الصفحة (264)
القاسم وأخوه
وخرج أبو بكر بن الحسن بن أمير المؤمنين (ع) ، وهو عبد الله الأكبر ، واُمّه اُمّ ولد(1)
يقال لها رملة(2) ، فقاتل حتّى قُتل(3) .
وخرج من بعده أخوه لاُمّه وأبيه القاسم(4) ، وهو غلام لَم يبلغ الحلم ، فلمّا نظر
إليه
الحسين (عليه السّلام) اعتنقه وبكى(5) ثمّ أذن له ، فبرز كأنّ وجهه شقّة قمر(6) وبيده السّيف
وعليه قميص وإزار وفي رجلَيه نعلان ، فمشى يضرب بسيفه فانقطع شسع نعله اليسرى(7)
ـ
وأنف ابن النّبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يحتفي في الميدان ـ فوقف يشدّ شسع
نعله(8) وهو لا يزن الحرب إلاّ بمثله غير
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 269 ، ومقاتل أبي الفرج / 34 .
(2) في الحدائق الوردية : اُمّه واُمّ القاسم رملة ، وفي تذكرة الخواص / 103 ، عن طبقات
ابن سعد : نفيلة اُمّ القاسم وأبي بكر وعبد الله . وفي مقاتل أبي الفرج ، اُمّ ولد لا
تُعرف . وفي نسب قريش / 50 ، لمصعب الزبيري : القاسم وأبو بكر قتلا بالطفّ ولا عقب لها .
(3) في إعلام الورى الطبرسي / 127 ، والمجدي في النسب لأبي الحسن العمري ، وإسعاف
الراغبين على هامش نور الأبصار ، 202 : إنّه تزوّج من سكينة بنت الحسين (ع) . وفي
المترادفات للمدائني / 64 في المجموعة الاُولى نوادر المخطوطات : كان عبد الله بن الحسن
أبا عذرها . وفي تاج العروس 4 / 387 : يقال : لله أبا عذرها ، إذا افترعها وافتضها .
(4) كلّ ما يُذكر في عرس القاسم غير صحيح ؛ لعدم بلوغه سنّ الزواج ، ولم يرد به نصّ صحيح من
المؤرّخين . والشيخ فخر الدين الطريحي عظيم القدر جليل في العلم ، فلا يمكن لأحد أنْ
يتصوّر في حقّه هذه الخرافة ، فثبوتها في كتابه المنتخب ، مدسوسة في الكتاب ، وسيحاكِم
الطريحي واضعها في كتابه . وما أدري من أين أثبت عرسه فضيلة السيّد علي محمّد اللكنهوي الملقّب بـ ( تاج العلماء ) فكتب رسالة في عرسه سمّاها ( القاسميّة ) ، كما جاء في الذريعة
للطهراني 17 / 4 ، رقم 19 .
(5) مقتل الخوارزمي 2 / 27 . وذكر الخوارزمي : إنّ الحسين (ع) أبى أنْ يأذن له ، فما
زال الغلام يقبّل يدَيه ورجلَيه حتّى أذن له . أقول : هذا الخبر ينافيه ، ما تقدّم من
إخبار الحسين (ع) ليلة عاشوراء أصحابه وأهل بيته بقتلهم جميعاً حتّى القاسم والرضيع
، وهذا
الحديث كحديث عرس القاسم لا صحّة له .
(6) تاريخ الطبري 6 / 256 ، ومقاتل أبي الفرج ، والإرشاد ، وإعلام الورى / 146 ، ومقتل
الخوارزمي 2 / 27 .
(7) تاريخ الطبري 6 / 256 ، ومقاتل أبي الفرج ، ومقتل الخوارزمي 2 / 27 ، وفي الإرشاد
وإعلام الورى : شسع أحدهما .
(8) ذخيرة الدارين / 152 ، وإبصار العين / 37 : أقول : لا غرو من ابن المصطفى إذ أنف
أنْ
يحتفي في الميدان ، فهذا أبو الفرج يحدّث في الأغاني 11 / 144 : أنّ جعفر بن علية بن
ربيعة بن عبد يغوث ، من بني الحارث بن كعب ، لمّا جيء به ؛ ليقاد مه ، فبينا هو يمشي
إذ
انقطع شسع نعله ، فوقف يصلحه . فقال له رجل : ألا يشغلك ما أنت فيه عن هذا ؟ فقال جعفر
:
أشدّ قبال نعلي أنْ يراني
عدوّي للحوادث مستكينا
الصفحة (265)
مكترث بالجمع ولا مبال بالاُلوف .
