مقتل الحسين/ للمقرم

 
 

الصفحة (221)

يوم عاشوراء

(( إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما ))

أبو عبد الله الحسين (عليه السّلام )


الصفحة (222)

يوم عاشوراء

لَو  كان يدري يوم iiعاشوراء      مـا كان يجري فيه من بلاء
مـا لاح فـجره ولا استنارا      ولا  أضـاءت شمسه iiنهارا
سـوّد حـزناً أوجـه iiالأيام      وأوجـه الـشهور iiوالأعوام
الله  مـا أعـظمه مـن يوم      أزال صـبري وأطار iiنومي
الـيوم أهـل آيـة iiالتطهير      بـين صـريع فيه أو iiعفير
اليوم  قد مات الحفاظ iiواُلوفا      اليوم  كاد الدّين يقضي iiأسفا
الـيوم  نامت أعين iiالأعداء      وسـهدِّت  عيون ذي iiالولاء
وَيلي وهل يجدي حزيناً ويل      لأضـلع تـدوسهنَّ iiالـخيل
وارؤس عـلى الرماح iiترفع      وجثث  على الصعيد iiتُوضَع
وثـاكل  تـبدو من iiالخدور      تـعـجُّ بـالويل iiوبـالثبور
ومـرضع ترنو إلى iiرضيع      على  التراب فاحص صريع
ونـسوة تـسبى على iiالنياق      حـسرى تـعاني ألم iiالفراق
أهـمّ شـيء لـذوي iiالولاء      أن يـجلسوا للنوح و iiالعزاء
فـيه تـقام سـنن iiالمصاب      والترك للطعام iiوالشراب
(1)

لقد مرّ هذا اليوم على آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) وكلّه شجاء مترامي الأطراف ، أثّرت فجائعه في القلوب فأذابتها وفي المدامع فأدمتها ، فلا تسمع فيه إلاّ صرخة فاقد وزفرة ثاكل وحنة محزون ، ولا تبصر إلاّ كلّ أشعث قد أنهكه ألم المصاب ، و مغبر يذري على رأسه التراب ، إلى لادم صدراً وصاك جبهته وقابض على فؤاد وصافق بيده الاُخرى ، وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ؛ لكن لوعة المصاب أليمة وكوارثه عظيمة . ولَو يكشف لك عن الملأ الأعلى لسمعت لعالم الملكوت صرخة وحنة ، وللحور في غرف الجنان نشيجاً ونحيباً ولأئمّة الهدى بكاءاً وعويلاً.

ولا بدع ؛ فالفقيد فيه عبق الرسالة وألق الخلافة وإكليل تاج الإمامة ، وهو سبط المصطفى وبضعة فاطمة الزهراء وفلذة كبد الوصي المرتضى وشقيق السّبط

____________________________
(1) المقبولة الحسينية / 62 ، لحجة الإسلام آية الله الشيخ هادي آل كاشف الغطاء قدس الله سره .

الصفحة (223)

المجتبى و حجّة الله على الورى ، نعم هو الآية المخزونة والرحمة الموصولة والأمانة المحفوظه والباب المبتلى به النّاس .

فمصابه يقلّ فيه البكاء ، ويعز عنه العزاء . فلو تطايرت شظايا القلوب وزهقت النّفوس جزعاً لذلك الحادث الجلل لكان دون واجبه . أو ترى للحياة قيمة والمؤدّى به هو ذلك العنصر الحيوي الزاكي . وما قدر الدمع المراق والموتور ثار الله في الأرض ؟ أو يهدأ الكون والذاهب مرساه ومنجاه في مسراه ؟ وهل ترقأ العين وهي ترنو بالبصيرة إلى ضحايا آل محمّد مجزّرين على وجه الصعيد مبضعة أجسادهم بين ضريبة للسيوف ودرية للرماح ورمية للنبال ؟ وقد قضوا وهم رواء الكون ظماء على ضفة الفرات الجاري ، تلغ فيه الكلاب وتشرب منه وحش الفلا ، غير أنّ آل محمد(ص) محلأون عنه ؟ وللمذاكي عقرن فلا يلوى لهنّ لجام ، تجوال على تلك الصدور الزواكي ولصدر الحسين حديثه الشجي :

وأعـظم خـطب أنّ شمراً له iiعلى      جـناجن صـدر ابْـن النبيّ مقاعد
فـشُلَّت  يـداه حـين يفري iiبسيفه      مـقلّد  مـن تـلقى إلـيه iiالـمقالد
وأىّ فـتى أضـحت خـيول iiاُميّة      تـعادى عـلى جـثمانه iiوتـطارد
فـلهفي لـه والـخيل منهنَّ iiصادر      خضيب الحوافي في دماه ووارد
(1)

فاللازم على الموالي المتأسّي بالنّبي الأعظم الباكي على ولده بمجرّد تذكّر مصابه(2) أنْ يقيم المأتم على سيّد الشهداء ، و يأمر مَن في داره بالبكاء عليه ، و ليعزّ بعضهم بعضاً بالحسين ، فيقول كما في حديث الباقر(ع) : (( عظّم الله اُجورنا و اُجوركم بمصابنا بالحسين ، و جعلنا و إيّاكم من الطالبين بثأره مع وليّه المهدي من آل محمّد (عليهم السّلام) ))(3)  .

