الصفحة (237)
يُبشّر بالجنّة وهو يسير إلى حرب ابن بنت رسول الله ؟!(1) .
فقال له الحسين (ع) : (( لقد أصبت خيراً وأجراً ))(2)
. وكان معه غلام تركي(3) .
نصيحة الحر لأهل الكوفة
ثمّ استأذن الحسينَ (ع) في أنْ يكلّم القوم فأذن له ، فنادى بأعلى صوته : يا أهل الكوفة لاُمّكم
الهبل والعبر ؛ إذ دعوتموه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كلّ جانب فمنعتموه التوجّه
إلى بلاد الله العريضة حتّى يأمن وأهل بيته ، وأصبح كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعاً
ولا ضرّاً ، وحلأتموه ونساءه وصبيته وصحبه عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهود
والنّصارى والمجوس ، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه . وها هم قد صرعهم العطش ، بئسما
خلفتم محمداً في ذريّته ! لا سقاكم الله يوم الظمأ ! فحملت عليه رجّالة ترميه بالنّبل ،
فتقهقر حتّى وقف أمام الحسين(1) .
الحملة الاُولى
وتقدّم عمر بن سعد نحو عسكر الحسين ورمى بسهم وقال : اشهدوا لي عند الأمير إنّي أول
من رمى . ثمّ رمى النّاس(2) ، فلَم يبقَ من أصحاب الحسين أحد إلاّ
أصابه من سهامهم(3) ، فقال
(عليه السّلام) لأصحابه : (( قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه ، فإنَّ هذه
السّهام رسل القوم إليكم )) . فحمل أصحابه حملةً واحدةً(4) واقتتلوا ساعة
، فما انجلت
الغبرة إلاّ عن خمسين صريعاً(5) .
____________________________
(1) أمالي الصدوق / 93 ، المجس الثلاثون .
(2) مثير الأحزان لابن نما / 31 ، وفي مقتل الحسين للخوارزمي 2
/ 9 : كان معه غلام له
تركي .
(3) الهبل ( بالتحريك ) : الثكل . والعبر ( بالفتح ) : الحزن
، وجريان الدمعة كاستعبر ، تاج
العروس .
(4) ابن الأثير 4 / 27 .
(5) الخطط المقريزيّة 2 / 287 .
(6) مقتل العوالم / 84 .
(7) اللهوف / 56 .
(8) البحار عن محمّد بن أبي طالب .
الصفحة (238)
سـطت ورحى الهيجاء تطحن iiشوسها ووجـه الـضحى فـي نقعها iiمتنقِّب
تـهـلّل بـشراً بـالقراع iiوجـوهها وكـم وجـه ضـرغام هناك iiمقطّب
وتـلتذّ أن جـاءت لـها السمر تلتوي وللبيض ان سُلّت لدى الضرب تطرب
أعـزّاء لا تـلوي الـرقاب iiلـفادح ولا مـن اُلـوف في الكريهة iiترهب
فـما لـسوى الـعلياء تـاقت نفوسهم ولَـم تك في شيء سوى العزّ iiترغب
فـلَـو أنَّ مـجداً في الـثرّيا iiلـحلقت إلـيه وشـأن الـشّهم لـلمجد iiيطلب
فـأسيافهم يـوم الـوغى تمطر iiالدّما وأيـديهم مـن جودها الدهر iiمخضب
ومـا برحت تقري المواضي iiلحومها ومـن دمـها السّمر العواسل iiتشرب
إلـى أنْ تهاوت كالكواكب في iiالثرى ومـا بعدهم يا ليت لا لاح كوكب(1)
****
تـهاووا فـقل زهـر النّجوم iiتهافتت وأهـووا فـقل شـمّ الجبال iiتهدّم(2)
وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد الله بن زياد فطلبا البراز ، فوثب حبيب وبرير
، فلم يأذن لهما الحسين (ع) . فقام عبد الله بن عمير الكلبي ، من بني عليم ، وكنيته أبو وهب
، وكان طويلاً شديد السّاعدين بعيد ما بين المنكبين ، شريفاً في قومه شجاعاً مجرّباً
، فأذن
له وقال : (( أحسبه للأقران قتّالاً )) . فقالا له : مَن أنت ؟ فانتسب لهما
، فقالا : لا نعرفك
ليخرج إلينا زهير أو حبيب أو برير ، وكان يسار قريباً منه فقال له : يابن الزانية
أوَبك رغبةً عن مبارزتي ؟ ثمّ شدّ عليه بسيفه يضربه ، وبينا هو مشتغل به إذ شدّ عليه سالم
، فصاح أصحابه قد رهقك العبد فلم يعبأ به ، فضربه سالم بالسّيف فاتقاها عبد الله بيده
اليسرى فأطار أصابعه ، ومال عليه عبد الله فقتله . وأقبل إلى الحسين يرتجز وقد قتلهما .
وأخذت زوجته اُمّ وهب بنت عبد الله بن النمر بن قاسط ، عموداً ، وأقبلت نحوه تقول له :
فداك أبي واُمّي قاتل دون الطيّبين ذريّة محمّد صلّى الله عليه وأله وسلّم . فأراد أنْ يردّها
إلى الخيمة ، فلَم تطاوعه وأخذت تجاذبه ثوبه وتقول : لن أدعك دون أنْ أموت معك . فناداها
الحسين (ع) : (( جزيتم عن أهل بيت نبيكم خيراً ،
____________________________
(1) من قصيدة للشيخ حسون الحلي ، شعراء الحلة 2 / 104 .
(2) من قصيدة للحجة للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء قدس سره
، طبعت في كتابنا ( قمر
بني هاشم ) .