أهـوى يـشدّ iiحـذاءه والحرب مشرعة iiلأجله
لـيسومها مـا إن iiغلت هـيجاؤها بشراك iiنعله
مـتـقلداً iiصـمـصامه مـتفّيئاً بـظلال iiنصله
لا تـعـجبنّ iiلـفـعله فـالفرع مرتهن iiبأصله
الـسُّحْبُ يـخلفها iiالحيا والليث منظور بشبله(1)
وبينا هو على هذا إذ شدّ عليه عمرو بن سعد بن نُفيل الأزدي ، فقال له حميد بن مسلم :
وما تريد من هذا الغلام ؟ يكفيك هؤلاء الذين تراهم احتوشوه . فقال : والله لأشدنّ
عليه . فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسّيف ، فوقع الغلام لوجهه فقال : يا عمّاه ! فأتاه الحسين
كالليث الغضبان ، فضرب عمراً بالسّيف فاتّقاه بالسّاعد فأطنّها(2) من المرفق ، فصاح صيحةً
عظيمةً سمعها العسكر ، فحملت خيل ابن سعد لتستنقذه ، فاستقبلته بصدرها ووطأته بحوافرها فمات .
وانجلت الغبرة وإذا الحسين (ع) قائم على رأس الغلام وهو يفحص برجليه .
والحسين (ع) يقول : (( بُعداً لقوم قتلوك ! خصمهم بوم القيامة جدّك
)) ،
ثمّ قال : (( عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك ثمّ لا ينفعك
، صوتٌ والله كثر
واتره وقلَّ ناصره )) . ثمّ احتمله وكان صدره على صدر الحسين (ع) ورجلاه يخطّان في الأرض
، فألقاه مع علي الأكبر وقتلى حوله من أهل بيته(3) ، ورفع طرفه
إلى السّماء وقال : (( اللهمّ أحصهم عدداً ، ولا تغادر منهم أحداً
، ولا تغفر لهم أبداً ، صبراً يا بني عمومتي ، صبراً
يا أهل بيتي ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً ))(4) .
ناهيك بالقاسم بن المجتبى حسن مزاول الحرب لم يعبأ بما iiفيها
كـأنَّ بـيض مـواضيها تكلِّمه غـيدٌ تـغازله مـنها iiغوانيها
كـأنّ سمر عواليها كؤوس iiطلا تـزفّها راح سـاقيها لـحاسيها
____________________________
(1) للعلامة السيّد مير علي أبو طبيخ رحمه الله .
(2) في الصحاح ضربه فأطنّ ساقه أي : قطعها ، يراد بذلك صوت القطع .
(3) تاريخ الطبري 6 / 257 ، والبداية لابن كثير 8 / 186 ، والإرشاد .
(4) مقتل الخوارزمي 2 / 28 .
الصفحة (266)
لَو كان يحذر بأساً أو يخاف وغيً ما انصاع يصلح نعلاً وهو صاليها
أمـامه مـن أعـاديه رمال iiثرى مـن فـوق أسـفلها ينهال iiعاليها
مـا عممت بارقات البيض هامته فـاحمرّ بـالأبيض الهنديّ iiهاميها
إلا غـداة رأتـه وهـو في iiسنةٍ عـن الكفاح غفول النفس ساهيها
وتـلك غـفوة ليث غير iiمكترث مـا نـاله السّيف إلاّ وهو غافيها
فـخرّ يدعو ، فلبّى السّبط iiدعوته فـكان مـا كـان منه عند iiداعيها
فـقلّ به الأشهب البازي بين قطا قـد لـفَّ اولـها فـتكاً iiبـتاليها
جـنى ولكن رؤوس الشوس iiيانعة ومـا سـوى سـيفه البتار iiجانيها
حـتّى إذا غـصّ بالبتّار iiأرحبها وفـاض مـن علق البتّار iiواديها
تـقشّعت ظـلمات الخيل iiناكصة فـرسانها عنه وانجابت iiغواشيها
وإذ بـه حـاضن في صدره iiقمراً يـزين طـلعته الـغرّاء iiدامـيها
وافـى به حاملاً نحو المخيم iiوالآ مـاق فـي وجـهه حمر iiمجانيها
تخطّ رجلاه في لوح الثرى iiصحفاً الـدمع مـنقطها والـقلب تـاليها
آه عـلى ذلـك البدر المنير iiمحا بـالخسف غـرّته الغراء iiماحيها
إخوة العبّاس (ع)
ولمّا رأى العبّاس (عليه السّلام) كثرة القتلى من أهله قال لإخوته من اُمّه وأبيه ، عبد
الله وعثمان وجعفر : تقدّموا يا بني اُمّي حتّى أراكم نصحتم لله ولرسوله . والتفت
إلى عبد الله وكان أكبر من عثمان وجعفر وقال : تقدّم يا أخي حتّى أراك قتيلاً وأحتسبك(1)
.
فقاتلوا بين يدَي أبي الفضل حتّى قُتلوا بأجمعهم .
نـعما قـرابين iiالألـه مـجزّرين على iiالفرات
خـير الهداية أن iiيكون الـهدي من زمر iiالهداة
من بعد ما قضوا الصلاة قضوا فداءاً iiللصلاة(2)
____________________________
(1) مقاتل أبي الفرج / 32 ـ 33 .