دخل عبد الله بن سنان على أبي عبد الله الصادق (عليهم السّلام) في يوم عاشوراء ، فرآه كاسف اللون ظاهر الحزن و دموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ فقال له : مِمَّ بكاؤك يابن رسول الله ؟ قال عليه السّلام : (( أوَفي غفلة أنت ؟! أما علمت أنّ الحسين اُصيب في هذا اليوم ؟ )) ، ثمّ أمره أنْ يكون كهيئة أرباب المصائب ، يحلل

____________________________
(1) للشيخ جعفر الخطي ، كما في الدر النضيد / 93 .
(2) الخصائص للسيوطي 2 / 125 ، وأعلام النبوّة للماوردي / 83 .
(3) كامل الزيارات / 175 ، ومصباح المتهجّد للشيخ الطوسي / 39 .

الصفحة (224)

أزراره ويكشف عن ذراعَيه ويكون حاسراً ، ولا يصوم يوماً كاملاً ، وليكن الافطار بعد العصر بساعة على شربة من ماء ؛ ففي ذلك الوقت تجلّت الهيجاء عن آل محمّد . ثم قال (عليه السّلام) : (( لَو كان رسول الله حيّاً لكان هو المعزّى به ))(1) .

وأمّا الإمام الكاظم (ع) فلَم يرَ ضاحكاً أيّام العشرة وكانت الكآبه غالبة عليه ، ويوم العاشر يوم حزنه ومصيبته .

ويقول الرضا (عليه السّلام) : (( فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، إنّ يوم الحسين أقرح جفوننا وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء )).

وفي زيارة النّاحية يقول حجّة آل محمّد عجّل الله فرجه : (( فلأندبنّك صباحاً ومساءً ، ولأبكينَّ عليك بدل الدموع دماً )) .

وبعد هذا فهلاّ يجب علينا أن نخرق ثوب الاُنس ونتجلبب بجلباب الحزن والبكاء ونعرف كيف يجب أن نعظّم شعائر الله بإقامة المأتم للشهيد العطشان في العاشر من المحرّم ؟!

الـيوم ديـنُ الهدى خرَّت iiدعائمُه      ومـلّة الـحقّ جـدّت في iiتداعيها
الـيوم  ضلّ طريق العرف iiطالبه      وسُـدّ باب الرجا في وجه iiراجيها
الـيوم  عـادت بنو الآمال iiمتربةً      الـيوم بـان العفا في وجه iiعافيها
الـيوم شـقّ عـليه الـمجد حلّته      الـيوم  جـزَّت له العليا iiنواصيها
اليوم  عقد المعالي أرفض iiجوهره      الـيوم  قد أصبحت عطْلٌ iiمعاليها
الـيوم  أظلم نادي العزّ من iiمضر      اليوم صرْفُ الردى أرسى iiبواديها
الـيوم  قامت به الزهراء نادبةً        الـيوم  آسـية  وافـت iiتواسيها
الـيوم  عـادت لدين الكفر iiدولتُه      الـيوم نـالت بـنو هـند iiأمانيها
مـا  عذر ارجاس هند يوم iiموقفه      والمصطفى  خصمهم والله iiقاضيها
مـا عـذرها ودِمـا ابنائه iiجعلت      خضاب أعيادها في راح ناديها
(2)
****

____________________________
(1) مزار ابن المشهدي من أعلام القرن السادس .
(2) في شعراء الحلّة 5 / 540 ، إنّها للشيخ هادي النّحوي المتوفى سنة 1225 ﻫ .

الصفحة (225)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحسين (ع)

يوم عاشوراء

قال ابن قَولويه و المسعودي(1) : لمّا أصبح الحسين يوم عاشوراء وصلّى بأصحابه صلاة الصبح ، قام خطيباً فيهم حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : (( إنّ الله تعالى أذِن في قتلكم و قتلي في هذا اليوم ، فعليكم بالصبر والقتال )) . ثمّ صفّهم للحرب وكانوا اثنين وثمانين فارساً وراجلاً ، فجعل زهير بن القين في المَيمنة ، وحبيب بن مظاهر في المَيسرة ، وثبت هو (عليه السّلام) وأهل بيته في القلب(2) ، وأعطى رايته أخاه العباس(3) ؛ لأنّه وجد قمر الهاشميين أكفأ ممَّن معه لحملها ، وأحفظهم لذمامه وأرأفهم به ، وأدعاهم إلى مبدئه وأوصلهم لرحمه ، وأحماهم لجواره وأثبتهم للطعان ، وأربطهم جأشاً وأشدّهم مراساً(4) .

وأقبل عمر بن سعد نحو الحسين (عليه السّلام) في ثلاثين ألفاً وكان رؤساء

____________________________
(1) كامل الزيارات / 73 ، وإثبات الوصيّة / 139 ، المطبعة الحيدرية .
(2) مقتل الخوارزمي 2 / 4 .
(3) تاريخ الطبري 6 / 241 ، وتذكرة الخواص / 143 الطبعة الحجريّة .
(4) اختلف المؤرّخون في عدد أصحاب الحسين ؛
الأول : أنّهم اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، ذكره الشيخ المفيد في الإرشاد ، والطبرسي في إعلام الورى / 142 ، والفتال في روضة الواعظين / 158 ، وابن جرير في التأريخ 6 / 241 ، وابن الأثير في الكامل 4 / 24 ، والقرماني في أخبار الدول / 108 ، والدينوري في الأخبار الطوال / 354 .
الثاني : إنّهم إثنان وثمانون راجلاً ، نسبه في الدمعة الساكبة / 327 إلى الرواية وهو المختار .
الثالث : ستون راجلاً ، ذكره الدميري في حياة الحيوان في خلافة يزيد 1 / 73 .
الرابع : ثلاثة وسبعون رجلاً ، ذكره الشريشي في شرح مقامات الحريري 1 / 193 .
الخامس : خمسة وأربعون فارساً ونحو مئة راجل ذكره ابن عساكر كما في تهذيب تاريخ الشام 4 / 337 .
السادس : إثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، ذكره الخوارزمي في المقتل 2 / 4 .
السابع : واحد وستّون رجلاً ، ذكره المسعودي في إثبات الوصيّة / 35 ، طبع المطبعة الحيدرية .
الثامن : خمسة وأربعون فارساً ومئة راجل ذكره ابن نما في مثير الأحزان / 28 ، وفي اللهوف / 56 : أنّه المروي عن الباقر (عليه السّلام) .
التاسع : إثنان وسبعون رجلاً ، ذكره الشبراوي في الإتحاف بحبِّ الأشراف / 17 .
العاشر : ما في مختصر تاريخ دول الإسلام للذهبي 1 / 31 : أنّه (عليه السّلام) سار في سبعين فارساً من المدينة .

الصفحة (226)

الأرباع بالكوفة يومئذ : عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي على ربع أهل المدينة ، وعبد الرحمن بن أبي سبرة الحنفي على ربع مذحج وأسد ، وقيس بن الأشعث على ربع ربيعة وكندة ، والحرّ بن يزيد الرياحي على ربع تميم وهمدان(1) ، وكلّهم اشتركوا في حرب الحسين إلاّ الحرّ الرياحي .

وجعل ابنُ سعد على المَيمنة عمرو بن الحَجّاج الزبيدي ، وعلى المَيسرة شمر بن ذي الجوشن العامري ، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي ، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي ، والراية مع مولاه ذويد(2) .

وأقبلوا يجولون حول البيوت فيرون النّار تضطرم في الخندق ، فنادى شمر بأعلى صوته : يا حسين ، تعجّلت بالنّار قبل يوم القيامة ؟ فقال الحسين (ع) : (( مَن هذا ؟ كأنّه شمر بن ذي الجوشن )) ، قيل نعم فقال (عليه السّلام) : (( يابن راعية المعزى ، أنت أولى بها منّي صِليّا )) . ورام مسلم بن عوسجة أنْ يرميه بسهم ، فمنعه الحسين و قال : (( أكره أنْ أبدأهم بقتال ))(3) .

دعاء الحسين

ولمّا نظر الحسين (ع) إلى جمعهم كأنّه السيل ، رفع يدَيه بالدعاء وقال : (( اللهمّ ، أنت ثقتي في كلّ كرب ، ورجائي في كلّ شدّة ، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة ، كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد وتقلّ فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدوّ ، أنزلته بك وشكوته إليك ، رغبةً منّي إليك عمَّن سواك فكشفته وفرّجته ، فأنت ولي كلّ نعمة ومنتهى كلّ رغبة ))(4) .

____________________________
(1) في شرح النّهج لابن أبي الحديد 1 / 81 ، الطبعة المصرية : كانت الكوفة اسباعاً .
(2) تاريخ الطبري 6 / 241 .
(3) الإرشاد للشيخ المفيد ، وتاريخ الطبري 6 / 242 .
(4) ابن الاثير في الكامل 4 / 25 ، وتاريخ ابن عساكر 4 / 233 ، وذكر الكفعمي في المصباح / 158 ، طبعة الهند : إنّ النبي (ص) دعا به يوم بدر . واختصره الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 / 202 .

الصفحة (227)

الخطبة الاُولى

ثمّ دعا براحلته فركبها ، و نادى بصوت عال يسمعه جلّهم : (( أيّها النّاس اسمعوا قَولي ، ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حقّ لكم عليَّ ، وحتّى أعتذر إليكم من مَقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النّصف من أنفسكم ، كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم عليَّ سبيل . وإنْ لَم تقبلوا مِنّي العذر ولَم تعطوا النّصف من أنفسكم ، فأجمعوا أمركم و شركاءكم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة . ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون . إنّ ولييّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين )) .

فلمّا سمعنَ النّساء هذا منه صحنَ وبكينَ وارتفعت أصواتهنَّ ، فأرسل إليهنَّ أخاه العبّاس وابنه علياً الأكبر وقال لهما : (( سكّتاهنَّ فلعمري ليكثر بكاؤهنَّ )).

ولمّا سكتنَ ، حمد الله وأثنى عليه وصلّى على محمّد وعلى الملائكة والأنبياء وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره ولَم يُسمع متكلّم قبله ولا بعده أبلغ منه في منطقه (1) ، ثمّ قال : (( عباد الله ، اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر ؛ فإنّ الدنيا لَو بقيت على أحد أو بقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء وأولى بالرضا وأرضى بالقضاء ، غير أنّ الله خلق الدنيا للفناء ، فجديدها بالٍ ونعيمها مضمحل وسرورها مكفهر ، والمنزل تلعة والدار قلعة ، فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى ، واتقوا الله لعلّكم تفلحون (2) . أيّها النّاس إنّ الله تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالاً بعد حال ، فالمغرور من غرّته والشقي من فتنته ، فلا تغرّنكم هذه الدنيا ، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها وتُخيّب طمع من طمع فيها . وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم وأحلَّ بكم نقمته ، فنِعمَ الربّ ربّنا وبئس العبيد أنتم ؛ أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمّد (ص) ، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذريّته وعترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم

____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 242 .
(2) زهر الآداب للحصري 1 / 62 ، طبعة دار الكتب العربية ، سنة 1372 .

الصفحة (228)

الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم ، فتبّاً لكم ولِما تريدون . إنّا لله وإنّا إليه راجعون هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين(1) . أيّها النّاس أنسبوني مَن أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي ؟ ألستُ ابن بنت نبيّكم وابن وصيّه وابن عمّه وأول المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه ؟ أوَ ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي ؟ أوَ ليس جعفر الطيّار عمّي ، أوَ لَم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي : هذان سيّدا شباب أهل الجنّة ؟ فإنْ صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ ـ والله ما تعمدتُ الكذب منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله ويضرّ به من اختلقه ـ وإنْ كذّبتموني فإنّ فيكم مَن إنْ سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبا سعيد الخدري ، وسهل بن سعد الساعدي ، وزيد بن أرقم ، وأنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي ، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟! ))

فقال الشمر : هو يعبد الله على حرف إنْ كان يدري ما يقول .

فقال له حبيب بن مظاهر : والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفاً ، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك .

ثمّ قال الحسين (ع) : (( فإنْ كنتم في شكّ من هذا القول ، أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم ، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويحكم اتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟! أو مال لكم استهلكته ؟! أو بقصاص جراحة ؟! )) ، فأخذوا لا يكلّمونه !

فنادى : (( يا شبث بن ربعي ، ويا حَجّار بن أبجر ، ويا قيس بن الأشعث ، ويا زيد بن الحارث ألم تكتبوا إليَّ أنْ اقدم قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب ، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة ؟ ))

فقالو : لَم نفعل .

قال : (( سبحان الله ! بلى والله لقد فعلتم )) . ثمّ قال : (( أيّها النّاس ، إذا كرهتموني

____________________________
(1) مقتل محمّد بن أبي طالب الحايري .

الصفحة (229)

فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمن من الأرض )) . فقال له قَيس بن الأشعث : أولا تنزل على حكم بني عمّك ؟ فإنّهم لَن يروك إلاّ ما تُحبّ ولَن يصل إليك منهم مكروه .

فقال الحسين (عليه السّلام) : (( أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا والله لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد(1) ، عباد الله إنّي عذتُ بربّي وربّكم أنْ ترجمون ، أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبِّر لا يؤمن بيوم الحساب )) . ثمّ أناخ وأمر عقبة بن سمعان فعقلها(2) .

وقـام  لـسان الله يـخطب iiواعـظاً      فـصمّوا لـما عن قدس أنواره iiعموا
وقال انسبوني مَن أنا اليوم وانظروا       حـلالٌ  لـكم مـنّي دمـي أم iiمحرّم
فـمـا وجـدوا إلاّ الـسِّهام iiبـنحره      تــراش  جـواباً والـعوالي تـقَّوم
ومـذ  أيـقن السّبط انمحى دين iiجَدّه      ولَم  يبقَ بين النّاس في الأرض iiمسلم
فـدى نـفسه في نصرة الدين خائضاً      عـن الـمسلمين الـغامرات iiليسلموا
وقـال خـذيني يا حتوف وهاك iiيا       سـيوف  فـأوصالي لـك اليوم مغنم
وهـيهات أن أغدو على الضّيم iiجاثماً       ولـو لا عـلى جـمر الأسـنَّة مجثم
وكـرّ وقد ضاق الفضا وجرى iiالقضا      وسـال بـوادي الـكفر سيل iiعرمرم
ومـذ خـرّ بـالتعظيم لله iiسـاجداً      لـه كـبّروا بـين السّيوف iiوعظموا
وجـاء  إلـيه الـشّمر يـرفع iiرأسه      فـقـام بـه عـنه الـسّنان iiالـمقوّم
وزُعْـزع عـرش الله وانـحطَّ iiنوره      فـأشرق  وجه الأرض والكون iiمظلم

____________________________
(1) ( بالفاء الموحّدة فيهما ) ، رواه ابن نما في مثير الأحزان / 26 ، وهو أصح ممّا يمضي على الألسن ، ويوجد في بعض المقاتل ( بالقاف ) من الإقرار ؛ لأنّه على هذا تكون الجملة الثانية غير مفيدة ، إلاّ ما أفادته التي قبلها بخلافه على قراءة الفرار ، فإنّ الجملة الثانية تفيد أنّه لا يفرّ من الشدة والقتل ، كما يصنعه العبيد . وهو معنى غير ما تؤدي إليه الجملة التي قبلها ، على أنّه يوجد في كلام أمير المؤمنين ما يشهد له ، ففي تاريخ الطبري 6 / 76 الطبعة الاُولى وكامل ابن الأثير 3 / 148 ، ونهج البلاغة 1 / 104 ، المطبعة الأميريّة : إنّ أمير المؤمنين قال في مصقلة بن هبيرة لمّا فرّ إلى معاوية : (( ما لَه فعل فعل السيّد ، وفرّ فرار العبد ، وخان خيانة الفاجر ؟! )) ، وقصّته على ما ذكرها ابن حزم في جمهرة أنساب العرب / 164 : إنّ أصحاب الحريث بن راشد من بني عبد البيت بن الحارث ارتدّوا أيام علي (ع) فحاربهم وقتلهم وسبى نساءهم وأبناءهم ، فابتاعهم مصقلة الشيباني وأعتقهم ثمّ هرب إلى معاوية ، فأمضى علي (ع) عتقه لهم .
(2) تاريخ الطبري 6 / 243 .

الصفحة (230)

ومذ  مال قطب الكون مال iiوأوشك      انـقلاباً يـميل الـكائنات iiويـعدم
وحين  ثوى في الأرض قرَّ قرارها      وعادت ومن أوج السّما وهي أعظم
فـلهفي  لـه فـرداً عليه تزاحمت      جـموع الـعدى تزداد جهلاً iiفيحلم
ولـهفي لـه ظـامٍ يـجود iiوحوله      الـفرات  جـرى طامٍ وعنه iiيحرَّم
ولـهفي  لـه مـلقىً وللخيل حافر      يـجول عـلى تلك الضلوع iiوينسم
ولـهفي على أعضاك يابن iiمحمد      تُــوزّع فـي أسـيافهم iiوتـسهم
فـجسمك  مـا بين السّيوف موزَّع      ورحـلك مـا بـين الأعادي iiمقسّم
فـلهفي عـلى ريحانة الطُّر iiجسمه      لـكلّ رجـيم بـالحجارة يرجم
(1)

كرامة وهداية

وأقبل القوم يزحفون نحوه ، وكان فيهم عبد الله بن حوزة التميمي(2) فصاح : أفيكم حسين ؟ وفي الثالثة قال أصحاب الحسين : هذا الحسين فما تريد منه ؟ قال : يا حسين ، أبشر بالنّار ، قال الحسين : (( كذبت ، بل أقدم على ربّ غفور كريم مطاع شفيع . فمَن أنت ؟ )) قال : أنا ابن حوزة . فرفع الحسين يدَيه حتّى بانَ بياض ابطَيه وقال : (( اللهمّ ، حزه إلى النّار ، فغضب ابن حوزة وأقحم الفرس إليه وكان بينهما نهر فسقط عنها وعلقت قدمه بالركاب ، وجالت به الفرس وانقطعت قدمه وساقه وفخذه ، وبقي جانبه الآخر معلّقاً بالركاب ، وأخذت الفرس تضرب به كلّ حجر وشجر(3) ، وألقته في النّار المشتعلة في الخندق فاحترق بها ومات . فخرّ الحسين (ع) ساجداً شاكراً حامداً على إجابة دعائه ، ثمّ إنّه رفع صوته يقول : (( اللهمّ ، إنّا أهل بيت نبيّك وذريّته وقرابته ، فاقصم مَن ظلمنا وغصبنا حقّنا إنّك سميع قريب )) فقال له : محمّد بن الأشعث أيّ قرابة بينك وبين محمّد ؟ فقال الحسين : (( اللهمّ إنّ

____________________________
(1) من قصيدة لآية الله الحجّة الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء ، ذُكرت بتمامها في كتابنا ( قمر بن هاشم ) .
(2) في مجمع الزوائد للهيثمي 9 / 193 : ابن جويرة أو جويزة .
وفي مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 248 : مالك بن جريرة .
وفي روضة الواعظين للفتال / 159 الطبعة الاُولى : يقال له : ابن أبي جويرة المزني ، وإنّ فرسه نفرت به وألقته في النّار التي في الخندق .
(3) كامل ابن الأثير 4 / 27 .

الصفحة (231)

محمد بن الأشعث يقول : ليس بيني و بين محمّد قرابة . اللهمّ أرني فيه هذا اليوم ذلاً عاجلاً )) ، فاستجاب الله دعاءه ، فخرج محمّد بن الأشعث من العسكر ، ونزل عن فرسه لحاجته ، وإذا بعقرب أسود يضربه ضربة تركته متلوّثاً في ثيابه ممّا به(1) ومات باديَ العورة(2) .

قال مسروق بن وائل الحضرمي : كنتُ في أوّل الخيل التي تقدّمت لحرب الحسين ؛ لعلّي أنْ اُصيب رأس الحسين فأحظى به عند ابن زياد ، فلمّا رأيت ما صُنع بابن حوزة عرفت أنّ لأهل هذا البيت حرمة ومنزلة عند الله ، وتركت النّاس وقلت : لا اُقاتلهم فأكون في النّار(3) .

خطبة زهير بن القين

وخرج إليهم زهير بن القين على فرس ذنوب وهو شاك في السّلاح فقال : يا أهل الكوفة ، نذار لكم من عذاب الله إنَّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتّى الآن إخوة على دين واحد ، ما لَم يقع بيننا وبينكم السّيف ، وأنتم للنصيحة منّا أهل ، فإذا وقع السّيف انقطعت العصمة ، وكنّا اُمّة وأنتم اُمّة ، إنّ الله ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمّد (ص) ؛ لينظر ما نحن وأنتم عاملون . إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد وعبيد الله بن زياد ، فإنّكم لا تدركون منهما إلاّ سوء عمر سلطانهما ، يسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثّلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النّخل ، ويقتلان أماثلكم وقرّاءكم أمثال حِجر بن عدي وأصحابه ، وهاني بن عروة وأشباهه . فسبّوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد ودعوا له وقالوا : لا نبرح حتّى نقتل صاحبك ومَن معه أو نبعث به وبأصحابه إلى عبيد الله بن زياد سلماً .

فقال زهير : عباد الله إنّ ولد فاطمة أحقّ بالودّ والنّصر من ابن سميّة ، فإنْ لم

____________________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص249 فصل 11 : واقتصر الصدوق في الأمالي على دعائه على محمّد بن الأشعث .
(2) روضة الواعظين للفتال ص159 طبع أول .
(3) الكامل لابن الأثير ج4 ص27 .

الصفحة (232)

تنصروهم ، فاُعيذكم بالله أنْ تقتلوهم ، فخلّوا بين هذا الرجل وبين يزيد ، فلَعمري إنّه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين (ع) .

فرماه الشمر بسهم وقال : اسكت أسكت الله نامتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك .

فقال زهير : يابن البوّال على عقبيه ، ما إيّاك اُخاطب ، إنّما أنت بهيمة والله ما أظنّك تحكم من كتاب الله آيتَين ، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم . فقال الشمر : إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة . فقال زهير : أفبالموت تخوّفني ؟ فوالله لَلموت معه أحبّ إليَّ من الخلد معكم . ثمّ أقبل على القوم رافعاً صوته وقال : عباد الله ، لا يغرّنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه ، فوالله لا تنال شفاعة محمّد (ص) قوماً هرقوا دماء ذريّته وأهل بيته ، وقتلوا مَن نصرهم وذبَّ عن حريمهم .

فناداه رجل من أصحابه ، إنّ أبا عبد الله يقول لك : (( أقبِل ، فلَعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء ، فلقد نصحتَ هؤلاء وأبلغت لَو نفع النّصح والإبلاغ ))(1) .

خطبة بُرير

واستأذن الحسينَ برير بن خضير(2) في أنْ يكلّم القوم ، فأذن له ـ وكان شيخاً تابعياً ناسكاً قارئاً للقرآن ومن شيوخ القرّاء في جامع الكوفة ، وله في الهمدانيّين شرف وقدر ـ فوقف قريباً منهم ونادى : يا معشر النّاس ، إنّ الله بعث محمداً بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً ، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السّواد وكلابه

____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 243 .
(2) قال ابن الأثير في الكامل 4 / 37 : برير ( بالباء الموحّدة ، وفتح الراء المهملة ، وسكون الياء المثناة من تحتها ، وآخره راء ) . وخضير ( بالخاء والضاد المعجمتين ) .

الصفحة (233)

وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول الله ، أفجزاء محمّد هذا ؟!(1) . فقالوا : يا بُرير ، قد أكثرت الكلام ، فاكفف عنّا ، فوالله ليعطش الحسين كما عطش مَن كان قبله . قال : يا قوم ، إنّ ثقل محمّد قد أصبح بين أظهركم ، وهؤلاء ذرّيته وعترته وبناته وحرمه ، فهاتوا ما عندكم وما الذي تريدون أنْ تصنعوه بهم ؟ فقالوا : نريد أنْ نمكنّ منهم الأمير عبيد الله بن زياد ، فيرى فيهم رأيه . قال : أفلا تقبلون منهم أنْ يرجعوا إلى المكان الذي جاؤا منه ؟ ويلكم يا أهل الكوفة ، أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها وعليكم ؟! أدعوتم أهل بيت نبيّكم وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونهم حتّى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد وحلأتموهم عن ماء الفرات ؟ بئسما خلفتم نبيّكم في ذريّته ! ما لكم ؟ لا سقاكم الله يوم القيامة فبئس القوم أنتم ! فقال له نفر منهم : يا هذا ، ما ندري ما تقول ؟  قال : الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة ، اللهمّ إنّي أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم ، اللهمّ القِ بأسهم بينهم حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان . فجعل القوم يرمونه بالسّهام ، فتقهقر(2) .

خطبة الحسين الثانية

ثمّ إنّ الحسين (ع) ركب فرسه ، وأخذ مصحفاً ونشره على رأسه ، ووقف بإزاء القوم وقال : (( يا قوم ، إنّ بيني وبينكم كتاب الله وسنّة جدّي رسول الله (ص) ))(3) . ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدّسة وما عليه من سيف النّبي (ص) ولامته

____________________________
(1) في أمالي الصدوق / 96 ، المجلس الثلاثون ، الطبعة الاُولى : لمّا بلغ العطش من الحسين وأصحابه ، استأذن برير أن يكلّم القوم فأذِن له .
(2) البحار ج10 : عن محمّد بن أبي طالب . [ بحار الأنوار 45 / 5 ] .
(3) تذكرة الخواص / 143 .

الصفحة (234)

وعمامته فأجأبوه بالتصديق . فسألهم عمّا أخذهم على قتله ؟ قالوا : طاعةً للأمير عبيد الله بن زياد ، فقال (عليه السّلام) : (( تبّاً لكم أيّتها الجماعة و ترحاً ، أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم ، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم ، بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم . فهلاّ ـ لكم الويلات ! ـ تركتمونا والسّيف مشيم والجأش طامن والرأي لَما يستحصف ، ولكنْ أسرعتم إليها كطيرة(1) الدبا وتداعيتم عليها كتهافت الفراش ، ثمّ نقضتموها ، فسحقاً لكم يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ومحرّفي الكلِم وعصبة الإثم ونفثة الشيطان ومطفئيّ السّنَن ! ويحكم أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون ! أجل والله غدر فيكم قديم وشجت عليه اُصولكم وتأزّرت فروعكم فكنتم أخبث ثمرة ، شجى للناظر وأكلة للغاصب ! ألا وإنّ الدّعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتَين ؛ بين السّلة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ، يأبي الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت واُنوف حميّة ونفوس أبيّة ، من أن نؤثر طاعة اللئام من مصارع الكرام ، ألا وإنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العدد وخذلان النّاصر )) . ثمّ أنشد أبيات فروة بن مُسيك المرادي(2) .

____________________________
(1) بالكسر فالفتح ، تاج العروس .
(2) نقلناها من اللهوف / 54 ، ورواها ابن عساكر في تاريخ الشام 4 / 333 ، والخوارزمي في المقتل 2 / 6 ، وفي نقليهما خلاف لما هنا .
وقال ابن حجر في الإصابة 3 / 205 : وفد فروة بن مسيك ( بالتصغير ) على النّبي (ص) سنة تسع مع مذحج ، واستعمله النبي على مراد ومذحج وزبيد .
وفي الاستيعاب : سكن الكوفة أيام عمر . وذكر ابن هشام في السيرة بهامش الروض الانف 2 / 344 : لمّا كانت الوقعة بين مراد وهمدان ، أنشأ أبياتاً تسعة ولَم يكن فيها البيت الثالث والرابع . وفي اللهوف ذكر سبعة مع البيتين . وفي الأغاني 19 / 49 : نسب الفرزدق إلى خاله العلاء بن قرظة قوله :
إذا ما الدهر جر على اناس     بكلكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين ... الخ                                
وذكر ابن عساكر في تاريخ الشام 4 / 334 ، والخوارزمي في المقتل 2 / 7 ، الأول والثاني ولَم ينسباهما إلى أحد .
ونسبهما المرتضى في الأمالي 1 / 181 إلى ذي الإصبع العدواني . وفي عيون الأخبار لابن قتيبة 3 / 114 ، وشرح الحماسة للتبريزي 3 / 191 : أنّها للفرزدق .
وفي الحماسة البصريّة / 30 : أنّهما من قصيدة فروة بن مسيك ، ويرويان لعمر بن قعاس .

الصفحة (235)

فـإن  نـهزم فـهزّامون قدماً      وإن نـهْزَم فـغير iiمُـهزَّمينا
ومـا  أن طبنا
(1) جبن iiولكن      مـنـايانا ودولــة iiآخـرينا
فـقل  لـلشامتين بـنا iiأفيقوا      سـيلقى  الـشامتون كما iiلقينا
إذا مات الموت رفَّع عن اُناس      بـكـلكله  أنــاخ بـآخرينا

أما والله ، لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يركب الفرس ، حتّى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور ، عهدٌ عَهَده إليَّ أبي عن جدّي رسول الله ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليَّ ولا تنظرون ، إنّي توكّلت على الله ربّي وربّكم ، ما من دابّة إلاّ هو آخذ بناصيتها إنّ ربّي على صراط المستقيم ))(2) . ثمّ رفع يدَيه نحو السّماء وقال : (( اللهمّ ، احبس عنهم قطر السّماء ، وابعث عليهم سنين كسنيّ يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة ، فإنّهم كذبونا وخذلونا ، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك المصير (3) . والله لا يدع أحداً منهم إلاّ انتقم لي منه ، قتلةً بقتلة وضربةً بضربة ، وإنّه لينتصر لي ولأهل بيتي وأشياعي ))(4) .

ضلال ابن سعد

واستدعى الحسين (ع) عمر بن سعد ، فدُعي له ـ وكان كارهاً لا يحبّ أن يأتيه ـ فقال (ع) : (( أي عمر ، أتزعم أنّك تقتلني ويولّيك الدعيّ بلاد الري وجرجان ؟ والله لا تتهنّأ بذلك ، عهد معهود فاصنع ما أنت صانع ، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأنّي برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتّخذونه غرضاً بينهم )) ، فصرف بوجهه عنه مغضباً(5) .

____________________________
(1) الطب ( بالكسر ) : الإرادة والعادة .
(2) تاريخ ابن عساكر 4 / 334 ، والمقتل للخوارزمي 2 / 7 ، واللهوف / 54 .
(3) اللهوف / 56 ، طبعة صيدا ، والمقتل للخوارزمي 3 / 7 .
(4) مقتل العوالم / 84 .
(5) تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 110 ، ومقتل العوالم / 84 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 8 .

الصفحة (236)

توبة الحرّ

ولمّا سمع الحرّ بن يزيد الرياحي كلامه واستغاثته ، أقبل على عمر بن سعد وقال له : أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ قال : إي والله ، قتالاً أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح الأيدي . قال : ما لكم فيما عرضه عليكم من الخصال ؟ فقال : لَو كان الأمر إليَّ لقبلت ، ولكن أميرك أبى ذلك . فتركه ووقف مع النّاس ، وكان إلى جنبه قرّة بن قيس فقال لقرّة : هل سقيت فرسك اليوم ؟ قال : لا ، قال : فهل تريد أن تسقيه ؟ فظنّ قرّة من ذلك أنّه يريد الاعتزال ويكره أن يشاهده ، فتركه فأخذ الحرّ يدنو من الحسين قليلاً ، فقال له المهاجر بن أوس : أتريد أن تحمل ؟ فسكت وأخذته الرعدة ، فارتاب المهاجر من هذا الحال وقال له : لَو قيل لي : مَن أشجع أهل الكوفة ؟ لَما عدوتك ، فما هذا الذي أراه منك ؟ فقال الحرّ : إنّي اُخيِّر نفسي بين الجنّة والنّار ، والله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو اُحرقت . ثمّ ضرب جواده نحو الحسين(1) منكّساً رمحه قالباً ترسه(2) وقد طأطأ برأسه ؛ حياءً من آل الرسول بما أتى إليهم وجعجع بهم في هذا المكان على غير ماء ولا كلأ ، رافعاً صوته : اللهمّ إليك اُنيب فتب عليَّ ، فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيّك . يا أبا عبدالله إنّي تائب ، فهل لي من توبة ؟ فقال الحسين (ع) : (( نعم يتوب الله عليك ))(3) . فسرّه قوله وتيقّن الحياة الأبديّة والنّعيم الدائم ، ووضح له قول الهاتف لمّا خرج من الكوفة ، فحدّث الحسين (ع) بحديث قال فيه : لمّا خرجت من الكوفة نُوديت : أبشر يا حرّ بالجنّة . فقلت : ويلٌ للحر

____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 244 .
(2) في البداية لابن كثير 7 / 63 : في واقعة اليرموك قال جرجه، وهو من النصارى لخالد بن الوليد : ما منزلة مَن يدخل منّا في هذا الأمر؟ قال خالد : له من الأجر أفضل ممّا لنا ؛ لأنا صدقنا نبينا وهو حي بين أظهرنا يأتيه وحي السّماء ونرى الآيات ، ومَن يسلم منكم وهو لَم يسمع ما سمعنا ولَم يرَ ما رأينا من العجائب والحجج وكان دخوله في هذا الأمر بيّنة صادقة ، كان أفضل منّا . فعند ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال : علِّمني الإسلام ... .
وفي أنساب الأشراف للبلاذري 1 / 42 ، طبعة دار المعارف ، مصر : كان العرب إذا خافوا ووردوا على من يستجيرون به وجاؤا للصلح نكسوا رماحهم . وقال في صفحة 43 : وفد الحارث بن ظالم على عبد الله بن جدعان بـ (عكاظ) وهم يرون حرب قيس ، فكذلك نكّس رمحه ثمّ رفعه حين عرفوه وأمن .
(3) اللهوف / 58 ، وأمالي الصدوق / 97 المجلس الثلاثون ، وروضة الواعظين / 159 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث