الصفحة (207)
سليمان الضبعي : (( إنّهم لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي
)) .
وآخر قوله يوم الطف : (( ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة والذلّة
وهيهات منّا الذلّة ، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت واُنوف حميّة
ونفوس أبيّة من أنْ تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام )) .
وإنّ حديث عقبة بن سمعان يفسّر الحال التي كان عليها أبو عبد الله (عليه السّلام) ، قال
: صحبت الحسين من المدينة إلى مكّة ومنها إلى مكّة ومنها إلى العراق ولَم اُفارقه
حتّى قُتل ، وقد سمعت جميع كلامه فما سمعتُ منه ما يتذاكر فيه النّاس من أنْ يضع يده في يد
يزيد ولا أنْ يسيره إلى ثغر من الثغور لا في المدينة ولا في مكّة ولا في الطريق ولا
في العراق ولا في عسكره إلى حين قتله ، نعم سمعته يقول : (( دعوني
أذهب إلى هذه الأرض
العريضة ))(1) .
طغيان الشمر
ولمّا قرأ ابن زياد كتاب ابن سعد قال : هذا كتاب ناصح مشفق على قومه . وأراد أن يجيبه
، فقام الشمر(2) ، وقال : أتقبل هذا منه بعد
أنْ نزل بأرضك ؟ والله ،
____________________________
(1) الطبري 6 / 235 .
(2) في البداية لابن كثير ج 8 ص 188 كان
الحسين يحدث أصحابه في كربلا بما قاله جده (صلّى الله عليه وآله) : كأني انظر إلى
كلب ابقع يلغ في دماء أهل بيتي ولما رأى الشمر ابرص قال هو الذي يتولى قتلي ! وفي
الاعلاق النفيسة لابن رسته ص 222 كان الشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين ابرص . وفي
ميزان الاعتدال للذهبي ج 1 ص 449 كان شمر بن ذي الجوشن احد قتلة الحسين (عليه
السلام) فليس للرواية بأصل ولما قيل له كيف اعنت على ابن فاطمة قال : ان امراءنا
امرونا فلو خالفناهم كنا أشد من الحمر الشقاء قال الذهبي وهذا عذر قبيح فانما
الطاعة في المعروف . وفي كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 303 وما بعدها . طبع مصر : كان
شمر بن ذي الجوشن مع أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين ، وخرج من أصحاب معاوية
(أدهم بن محرز) يطلب المبارزة فخرج اليه شمر بن ذي الجوشن واختلفا بضربتين ، ضربه
أدهم على جبينه فاسرع السيف حتى خالط العظم وضربه شمر فلم يصنع فيه شيئاً ، فرجع
الشمر الى عسكره يشرب الماء واخذ رمحاً وقال :
(إني زعيم لاخي
بأهلة بطعنة ان لم امت عاجلة
وضربة تحت الوغى
فاصلة شبيهة بالقتل أو قاتله)
فحمل على
أدهم وهو ثابت فطعنه فوقع عن فرسه وحمله أصحابه فانصرف شمر ...
وفي نفح
الطيب للمقريزي ج 2 ص 143 مطبعة 1 عيسى البابي مطبوعات دار المأمون ان الصميل بن
حاتم بن الشمر بن ذي الجوشن كان رأس المضرية متحاملاً على اليمانية (وهذه العبارة
واردة في طبعة بيروت ج 1 ص 222 = تحقيق محمد محيي الدين) .
وفي حاشية
الكتاب ، كان حاتم بن الشمر مع أبيه في الكوفة ولما قتل المختار شمر بن ذي الجوشن
هرب ابنه الى قنسرين . وفي ص 145 ذكر ان الصميل كان والياً على سر قسطة ثم فارقها
وتولى على طليطلة . وفي كتاب الحلة السيراء لابن الأبار ج 1 ص 67 لما ظهر المختار
بالكوفة فر الشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي الى الشام بأهله وولده ، فاقام
بها في عز ومنعة ، وقيل قتله المختار وفر ولده إلى ان خرج كلثوم بن عياض القشيري
غازياً الى المغرب ، فكان الصميل ممن ضرب عليه البعث في اشراف أهل الشام ودخل
الأندلس في طاعة بلج بن بشر وهو الذي قام بأمر المضرية في الاندلس عندما أظهر أبو
الخطار الحسام بن ضرار الكلبي العصبية لليمانية ومات الصميل في سجن عبد الرحمن بن
معاوية سنة 142 وكان شاعراً . وفي تاريخ علماء الاندلس لابن الفوطي ج 1 ص 234 باب
الشين ، شمر بن ذي الجوشن الكلاعي من أهل الكوفة هو الذي قدم برأس الحسين (عليه
السلام) على يزيد بن معاوية ولما ظهر المختار هرب بعياله منه ثم خرج كلثوم بن عياض
غازياً المغرب ودخل الى الاندلس في طالعة بلج ، وهو جد الصميل بن حاتم بن شمر
القيسي صاحب الفهرى ا هـ والاصح ما ذكره الدينوري في الأخبار الطوال 296 ان شمر بن
ذي الجوشن قتله أصحاب المختار بالمذار وبعث برأسه الى محمد ابن الحنفية وفي الاعلاق
النفيسة لابن رسته ص 222 كان الشمر بن ذي الجوشن ابرص وفي تاريخ الطبري ج 7 ص 122
وكامل ابن الاثير ج 4 ص 92 حوادث سنة 65 كان الشمر ابرص يرى بياض برصه على كشحه .
الصفحة (208)
لئن رحل من بلادك ولَم يضع يده في يدك ليكونّن أولى بالقوّة وتكون أولى بالضعف والوهن
، فاستصوب رأيه وكتب إلى ابن سعد : أمّا بعد ، إنّي لَم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ولا
لتطاوله ولا لتمنيه السّلامة ولا لتكون له عندي شفيعاً ، اُنظر فإنْ نزل حسين وأصحابه
على حكمي ، فابعث بهم إليَّ سِلماً . وإنْ أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم
؛ فإنّهم لذلك
مستحقّون ، فإنْ قُتل حسين فاوطىء الخيل صدره وظهره ، ولستُ أرى أنّه يُضرّ بعد الموت
، ولكن
على قول قلته : لَو قتلتُه لفعلتُ هذا به . فإنْ أنت مضيتَ لأمرنا فيه جزيناك جزاء السّامع
المطيع ، وإنْ أبيتَ فاعتزل عملنا وجندنا وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنّا قد
أمرناه بذلك(1) .
فلمّا جاء الشمر بالكتاب ، قال له ابن سعد : ويلك لا قرب الله دارك ، وقبّح الله ما جئت به
، وإنّي لأظنّ أنّك الذي نهيته وافسدت علينا أمراً رجونا أنْ يصلح ، والله لا يستسلم حسين
فانّ نفس أبيه بين جنبَيه .
فقال الشمر : أخبرني ما أنت صانع ، أتمضي لأمر أميرك ؟ وإلاّ فخلّ بيني وبين العسكر
.
قال له عمر : أنا أتولّي ذلك ، ولا كرامة لك ، ولكن كن أنت على الرجّالة(2) .
____________________________
(1) ابن الأثير 4 / 23 .
(2) الطبري 6 / 236 .
الصفحة (209)
الأمان
وصاح الشمر بأعلى صوته : أين بنو اُختنا(1) ؟
أين العبّاس وإخوته ؟ ، فأعرضوا عنه ، فقال
الحسين : (( أجيبوه ولَو كان فاسقاً )) ، قالوا : ما شأنك وما تريد ؟ قال : يا بني اُختي
أنتم
آمنون ، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين ، والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد . فقال العبّاس :
لعنك الله ولعن أمانك ، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له(2)
، وتأمرنا أنْ ندخل في
طاعة اللعناء وأولاد اللعناء(3) .
أيظنّ هذا الجلف الجافي أن يستهوي رجل الغيرة والحميّة إلى الخسف والهوان ، فيستبدل أبو
الفضل الظلمة بالنور ، ويدع عَلَم النبوّة وينضوي إلى راية ابن ميسون ؟! كلاّ .
ولمّا رجع العبّاس ، قام إليه زهير بن القين وقال : اُحدّثك بحديث وعيته ؟ قال : بلى
،
فقال : لمّا أراد أبوك أن يتزوّج ، طلب من أخيه عقيل ـ وكان عارفاً بأنساب العرب ـ أنْ يختار
له امرأةً ولدتها الفحولة من العرب ؛ ليتزوّجها فتلد غلاماً شجاعاً ينصر الحسين بكربلاء
،
وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم ، فلا تقصّر عن نصرة أخيك وحماية أخواتك .
فقال العبّاس : أتشجّعني يا زهير في مثل هذا اليوم ؟! والله لأرينّك شيئاً ما رأيتَه(4)
، فجدّل أبطالاً ونكس رايات في حالة لَم يكن من همّه القتال ولا مجالدة الأبطال ، بل همّه
إيصال الماء إلى عيال أخيه .
____________________________
(1) في جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 261 و 265 قال : أولاد كلاب بن ربيعة بن عامر
بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر
، أحد عشر ولداً منهم ؛ كعب ، والضباب . فمن ولد كعب بنو الوحيد الذين منهم اُمّ البنين بنت
حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد كانت تحت علي بن أبي طالب فولدت له محمداً الأصغر
وعثمان وجعفر والعبّاس ، وفي صفحة270 ذكر بني الضباب فقال : منهم الشمر بن ذي الجوشن قاتل
الحسين واسم ذي الجوشن جميل بن الأعور عمرو بن معاوية وهو الضاب . ومن ولده الصميل
بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن ساد بالاندس وله بها عقب ونزالتهم بالخشيل من شوذر من
عمل جيّان .
وفي العقد الفريد 2 / 83 عند ذكر مذحج قال : الضباب في بني الحارث بن
كعب مفتوحة الضاد وفي بني عامر بن صعصعة مسكورة وحيث أنّ الشمر من بني عامر بن صعصعة
يكون الضباب بكسر الضاد .
(2) تذكرة الخواص / 142 : حكاه عن جده أبي الفرج في المنتظم وإعلام الورى
/ 28 .
(3) ابن نما / 28 .
(4) أسرار الشهادة / 387 .
الصفحة (210)
يـمثل الـكرّار فـي iiكـرّاته بل في المعاني الغرّ من صفاته
لـيس يـد الله سـوى أبـيه وقــدرة الله تـجـلَّت iiفـيه
فـهو يـد الله وهـذا سـاعده تـغنيك عـن إثـباته iiمشاهده
صـولته عـند النزال iiصولته لولا الغلوُّ قلت جلت iiقدرته(1)
بنو أسد
واستأذن حبيب بن مظاهر من الحسين أنْ يأتي بني أسد وكانوا نزولاً بالقرب منهم فأذِن له
، ولمّا أتاهم وانتسب لهم عرفوه ، فطلب منهم نصرة ابن بنت رسول الله فإنّ معه شرف
الدنيا والآخرة ، فأجابه تسعون رجلاً ، وخرج من الحي رجل أخبر ابن سعد بما صاروا
إليه ، فضمّ إلى الأزرق أربعمئة رجل وعارضوا النّفر في الطريق واقتتلوا ، فقُتل جماعة
من بني أسد وفرّ مَن سلِم منهم إلى الحي فارتحلوا جميعاً في جَوف الليل خوفاً من ابن
سعد أنْ يبغتهم ، ورجع حبيب إلى الحسين وأخبره ، فقال : (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله
العظيم ))(2) .
اليوم التاسع
ونهض ابن سعد عشيّة الخميس لتسع خلون من المحرّم ، ونادى في عسكره بالزحف نحو الحسين ،
وكان (عليه السّلام) جالساً أمام بيته محتبياً بسيفه ، وخفق برأسه فرأى رسول الله يقول :
انّك صائر إلينا عن قريب . وسمعت زينب أصوات الرجال وقالت لأخيها : قد اقترب العدوّ
منّا.
فقال لأخيه العبّاس : (( اركب بنفسي أنت(3)
حتّى تلقاهم ، واسألهم عمّا
____________________________
(1) للحجّة آية الله الشيخ محمّد حسين الاصفهاني قدس سره .
(2) البحار عن مقتل محمّد بن أبي طالب الحائري ، ومقتل الخوارزمي 1 / 243 .
(3) الطبري 6 / 137 ، وروضة الواعظين / 157 ، والارشاد للمفيد
، والبداية لابن كثير 8
/ 176 .
غير خاف ما في هذه الكلمة الذهبية من مغزى دقيق ، ترى الفكر يسف عن مداه وأنّى له أن
يحلق إلى ذروة الحقيقة من ذات طاهرة تُفتدى بنفس الإمام علّة الكائنات والفيض الأقدس
للممكنات .
نعم ، عرفها البصير الناقد بعد أنْ جربها بمحك النزاهة فوجدها مشبوبة بجنسها ثمّ أطلق
عليها تلك الكلمة الغالية ، ولا يعرف الفضل إلاّ أهله .
ولا يذهب بك الوهم أيّها القارئ إلى القول بعدم الأهميّة في هذه الكلمة بعد قول
الإمام (ع) في زيارة الشهداء من زيارة وارث : (( بأبي أنتم واُمّي
، طبتم وطابت الأرض
التي فيها دفنتم )) ؛ لأنّ الإمام (ع) في هذه الزيارة لَم يكن هو المخاطب لهم وانّما هو
(عليه السّلام) في مقام تعليم صفوان الجمّال عند زيارتهم أنْ يخاطبهم بذلك ، فإنّ الرواية
تنصّ كما في مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي أنّ صفوان استأذن الصادق في زيارة الحسين وأنْ
يعرّفه ما يقوله ويعمل عليه فقال له : (( يا صفوان ، صم قبل خروجك ثلاثة أيّام
ـ إلى أنْ قال
ـ : ثمّ إذا أتيت الحائر فقُل : الله أكبر ـ ثمّ ساق الزيارة
إلى أنْ قال ـ : ثمّ اخرج من
الباب الذي يلي رجلَي علي بن الحسين وتوجّه إلى الشهداء وقُل : السّلام عليكم يا أولياء
الله ... )) إلى آخرها .
فالإمام الصادق (ع) في مقام تعليم صفوان أنْ يقول في السّلام على الشهداء ذلك ، وليس في
الرواية ما يدلّ على أنّه (عليه السّلام) كيف يقول لو أراد السّلام على الشهداء .
الصفحة (211)
جاءهم وما الذي يريدون ؟ )) ، فركب العبّاس في عشرين فارساً فيهم زهير وحبيب
، وسألهم عن ذلك
قالوا : جاء أمر الأمير أنْ نعرض عليكم النّزول على حكمه ، أو ننازلكم الحرب .
فانصرف العبّاس (ع) يُخبر الحسين بذلك ، ووقف أصحابه يعظون القوم . فقال لهم حبيب بن
مظاهر : أما والله لبئس القوم عند الله غداً ، قوم يقدمون عليه وقد قتلوا ذريّة نبيّه
وعترته وأهل بيته وعبّاد أهل هذا المصر المتهجدين بالأسحار الذاكرين الله كثيراً
. فقال له عزرة بن قيس : إنّك لتزكّي نفسك ما استطعت .
فقال زهير : يا عزرة ، إنّ الله قد زكّاها وهداها فاتّق الله يا عزرة ، فإنّي لك من
النّاصحين ، اُنشدك الله يا عزرة أنْ لا تكون ممَّن يعين أهل الضلالة على قتل النّفوس
الزكيّة .
ثمّ قال عزرة : يا زهير ما كنتَ عندنا من شيعة أهل هذا البيت ، إنّما كنتَ على غير رأيهم
. قال زهير : أفلستَ تستدلّ بموقفي هذا أنّي منهم ، أما والله ما كتبتُ إليه كتاباً قطّ
، ولا
أرسلت إليه رسولاً ، ولا وعدته نصرتي ولكنّ الطريق جمع بيني وبينه ، فلمّا رأيته ذكرتُ به
رسول الله ومكانه منه ، وعرفتُ ما يقدم عليه عدوّه ، فرأيت أنْ أنصره وأن أكون من حزبه
وأجعل نفسي دون نفسه ؛ لما ضيّعتم من حقّ رسوله .
وأعلم العبّاس أخاه أباعبد الله بما عليه القوم فقال (ع) : (( ارجع
إليهم ، واستمهلهم هذه
العشيّة إلى غد ، لعلّنا نصلّي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره ، فهو
الصفحة (212)
يعلم أنّي اُحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار
)) .
فرجع العبّاس واستمهلهم العشيّة . فتوقّف ابن سعد وسأل من النّاس فقال عمرو بن الحَجّاج :
سبحان الله ! لو كانوا من الديلم وسألوك هذا لكان ينبغي لك أنْ تجيبهم إليه . وقال قيس
بن الأشعث : أجبهم إلى ما سألوك ، فلَعمري ليستقبلك بالقتال غدوة . فقال ابن سعد : والله
لو أعلم أنّه يفعل ما أخّرتهم العشية . ثمّ بعث إلى الحسين : إنّا أجّلناكم إلى غد
، فإنْ
استسلمتم سرحنا بكم إلى الأمير ابن زياد ، وإنْ أبيتم فلسنا تاركيكم(1) .
ضـلّـت اُمـيّـة iiمـاتر يـد غـداة مقترع iiالنصول
رامـت تـسوق iiالمصعب الـهـدار مـستاق الـذليل
ويــروح طـوع iiيـمينها قـود الـجنيب أبو iiالشبول
رامـت لـعمرو ابْن iiالنبي الـطُّهر مـمتنع iiالحصول
وتـيمَّمت قـصد iiالـمحال فـما رعـت غير المحول
ورنـت على السغب iiالسرا ب بـأعين في المجد iiحول
وغـوى بـها جـهل iiبـها والبغي من خلق الجهول(2)
الضمائر الحرّة
وجمع الحسين أصحابه قرب المساء قبل مقتله بليلة(3) فقال :
(( اُثني على الله أحسن
الثناء وأحمده على السرّاء والضرّاء ، اللهمّ إنّي أحمدك على أنْ أكرمتنا بالنبوّة
، وعلّمتنا
القرآن وفقّهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً ، ولَم تجعلنا من المشركين
. أمّا بعد ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا
أوصل
من أهل بيتي ، فجزاكم الله عنّي جميعاً(4) .
____________________________
(1) الطبري 6 / 337 .
(2) للكعبي رحمه الله .
(3) اثبات الرجعة للفضل بن شاذان ، هكذا عرفه وهو بالغيبة أنسب فانّه لو يوجد فيه من
أخبار الرجعة إلا حديث واحد .
(4) الطبري 6 / 238 ـ 239 ، وكامل ابن الأثير 4 / 34 .
الصفحة (213)
وقد أخبرني جدّي رسول الله (ص) بأنّي ساُساق إلى العراق فأنزلُ
أرضاً يقال لها عمورا
وكربلاء ، وفيها اُستشهد . وقد قرب الموعد . ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً
. وإنّي قد أذِنت لكم فأنطلقوا جميعاً في حلّ
ليس عليكم منّي ذمام . وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل
من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً خيراً ! وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم ، فإنّ القوم
إنّما يطلبونني ، ولَو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري ))(1) .
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو
أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر : لِمَ نفعل ذلك ؟ لنبقى
بعدك ؟! لا أرانا الله ذلك أبداً . بدأهم بهذا القول العبّاس بن علي وتابعه الهاشميّون
.
والتفت الحسين إلى بني عقيل وقال : (( حسبكم من القتل بمسلم
، اذهبوا قد أذِنت لكم )) . فقالوا : إذاً ما يقول النّاس ، وما نقول لهم ؟
أنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا
خير الأعمام ؟! ولَمْ نرمِ معهم بسهم ولَمْ نطعن برمح ولَمْ نضرب بسيف ، ولا ندري ما صنعوا
؟! لا
والله لا نفعل ، ولكن نفيدك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، نقاتل معك حتّى نرد موردك ، فقبّح
الله العيش بعدك(2) .
نـفوس أبـت إلاّ تراب iiأبيهم فـهم بـين موتور لذاك iiوواتر
لقد ألفت أرواحهم حومة الوغى كما أنست أقدامهم iiبالمنابر(3)
وقال مسلم بن عوسجة : أنحن نخلّي عنك ؟ وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقّك ؟ أما
والله ، لا اُفارقك حتّى أطعن في صدورهم برمحي وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولو لَمْ
يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتّى أموت معك .
وقال سعيد بن عبدالله الحنفي : والله لا نخلّيك حتّى يعلم الله أنّا قد
____________________________
(1) إثبات الرجعة .
(2) تاريخ الطبري 6 / 238 ، والكامل 4 / 24 ، والإرشاد للمفيد
، وإعلام الورى / 141 ، وسِير
أعلام النبلاء للذهبي 3 / 202 .
(3) مثير الأحزان لابن نما / 17 .
الصفحة (214)
حفظنا غيبة رسوله فيك ، أما و الله لو علمتُ أنّي اُقتل ثمّ اُحيا ثمّ اُحرق حيّاً ثمّ اُذرّى ،
يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ، لَما فارقتك حتّى ألقى حمامي دونك ، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي
قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً ؟!
وقال زهير بن القين : و الله وددتُ أنّي قُتلتُ ثمّ قُتلت حتّى اُقتل كذا ألف مرّة ، و
إنّ
الله عزّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك .
وتكلّم باقي الأصحاب بما يشبه بعضه بعضاً فجزّاهم الحسين خيراً(1) .
وفي هذا الحال قيل لمحمد بن بشير الحضرمي قد اُسِر ابنك بثغر الري فقال : ما اُحبّ
أنْ
يؤسر و أنا أبقى بعده حيّاً فقال له الحسين : (( أنت في حلّ من بيعتي
، فاعمل في فكاك ولدك
)) ، قال : لا والله لا أفعل ذلك ، أكلتني السّباع حيّاً إنْ فارقتك . فقال
(عليه السّلام) : (( إذاً
اعط ابنك هذه الأثواب الخمسة ليعمل في فكاك أخيه )) ـ وكان قيمتها ألف دينارـ (2) .
وتـناديت لـلذبّ عنه iiعصبة ورثـوا الـمعالي اشيباً وشبابا
مـن يـنتدبهم للكريهة iiينتدب مـنهم ضراغمة الاسود iiغضابا
خفّوا لداعي الحرب حين دعاهم ورسوا بعرصة كربلاء iiهضابا
اسـد قد اتخذوا الصوارم حلية وتـسربلوا حـلق الدروع iiثيابا
تـخذت عيونهم القساطل iiكحلها واكـفُّهم فـيض النجيع iiخضابا
يـتمايلون كـأنّما غـنى iiلـهم وقـع الـظّبي وسـقاهم iiاكوابا
برقت سيوفهم فأمطرت iiالطّلي بـدمائها والـنقع ثـار iiسحابا
وكـأنّهم مـستقبلون iiكـواعباً مـسـتقبلين أسـنّـة iiوكـعابا
وجدوا الردى من دون آل محمّد عـذباً وبعدهم الحياة iiعذابا(3)
ولمّا عرف الحسين منهم صدق النيّة والإخلاص في المفاداة دونه ، أوقفهم على غامض القضاء
فقال : (( إنّي غداً اُقتل وكلّكم تقتلون معي ولا يبقى منكم
أحد (4)
____________________________
(1) إرشاد المفيد وتاريخ الطبري ج6 ص239 .
(2) اللهوف ص53 .
(3) للعلامة السيد رضا الهندي رحمه الله .
(4) نفس المهموم ص122 .
الصفحة (215)
حتّى القاسم وعبد الله الرضيع ، إلاّ ولدي علياً زين العابدين
؛ لأنّ الله لَمْ يقطع نسلي منه
وهو أبو أئمّة ثمانية ))(1) .
فقالوا بأجمعهم الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك وشرّفنا بالقتل معك ، أولا نرضى
أنْ نكون
معك في درجتك يابن رسول الله ؟ ، فدعا لهم بالخير(2)
، وكشف عن أبصارهم فرأوا ما حباهم الله من نعيم الجنان وعرّفهم منازلهم فيها(3)
، وليس ذلك في القدرة الإلهيّة
بعزيز ، ولا في تصرّفات الإمام بغريب ، فإنّ سحرة فرعون لمّا آمنوا بموسى (ع) وأراد
فرعون قتلهم أراهم النّبي موسى منازلهم في الجنّة(4) .
وفي حديث أبي جعفر الباقر (عليه السّلام) قال لأصحابه :
(( أبشروا بالجنّة ، فوالله إنّا نمكث
ماشاء الله بعد ما يجري علينا ثمّ يخرجنا الله وإيّاكم حتّى يظهر قائمنا فينتقم من
الظالمين ، وأنا وأنتم نشاهدهم في السّلاسل والأغلال وأنواع العذاب )) فقيل له : من
قائمكم يابن رسول الله ؟ قال : (( السّابع من ولد ابني محمّد بن علي الباقر وهو الحُجّة ابن
الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي ، ابني وهو الذي يغيب
مدّة طويلة ثمّ يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً ))(5) .
ليلة عاشوراء
كانت ليلة عاشوراء أشدّ ليلة مرّت على أهل بيت الرسالة ، حُفّت بالمكاره والمحن
وأعقبت الشرّ وآذنت بالخطر وقد قطعت عنهم الحالة القاسية من بني اُميّة وأتباعهم
كلّ الوسائل الحيويّة وهناك ولولة النساء وصارخ الاطفال من العطش المبرح والهم
المدلهم .
إذاً فما حال رجال المجد من الأصحاب وسروات الشرف من بني هاشم
____________________________
(1) أسرار الشهادة .
(2) نفس المهموم / 122 .
(3) الخرايج للراوندي .
(4) أخبار الزمان للمسعودي / 247 .
(5) إثبات الرجعة .
الصفحة (216)
بين هذه الكوارث ، فهل أبقت لهم مهجة ينهضون بها أو
أنفساً تعالج الحياة والحرب في
غد ؟!
نعم كانت ضراغمة آل عبد المطّلب والصفوة من الأصحاب عندئذ في أبهج حالة وأثبت جأش
، فرحين بما يلاقونه من نعيم وحبور ، وكلّما اشتدّ المأزق الحرج أعقب فيهم انشراحاً بين
ابتسامة ومداعبة إلى فرح ونشاط .
ومذ أخذت في نينوى منهم النوى ولاح بـها لـلغدر بعض iiالعلائم
غـدا ضـاحكا هذا وذا iiمتبسّماً سـروراً وما ثغر المنون iiبباسم
هازل برير عبد الرحمن الأنصاري ، فقال له عبد الرحمن : ما هذه ساعة باطل ؟ فقال برير
: لقد علم قومي ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً ، ولكنّي مستبشر بما نحن لا قون ، والله
ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أنْ يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ، ولوددتُ أنّهم مالوا
علينا السّاعة(1) .
وخرج حبيب بن مظاهر يضحك ، فقال له يزيد بن الحصين الهمداني : ما هذه ساعة ضحك
.
قال حبيب : وأي موضع أحقّ بالسرور من هذا ؟ ما هو إلاّ أنْ يميل علينا هؤلاء بأسيافهم
فنعانق الحور(2) .
تجري الطلاقة في بهاء iiوجوههم أنْ قـطبت فـرقاً وجوه iiكماتها
وتـطلّعت بـدجى الـقتام iiأهلَّة لـكن ظـهور الخيل من iiهالاتها
فتدافعت مشي النزيف إلى الردى حتّى كـأنَّ الموت من iiنشواتها
وتـعانقت هي والسّيوف وبعد ذا ملكت عناق الحور في جنّاتها(3)
فكأنّهم نشطوا من عقال ، بين مباشرة للعبادة ، وتأهّب للقتال ، لهم دوي كدويّ النّحل ، بين
قائم وقاعد وراكع وساجد .
قال الضحّاك بن عبد الله المشرقي : مرّت علينا خيل ابن سعد
فسمع رجل منهم الحسين (ع) يقرأ (
وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ
ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ
مُهِينٌ
*
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ )(4)
.
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 241 .
(2) رجال الكشي / 53 ، طبعة الهند .
(3) للعلامة السيّد محمّد حسين الكيشوان رحمه الله .
(4) سورة آل عمران / 178 ـ 179 .
الصفحة (217)
فقال الرجل نحن وربّ الكعبة الطيّبون ميّزنا منكم .
قال له برير : يا فاسق ، أنت يجعلك الله في الطيّبين ؟! هلمّ إلينا وتُب من ذنوبك العظام
، فوالله لنحن الطيّبون وأنتم الخبيثون . فقال الرجل مستهزئاً : وأنا على ذلك من الشاهدين(1) .
ويقال : أنّه في هذه الليلة انضاف إلى أصحاب الحسين من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون
رجلاً(2) حين رأوهم متبتّلين متهجدين عليهم سيماء الطاعة والخضوع لله تعالى .
قال علي بن الحسين : (( سمعتُ أبي في الليلة التي قُتل في صبيحتها يقول
، وهو يصلح سيفه :
يا دهر اُفٍّ لك من iiخليل كم لك بالاشراق والأصيل
مِنْ صاحب وطالب iiقتيل والـدهر لا يقنع iiبالبديل
وانّـما الأمر إلى iiالجليل وكـلّ حـيٍّ سالك iiسبيل
فأعادها مرّتين أو ثلاثاً ، ففهمتُها وعرفتُ ما أراد وخنقتني العبرة
، ولزمتُ السكوت وعلمتُ أنّ البلاء قد نزل .
وأمّا عمّتي زينب لمّا سمعتْ ذلك وثبتْ تجرّ ذيلها حتّى انتهت إليه وقالت : وآثكلاه
! ليتَ
الموت أعدمني الحياة ! اليوم ماتت اُمّي فاطمة وأبي عليٌ وأخي الحسن(3) ، يا خليفة
الماضي وثمال الباقي ! فعزّاها الحسين وصبَّرها وفيما قال : يا اُختاه تعزّي بعزاء الله
واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون ، وأهل السّماء لا يبقون وكلّ شيء هالك إلاّ وجهه ، ولي ولكلّ
مسلم برسول الله اُسوة حسنة .
فقالت (عليها السّلام) : افتغصب نفسك اغتصاباً ، فذاك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي(4) .
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 240 ، الطبعة الاُولى .
(2) اللهوف ، وتاريخ اليعقوبي 2 / 217 ، طبعة النجف ، وسير أعلام النبلاء للذهبي 3
/ 210 .
(3) تايخ الطبري 4 / 240 ، وكامل ابن الأثير 4 / 24 ، ومقتل الخوارزمي 1
/ 238 ، الفصل الحادي عشر ،
ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج / 45 ، طبعة ايران .
(4) اللهوف .
الصفحة (218)
وبكت النّسوة معها ولطمن الخدود ، وصاحت اُمّ كلثوم : وآ محمداه
! وآ علياه ! وآ اُمّاه ! وآ حسيناه !
وآ ضيعتنا بعدك !
فقال الحسين : يا اُختاه يا اُمّ كلثوم ، يا فاطمة ، يا رباب ، انظرْنَ اذا قُتلت فلا تشققن
عليَّ جيباً ولا تخمشن وجهاً ولا تقلن هجراً ))(1)
.
ثمّ إنّ الحسين أوصى اُخته زينب بأخذ
الأحكام من علي بن الحسين (ع) وإلقائها إلى الشيعة ستراً عليه . وبذلك يحدِّث أحمد بن
إبراهيم قال : دخلتُ على حكيمة بنت محمّد بن علي الرضا ، اُخت أبي الحسن العسكري (ع) سنة 282
بالمدينة ، وكلّمتها من وراء حجاب وسألتها عن دينها ، فسمّت من تأتمّ بهم ، وقالت :
فلان بن الحسن . قلت : معاينةً أو خبراً ؟ قالت : خبر عن أبي محمّد (ع) كتب به إلى اُمّه
. قلت
لها : أقتدي بمَن وصيّته إلى امرأة ؟!
قالت : اقتداءً بالحسين بن علي بن أبي طالب (ع) فإنّه أوصى إلى اُخته زينب في الظاهر
، فكان
ما يخرج من علي بن الحسين (ع) من علم ينسب إلى زينب ؛ ستراً على علي بن الحسين (ع)
. ثمّ
قالت : إنّكم قوم أخبار ، أما رويتم أنّ التاسع من ولد الحسين يقسم ميراثه في الحياة
؟ (2) .
ثمّ إنّه (عليه السّلام) أمر أصحابه أنْ يقاربوا البيوت بعضها من بعض ؛ ليستقبلوا القوم من
وجه واحد . وأمر بحفر خندق من وراء البيوت يوضع فيه الحطب ويلقى عليه النّار إذا
قاتلهم العدو ؛ كيلا تقتحمه الخيل ، فيكون القتال من وجه واحد(3) .
وخرج (عليه السّلام) في جوف الليل إلى خارج الخيام يتفقّد التلاع والعقبات ، فتبعه نافع
بن هلال الجملي ، فسأله الحسين عمّا أخرجه قال : يابن رسول الله أفزعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي ، فقال الحسين : (( إنّي خرجت أتفقّد التلاع والروابي
؛ مخافة أنْ
تكون مكمناً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون )) . ثمّ رجع (عليه السّلام) وهو قابض على يد
نافع ويقول : (( هي هي والله ، وعد لا خلف فيه )) .
ثمّ قال له : (( ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل وتنجو بنفسك ؟
))
____________________________
(1) الإرشاد .
(2) إكمال الدين للصدوق / 275 ، الباب التاسع والأربعون ، الطبعة الحجرية الاُولى .
(3) تاريخ الطبري 6 / 240 .
الصفحة (219)
فوقع نافع على قدمَيه يقبّلهما ويقول : ثكلتني اُمّي ، إنّ سيفي بألف وفرسي مثله ،
فوالله الذي مَنّ بك عليَّ ، لا فارقتك حتّى يكلاّ عن فرّي وجرّي .
ثمّ دخل الحسين (ع) خيمة زينب ، ووقف نافع بإزاء الخيمة ينتظره فسمع زينب تقول له : هل
استعلمت من أصحابك نيّاتهم ؟ فإنّي أخشى أنْ يسلّموك عند الوثبة .
فقال لها : (( والله ، لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلاّ الأشوس الأقعس
، يستأنسون بالمنيّة
دوني استيناس الطفل إلى محالب اُمّه )) .
قال نافع : فلمّا سمعتُ هذا منه ، بكيتُ وأتيت حبيب بن مظاهر وحكيت ما سمعت منه ومن اُخته
زينب .
قال حبيب : والله ، لو لا انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي هذه الليلة . قلت : إنّي خلّفته
عند اُخته وأظنّ النّساء أفقن وشاركنها في الحسرة ، فهل لك أنْ تجمع أصحابك وتواجهوهنّ
بكلام يطيّب قلوبهن ؟ فقام حبيب ونادى : يا أصحاب الحميّة وليوث الكريهة . فتطالعوا من
مضاربهم كالاُسود الضارية ، فقال لبني هاشم : ارجعوا إلى مقرّكم لا سهرت عيونكم .
ثمّ التفت إلى أصحابه وحكى لهم ما شاهده وسمعه نافع ، فقالوا بأجمعهم : والله الذي
مَنّ علينا هذا الموقف ، لو لا انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا السّاعة ، فطب نفساً
وقر عيناً . فجزّاهم خيراً ،
وقال هلمّوا معي لنواجه النّسوة ونطيّب خاطرهنّ ، فجاء حبيب ومعه أصحابه وصاح : يا معشر
حرائر رسول الله ، هذه صوارم فتيانكم آلَوا ألاّ يغمدوها إلاّ في رقاب مَن يريد السّوء
فيكم ، وهذه أسنّة غلمانكم أقسَموا ألاّ يركزوها إلاّ في صدور مَن يفرّق ناديكم .
فخرجن النّساء إليهم ببكاء وعويل وقلن : أيّها الطيّبون حاموا عن بنات رسول الله وحرائر
أمير المؤمنين .
فضجّ القوم بالبكاء حتّى كأنّ الأرض تميد بهم(1) .
____________________________
(1) الدمعة الساكبة / 325 ، وتكرّر في كلامه ( هلال بن نافع
) وهو اشتباه فإنّ المضبوط
( نافع بن هلال ) كما في زيارة الناحية ، وتاريخ الطبري ، وكامل ابن الأثير .
الصفحة (220)
وفي السّحر من هذه الليلة خفق الحسين خفقة ثمّ استيقظ وأخبر أصحابه بأنّه رأى في منامه
كلاباً شدّت عليه تنهشه وأشدّها عليه كلب أبقع ، وإنّ الذي يتولّى قتله من هؤلاء رجل
أبرص ،
وإنّه رأى رسول الله (ص) بعد ذلك ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول له :
(( أنت شهيد هذه
الاُمّة ، وقد استبشر بك أهل السّماوات وأهل الصفيح الأعلى وليكن افطارك عندي الليلة عجّل
ولا تؤخّر ، فهذا ملك قد نزل من السّماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء ))(1) .
وانـصاع حـامية الشريعة ظامئاً مـا بـلَّ غـلَّته بـعذب iiفـراتها
أضـحى وقـد جـعلته آل iiاُمـيّة شـبح الـسهام رمـيَّة iiلـرماتها
حتّى قضى عطشاً بمعترك iiالوغى والـسمر تـصدر منه في iiنهلاتها
وجرت خيول الشرك فوق ضلوعه عـدواً تـجول عـليه في iiحلباتها
ومـخدَّرات مـن عـقائل iiأحـمد هـجمت عـليها الخيل في iiأبياتها
مـن ثـاكل حرّى الفؤاد iiمروعة أضـحت تـجاذبها العدى iiحبراتها
ويـتمية فـزعت لـجسم iiكـفيلها حـسرى القناع تعجُّ في iiأصواتها
أهـوت على جسم الحسين iiوقلبها المصدوع كاد يذوب من iiحسراتها
وقـعت عـليه تشمُّ موضع iiنحره وعـيونها تـنهلُّ فـي iiعـبراتها
تـرتاع من ضرب السّياط فتنثني تـدعو سـرايا قـومها iiوحـماتها
أيـن الحفاظ وفي الطّفوف iiدماؤكم سُـفكت بـسيف اُمـيّة iiوقـناتها
أيـن الـحفاظ وهـذه iiأشـلاؤكم بـقيت ثـلاثاً فـي هجير iiفلاتها
أيــن الـحفاظ وهـذه iiأبـناؤكم ذُبحت عطاشى في ثرى iiعرصاتها
أيــن الـحفاظ وهـذه iiفـتياتكم حُـملت على الأقتاب بين iiعداتها
حـملت بـرغم الدين وهي iiثواكل عـبرى تـردّد بـالشّجى iiزفراتها
فـمَن الـمعزِّي بـعد أحمد iiفاطماً فـي قـتل أبناها وسبي iiبناتها(2)
____________________________
(1) نفس المهموم / 125 ، عن الصدوق .
(2) للعلامة السيد محمّد حسين الكيشوان ترجمته في شعراء الغري 8
/ 3 .
|