(2) العلامة ثقة الإسلام الشيخ محمّد طاهر آل الفقيه الشيخ راضي (قدس سره) .
الصفحة (267)
شهادة العبّاس (ع)
ولَم يستطع العبّاس صبراً على البقاء بعد أنْ فُني صحبُه وأهلُ بيته ، ويرى حُجّة الوقت
مكثوراً قد انقطع عنه المدد ، وملأ مسامعه عويل النّساء وصراخ الأطفال من العطش ، فطلب
من أخيه الرخصة ، ولمّا كان العبّاس (ع) أنفس الذخائر عند السّبط الشهيد (ع) ؛ لأنّ
الأعداء تحذر صولته وترهب إقدامه ، والحرم مطمئنّة بوجوده مهما تنظر اللواء مرفوعاً ،
فلَم تسمح نفس أبي الضيم القدسيّة بمفارقته فقال له : (( يا أخي
أنت صاحب لوائي ))(1) .
قال العبّاس : قد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين واُريد أنْ آخذ ثأري منهم ، فأمره
الحسين (ع) أنْ يطلب الماء للأطفال ، فذهب العبّاس إلى القوم ووعظهم وحذّرهم غضب
الجبّار ، فلَم ينفع . فنادى بصوت عالٍ : يا عمر بن سعد ، هذا الحسين ابن بنت رسول الله
قد قتلتم أصحابه وأهل بيته ، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى ، فاسقوهم من الماء قد أحرق
الظما قلوبهم ، وهو مع ذلك يقول : دعوني أذهب إلى الروم أو الهند واُخلي لكم الحجاز
والعراق . فأثّر كلامه في نفوس القوم حتّى بكى بعضهم ، ولكنّ الشمر صاح بأعلى صوته : يابن أبي تراب
، لو كان وجه الأرض كلّه ماء وهو تحت أيدينا ، لَما سقيناكم منه قطرة ، إلاّ أنْ
تدخلوا في بيعة يزيد.
فرجع إلى أخيه يخبره ، فسمع الأطفال يتصارخون من العطش(2) فلَم تتطامن نفسه على هذا
الحال ، وثارت به الحميّة الهاشميّة :
يـوم أبـو الفضل تدعو الظاميات iiبه والـماء تـحت شـبا الـهنديّة iiالخذم
والخيل تصطكُّ والزغف الدلاص على فـرسانها قـد غـدت ناراً على iiعلم
وأقـبل الـليث لا يـلويه خوف ردى بــادي الـبشاشة كـالمدعوّ iiلـلنعم
يـبدو فـيغدو صـميم الجمع iiمنقسماً نـصفَين ما بين مطروح iiومنهزم(3)
____________________________
(1) البحار 10 / 251 ، ومقاتل العوالم / 94 .
(2) تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 118 .
(3) من قصيدة للحاج هاشم الكعبي ، ذُكرت في أعيان الشيعة بترجمته .
الصفحة (268)
ثمّ إنّه ركب جواده و أخذ القربة ، فأحاط به أربعة آلاف ورموه بالنّبال فلَم ترعه
كثرتهم ، وأخذ يطرد اُولئك الجماهير وحده ولواء الحمد يرفّ على رأسه ، ولَم يشعر القوم
أهو العبّاس يجدل الأبطال أم أنّ الوصي يزأر في الميدان ؟! فلم تثبت له الرجال ، ونزل
إلى الفرات مطمئنّاً غير مبال بذلك الجمع .
ودمـدم لـيث الـغاب يعطو iiبسالة
إلى الـماء لم يكبر عليه iiازدحامها
وخـاض بـها بـحرا يرفُّ iiعبابه ضـبا ويـد الأقـدار جالت iiسهامها
ألـمت بـه سـوداء يحْطف برقها الـبصائر من رعب و يعلو iiقتامها
جـلاها بـمشحوذ الـغرارين iiأبلج يــدبُّ بـه لـلدارعين iiحـمامها
فـحلّأها عـن جـانب النهر iiعنوة وولّـت هـواديها يـصلُّ iiلـجامها
ثنى رجله عن صهوة المهر وامتطى قـرى الـنهر واحتلَّ السقاء iiهمامها
وهـبّ إلى نـحو الخيام iiمشمّراً لـريِّ عطاشى قد طواها iiاوامها(1)
ولمّا اغترف من الماء ليشرب ، تذكّر عطش الحسين ومَن معه ، فرمى الماء(2) وقال:
يا نفس من بعد الحسين هوني وبـعده لا كـنت أن iiتكوني
هـذا الـحسين وارد iiالمنون وتـشـربين بـارد iiالـمعين
تالله ما هذا فعال ديني(3)
ثمّ ملأ القربة وركب جواده وتوجّه نحو المخيّم ، فقُطع عليه الطريق ، وجعل يضرب
حتّى أكثر القتل فيهم وكشفهم عن الطريق وهو يقول :
لا أرهب الموت إذا الموت زقا(4)
حتّى اُوارى في المصاليت لقى
____________________________
(1) للشيخ حسن مصبح الحلّي ، ذُكرت في كتابنا ( قمر بني هاشم ) .
(2) المنتخب للطريحي / 311 ، الطبعة الثالثة ، المجلس التاسع ، الليلة العاشرة . وعند
المجلسي في البحار 10 / 201 ، وعنه في مقتل العوالم / 95 ، وعنه في تظلّم الزهراء
(عليها السّلام) / 119
، وفي
رياض المصائب / 313 .
(3) رياض المصائب / 313 للسيّد محمّد مهدي الموسوي .
(4) زقا : بمعنى صاح ، وكانت العرب تزعم أنّ للموت طائراً يصيح ويسمونه ( الهامة )
، ويقولون إذا قُتل الإنسان ولَم يؤخذ بثأره ، زقّت هامته حتّى يثأر ، قال الشاعر :
فإنّ تلك بهراة تزقو فقد ازقبت
بالمردين هاما
وسمعت العالِم الفاضل الشيخ كاظم سبتي رحمه الله يقول : أتاني بعض العلماء الثقات
وقال : أنا رسول العبّاس (ع) إليك ، رأيته في المنام يعتب عليك ويقول : لَم يذكر
مصيبتي شيخ كاظم سبتي ، فقلتُ له : يا سيّدي ما زلت أسمعه يذكر مصائبك ، فقال (ع) : قل
له يذكر هذه المصيبة وهي :
( إنّ الفارس إذا سقط من فرسه يتلقّى الأرض بيدَيه فإذا كانت السّهام في صدره ويداه
مقطوعتان ، بماذا يتلقى الأرض؟ ) .
الصفحة (269)
نفسي لسبط المصطفى الطهر وقى
إني أنا العبّاس أغدو بالسقا
ولا أخاف الشرَّ يوم الملتقى
فكمِن له زيد بن الرقاد الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي ، فضربه
على يمينه فبرأها فقال (عليه السّلام) :
والله إنْ قـطعتُمُ iiيـميني إني أُحامي ابداً عن iiديني
وعـن إمام صادق اليقين نجل النبيِّ الطاهر الأمين
فلَم يعبأ بيمينه بعد أنْ كان همّه إيصال الماء إلى أطفال الحسين (ع) وعياله ، ولكن حكيم
بن الطفيل كمِن له من وراء نخلة فلمّا مرّ به ضربه على شماله فقطعها(1) وتكاثروا عليه
، وأتته السّهام كالمطر ، فأصاب القربة سهم واُريق ماؤها ، وسهم أصاب صدره(2)
، وضربه رجل
بالعمود على رأسه ففلق هامته .
وهوى بجنب العلقميِّ فليته
للشاربين به يداف العلقم
وسقط على الأرض ينادي : عليك منّي السّلام أبا عبد الله . فأتاه الحسين (ع)(3) وليتني
علمت بماذا أتاه أبحياة مستطارة منه بهذا الفادح الجلل أم بجاذب من الاُخوّة إلى مصرع صنوه المحبوب ؟!
نعم حصل الحسين (ع) عنده وهو يبصر قربان القداسة فوق الصعيد قد غشيته الدماء وجللته
النّبال ، فلا يمين تبطش ولا منطق يرتجز ولا صولة ترهب ولا عين تبصر ، ومرتكز الدماغ على
الأرض مبدد .
أصحيح أنّ الحسين (ع) ينظر إلى هذه الفجائع ومعه حياة ينهض بها ؟ لَم يبقَ الحسين
(ع) بعد أبي
الفضل إلاّ هيكلاً شاخصاً معرّى عن لوازم الحياة ، وقد أعرب
____________________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب 1 / 221 .
(2) رياض المصائب / 315 .
(3) المنتخب للطريح / 312 ، المطبعة الحيدرية سنة 369 ، ورياض المصائب / 315 . وفي مناقب
ابن شهر آشوب 2 / 222 : إن حكيم بن الطفيل ضربه بعمود من حديد على رأسه .
الصفحة (270)
سلام الله عليه عن هذا الحال بقوله : (( الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي
))(1) .
وبـان الانكسار في iiجبينه فـاندكّت الجبال من iiحنينه
وكيف لا وهو جمال iiبهجته وفـي محياه سرور iiمهجته
كـافل أهله وساقي صبيته وحامل اللوا بعالي همته(2)
وتركه في مكانه ؛ لسرّ مكنون
أظهرته الأيام ، وهو أن يدفن في موضعه منحازاً عن الشهداء
؛ ليكون له مشهد يقصد بالحوائج والزيارات ، وبقعة يزدلف إليها النّاس ، وتتزلف إلى المولى
سبحانه تحت قبّته التي ضاهت السّماء رفعة وسناء ، فتظهر هنالك الكرامات الباهرة وتعرف
الاُمّة مكانته السّامية ومنزلته عند الله تعالى ، فتؤدّي ما وجب عليهم من الحبّ المتأكّد
والزيارات المتواصلة ، ويكون (عليه السّلام) حلقة الوصل فيما بينهم وبين الله تعالى .