الصفحة (239)
ارجعي إلى الخيمة ، فإنّه ليس على النّساء قتال )) . فرجعت(1) .
مبارزة الاثنين والاربعة
ولمّا نظر مَن بقي من أصحاب الحسين إلى كثرة مَن قُتل منهم ، أخذ الرجلان والثلاثة و الأربعة
يستأذنون الحسين في الذبّ عنه والدفع عن حرمه ، وكلّ يحمي الآخر من كيد عدوّه . فخرج
الجابريّان وهما : سيف بن الحارث بن سريع ، ومالك بن عبد بن سريع ، وهما ابنا عمّ وأخوان
لاُمّ ، وهما يبكيان قال الحسين (ع) : (( ما يبكيكما ؟ إنّي لأرجو
أنْ تكونا بعد ساعة قريرَي العين
)) . قالا : جعلنا الله فداك ، ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك ؛ نراك قد اُحيط بك ولا
نقدر أنْ ننفعك . فجزاهما الحسين خيراً . فقاتلا قريباً منه حتّى قُتلا(2)
.
وجاء عبد الله
وعبد الرحمن ابنا عروة الغفاريّان فقالا : قد حازنا النّاس إليك . فجعلا يقاتلان بين
يدَيه حتّى قُتلا .
وخرج عمرو بن خالد الصيداوي وسعد مولاه وجابر بن الحارث السلماني ومجمع بن عبد الله
العائذي(3) ، وشدّوا جميعاً على أهل الكوفة فلمّا أوغلوا فيهم
، عطف عليهم النّاس وقطعوهم
عن أصحابهم ، فندب إليهم الحسين أخاه العبّاس فاستنقذهم بسيفه ، وقد جُرحوا بأجمعهم
، و في
أثناء الطريق اقترب منهم العدوّ فشدّوا بأسيافهم مع ما بهم من الجراح ، و قاتلوا
حتّى قتلوا في مكان واحد(4) .
استغاثة و هداية
ولمّا نظر الحسين إلى كثرة مَن قُتل من أصحابه ، قبض على شيبته المقدّسة وقال :
(( اشتدّ غضب
الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً ، واشتدّ غضبه على النّصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة
، واشتدّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 245 ، وابن الأثير 4 / 37 .
(2) ابن الأثير 4 / 29 .
(3) في الإصابة 3 / 94 القسم الثالث : مجمع بن عبد الله بن مجمع بن مالك بن
أياس بن عبد
مناة بن سعد ، قُتل مع الحسين بن علي (عليه السّلام) بالطفّ ، ولأبيه إدراك .
(4) تاريخ الطبري 6 / 255 .
الصفحة (240)
والقمر دونه ، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم .
أما والله ، لا اُجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتّى ألقى الله وأنا مخضّب بدمي ، ثمّ صاح :
أما من مغيث يغيثنا ! أما من ذابّ يذبُّ عن حرم رسول الله ! ))(1) فبكت النّساء وكثر
صراخهن .
وسمع الأنصاريّان سعد بن الحارث وأخوه أبو الحتوف استنصار الحسين (ع) واستغاثته وبكاء
عياله ـ وكانا مع ابن سعد ـ فمالا بسيفيهما على أعداء الحسين (ع) وقاتلا حتّى قُتلا(2) .
ثبات الميمنة
وأخذ أصحاب الحسين (ع) ـ بعد أن قلّ عددهم وبان النّقص فيهم ـ يبرز الرجل بعد الرجل فأكثروا
القتل في أهل الكوفة . فصاح عمرو بن الحَجّاج لأصحابه : أتدرون مَن تقاتلون ؟ تقاتلون
فرسان المصر وأهل البصائر وقوماً مستميتين ، لا يبرز إليهم أحد منكم إلاّ قتلوه على
قلّتهم ، والله لَو لَم ترموهم إلاّ بالحجارة
لقتلتموهم . فقال عمر بن سعد : صدقت ، الرأي ما رأيت ، ارسِل في النّاس مَن يعزم عليهم
أنْ لا يبارزهم رجل منهم ، ولَو خرجتم إليهم وحداناً لأتوا عليكم(3) .
ثمّ حمل عمرو بن الحَجّاج على مَيمنة الحسين (ع) ، فثبتوا له وجثوا على الركب وأشرعوا الرماح
، فلَم تقدم الخيل . فلمّا ذهبت الخيل لترجع ، رشقهم أصحاب الحسين (ع) بالنّبل فصرعوا رجالاً
وجرحوا آخرين(4) .
وكان عمرو بن الحَجّاج يقول لأصحابه : قاتِلوا مَن مَرق عن الدِّين وفارق الجماعة . فصاح
الحسين (ع) : (( ويحك يا عمرو ! أعليَّ تحرّض النّاس ؟ أنحن مرقنا من
____________________________
(1) اللهوف / 57 .
(2) الحدايق الورديّة مخطوط .
(3) تاريخ الطبري 6 / 249 .
(4) كامل ابن الأثير 4 / 27 .
الصفحة (241)
الدِّين وأنت تقيم عليه ؟! ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا مَن
أولى بصليّ النّار ))(1) .
مسلم بن عوسجة
ثمّ حمل عمرو بن الحَجّاج من نحو الفرات فاقتتلوا ساعة ، وفيها قاتل مسلم بن عوسجة
، فشدّ
عليه مسلم بن عبد الله الضبابي وعبد الله بن خشكارة البجلي ، وثارت لشدّة الجلاد غبرة
شديدة وما انجلت الغبرة إلاّ ومسلم صريع وبه رمق . فمشى إليه الحسين (ع) ومعه حبيب بن
مظاهر فقال له الحسين (ع) : (( رحمك الله يا مسلم !
