفته في موضع كذا ، فأجيبوه . فأمر ابن زياد أنْ يُرمى من أعلى القصر ، فرمي وتكسّرت عظامه ومات(2) ، ويقال كان به رمق فذبحه عبد الملك بن عمَير اللخمي ، فعيب عليه قال : أردت أن اُريحه(3) .

العذيب

وفي عذيب الهجانات(4) وافاه أربعة نفر خارجين من الكوفة على رواحلهم ويجنبون فرساً لنافع بن هلال يقال له ( الكامل ) وهم ؛ عمرو بن خالد الصيداوي ، وسعد مولاه ، ومجمع بن عبد الله المذحجي ، ونافع بن هلال ، ودليلهم الطرمّاح بن عدي الطائي يقول :

يا ناقتي لا تذعري من زجري      وشـمّري قـبل طلوع iiالفجر
بـخير ركـبان وخـير iiسفر       حتّى تـحلى بـكريم iiالنجر
الـماجد  الحر رحيب iiالصدر      أتـى  بـه الله لـخير iiأمـر

____________________________
(1) الارشاد ، و روضة الواعظين ، والبداية لابن كثير 8 / 118 ، وإعلام الورى / 136 الطبع الاُولى ، ايران .
وفي ميزان الاعتدال للذهبي 1 / 151 : ولي عبد الملك بن عمير اللخمي قضاء الكوفة بعد الشعبي ، وساء حفظه وكان يغلط ، وفي تهذيب الأسماء للنووي 1 / 309 : توفي سنة 136 وعمره مئة وثلاث سنين .
(2) الارشاد للشيخ المفيد وروضة الواعظين للفتال .
(3) العذيب : واد لبني تميم ، وهو حد السواد ، وفيه مسلحة للفرس بينه وبين القادسية ست أميال ، وقيل له عذيب الهجانات ؛ لأنّ خيل النعمان ملك الحيرة ترعى فيه .
(4) في مقتل الخوارزمي 1 / 23 : قال الحسين (ع) لأصحابه : (( هل فيكم مَن يعرف الطريق على غير الجادة ؟ )) فقال الطرمّاح بن عدي الطائي : أنا يابن رسول الله ، فقال له : (( سِر أمامنا )) ، فسار أمام الظعن يرتجز بالأبيات .
وعند ابن نما صفحة 24 : إنّ الحر سار أمام الحسين يرتجز بها ، وفي كامل الزيارات لابن قولويه / 95 : عن الرضا (ع) : (( بينا الحسين يسير في جوف الليل سمع رجلاً يرتجز بها )) ، وفي نفس المهموم / 153 : عن بعض المقاتل أنّ الطرمّاح لمّا وقع نظره على الحسين أنشأها .

الصفحة (187)

فلمّا انتهوا إلى الحسين (عليه السّلام) أنشدوه الأبيات ، فقال (عليه السّلام) : (( أما والله ، إنّي لأرجوا أنْ يكون خيراً ما أراد الله بنا قُتِلْنا أم ظفرنا )) .

وسألهم الحسين عن رأي النّاس ، فأخبروه بأنّ الأشراف عظمت رشوتهم وقلوب سائر النّاس معك والسّيوف عليك ، ثمّ أخبروه عن قتل قيس بن مسهّر الصيداوي ، فقال (عليه السّلام) :(( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (1). اللهم اجعل لنا ولهم الجنّة ، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك ورغائب مذخور ثوابك )) .

وقال له الطرمّاح : رأيتُ النّاس قبل خروجي من الكوفة مجتمعين في ظهر الكوفة فسألتُ عنهم ، قيل : إنّهم يعرضون ثم يسرّحون إلى الحسين ، فانشدك الله أنْ لا تقدم عليهم ، فإنّي لا أرى معك أحداً ، ولَو لَم يقاتلك إلاّ هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكفى ، ولكن سِر معنا لتنزل جبلنا الذي يُدعى ( أجا ) فقد امتنعنا به من ملوك غسّان وحمير ، ومن النعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر ، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتّى تأتيك طيء رجالاً وركباناً وأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم إلى أنْ يستبين لك ما أنت صانع .