فشاء حجّة الوقت أبو عبد الله (ع) كما شاء المهَيمن سبحانه أنْ تكون منزلة أبي الفضل
الظاهريّة شبيهة بالمنزلة المعنويّة الاُخرويّة ، فكان كما شاءا وأحبّا .
ورجع الحسين (ع) إلى المخيّم منكسراً حزيناً باكياً يكفكف دموعه بكُمّه
، وقد تدافعت الرجال
على مخيّمه فنادى : (( أما من مغيث يغيثنا ؟ أما من مجير يجيرنا ؟ أما من طالب حقّ
ينصرنا ؟ أما من خائف من النّار فيذبّ عنّا ؟ ))(3) فأتته سكينة وسألته عن عمّها ، فأخبرها
بقتله . وسمعته زينب فصاحت : وآ أخاه ! وآ عبّاساه ! وآ ضيعتنا بعدك ! وبكين النّسوة وبكى
الحسين معهنّ وقال : (( وآ ضيعتنا بعدك ! ))
نـادى وقـد مـلأ البوادي iiصيحة صـمُّ الـصخور لـهولها iiتـتألم
أاُخـيُّ مـن يـحمي بنات iiمحمد إذ صـرْنَ يسترحمْنَ مَن لا iiيرحم
مـا خلت بعدك أن تشلَّ iiسواعدي وتـكفَّ بـاصرتي وظهري iiيقصم
لـسواك يـلطم بـالأكفِّ iiوهـذه بـيض الظبى لك في جبيني تلطم
ما بين مصرعك الفظيع ومصرعي إلاّ كـمـا أدعـوك قـبل iiوتـنعم
هـذا حـسامك مَن يذلُّ به iiالعدى ولــواك هـذا مَـن بـه iiيـتقدّم
____________________________
(1) البحار 10 / 251 ، وتظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 120 .
(2) من اُرجوزة آية الله الحجّة الشيخ محمّد حسين الاصفهاني (قدس سره) .
(3) المنتخب / 312 .
الصفحة (271)
هوّنت يابن أبي مصارع فـتيتي والـجراح يسكنه الذي هو iiأألم
فـأكبَّ مـنحنياً عـليه iiودمعه صـبغ الـبسيط كأنَّما هو iiعندم
قـد رام يـلثمه فلم يرَ iiموضعاً لَـم يدمه عضُّ السلاح iiفيلثم(1)
سيّد الشهداء (ع) في الميدان
ولمّا قُتل العبّاس التفت الحسين (ع) ، فلم يرَ أحداً ينصره ، ونظر إلى أهله وصحبه مجزّرين
كالأضاحي ، وهو إذ ذاك يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال صاح بأعلى صوته :
(( هل من ذابّ
عن حرم رسول الله ؟ هل من موحّد يخاف الله فينا ؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا ؟
)) فارتفعت أصوات النّساء بالبكاء(2) .
ونهض السّجاد (ع) يتوكّأ على عصا ويجرّ سيفه ؛ لأنّه مريض لا يستطيع الحركة . فصاح الحسين
باُمّ كلثوم : (( احبسيه ؛ لئلاّ تخلو الأرض من نسل آل
محمّد )) . فأرجعته إلى فراشه(3) .
ثمّ إنّه (عليه السّلام) أمر عياله بالسّكوت وودّعهم ، وكان عليه جبّة خز دكناء(4) وعمامة
مورَّدة أرخى لها ذوابتين ، والتحف ببردة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتقلّد بسيفه(5)
،
وطلب ثوباً لا يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه ؛ لئلاّ يجرّد منه فإنّه مقتول مسلوب ، فأتوه
بتبان(6) فلَم يرغب فيه ؛ لأنّه من لباس الذلّة(7)
، وأخذ ثوباً خلقاً
____________________________
(1) للسيّد جعفر الحلّي ، طبعت بتمامها في مثير الأحزان للعلامة الشيخ شريف الجواهري .
(2) اللهوف / 65 .
(3) الخصائص الحسينيّة للشيخ جعفر الشوشتري (قدس سره) / 129 ، الاستغاثة الرابعة ...
. وممَّن
نصّ على مرضه يوم كربلاء ، مصعب الزبيري في نسب قريش / 58 ، واليعقوبي في تاريخه 2
/ 217 . وقال الخوارزمي في مقتل الحسين 2 / 32 : خرج علي بن الحسين (ع) وهو أصغر من أخيه
القتيل وكان مريضاً لا يقدر على حمل السّيف ، الخ .
(4) روى الكليني في الكافي على هامش مرآة العقول 4 / 105 عن الباقر (ع) والآلوسي في
روح المعاني 8 / 111 عند قوله تعالى : (
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ) ، وابن حجر في مجمع
الزوائد 9 / 192 ، والخوارزمي في مقتل الحسين 2 / 35 : كان على الحسين (ع) يوم
عاشوراء جبة خز دكناء .
(5) المنتخب / 315 ، المطبعة الحيدرية سنة 1369 .
(6) في الصحاح ، ( بالضمّ والتشديد ) ، هي سراويل صغيرة مقدار شبر ستر العورة المغلظة وفي
شفاء الغليل / 52 : هو من الدخيل والأصوب فيه الضم .
(7) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 222 ، والبحار 10 / 305 .
الصفحة (272)
وخرّقه وجعله تحت ثيابه(1)
، ودعا بسراويل حبرة ، ففزرها ولبسها ؛ لئلاّ يسلبها(2) .
الرضيع
ودعا بولده الرضيع يودّعه ، فأتته زينب بابنه عبد الله(3) واُمّه الرباب فأجلسه في
حجره يقبّله(4) ويقول : (( بُعداً لهؤلاء القوم
إذا كان جدّك المصطفى خصمهم ))(5) . ثمّ أتى به
نحو القوم يطلب له الماء ، فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه ، فتلقّى الحسين
(ع)
الدم بكفّه ، ورمى به نحو السّماء .
قال أبو جعفر الباقر (ع) : (( فلَم تسقط منه قطرة ))(6)
. وفيه يقول حُجّة آل محمّد (عجّل الله
فرجه) : (( السّلام على عبد الله الرضيع ، المرمي الصريع المتشحط دماً
، والمصعد بدمه إلى السّماء ، المذبوح بالسّهم في حجر أبيه ، لعن الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه
))(7)
.
أعـزز عليَّ وأنت تحمل طفلـ ـك الظامي وحرّ أوامه(8) لا iiيبرد
قد بحَّ من لفح الهجيرة iiصوته بـمرنة مـنها يـذوب iiالجلمد
وقصدت نحو القوم تطلب منهم ورداً ولـكن أين منك iiالمورد
____________________________
(1) مجمع الزوائد لابن حجر الهيثمي 9 / 193 ، والبحار 10
/ 205 .
(2) اللهوف / 69 ، وتاريخ الطبري 6 / 259 .
(3) سمّاه ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 222 : علي الأصغر .
وذكر السيد ابن طاووس في
الإقبال زيارة للحسين (ع) يوم عاشوراء : وفيها صلّى الله عليك وعليهم وعلى ولدك علي
الأصغر الذي فُجعت به .
والذي نصّ على أنّه عبد الله واُمّه الرباب ، الشيخ المفيد في
الاختصاص / 3 ، وأبو الفرج في مقاتل الطالبيين / 35 ، ومصعب الزبيري في نسب قريش / 59
، وفي
سرّ السلسلة / 30 : المقتول بالسّهم في حجر أبيه عبد الله . ولّم يذكر اُمّه .
(4) اللهوف / 65 وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 218 طبعة النجف : أن الحسين لَواقف إذ أتي
بمولود له وُلِد السّاعة أذّن في اُذنه وجعل يحنكه ، إذ أتاه سهم وقع في حلق الصبي فذبحه
، فنزع الحسين (ع) السّهم من حلقه ، وجعل يلطّخه بدمه ويقول : (( والله لأنت أكرم على الله من
النّاقة ، ولَمحمد أكرم على الله من صالح )) . ثمّ أتى فوضعه مع ولده وبني أخيه .
(5) البحار 10 / 23 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 22 .
(6) في مناقب ابن شهر آشوب 2 / 222 : لَم يرجع منه شيء وذكر ابن نما في مثير الأحزان
، 36 ، والسيد في اللهوف / 66 : رواية الباقر (ع) .
وذكر ابن كثير في البداية 8/ 186 والقرماني في أخبار الدول / 108 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 32 : رمى به نحو السّماء . قال ابن
كثير : والذي رماه بالسّهم رجل من بني أسد يقال له ( ابن موقد النّار ) .
(7) زيارة النّاحية المقدسة . والأبيات للخطيب الفاضل سيّد محمّد جواد شبر .
(8) الأوام : أن يضج العطشان ؛ وذلك عند شدّة العطش . تاج العروس 16 / 38 .
الصفحة (273)
والـقـوس طـوّق نـحره iiفـكأنه خـيط الـهلال يـحلُّ فـيه iiالفرقد
وعـلى الـربية فـي الخيام iiنوائح تـومي لـطفلك بـالشجى iiوتـردد
****
وربَّ رضـيـع أرضـعته iiقـسيهم مـن الـنّبل ثـديا درُّه الثر iiفاطمه
فـلهفي لـه مـذ طوّق السّهم iiجيده كـمـا زيـنته قـبل ذاك iiتـمائمه
هـفا لـعناق الـسّبط مبتسهم iiاللمى وداعـا وهـل غـير العناق iiيلائمه
ولـهفي عـلى اُمّ الرضيع وقد iiدجى عـليها الدجى والدوح نادت iiحمائمه
تـسلل فـي الـظلماء ترتاد iiطفلها وقـد نـجمت بين الضحايا iiعلائمه
فـمذ لاح سـهم النّحر ودّت لو iiأنّها تـشاطره سـهم الـردى وتـساهمه
أقـلّـته بـالكفين تـرشف iiثـغره وتـلثم نـحراً قـبلها الـّسهم iiلاثمه
وأدنـتـه لـلنهدين ولـهى فـتارة تـناغيه ألـطافا واُخـرى iiتـكالمه
بُنيّ أفق من سكرة الموت iiوارتضع بـثدييك عـلّ الـقلب يـهدأ iiهائمه
بُـنيّ فـقد درًا وقـد كـضك iiالظما فـعلّه يـطفي مـن غليلك iiضارمه
بُـنيّ لـقد كـنت الأنيس لَو iiحشتي وسلواي إذ يسطو من الهمّ غاشمه(1)
ثمّ قال الحسين (ع) : (( هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله
تعالى(2) ، اللهمّ لا
يكون أهون عليك من فصيل ، إلهي إنْ كنت حبستَ عنّا النّصر فاجعله لِما هو خير منه ،
وانتقم لنا من الظالمين(3)
واجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل(4)
اللهمّ أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه النّاس برسولك محمّد (صلّى الله عليه
وآله) ))(5) ، وسمع
(عليه السّلام) قائلاً
يقول : دَعه يا حسين ، فإنّ له مرضعاً في الجنّة(6) . ثمّ نزل
(عليه السّلام) عن فرسه وحفر له
بجفن سيفه ودفنه مرمّلاً بدمه وصلّى عليه(7) ، ويقال وضعه مع قتلى أهل بيته(8) .
____________________________
(1) للعلامة الشيخ محمّد تقي آل صاحب الجواهر .
(2) اللهوف / 66 .
(3) مثير الأحزان لابن نما / 26 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 32 .
(4) تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 122 .
(5) المنتخب / 313 .
(6) تذكرة الخواص / 144 ، والقمقام لميرزا فرهاد / 385 .
وفي الإصابة بترجمة إبراهيم بن
رسول الله (ص) ، وتهذيب الأسماء للنووي 1 / 102 وشرح المواهب اللدنيّة للزرقاني 3
/ 214 ، باب أولاده : لمّا توفّي إبراهيم ابن رسول الله (ص) ، قال النّبي :
(( إنّ له مرضعاً في
الجنّة )) .
(7) مقتل الخوارزمي 2 / 32 ، والاحتجاج للطبرسي / 163 طبعة النجف .
(8) الإرشاد ومثير الأحزان / 36 .
الصفحة (274)
لـهـفي عـلى أبـيه إذ iiرآه غـارت لـشدّة الـظما iiعيناه
ولَـم يـجد شربة ماء iiللصبي فـساقه الـتقدير نـحو iiالطلب
وهـو على الأبي أعظم الكرب فكيف بالحرمان من بعد iiالطلب
من دمه الزاكي رمي نحو السما فـما أجـلّ لـطفه iiوأعـظما
لَـو كـان لَـم يـرم به iiإليها لـساخت الأرض بـمَن iiعليها
فاحمرّت السّماء من فيض iiدمه ويـل مـن الله لـهم من iiنقمه
وكـيف حـال اُمّه حيث iiترى رضـيعها جرى عليه ما iiجرى
غـادرهـا كـالدرّة iiالـبيضاء وعــاد كـالياقوتة iiالـحمراء
حـنّت عـليه حـنّة iiالفصيل بـكته بـالإشراق iiوالأصـيل
لـهفي لـها إذ تندب الرضيعا نـدباً يـحاكي قـلبها iiالوجيعا
تـقول يـا بـني يـا iiمؤملي يا منتهى قصدي وأقصى iiأملي
جـفّ الرضاع حين عزّ الماء أصـبحت لا مـاء ولا iiكـلاء
فـساقك الظما إلى ريّ iiالردى كـأنّما ريّـك فـي سهم iiالعدى
يـا مـاء عـيني وحياة iiقلبي مـن لـبلائي وعـظيم كربي
رجوت أن تكون لي نِعم الخلف وسلوة لي عن مصابي بالسّلف
مـا خِـلت أنّ الـسّهم iiللفطام
حتّى أرتني جهرة iiأيامي(1)
وتقدّم الحسين (ع) نحو القوم مصلتاً سيفه ، آيساً من الحياة ، ودعا النّاس إلى البراز
، فلم
يزل يقتل كلّ مَن برز إليه حتّى قَتل جمعاً كثيراً(2) ثمّ حمل على الميمنة وهو يقول :
الموت أولى من ركوب العار
والعار أولى من دخول النّار(3)
وحمل على الميسرة وهو يقول :
أنا الحـسين بـن علي آلـيتُ أنْ لا أنـثـني
____________________________
(1) من اُرجوزة آية الله الحجّة الشيخ محمّد حسين الاصفهاني (قدس سره) .
(2) مقتل العوالم / 97 ، ومثير الأحزان لابن نما / 37 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 33 .
(3) في البيان والتبيين للجاحظ 3 / 171 الطبعة الثانية ، تحت عنوان ( كلام في الأدب )
، بعد أن
ذكر هذا البيت اتبعه بقوله :
والله من هذا وهـذا جـار
الصفحة (275)
أحمي عيالات أبي
أمضي على دين النّبي
قال عبد الله بن عمّار بن يغوث : ما رأيت مكثوراً قط ، قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه
، أربط جأشاً منه ولا أمضى جناناً ولا أجرأ مقدماً ، ولقد كان الرجال تنكشف بين يدَيه
إذا شدّ فيها ولَم يثبت له أحد(1) .
فصاح عمر بن سعد بالجمع : هذا ابن الأنزع البطين ، هذا ابن قتّال العرب ، احملوا عليه
من كلّ جانب . فأتته أربعة آلاف نبلة(2) ، وحال الرجال بينه وبين رحله
، فصاح بهم : (( يا
شيعة آل أبي سفيان ، إنْ لَم يكن لكم دين وكنتم ولا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في
دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عرباً ، كما تزعمون )) .
فناداه شمر : ما تقول يابن فاطمة ؟ قال : (( أنا الذي اُقاتلكم
، والنّساء ليس عليهنّ
جناح ، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمتُ حيّاً )) .
قال اقصدوني بنفسي و اتركوا حرمي قد حان حيني و قد
لاحت لوائحه
فقال الشمر : لك ذلك .
وقصده القوم واشتد القتال وقد اشتدّ به العطش(3) ، فحمل من نحو الفرات على عمرو بن
الحَجّاج ، وكان في أربعة آلاف ، فكشفهم عن الماء وأقحم الفرس الماء فلمّا همَّ الفرس
ليشرب قال الحسين (ع) : (( أنت عطشان وأنا عطشان ، فلا أشرب حتّى تشرب
)) . فرفع الفرس رأسه كأنّه
فهم الكلام ، ولمّا مدّ الحسين (ع) يده ليشرب ناداه رجل : أتلتذّ بالماء وقد هُتكت حرمك ؟! فرمى
الماء ولَم يشرب ، وقصد الخيمة(4) .
____________________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 223 .
(2) الطبري 6 / 259 . ونسبه الخوارزمي في مقتل الحسين 2 / 38 إلى بعض من شهد الوقعة .
(3) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 223 .
(4) اللهوف / 67 .
(5) البحار10 / 204 ، ومقتل العوالم / 98 ، ونفس المهموم / 188 ، والخصائص الحسينيّة
/ 46
، باب خصائص الحيوانات .
أقول : إنّي لا أضمن صحّة هذا الحديث المتضمّن ؛ لامتناع الفرس من الشرب ، ولرمي الحسين
(ع) الماء من
يده لمجرّد قول الأعداء ، وهو العالم بأنّه مكيدة ، لكن خصائص هذا اليوم المختصّة بسيّد
الشهداء ومَن معه على أن يقضوا عطاشى خارجة عمّا نعرفه ، ولا سبيل لنا إلاّ التسليم بعد
أنْ كان الإمام (عليه السّلام) حكيماً في أفعاله وأقواله لا يعمل إلاّ بما تلقّاه من جدّه
الذي لا ينطق عن الهوى ، وكلّ قضايا الطفّ محدودة الظرف والمكان ؛ لأسرار ومصالح لا
يعلمها إلاّ ربّ العالمين تعالى شأنه .
وهناك شيء آخر لاحظه سيّد الشهداء وكانت العرب تتفانى دونه ، وهو حماية الحرم بأنفس
الذخائر ، وأبو عبد الله سيّد العرب وابن سيّدها فلا تفوته هذه الخصلة التي يستهلك
دونها النّفس والنّفيس . ولمّا ناداه الرجل هتكت الحرم لَم يشرب الماء ؛ إعلاماً للجمع بما
يحمله من الغيرة على حرمه ، ولَو لَم يبال بالنداء لتيقّن النّاس فقدانه الحميّة العربيّة
ولا يقدم عليه أبي الضيم حتّى لو علم بكذب النّداء ، وفعل سيّد الإباة من عدم شرب
الماء ولَو في آن يسير هو غاية ما يمدح به الرجل .
|