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا
تَبْدِيلاً
(2)
)) . ودنا منه حبيب وقال : عزّ عليّ مصرعك يا مسلم
، أبشِر بالجنّة . فقال بصوت
ضعيف : بشّرك الله بخير . قال حبيب : لَو لَم أعلم أنّي في الأثر لأحببت أنْ توصي إليَّ
بما أهمّك . فقال مسلم : اُوصيك بهذا وأشار إلى الحسين (ع) أنْ تموت دونه . قال : أفعل وربِّ
الكعبة . وفاضت روحه بينهما . وصاحت جارية له : وآ مسلماه ! يا سيّداه ! يابن عوسجتاه
! فتنادى
أصحاب ابن الحجاج : قتلنا مسلماً .
فقال شبث بن ربعي لمَن حوله : ثكلتكم اُمّهاتكم ! أيقتل مثل مسلم وتفرحون ! لَربَّ موقف له
كريم في المسلمين رأيته يوم آذربيجان ، وقد قتل ستة من المشركين قبل تتام خيول
المسلمين(3) .
الميسرة
وحمل الشمر في جماعة من أصحابه على ميسرة الحسين (ع) فثبتوا لهم حتّى كشفوهم ، وفيها قاتل
عبد الله بن عمير الكلبي فقتل تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً ، وشدّ عليه هاني بن
ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى(4) ، وقطع بكر بن حي ساقه .
____________________________
(1) البداية لابن كثير 8 / 182 .
(2) سورة الأحزاب / 23 .
(3) تاريخ الطبري 6 / 249 .
(4) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 217 .
الصفحة (242)
فاُخذ أسيراً وقُتل صبراً(1) ، فمشت
إليه زوجته اُمّ وهب وجلست عند رأسه تمسح الدم عنه
وتقول : هنيئاً لك الجنّة أسأل الله الذي رزقك الجنّة أنْ يصحبني معك . فقال الشمر
لغلامه رستم : اضرب رأسها بالعمود ، فشدخه وماتت مكانها ، وهي أول امرأة قُتلت من أصحاب
الحسين (ع)(2) .
وقطع رأسه ورمى به إلى جهة الحسين فأخذته اُمّه ومسحت الدم عنه ، ثمّ أخذت عمود خيمة
وبرزت إلى الأعداء فردّها الحسين (ع) وقال : (( ارجعي رحمك الله فقد وضِع عنك الجهاد
)) . فرجعت
وهي تقول : اللهمّ ، لا تقطع رجائي . فقال الحسين (ع) : (( لا يقطع الله رجاءك
))(3) .
وحمل الشمر حتّى طعن فسطاط الحسين (ع) بالرمح وقال : عليَّ بالنّار لاُحرقه على أهله
. فتصايحت النّساء وخرجن من الفسطاط ، وناداه الحسين (ع) :
(( يابن ذي الجوشن ، أنت تدعو بالنّار
لتحرق بيتي على أهلي ؟! أحرقك الله بالنّار )) . وقال له شبث بن ربعي : أمرعباً للنّساء
صرت ؟ ما رأيت مقالاً أسوأ من مقالك ، وموقفاً أقبح من موقفك . فاستحى وانصرف .
وحمل على جماعته زهير بن القين في عشرة من أصحابه حتّى كشفوهم عن البيوت(4) .
عزرة يستمد الرجال
ولمّا رأى عزرة بن قيس ـ وهو على الخيل ـ الوهن في أصحابه والفشل كلّما يحملون ، بعث
إلى عمر بن سعد يستمدّه الرجال ، فقال ابن سعد لشبث بن ربعي : ألا تقدم إليهم ؟ قال : يا
سبحان الله ! تكلّف شيخ المصر ، وعندك مَن يجزي عنه . ولَم يزل شبث بن ربعي كارهاً لقتال
الحسين ، وقد سُمع يقول : قاتلنا مع علي بن
____________________________
(1) حكى هذا ابن الأثير ، وفي مقتل الخوارزمي 2 / 13 : إنّ شماله قُطعت بعد أن قُطعت
يمينه .
(2) تاريخ الطبري 6 / 251 ، وفي مسند أحمد 2 / 100 ، الطبعة الاُولى عن أبي عمر : مرّ رسول الله
(ص) في غزاة غزاها بامرأة مقتولة ، فنهى عن قتل النّساء والصبيان .
(3) تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 113 .
(4) تاريخ الطبري 6 / 251 ، واختصره الخوارزمي في المقتل 2
/ 16 .
الصفحة (243)
أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين ، ثمّ عدونا على ولده وهو خير أهل
الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سميّة الزانية ، ضلال يا لك من ضلال ! والله لا يعطي
الله أهل هذا المصر خيراً أبداً ، ولا يسدّدهم لرشد(1)
.
فمدّه بالحصين بن نُمير في
خمسمئة من الرماة ، واشتدّ القتال ، وأكثر
أصحاب الحسين (ع) فيهم الجراح حتّى عقروا خيولهم
وأرجلوهم(2) ، ولَم يقدروا
أنْ يأتوهم من وجه واحد ؛ لتقارب أبنيتهم . فأرسل ابن سعد الرجال
ليقوضوها عن أيمانهم وعن شمائلهم ؛ ليحيطوا بهم . فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب
الحسين (ع) يتخلّلون البيوت فيشدّون على الرجل وهو ينهب فيقتلونه ويرمونه من قريب
فيعقرونه .
فقال ابن سعد : احرقوها بالنّار فأضرموا فيها النّار . فصاحت النّساء ودُهشت الأطفال
، فقال
الحسين (ع) : (( دعوهم يحرقونها ، فإنّهم إذا فعلوا ذلك لَم يجوزوا
إليكم )) . فكان كما قال(3) .
أبو الشعثاء
وكان أبو الشعثاء الكندي ـ وهو يزيد بن زياد ـ مع ابن سعد ، فلمّا ردّوا الشروط على الحسين
(ع) صار معه ، وكان رامياً فجثا على ركبتَيه بين يدَي الحسين ورمى بمئة سهم و الحسين
(ع) يقول
: (( اللهمّ سدّد رميته ، واجعل ثوابه الجنّة )) . فلمّا نفدت سهامه قام وهو يقول : لقد تبيّن لي
أنّي قتلت منهم خمسة(5) . ثمّ حمل على القوم فقتل تسعة نفر وقُتل(4) .
الزوال
والتفت أبو ثمامة الصائدي(6) إلى الشمس قد زالت ، فقال للحسين
(ع) : نفسي
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 251 .
(2) إعلام الورى / 145 ، وابن الأثير 4 / 28 .
(3) ابن الأثير 4 / 28 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 16 .
(4) تاريخ الطبري 6 / 255 .
(5) أمالي الصدوق / 17 المجلس الثلاثون ، وفي ذخيرة الدارين
: قتل تسعة عشر رجلاً .
(6) في جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 373 ، والإكليل
للهمداني 10 / 97 : أبو ثمامة : هو زياد بن عمرو بن عريب بن حنظلة بن دارم الصائدي
، قُتل مع الحسين .
وفي تاريخ الطبري 6 / 151 ، وزيارة النّاحية المقدسة أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي
.
وفي
اللباب لابن الأثير 2 / 46 : الصائدي : نسبةً إلى صائد ، بطن من همدان ، واسم صايد كعب بن
شرحبيل ... الخ .
الصفحة (244)
لك الفداء ، إنّي أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، لا و الله لا تُقتل حتّى اُقتل دونك ، و اُحبّ
أنْ ألقى الله وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها . فرفع الحسين (ع) رأسه إلى السّماء
وقال : (( ذكرت الصلاة ، جعلك الله من المصلّين الذاكرين ، نعم هذا
أول وقتها ، سلوهم أنْ
يكفّوا عنّا حتّى نصلّي )) . فقال الحصين : إنّها لا تُقبل(1) .
حبيب بن مظاهر
فقال حبيب بن مظاهر : زعمت أنّها لا تُقبل من آل الرسول وتُقبل منك يا حمار ؟! فحمل عليه
الحصين فضرب حبيبُ وجه فرسه بالسّيف ، فشبّت به ووقع عنه واستنقذه أصحابه فحملوه(2)
،
وقاتلهم حبيب قتالاً شديداً ، فقتل على كبره اثنين وستّين رجلاً ، وحمل عليه بديل بن صريم
فضربه بسيفه ، وطعنه آخر من تميم برمحه فسقط إلى الأرض ، فذهب ليقوم وإذا الحصين يضربه
بالسّيف على رأسه فسقط لوجهه ، ونزل إليه التميمي واحتزّ رأسه فهدّ مقتلُه الحسين
(ع) فقال
: (( عند الله احتسب نفسي وحماة أصحابي ))(3)
، واسترجع كثيراً .
الحرّ الرياحي
وخرج من بعده الحرّ بن يزيد الرياحي ومعه زهير بن القين ـ يحمي ظهره ـ فكان إذا شدّ
أحدهما واستلحم شدّ الآخر واستنقذه ، ففعلا ساعة(4) وإنّ فرس الحرّ لمضروب على اُذنَيه
وحاجبَيه و الدماء تسيل منه ، وهو يتمثّل بقول عنترة :
____________________________
(1) في الوسائل 1 / 247 ، الباب الواحد والأربعون ، في مواقيت الصلاة
، طبعة عين الدولة : كان أمير
المؤمنين (ع) مشتغلاً بالحرب ويراقب وقت الصلاة ، فقال له ابن عبّاس ما هذا الفعل يا
أمير المؤمنين قال : (( اُراقب الشمس )) . فقال له :
إنّ عندنا لشغلاً بالقتال عن الصلاة .
فقال (عليه السّلام) : (( إنّما قاتلناهم على الصلاة ))
. ولَم يترك صلاة الليل حتّى ليلة الهرير
.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 17 .
(3) ابن الأثير 4 / 29 ، وتاريخ الطبري 6 / 251 ، وفي مقتل الحسين للخوارزمي 2
/ 19
: قطع التميمي رأس حبيب ، ويقال بديل بن صريم ، وعلّق الرأس في عنق الفرس ، فلمّا دخل
الكوفة رآه ابن حبيب ابن مظاهر ـ وهو غلام غير مراهق ـ فوثب عليه وقتله وأخذ رأسه .
(4) تاريخ الطبري 6 / 252 ، والبداية 8 / 183 .
الصفحة (245)
ما زلت ارميهم بثغرة نحره ولبانه
حتّى تسربل بالدم
فقال الحصين ليزيد بن سفيان : هذا الحرّ الذي كنت تتمنى قتله
؟ قال : نعم . وخرج
إليه يطلب المبارزة فما أسرع أنْ قتله الحرّ ، ثمّ رمى أيّوب بن مشرح الخيواني فرس الحرّ
بسهم فعقره ، وشبّ به الفرس فوثب عنه كأنّه ليث(1) وبيده السّيف
، وجعل يقاتل راجلاً حتّى قتل نيفاً وأربعين(2)
، ثمّ شدّت عليه الرجّالة فصرعته . وحمله أصحاب الحسين (ع) ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه
ـ وهكذا يؤتى بكلّ قتيل إلى هذا الفسطاط ـ و الحسين
(ع) يقول : (( قتلة مثل قتلة النبيين وآل النبيّين ))(3) ثمّ التفت
إلى الحرّ ـ وكان به رمق ـ فقال
له ، وهو يمسح الدم عنه : (( أنت الحرّ كما سمّتك اُمّك ، وأنت الحرّ في الدنيا والآخرة
)) . ورثاه
رجل من أصحاب الحسين ، وقيل : علي بن الحسين(4) وقيل :
إنّها من إنشاء الحسين خاصّة(5)
لَـنعم الحرُّ حرُ بني رياح صبور عند مشتبك الرماح
ونعم الحرُّ إذ فادى حسيناً وجاد بنفسه عند iiالصباح
الصلاة
وقام الحسين إلى الصلاة ، فقيل إنّه صلّى بمَن بقي من أصحابه صلاة الخَوف
، وتقدّم أمامه
زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي في نصف من أصحابه
(6) ، ويقال إنّه صلّى
، وأصحابه
فرادى بالإيماء(7) :
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 248 ـ 250 .
(2) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 217 ، طبعة ايران .
(3) هذا في تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 118 ، والبحار 10 / 117
، و13 / 135 ، عن الغيبة للنعماني / 113 ، الطبع الحجرية ، باب ما يلحق الشيعة
من التمحيص .
وفي تاريخ الطبري 6 / 256 ، وابن الأثير 4 / 30 ، وإرشاد المفيد :
إنّه وضع فسطاطاً في الميدان . ولَم يذكروا كلمة الحسين (ع) المعربة عن قداسة الموقف .
(4) مقتل العوالم / 85 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 11 .
(5) روضة الواعظين / 160 ، وأمالي الصدوق / 97 ، المجلس
الثلاثون .
(6) مقتل العوالم / 88 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 17 : والذي أراه صلاة
الحسين كانت قصراً ؛ لأنّه نزل كربلاء في الثاني من المحرم ، ومن أخبار جدّه الرسول
(صلّى
الله عليه وآله وسلّم) مضافاً إلى علمه بأنّه يُقتل يوم عاشوراء لَم يستطع أن ينوي
الإقامة إذا لَم تكمل له عشرة أيّام وتخيّل مَن لا معرفة له بذلك أنّه صلّى صلاة الخوف .
(7) مثير الأحزان لابن نما / 44 .
الصفحة (246)
وصـلاة الخوف حاشاها iiفما روعت والموت منها كان iiقابا
مـا لواها الموقف الدّامي iiوما صدَّها الجيش ابتعاداً iiواقترابا
زحـفت ظامئة والشمس iiمن حَـرَّها تلتهب الأرض iiالتهابا
هزَّت الجيش وقد ضاقت iiبه عرصة الطَّف سهولا وهضابا
سـائل الـميدان عنها iiسترى كـيف أرضته طعاناً وضرابا
كـيف حـامت حرم الله iiفما خـدشت عزّاً ولا ولّت iiجنابا
كـيف دون الله راحت iiتَدّري بـهواديها سـهاماً iiوكعابا(1)
ولمّا اُثخن سعيد بالجراح سقط إلى الأرض وهو يقول : اللهمّ العنهم لعن عاد وثمود وابلغ
نبيّك منّي السّلام وابلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فإنّي أردت بذلك ثوابك في نصرة ذريّة
نبيّك (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(2) ، والتفت
إلى الحسين (ع) قائلاً: أوفيت يابن رسول الله
؟ قال : (( نعم ، أنت أمامي في الجنّة ))(3) ، وقضى نحبه فوُجد فيه ثلاثة
عشر سهماً غير الضرب
والطعن(4) .
ولمّا فرغ الحسين (ع) من الصلاة قال لأصحابه : (( يا كرام ، هذه الجنّة قد فتحت أبوابها
، واتصلت
أنهارها ، وأينعت ثمارها ، وهذا رسول الله والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله يتوقّعون
قدومَكم ويتباشرون بكم ، فحاموا عن دين الله ودين نبيِّه ، وذبّوا عن حرم الرسول ))
. فقالوا :
نفوسنا لنفسك الفداء ، ودماؤنا لدمك الوقاء فوالله لا يصل إليك وإلى حرمك سوء وفينا
عرق يضرب(5) .
الخيل تعقر
ثمّ إنّ عمر بن سعد وجّه عمرو بن سعيد في جماعة من الرماة فرموا أصحاب الحسين وعقروا
خيولهم(6) ولَم يبقَ مع الحسين فارس إلاّ الضحّاك بن
____________________________
(1) للعلامة السيّد محمّد ابن آية الله السيّد جمال الكلبايكاني .
(2) مقتل العوالم / 88 .
(3) ذخيرة الدارين / 178 .
(4) اللهوف / 62 .
(5) أسرار الشهادة / 175 .
(6) مثير الأحزان لابن نما / 34 .
الصفحة (247)
عبد الله المشرقي يقول : لمّا رأيت خيل أصحابنا تُعقر أقبلتُ بفرسي وأدخلتها فسطاطاً
لأصحابنا . واقتتلوا أشدّ القتال(1)
. وكان كلّ مَن أراد الخروج ودّع الحسين (ع) بقوله :
السّلام عليك يابن رسول الله . فيُجيبه الحسين (ع) : (( وعليك السّلام
، ونحن خلفك )) ، ثمّ يقرأ (
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا
تَبْدِيلاً )(2) .
أبو ثمامة
وخرج أبو ثمامة الصائدي فقاتل حتّى اُثخن بالجراح ، وكان مع عمر بن سعد ابن عمّ له
، يقال له قيس بن عبد الله بينهما عداوة ، فشدّ عليه وقتله .