فجزاه الحسين وقومه خيراً وقال : (( إنَّ بيننا وبين القوم عهداً وميثاقاً ولسنا نقدر على الانصراف حتّى تتصرّف بنا وبهم الاُمور في عاقبة )) .

فاستأذنه الطرمّاح وحده بأن يوصل الميرة إلى أهله ، ويعجّل المجيء لنصرته . فأذِن له وصحِبه الباقون .

فأوصل الطرمّاح الميرة إلى أهله ورجع مسرعاً ، فلمّا بلغ عذيب الهجانات ، بلغه خبر قتل الحسين (عليه السّلام) فرجع إلى أهله(1) .

____________________________
(1) سورة الأحزاب / 23 .
(1) تاريخ الطبري 6 / 230 .

الصفحة (188)

قصر بني مقاتل

وسار من عذيب الهجانات حتّى نزل قصر بني مقاتل(1) ، فرأى فسطاطاً مضروباً ورمحاً مركوزاً وفرساً واقفاً ، فسأل عنه ، فقيل : هو لعبيد الله بن الحرّ الجعفي(2) . فبعث إليه الحَجّاج بن مسروق الجعفي ، فسأله ابن الحرّ عمّا وراءه قال : هديّة إليك وكرامة إنْ قبِلتها ، هذا الحسين يدعوك إلى نصرته فإنْ قاتلتَ بين يدَيه اُجِرت ، وإنْ قُتلت استشهدت فقال ابن الحرّ : والله ، ما خرجتُ من الكوفة ؛ إلاّ لكثرة ما رأيته خارجاً لمحاربته وخذلان شيعته ، فعلمتُ أنّه مقتول ولا أقدر على

____________________________
(1) ينسب القصر إلى مقاتل بن حسّان بن ثعلبة ، وساق نسبه الحموي في المعجم إلى امرىء القيس بن زيد بن مناة بن تميم ، يقع بين عين التمر والقطقطانة والقريات . خربه عيسى بن علي بن عبد الله بن العبّاس ثم جدّده .
(2) في تاريخ الطبري ج 7 ص 168 وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 385 كان عثماني العقيدة ولأجله خرج إلى معاوية وحارب علياً يوم صفين وفي ص 169 من تاريخ الطبري ج 7 طبعة أولى ذكر أحاديث في تمرده على الشريعة بنهبه الأموال وقطعه الطرق وذكر ابن الأثير ج 4 ص 112 انه لما أبطأ على زوجته في إقامته بالشام زوجها اخوها من عكرمة بن الخبيص ولما بلغه الخبر جاء وخاصم عكرمة الى علي بن أبي طالب فقال له ظاهرت علينا عدونا قال ابن الحر : ايمنعني عدلك من ذلك فقال (عليه السلام) : لا ثم أخذ أمير المؤمنين المرأة وكانت حبلى فوضعها عند ثقة حتى وضعت فألحق الولد بعكرمة ودفع المرأة الى عبيد الله فعاد الى الشام الى ان قتل علي (عليه السلام) ، والى هذه القصة أشار محمد بن الحسن في المبسوط ج 10 ص 136 باب الخوارج ولم يذكر اسم عبيد الله بن الحر وفي أيام عبد الملك سنة 68 قتل عبيد الله بالقرب من الأنبار وفي أنساب الأشراف ج 5 ص 297 قاتله عبيد الله بن العباس السلمي من قبل القباع ولما اثخن بالجراح ركب سفينة ليعبر الفرات وأراد أصحاب عبيد الله أن يقبضوا السفينة فاتلف نفسه في الماء خوفاً منهم وجراحاته تشخب دماً وفي رسالة المغتالين لابن حبيب ص 268 من المجموعة السابعة من نوادر المخطوطات تحقيق هارون عبد السلام ان عبد الملك أرسل عبيد الله بن الحر الجعفي لمحاربة مصعب في جيش كثيف ثم تخلف عنه الجيش حتى قتل من معه وعرض له عبيد الله بن العباس السلمي فقاتله ففر منه ابن الحر وركب معبرة الفرات فصاح عبيد الله السلمي بالملاح لئن عبرت به لاقتلنك فكربه راجعاً فعانقه ابن الحر فغرقا جميعاً فاستخرجوا ابن الحر ونصبوه غرضاً ورموه وهم يقولون امغازلا تجدها حتى قتلوه ويذكر ابن حبيب في (المحبر) ص 492 أن مصعب بن الزبير نصب رأس عبيد الله بن الحر الجعفي بالكوفة وفي جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص 583 أن أولاد عبيد الله بن الحر وهم : صدقة وبرة والأشعر شهدوا واقعة الجماجم مع ابن الأشعث . وفي الأخبار الطوال ص 289 لما تجرد المختار للاخذ بثأر الحسين كان عبيد الله بن الحر الجعفي في الجبل يغير على اموال الناس فأرسل اليه المختار للمشاركة معه في الطلب بدم الحسين فلم يجبه فهدم المختار داره ونهب جميع ما فيها واخذ امرأته فسجنها بالكوفة اهـ ولو كان صحيح الندم على تأخره عن نصرة المظلوم لناصر المختار على قتلة الحسين وكيف يتوفق للتوبة وقد امتنع عن اجابة سيد الشهداء وقد مشى اليه بنفسه والنور الالهي يعلوه وصبيانه اقمار الدجى من حوله .

الصفحة (189)

نصره ، ولست أحب أن يراني وأراه(1) .

فأعاد الحَجّاج كلامه على الحسين ، فقام صلوات الله عليه ومشى إليه في جماعة من أهل بيته وصحبه ، فدخل عليه الفسطاط ، فوسّع له عن صدر المجلس ، يقول ابن الحرّ : ما رأيت أحداً قط أحسن من الحسين ولا أملأ للعين منه ، ولا رققت على أحد قط رقّتي عليه حين رأيته يمشي والصبيان حوله ، ونظرت إلى لحيته فرأيتها كأنّها جناح غراب ، فقلت له أسواد أم خضاب ؟ قال : (( يابن الحرّ عجّل عليَّ الشيب )) . فعرفتُ أنّه خضاب(2) . ولمّا استقرّ المجلس بأبي عبد الله ، حمد الله وأثنى عليه وقال : (( يابن الحرّ إنّ أهل مصركم كتبوا إليّ أنّهم مجتمعون على نصرتي ، وسألوني القدوم عليهم ، وليس الأمر على ما زعموا(3) ، وإنّ عليك ذنوباً كثيرة ، فهل لك من توبة تمحو بها ذنوبك ؟ )) قال : وما هي يابن رسول الله ؟ فقال : (( تنصر ابن بنت نبيّك وتقاتل معه ))(4) . فقال ابن الحرّ : والله ، إنّي لأعلم إنّ من شايعك كان السّعيد في الآخرة ، ولكن ما عسى أن أغني عنك ، ولَم اخلف لك بالكوفة ناصراً ، فانشدك الله أنْ تحمّلني على هذه الخطة ، فإنّ نفسي لا تسمح بالموت ، ولكن فَرَسي هذه ( الملحقة ) والله ، ما طلبتُ عليها شيئاً قط إلاّ لحقته ، ولا طلبني أحد وأنا عليها إلاّ سبقته ، فخُذها فهي لك .

قال الحسين : (( أمّا إذا رغبت بنفسك عنّا ، فلا حاجة لنا في فَرَسك(5) ولا فيك ، وما كنتُ متّخذ المضلّين عضداً(6) ، وإنّي أنصحك كما نصحتني ، إن استطعت أنْ لا تسمع صراخنا ، ولا تشهد وقعتنا فافعل . فوالله ، لا يسمع واعيتنا أحد ولا ينصرنا

____________________________
(1) الاخبار الطوال / 246 .
(2) خزانة الأدب للبغدادي 1 / 298 ، طبعة بولاق وأنساب الاشراف 5 / 291 .
(3) نفس المهموم / 104 .
(4) أسرار الشهادة / 233 .
(5) الأخبار الطوال / 249 .
(6) أمالي الصدوق / 94 المجلس الثلاثون .

الصفحة (190)

إلاّ أكبّه الله في نار جهنّم ))(1) .