زهير وابن مضارب
وخرج سلمان بن مضارب البجلي ـ وكان ابن عمّ زهير بن القين ـ فقاتل حتّى قُتل . وخرج بعده
زهير بن القين فوضع يده على منكب الحسين وقال مستأذناً :
أقـدم هديت هادياً مهديّاً فـاليوم القى جَدَّك iiالنبيّا
وحـسناً والمرتضى عليّاً وذا الجناحين الفتى الكميّا
وأسد الله الشهيد الحي
فقال الحسين (ع) : (( وأنا ألقاهما على أثرك )) . وفي حملاته يقول :
أنا زهير وأنا ابن القين أذودكم بالسّيف عن حسين
فقتل مئة وعشرين ، ثمّ عطف عليه كثير بن عبد الله الصعبي والمهاجر بن أوس فقتلاه
.
فوقف الحسين (ع) وقال : (( لا يبعدنّك الله يا زهير ، ولعن قاتليك لعن الذين مُسخوا قردةً
وخنازير ))(3) .
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 255 .
(2) مقتل العوالم / 85 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 25 .
(3) تاريخ الطبري 6 / 253 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 20 .
الصفحة (248)
عمرو بن قرظة
وجاء عمرو بن قرظة الأنصاري(1) ووقف أمام الحسين
(ع) يقيه من العدو ويتلقّى السّهام بصدره
وجبهته فلم يصل إلى الحسين (ع) سوء ، ولمّا كثر فيه الجراح التفت إلى أبي عبد الله وقال :
أوفيت يابن رسول الله ؟ قال : (( نعم ، أنت أمامي في الجنّة
، فاقرأ رسول الله منّي السّلام
، وأعلِمه أنّي في الأثر )) . وخرَّ ميّتاً(2) .
فنادى أخوه علي وكان مع ابن سعد : يا حسين ، يا كذّاب ، غررت أخي حتّى قتلته ؟ فقال عليه
السّلام : (( إنّي لَم أغر أخاك ، ولكنّ الله هداه وأضلّك ))
. فقال : قتلني الله إنْ لَم أقتلك . ثمّ
حمل على الحسين ليطعنه ، فاعترضه نافع بن هلال الجملي فطعنه حتّى صرعه ، فحمله أصحابه
وعالجوه وبرئ(3) .
نافع الجملي
ورمى نافع بن هلال الجملي المذحجي بنبال مسمومة ، كتب اسمه عليها(4) وهو يقول(5) .
أرمـي بها معلمة iiأفواقها مسمومة تجري بها اخفاقها
لـيملأنَّ ارضـها iiرشاقها والـنفس لا ينفعها iiاشفاقها
فقتل اثنى عشر رجلاً سوى من جرح ، ولمّا فنيت نباله جرّد سيفه يضرب فيهم ، فأحاطوا به
يرمونه بالحجارة والنصال حتّى كسروا عضديه وأخذوه أسيراً(6)
____________________________
(1) في جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 345 : من ولد عمرو بن عامر بن زيد مناة بن مالك
الأغر ، وهو الشاعر المعروف بابن الاطنابة قرظة بن كعب بن عمرو الشاعر ، له صحبة . كان
لقرظة بن عمرو ابنان ؛ عمرو قُتل مع الحسين (ع) ، وآخر مع ابن سعد ولَم يسمّه .
(2) مقتل العوالم / 88 .
(3) ابن الأثير 4 / 27 .
(4) تاريخ الطبري 6 / 252 ، وكامل ابن الأثير 4 / 29 ، والبداية 8
/ 184 .
(5) مقتل العوالم / 90 ، وذكر ابن كثير في البداية 8 / 184 : الشطر الأول والرابع ،
ومثله في رواية الصدوق في الأمالي ، وسمّاه هلال بن حَجّاج .
(6) مقتل الخوارزمي 2 / 21 .
الصفحة (249)
فأمسكه الشمر ومعه أصحابه يسوقونه
، فقال له ابن سعد : ما حملك على ما صنعت بنفسك ؟
قال : إنّ ربّي يعلم ما أردتُ . فقال له رجل وقد نظر إلى الدماء تسيل على وجهه ولحيته
: أما ترى ما بك ؟ فقال : والله لقد قَتلتُ منكم اثني عشر رجلاً سوى مَن جرحت ، وما
ألوم
نفسي على الجهد ، ولَو بقيت لي عضد ما أسرتموني(1)
. وجرّد الشمر سيفه فقال له نافع :
والله يا شمر لَو كنتَ من المسلمين لعظم عليك أنْ تلقى الله بدمائنا ، فالحمد لله الذي
جعل منايانا على يدَي شرار خلقه . ثمّ قدّمه الشمر وضرب عنقه(2) .
واضح وأسلم
ولمّا صُرع واضح التركي مولى الحرث المذحجي استغاث بالحسين (ع) ، فأتاه أبو عبد الله واعتنقه
، فقال : مَن مثلي وابن رسول الله (ص) واضع خدّه على خدّي ! ثم فاضت نفسه الطاهرة(3) .
ومشى الحسين إلى أسلم مولاه ، واعتنقه وكان به رمق فتبسّم وافتخر بذلك ومات(4) !
برير بن خضير
ونادى يزيد بن معقل(5) : يا برير كيف ترى صنع الله بك ؟ فقال : صنع الله بي خيراً
،
وصنع بك شرّاً . فقال يزيد : كذبت وقبل اليوم ما كنت كذّابا ، أتذكر يوم كنت اُماشيك في
بني لوذان(6) وأنت تقول : كان معاوية ضالاً وإنّ
إمام
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 253 .
(2) البداية لابن كثير 8 / 84 ، وتاريخ الطبري 6 / 253 .
(3) مقتل العوالم / 91 ، وأبصار العين / 85 . وفي مقتل الحسين للخوارزمي 2
/ 24 :
كان الغلام التركي من موالي الحسين (ع) ، قارئاً للقرآن ، عارفاً بالعربية ، وقد وضع
الحسين (ع) خدّه على خدّه حين صُرع فتبسّم .
(4) ذخيرة الدارين / 366 .
(5) في تاريخ الطبري 6 / 247 : إنّه من بني عمير بن ربيعة وهو حليف لبني سليمة ابن
بني عبد القيس .
(6) في تاج العروس بمادة ( لوذ ) ، لوذان بن عبد ودّ بن الحرث بن زيد بن جشم بن حاشد .
الصفحة (250)
الهدى علي بن أبي طالب ؟ قال برير : بلى ، أشهد إنّ هذا رأيي . فقال يزيد : وأنا أشهد
إنّك من الضالّين . فدعاه برير إلى المباهلة فرفعا أيديهما إلى الله سبحانه يدعوانه
أن يلعن الكاذب ويقتله ، ثمّ تضاربا فضربه برير على رأسه قدّت المغفر والدماغ ، فخرّ
كأنّما هوى من شاهق ، وسيف برير ثابت في رأسه . وبينا هو يريد أنْ يخرجه إذ حمل عليه
رضي بن منقذ العبدي واعتنق بريراً واعتركا فصرعه برير وجلس على صدره ، فاستغاث رضي
بأصحابه ، فذهب كعب بن جابر بن عمرو الأزدي ليحمل على برير ، فصاح به عفيف بن زهير بن
أبي الأخنس : هذا برير بن خضير القارئ الذي كان يقرؤنا القرآن في جامع الكوفة ، فلَم
يلتفت إليه وطعن بريراً في ظهره ، فبرك برير على رضي وعض وجهه وقطع طرف أنفه ، وألقاه
كعب برمحه عنه وضربه بسيفه فقتله .
وقام العبدي ينفض التراب عن قبائه وقال : لقد أنعمت عليَّ يا أخا الأزد نعمة لا
أنساها أبداً .
ولمّا رجع كعب بن جابر إلى أهله عتبت عليه امرأته النوار وقالت : أعنت على ابن فاطمة
وقتلت سيّد القرّاء ، لقد أتيت عظيماً من الأمر ، والله لا اُكلّمك من رأسي كلمة أبداً
. فقال
:
سـلي تـخبري عنّي وانت ذميمة غـداة حـسين والـرماح iiشوارع
ألم آت اقصى ما كرهت ولم iiيخل عـليَّ غـداة الـروع ما أنا صانع
مـعي يـزني لـم تـخنه iiكعوبُه وأبـيضُ مخشوب الغرارين قاطع
فـجردته فـي عصبة ليس iiدينهم بـديني و إنـي بابن حرب iiلقانع
ولـم تـرَ عيني مثلهم في iiزمانهم ولا قـبلهم فـي النّاس إذ أنا iiيافع
أشـدّ قراعا بالسيوف لدى iiالوغى ألا كـل مـن يحمي الذمار iiمقارع
وقد صبروا للضرب والطعن حُسّراً وقـد نـازلوا لـو أنَّ ذلـك iiنافع
فـأبـلغ عـبـيد الله أمـا iiلـقيته بـأنّـي مـطيع لـلخليفة iiسـامع
قـتلت بـريراً ثـم حـملت iiنعمة ابـا مـنقذ لـما دعـا من iiيماصع
فردّ عليه رضي بن منقذ العبدي بقوله :
ولـو شـاء ربي ما شهدت iiقتالهم ولا جـعل النعماء عندي ابن iiجابر
لـقد كـان ذاك الـيوم عاراً iiوسبَّة تـعـيره الابـناء بـعد iiالـمعاشر
الصفحة (251)
فـيا لـيت إنّي كنت من قبل iiقَتْلِه ويوم حسين كنت في رمس قابر(1)
حنظلة الشبامي
ونادى حنظلة بن سعد الشبامي : يا قوم ، إنّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم
نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وما الله يريد ظلماً للعباد . يا قوم ، إنّي أخاف
عليكم يوم التناد يوم تولّون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من
هاد . يا قوم ، لا تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى . فجزاه الحسين
(ع) خيراً وقال : (( رحمك الله إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما
دعوتهم إليه من الحق ، و نهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك ، فكيف بهم الآن وقد قتلوا
إخوانك الصالحين )) .
قال : صدقت يابن رسول الله أفلا نروح إلى الآخرة ؟ فأذن له ، فسلّم على الحسين (ع) وتقدّم
حتّى قُتل(2) .
عابس
وأقبل عابس بن شبيب الشاكري على شَوذب(3) مولى شاكر
ـ وكان شَوذب من الرجال المخلصين وداره مألف للشيعة يتحدثون فيها فضل أهل البيت ـ
فقال : يا شَوذب ، ما في نفسك أنْ تصنع ؟ قال : اُقاتل معك حتّى اُقتل . فجزاه خيراً وقال له
: تقدّم بين يدَي أبي عبد الله (ع) حتّى يحتسبك كما احتسب غيرك وحتّى أحتسبك فإنّ هذا
يوم نطلب فيه الأجر بكلّ ما نقدر عليه . فسلّم شَوذب على الحسين ، وقاتل حتّى قُتل .
فوقف عابس أمام أبي عبد الله (ع) وقال : ما أمسى على ظهر الأرض
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 248 .
(2) تاريخ الطبري 6 / 254 .
(3) في إعلام الورى / 145 : سمّاه شودان ، وفي ارشاد المفيد كما هنا .
الصفحة (252)
قريب و لا بعيد أعزّ عليَّ منك ، ولَو قدرت أنْ أدفع الضيم عنك بشيء أعزّ عليَّ من نفسي لفعلت
، السّلام عليك ، أشهد أنّي على هداك و هدى أبيك . ومشى نحو القوم مصلتاً سيفه و به
ضربة على جبينه فنادى : ألا رجل ؟ فأحجموا عنه ؛ لأنّهم عرفوه أشجع النّاس . فصاح عمر بن
سعد : أرضخوه بالحجارة . فرُمي بها ، فلمّا رأى ذلك ألقى درعه ومغفره وشدّ على النّاس وإنّه
ليطرد أكثر من مئتين ، ثمّ تعطّفوا عليه من كلّ جانب فقُتل. فتنازع ذووا عدة في رأسه ،
فقال ابن سعد: هذا لَم يقتله واحد . وفرّق بينهم بذلك(1) .
جون
ووقف جون(2) مولى أبي ذرّ الغفاري
أمام الحسين يستأذنه فقال (عليه السّلام) : (( يا جون
إنّما تبعتنا طلباً للعافية ، فأنت في إذن منّي )) . فوقع على قدميه يقبّلهما ويقول : أنا
في الرخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشدّة أخذلكم ، إنّ ريحي لنتن ، وحسبي للئيم ، ولوني لأسود
، فتنفّس عليَّ بالجنّة ؛ ليطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيّض لوني ، لا والله لا اُفارقكم
حتّى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم
. فأذن له الحسين(3) ، فقَتل خمساً وعشرين وقُتل
.
فوقف عليه الحسين (ع) وقال : (( اللهمّ بيِّض وجهه وطيِّب ريحه
، واحشره مع محمّد (ص) وعرِّف
بينه وبين آل محمّد (ص) )).
فكان مَن يمرّ بالمعركة يشمّ منه رائحةً طيّبة أذكى من المسك(4) .
أنس الكاهلي
وكان أنس بن الحارث بن نبيه الكاهلي شيخاًً كبيراً صحابياً ، رأى النبي
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 254 .
(2) في تاريخ الطبري 6 / 239 : بالحاء المهملة وبعدها واو ثمّ الياء ( حوى )
. وفي
مناقب ابن شهر آشوب 2 / 218 : برز جوين ابن أبي مالك مولى أبي ذر الغفاري ، وفي
مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 237 : جون مولى أبي ذر الغفاري ، وكان عبداً أسود .
(3) مثير الأحزان لابن نما / 33 ، طبعة ايران . وفي اللهوف
/ 61 طبعة صيدا : أفتنفس بالجنّة أترغب أن لا أدخل الجنة ؟
(4) مقتل العوالم / 88 .
الصفحة (253)
وسمع حديثه وشهد معه بدراً وحنيناً ، فاستأذن الحسين (ع) وبرز شاداً وسطه بالعمامة
رافعاً حاجبيه بالعصابة ، ولمّا نظر إليه الحسين (ع) بهذه الهيئة بكى وقال :
(( شكر الله لك
يا شيخ )) . فقَتل على كبره ثمانية عشر رجلاً وقُتل(1) .
عمرو بن جنادة
وجاء عمرو بن جنادة الأنصاري بعد أنْ قُتل أبوه ـ وهو ابن إحدى عشرة سنة ـ يستأذن الحسين
(ع)
فأبى وقال : (( هذا غلام قُتل أبوه في الحملة الاُولى ، ولعلّ اُمّه تكره ذلك )) . قال الغلام :
إنّ اُمّي أمرتني . فأذن له فما أسرع أنْ قُتل ورُمي برأسه إلى جهة الحسين (ع) فأخذته اُمّه ومسحت
الدم عنه ، وضربت به رجلاً قريباً منها فمات(2) وعادت
إلى المخيّم فأخذت عموداً وقيل
سيفاً وأنشأت :
إنّي عجوز في النّسا ضعيفة خـاويـة بـالـية iiنـحيفة
أضـربكم بـضربة iiعنيفة دون بـني فاطمة iiالشريفة
فردّها الحسين (ع) إلى الخيمة بعد أن أصابت بالعمود رجلَين(3) .
الحَجّاج الجعفي
وقاتل الحجاج بن مسروق الجعفي حتّى خضب بالدماء ، فرجع إلى الحسين (ع) يقول :
____________________________
(1) ذخيرة الدارين / 208 . وذكر ابن نما في مثير الأحزان مبارزته ورجزه ، وفي الإصابة 1
/ 68 : له ولأبيه صحبة ، وروى عنه حديث رسول الله ( ص ) : (( يُقتل ولدي بأرض
كربلاء ، فمن شهد ذلك فلينصره )) . وذكره السيوطي في الخصائص 2 / 125 ، والجزري في اُسد
الغابة 1 / 123 ، وأبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل 1 / 287 .
(2) ابن شهر آشوب 3 / 219 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 22 : وليس
هذا بالبعيد بعد ما يحدث الشيخ المفيد في كتاب الجمل / 137 الطبعة الثانية : إنّ حكيم بن جبلة
العبدي لمّا قطعت رجله ضرب بها الرجل فصرعه . وفي تاريخ الطبري 5 /180 وكامل ابن الأثير 3
/ 35 : بعد
أن قتل الرجل قال :
يا فخذ لن تراعي إن معي ذراعي
أحمي بها كراعي
وقال ابن الأثير في الكامل 2 / 140 : قطع رجل من أصحاب مسيلمة رجل ثابت بن قيس
فأخذها ثابت وضرب بها الرجل فقتله .
(3) البحار 10 / 198 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 22 . وفي الإصابة ترجمة أسماء بنت
يزيد بن السكن أنّها يوم اليرموك أصابت بالعمود تسعة من الروم فقتلتهم .
|