وندِم ابن الحرّ على ما فاته من نصرة الحسين (ع) ، فأنشأ :

أيـا لـك حـسرة ما دمت iiحيّاً      تـردَّد بـين صدري iiوالتراقي
غـداةَ يـقول لي بالقصر iiقولا      أتـتـركنا  وتـعزم iiبـالفراق
حسين حين يطلب بذل iiنصري      عـلى أهـل الـعداوة والشقاق
فـلو  فـلق الـتَّلهُّف قلب iiحرٍّ      لـهمَّ  الـيوم قـلبي iiبـانفلاق
ولـو واسـيته يـوماً iiبـنفسي      لـنلت كـرامةً يـوم iiالـتَّلاق
مـع ابـن محمّد تفديه iiنفسي       فـودع ثـم أسـرع بـانطلاق
لـقد فاز الأولى نصروا iiحسيناً      وخاب الآخرون ذووا النفاق
(2)

وفي هذا الموضع اجتمع به عمرو بن قيس المشرفي وابن عمّه فقال لهما الحسين : (( جئتما لنصرتي ؟ )) قالا له : إنّا كثيروا العيال ، وفي أيدينا بضائع للناس ولَم ندرِ ماذا يكون ، ونكره أنْ نضيع الأمانة .

فقال لهما (عليه السّلام) : (( انطلقا ، فلا تسمعا لي واعية ولا تريا لي سواداً ؛ فإنّه من سَمِع واعيتنا أو رأى سوادنا فلَم يجبنا أو يغثنا ، كان حقّاً على الله عزّ وجلّ أنْ يكبّه على منخريه في النّار ))(3) .

قرى الطف

ولمّا كان آخر الليل ، أمر فتيانه بالاستقاء والرحيل من قصر بني مقاتل وبينا

____________________________
(1) خزانة الأدب 1 / 298 .
وفي مسير الحسين بنفسه المقدّسة إلى ابن الحر تعرف الغاية الملحوظة لأبي الضيم ، فإنّه (عليه السلام) بصدد إعلام الناس بما يجب عليهم من النّهوض لسدّ باب المنكر ، وإلقاء الحجّة عليهم ؛ كيلا يقول أحد : أنه لم يدعُني إلى نصرته .
(2) مقتل الخوارزمي 1 / 228 ، وذكر الدينوري في الأخبار الطوال / 258 أربعة منها ، وفي رواية للثالث :

فما أنسى غداة يقول حزنا     اتتركنا وتزمع لانطلاق

(3) عقاب الأعمال للصدوق / 35 ، ورجال الكشي / 74 .

الصفحة (191)

يسيرون إذ سُمِعَ الحسين يقول : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين )) وكرّره . فسأله علي الأكبر عن استرجاعه ، فقال : (( إنّي خفقتُ برأسي ، فعنَّ لي فارس وهو يقول : القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ، فعلمتُ أنّها أنفسنا نُعيت إلينا )) . فقال علي الأكبر : لا أراك الله سوءاً ، ألسنا على الحق ؟ قال : ((بلى والذي إليه مرجع العباد )) ، فقال : يا أبت ، إذن لا نبالي أنْ نموت محقين . فقال (ع) : (( جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده ))(1) .

ولم يزل الحسين يتياسر إلى أن انتهى إلى نينوى(2) وإذا راكب على نجيب وعليه السّلاح فانتظروه ، وإذا هو رسول ابن زياد إلى الحرّ ، معه كتاب يقول فيه : جَعجِع(3) بالحسين حين تقرأ كتابي ، ولا تنزله إلا بالعراء على غير ماء وغير حصن .

فقرأ الحرّ الكتاب على الحسين فقال له : (( دعنا ننزل نينوى أو الغاضريات أو شفية )) . فقال الحرّ : لا أستطيع فإنّ الرجل عين عليّ(4) .

قال زهير بن القين : يابن رسول الله إنّ قتال هؤلاء أهون علينا من قتال مَن يأتينا من بعدهم ، فلَعمري ليأتينا ما لا قِبَل لنا به ، فقال الحسين : (( ما كنتُ أبدأهم بقتال )) . ثمّ قال زهير : ههنا قرية بالقرب منّا على شطّ الفرات وهي في عاقول حصينة ، والفرات يحدق بها إلاّ من وجه واحد قال الحسين : (( ما اسمها ؟ )) فقال :

____________________________
(1) الطبري 6 / 231 .
وفي مقتل العوالم / 48 : إنّ الحسين نام القيلولة بالعذيب فرأى في منامه قائلاً يقول : تسرعون السير والمنايا تسرع بكم إلى الجنة .
وفي مقتل الخوارزمي 1 / 226 : نزل الحسين الثعلبية ، ونام وقت الظهيرة ، فانتبه باكياً فسأله ابنه علي الأكبر عن بكائه فقال : (( يا بني إنّها ساعة لا تكذب فيها الرؤيا ، وإنّي خفقت برأسي ... )) .
(2) في مجلّة المقتبس ج10 من المجلد 7 سنة 1330ﻫـ : كانت من قرى الطف الزاهرة بالعلوم ، وصادف عمرانها زمن الإمام الصادق (ع) ، وفي أوائل القرن الثالث لَم يبق لها خبر .
(3) في مقاييس اللغة لابن فارس 1 / 416 : كتب ابن زياد إلى ابن سعد : أن جَعجِع بالحسين (ع) . أراد به الجئه إلى مكان خشن . وقال بعضهم : الجعجعة في هذا الموضع الازعاج . وذكر الأزهري في تهذيب اللغة 1 / 68 : مادة ( جع ) هذا الكتاب وقال : معناه ضيّق عليه . وقال الأصمعي : الجعجعة : الحبس . وأراد ابن زياد بقوله : جَعجِع به أي : احبسه . ومنه قول أوس بن حجر ( إذا جعجعوا بين الاناخة الحبس ) ، وفي هامش ديوانه صدر البيت ( كأنّ جلود النمر جيبت عليهم ) .
(4) ارشاد المفيد .

الصفحة (192)

تسمى ( العقر )(1) فقال (ع) : (( نعوذ بالله من العقر )).

والتفت الحسين إلى الحرّ وقال : سِر بنا قليلاً فساروا جميعاً حتّى إذا وصلوا أرض كربلاء وقف الحرّ وأصحابه أمام الحسين (ع) ومنعوه عن المسير وقالوا : إنّ هذا المكان قريب من الفرات .

ويقال : بيناهم يسيرون إذ وقف جواد الحسين ولم يتحرّك ، كما أوقف الله ناقة النّبي (ص) عند الحديبيّة(2) فعندها سأل الحسين عن الأرض . قال له زهير : سِر راشداً ولا تسأل عن شيء حتّى يأذن الله بالفرَج ، إنّ هذه الأرض تسمّى الطف . فقال (عليه السّلام) : (( فهل لها اسم غيره ؟ )) قال : تُعرف كربلاء . فدمعت عيناه(3) وقال : (( اللهمّ ، أعوذ بك من الكرب والبلاء(4) ، ههنا محطّ ركابنا وسفك دمائنا ومحلّ قبورنا ، بهذا حدّثني جدّي رسول الله ))(5) .

تالله  لا أنـسى وإن نسي الورى      بـالطفَّ  وقـفة مهره iiالمتسرِّع
أجَـواده هـل قـيدتك يد الردى        حتّى وقـفت بـه وقوف iiتمنّع
قد كنت أسرع من وميض سحابة      نـزل البلا اسرعت ام لم iiتسرع
هـلا تنكَّبت الطريق وَحِدتَ عن      ذاك المضيق إلى الفضاء iiالأوسع

____________________________

(1) الغاضرية : قرية منسوبة إلى غاضرة من بني أسد . وقيل : تقع في شمالي قبر عون .
وفي مناهل الضرب للسيّد جعفر الأعرجي الكاظمي مخطوط في مكتبة الحجّة الشيخ آغا بزرگ الطهراني : هو عون بن عبد الله بن جعفر بن مرعي بن علي بن الحسن البنفسج بن ادريس بن داود بن أحمد المسود بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله بن المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن أمير المؤمنين (ع) ، سكن الحائر المقدس وله ضيعة على فرسخ من كربلاء ، أدركه الموت بها فدفن فيها ، وعليه قبة ويقصد بالزيارة والنذور .
واشتبه على النّاس أنّه عون بن علي بن أبي طالب ، أو عون بن عبد الله بن جعفر الطيّار ، فإنّ الأخير دفن في حومة الشهداء بالحائر .
وهناك آثار قلعة تعرف بقلعة بني أسد . وأمّا شفية : فهي بئر لبني أسد . والعقر : كانت به منازل بخت نصر . ويوم العقر : قتل به يزيد بن المهلّب سنة 102ﻫـ ، وهذه قرى متقاربة .
وقال البكري في المعجم ممّا استعجم 3 / 95 : كانوا يقولون ضحى بنو حرب بالدين يوم كربلاء وضحى بنو مروان بالمروءة يوم العقر ، يعنون قتل الحسين بكربلاء وقتل يزيد بن المهلب بالعقر .
وفي تاريخ الموصل لابن إياس المتوفّى سنة 334 ص16 قال كثير بن عبد الرحمن الخزاعي : فتك والله بالكرم يوم فتك بآل المهلّب . وفي ص16 : أنّ الفرزدق رثى يزيد ابن المهلّب بأبيات منها :

ولا حملت اُنثى ولا وضعت      بعد الاغر اصيب بالعقر

(2) منتخب الطريحي / 308 ، المطبعة الحيدرية ، سنة 1369 .
(3) تحفة الأزهار لابن شدقم ـ مخطوط ـ ، وفي سير أعلام النبلاء للذهبي 3 / 209 : سأل الحسين عن الأرض ، فقيل : كربلاء . قال :
(( كرب وبلاء )) .
(4) البحار 10 / 188 .
(5) اللهوف .


الصفحة (193)

كـيف اقتحمت به المهالك لا أبا      لـك كـيف ذلك كيف لم iiتتمنَّع
أعـظم  بها من وقفة قامت iiبعر      صـتها  قيامة أهل ذاك iiالمجمع
اعظم بها من وقفة قد ضعضعت      أركـان عرش الله أيَّ تضعضع
هـي  وقـفة لـيزيدَ منها iiوقفة      يـوما يـقال لأحمدَ : قم iiواشفع
هـي  وقـفة قـد أعقبتها iiوقعة      قـد  جـرَّعتنا غصَّة لم iiتجرع
هـي وقـفة قـعدت بآل iiمحمد      احـزانها حتّى يقوم iiالمدَّعي
(1)

كربلاء

وكان نزوله في كربلاء في الثاني من المحرّم سنة إحدى وستّين(2) ، فجمع (ع) ولده وإخوته وأهل بيته ونظر إليهم وبكى وقال : (( اللهمّ ، إنّا عترة نبيّك محمّد قد اُخرِجنا وطُرِدنا واُزعِجنا عن حرم جدّنا ، وتعدّت بنو اُميّة علينا ، اللهمّ فخذ لنا بحقّنا وانصرنا على القوم الظالمين )) . وأقبل على أصحابه فقال : (( النّاس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم ، يحوطونه ما درت معائشهم ، فإذا مُحِّصوا بالبلاء ، قلّ الديانون ))(3) .

____________________________
(1) من قصيدة تبلغ 93 بيتاً للشيخ محمّد بن شريف بن فلاح الكاظمي صاحب القصيدة الكرارية في مدح أمير المؤمنين وقد قرضها ثمانية عشر شاعراً من ادباء عصره والقصيدتان في مكتبة الحجة المحقق الأميني صاحب الغدير .
(2) نصّ عليه الطبري في التاريخ 6 / 233 ، وابن الأثير في الكامل 4 / 20 ، والمفيد في الارشاد .
(3) البحار ج 10 ص 198 ، والمقتل للخوارزمي ج 1 ص 237 لا تذهب على القارئ النكتة في سؤال الحسين (عليه السلام) عن اسم الأرض وكل قضايا سيد الشهداء غامضة الاسرار والإمام عندنا معاشر الامامية عالم بما يجري في الكون من حوادث وملاحم عارف بما اودع الله تعالى في الكائنات من المزايا اقداراً له من مبدع السماوات والأرضين تعالى شأنه وقد ذكرنا في المقدمة ما يشهد له وكان السر في سؤاله (عليه السلام) عن اسم الأرض التي منعوا من اجتيازها أو ان الله تعالى أوقف الجواد كما أوقف ناقة النبي (صلّى الله عليه وآله) عند (الحديبية) أن يعترف أصحابه بتلك الأرض التي هي محل التضحية الموعودين بها باخبار النبي أو الوصي صلّى الله عليهما لتطمئن القلوب وتمتاز الرجال ، وتثبت العزائم ، وتصدق المفاداة فتزداد بصيرتهم في الأمر والتأهب للغاية المتوخاة لهم حتى لا يبقى لأحد مجال للتشكيك في موضع كربلا التي هي محل تربته ! ولا جزاف في هذا النحو من الأسئلة بعد أن صدر مثله من النبي (صلّى الله عليه وآله) فقد سأل عن اسم الرجلين اللذين قاما لحلب الناقة وعن اسم الجبلين اللذين في طريقه الى (بدر) الم يكن النبي (صلّى الله عليه وآله) عالماً بذلك ؟ بلى ، كان عالماً ولكن المصالح الخفية علينا دعته إلى السؤال وقد أشرنا اليها في كتاب (الشهيد مسلم) ص 90 في عنوان (مسلم لا يتطير) ، وهذا باب من الاسئلة يعرف عند علماء البلاغة (بتجاهل العارف) وإذا كان فاطر الأشياء الذي لا يغادر علمه صغيراً ولا كبيراً يقول لموسى (عليه السلام) : (وما تلك بيمينك يا موسى) ويقول لعيسى (عليه السلام) : (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين) لضرب من المصلحة وقال سبحانه للخليل (عليه السلام) أو لم تؤمن ؟ مع انه عالم بايمانه فالامام المنصوب من قبله أميناً على شرعه لا تخفى عليه المصالح .
كما ان سيد الشهداء (عليه السلام) لم يكن في تعوذه من الكرب والبلاء عندما سمع باسم كربلاء متطيراً ، فان المتطير لا يعلم ما يرد عليه وإنما يستكشف ذلك من الاشياء المعروفة عند العرب انها سبب للشر ، والحسين (عليه السلام) على يقين مما ينزل به في أرض الطف من قضاء الله ، فهو عالم بالكرب الذي يحل به وباهل بيته وصحبه كما انبأ عنه غير مرة .

الصفحة (194)

ثمّ حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد وآله وقال : (( أمّا بعد ، فقد نزل من الأمر ما قد ترون ، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت ، وأدبر معروفها ، ولَم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمَل به وإلى الباطل لا يُتَناهى عنه ؟! ليرغب المؤمن في لقاء الله . فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما ))(1) .

فقام زهير وقال : سمعنا يابن رسول الله مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النّهوض معك على الإقامة فيها .

وقال بريد : يابن رسول الله ، لقد منّ الله بك علينا ؛ أنْ نقاتل بين يدَيك ، تُقَطَّع فيك أعضاؤنا ، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة(2) .

وقال نافع بن هلال : أنت تعلم أنّ جدّك رسول الله لَم يقدر أنْ يشرب النّاس محبّته ، ولا أنْ يرجعوا إلى أمره ما أحبّ ، وقد كان منهم منافقون يعِدونه بالنصر ويضمرون له الغدر ، يلقونه بأحلى من العسل ويخلّفونه بأمَرّ من الحنظل حتّى قبضه الله إليه ، وإنّ أباك علياً كان في مثل ذلك فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتّى أتاه أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه ، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة ، فمَن نكث عهده وخلع بيعته فلَن يضرّ إلاّ نفسه والله مغن عنه ، فسِر بنا راشداً معافى مشرِّقاً إنْ شئت أو

____________________________
(1) هذا في اللهوف ، وعند الطبري ج6 ص229 : انه خطب به بذي حسم ، وفي العقد الفريد ج2 ص312 وحلية الأولياء ج3 ص39 وابن عساكر ج4 ص333 مثل اللهوف ، وفي مجمع الزوائد ج1 ص192 وذخائر العقبى ص149 والعقد الفريد ج2 ص312 : يظهر منه انه خطب ذلك يوم عاشوراء وفي سير أعلام النبلاء للذهبي ج3 ص209 : لما نزل عمر بن سعد بالحسين خطب أصحابه .
(2) اللهوف ص44 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث