الصفحة (254)
اليوم ألقى جدّك النبيّا
ثم أباك ذا النّدى عليا
ذاك الذي نعرفه الوصيّا
فقال الحسين : (( وأنا ألقاهما على أثرك )) . فرجع يقاتل
حتّى قُتل(1) .
سوار
وقاتل سوار بن أبي حِمير من ولد فهم بن جابر بن عبد الله بن قادم الفهمي الهمداني
قتالاً شديداً حتّى ارتث بالجراح(2) واُخذ
أسيراً ، فأراد ابن سعد قتله وتشفّع فيه قومه ، وبقي عندهم جريحاً إلى أنْ توفّي على رأس ستّة أشهر(3) .
وفي زيارة النّاحية المقدّسة : (( السّلام على الجريح المأسور
، سوار بن أبي حمير الفهمي
الهمداني ، وعلى المرتث معه عمر بن عبد الله الجندعي )) . سويد
ولمّا اُثخن بالجراح سويد بن عمرو بن أبي المطاع سقط لوجهه ، وظُنَّ أنّه قُتل ، فلمّا
قُتل الحسين (ع) وسمعهم يقولون : قُتل الحسين . أخرج سكّينةً كانت معه فقاتل بها ، وتعطفوا
عليه فقتلوه ، وكان آخر مَن قُتل من الأصحاب بعد الحسين (عليه السّلام) .
هم عصمة اللاجي إذا هو iiيختشي وهـم ديمة الراجي اذا هو iiيجتدي
إذا ما خبت نار الوغى شعشعوا لها سـيوفهم جـمرا وقـالوا توقَّدي
ثـقال الـخطا لكنَّ يخفون iiللوغى سـراعا بخرصان الوشيج iiالمسدّد
إذا أشـرعوا سمر الرماح iiحسبتها كـواكب فـي ليل من النقع iiأسود
أو اصطدمت تحت العجاج iiكتائب جـرى أصـيد منهم لها اثر iiأصيد
يـكرُّون والابطال طائشة iiالخطى وشـخص المنايا بالعجاجة iiمرتدي
____________________________
(1) البحار 10 / 198 ، عن مقتل الحائري .
(2) الاكليل للهمداني 10 / 103 . والرتيث : من حمل من المعركة جريحاً وبه رمق .
(3) الحدائق الوردية ـ مخطوط ـ ويوافقه ما في الاكليل أنّه مات من جراحه غير أنّه لم
يذكر أسره .
الصفحة (255)
لـووا جـانباً عن مورد الضّيم iiفانثنوا عـلى الأرض صرعى سيّداً بعد iiسيّد
هـووا لـلثرى نهب السّيوف iiجسومهم عــوار ولـكن بـالمكارم iiتـرتدي
وأضـحى يـدير السبط عينيه لا iiيرى سـوى جـثث منهم على الترب iiركّد
أحـاطت بـه سـبعون ألـفاً iiفـردَّها شــوارد امـثـال الـنّعام iiالـمشرد
وقـام عـديم الـنّصر بين iiجموعهم وحـيداً يـحامى عـن شـريعة iiأحمد
إلـى أن هـوى للأرض شلْوا مبضعاً ولَـم يـروِ من حرِّ الظما قلبه iiالصدي
هـوى فهوى التوحيد وانطمس iiالهدى وحُـلّت عـرى الدين الحنيف iiالمشيّد
لـه الله مـقطور الـفؤاد مـن iiالظما صـريعاً عـلى وجـه الثرى iiالمتوقّد
ثـوى فـي هجير الشمس وهو iiمعفَّر تـظـلله سـمـر الـقـنا iiالـمتقصّد
وأضحت عوادي الخيل من فوق صدره تـروح
إلى كـرّ الـطراد iiوتغتدي
وهـاتفة مـن جـانب الـخدر iiثـاكل بـدت وهـي حسرى تلطم الخدّ iiباليد
يـؤَلّـمها قــرع الـسّياط iiفـتنثني تـحن فـيشجي صـوتها كـل iiجلمد
وسـيقت عـلى عجف المطايا iiأسيرة يـطاف بـها فـي مـشهد بعد iiمشهد
ســرت تـتـهاداها عـلوج iiاُمـيّة فـمن مـلحد تـهدى
إلى شر ملحد(1)
شهادة أهل البيت (ع)
علي الأكبر
ولمّا لَم يبقَ مع الحسين إلاّ أهل بيته ، عزموا على ملاقاة الحتوف ببأس شديد وحفاظ مرّ
ونفوس أبيّة ، وأقبل بعضهم يودّع بعضاً(2) وأول مَن تقدّم
أبو الحسن(3) علي الأكبر(4)
وعمره سبع وعشرون سنة ؛ فإنّه ولد في الحادي عشر من شعبان سنة
____________________________
(1) للحجة السيد محمّد حسين الكيشوان رحمه الله .
(2) مقتل لخوارزمي 2 / 26 .
(3) ذكرنا في رسالة ( علي الأكبر / 14 ) الرواية عن أبي الحسن الرضا (ع) أنّه كان
متزوّجاً من اُمّ ولد ، فلعلّ الكنية بأبي الحسن من جهة ولد له منها اسمه ( الحسن ) كما
يقتضيه التسمية باُمّ ولد مع أنّ زيارته المرويّة في كامل الزيارات / 239 تؤكّده . قال
الصادق (ع) في تعليم أبي حمزة (( قُل ، صلّى الله عليك وعلى عترتك وأهل بيتك وآبائك
وأبنائك واُمّهاتك الأخيار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهراً )) ، والأبناء جمع أقلّه إثنان .
(4) في رسالتنا ( علي الأكبر ) ذكرنا نصوص المؤرّخين على أنّه أكبر من السّجاد (ع)
وسيأتي في الحوادث بعد الشهادة ، اعتراف زين العابدين به في المحاورة الجارية بينه
وبين ابن زياد .
الصفحة (256)
ثلاث وثلاثين من الهجرة(1)
، وكان مرآة الجمال النّبوي ومثال خُلُقه السّامي واُنموذجاً
من منطقه البليغ ، وإذا كان شاعر رسول الله (ص) يقول فيه :
وأحسن منك لَم ترَ قطٌّ عيني iiوأجـمل منك لم تلد النّساء
خـلقت مبرَّءاً من كلِّ عيبii iiكـأنّـكَ قد خلقت كما تشاء
فمادح الأكبر يقول(2) :
لم تَـر عـينٌ نـظرت iiمـثله مـن مـحتفٍ يـمشي ومن iiناعل
يـغلي نـهيء الـلحم حتّى iiاذا انـضج لـم يـغل على iiالآكل(3)
كـان اذا شـبَّـت لــه نـاره اوقـدهـا بـالشرف iiالـقابل(4)
كيـما يـراها بـائس iiمـرمل او فــردُ حـيٍ لـيس بـالآهل
لا يؤثـر الـدنيا عـلى iiديـنه ولايـبـيع الـحـقُّ iiبـالـباطل
أَعني ابن ليلى ذا الندى والسدى أَعني ابن بنت الحَسَب iiالفاضل(5)
فعلي الأكبر هو المتفرّع من الشجرة النبويّة ، الوارث للمآثر الطيّبة ، وكان حريّاً بمقام
الخلافة لَولا أنّها منصوصة من إله السّماء . وقد سجّل سبحانه أسماءهم في الصحيفة
النازل بها جبرئيل (عليه السّلام) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) .
ورث الصفات الغرّ وهي iiتراثه مـن كل غطريف وشهم iiأصيد
في بأس حمزة في شجاعة حيدر بـإبا الحسين وفي مهابةiiأحمد
____________________________
(1) أنيس الشيعة ـ مخطوط ـ للسيد محمّد عبد الحسين الجعفري الحائري ، ألّفه باسم
السّلطان فتح علي شاه .
(2) في مقاتل الطالبيين / 32 : إنّها قيلت في علي الأكبر .
(3) يغلي : الأولى بمعنى يفير . والثانية ضد يرخص والنّهيء كما في أقرب الموارد مادّة
( نهيء ) : اللحم غير المطبوخ .
(4) الشرف : الموضع العالي . والقابل بمعنى المقبل لعلوّه وارتفاعه ، وهذه عادة العرب
أنّهم يوقدون النّار في المكان المرتفع ليهتدي الركب في الليل .
(5) في مصباح المنير مادّة ندى : إنّ ما يسقط أول الليل من البلل يقال له سدى ، وما
يسقط آخره يقال له الندى . وفي مراتب النحويين / 53 ، لأبي الطيب عبد الواحد
الحلبي المتوفّى 351 : قال الأصمعي : إنّ أبا زيد يزعم أنّ النّدى ما كان في الأرض
،
والسدى ما يسقط من السّماء فقال : إذاً فما يصنع بقول الشاعر ؟
ولقد أتيت البيت يخشى أهله
بعد الهدو وبعدما سقط الندى
أتراه سقط من الأرض إلى السّماء ؟!
الصفحة (257)
وتراه في خلق وطيب خلائق
وبليغ نطق كالنبيّ محمد(1)
ولمّا يمّم الحرب ، عزّ فراقه على مخدّرات الإمامة ؛ لأنّه عماد أخبيتهن وحمى أمنهن ومعقد
آمالهن بعد الحسين . فكانت هذه ترى هتاف الرسالة في وشك الانقطاع عن سمعها ، وتلك تجد
شمس النبوّة في شفا الكسوف ، و اُخرى تشاهد الخُلق المحمدي قد آذن بالرحيل ، فأحطن به و
تعلّقن بأطرافه وقلن : ارحم غربتنا ، لا طاقة لنا على فراقك . فلم يعبأ بهنّ ؛ لأنّه يرى
حجّة الوقت مكثوراً قد اجتمع أعداؤه على إراقة دمه الطاهر ، فاستأذن أباه وبرز على فرس
للحسين تسمّى لاحقاً(2) .
ومن جهة أنَّ ليلى اُمّ الأكبر بنت ميمونة ابنة أبي سفيان(3) صاح رجل من القوم : يا
علي إنّ لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد ، ونريد أنْ نرعى الرحم ، فإنْ شئت آمنّاك . قال
(عليه
السّلام) : إنّ قرابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحقّ أنْ تُرعى(4)
. ثمّ شدّ يرتجز
معرِّفاً بنفسه القدسيّة وغايته السّامية :
أنـا علي بن الحسين بن iiعلي نـحن وربُّ البيت أُولى iiبالنبي
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي(5) أضرب بالسيف اُحامي عن iiأبي
ضرب غلام هاشميًّ قرشي(6)
ولَم يتمالك الحسين (عليه السّلام) دون أن أرخى عينيه بالدموع(7) وصاح بعمر بن سعد :
(( مالك ؟ قطع الله رحمك كما قطعتَ رحمي ، ولَم تحفظ قرابتي من رسول الله
(صلى الله عليه
وآله و سلّم) وسلّط عليك من يذبحك على فراشك ))(8)
. ثمّ رفع شيبته المقدّسة نحو السّماء
وقال : (( اللهمّ اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم
____________________________
(1) هذه الأبيات والتي تأتي بعدها للحجّة آية الله الشيخ عبد الحسين صادق العاملي
( قدّس سرّه ) .
(2) في كتاب فضل الخيل لعبد المؤمن الدمياطي المتوفّى سنة 805 ﻫ الصفحة 178 : أحد فرسي
الحسين بن علي يسمّى ( لاحقاً ) . وفي صفحة 183 قال : كان للحسين بن علي (رضي الله عنه) فرس
اسمه اليحموم ، وله فرس اُخرى تُدعى لاحقاً حمل عليها ولده علي بن الحسين الأكبر يوم
قتلا بالطف .
(3) الإصابة لابن حجر 4 / 178 ، ترجمة أبي مرة .
(4) سرّ السلسلة لأبي نصر في النّسب ، ونسب قريش / 57 لمصعب الزبيدي .
(5) تاريخ الطبري 6 / 256 ، وإعلام الورى للطبرسي / 145 ، ومثير الأحزان / 35 .
(6) تمام الأبيات من رواية الشيخ المفيد قدّس سرّه في الإرشاد .
(7) مثير الأحزان لان نما / 35 ، والإرشاد للمفيد .
(8) مقتل الخوارزمي 2 / 30 .
الصفحة (258)
أشبه النّاس برسولك محمّد خَلقاًَ وخُلُقاً ومنطقاً(1)
، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية
نبيّك نظرنا إليه ، اللهمّ فامنعهم بركات الأرض ، وفرِّقهم تفريقاً ، ومزِّقهم تمزيقاً
، واجعلهم
طرائق قدداً ، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً ، فإنّهم دعونا لينصرونا ، ثمّ عدَوا علينا
يقاتلونا )) ، ثمّ تلا قوله تعالى : (
إِنّ
اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى
الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
)(2)(3) .
ولم يزل يحمل على المَيمنة ويعيدها على المَيسرة ويغوص في الأوساط ، فلَم يقابله جحفل
إلاّ ردّه ، ولا برز إليه شجاع إلاّ قتله :
يرمي الكتائب والفلا غصَّت بها فـي مـثلها مـن بأسه iiالمتوقِّد
فـيردّها قـسراً عـلى iiأعقابها فـي بأس عرّيس العرينة iiملبد
فقتل مئة وعشرين فارساً . وقد اشتدّ به العطش فرجع إلى أبيه يستريح ويذكر ما أجهده من
العطش(4) فبكى الحسين (ع) وقال :
(( وآ غوثاه ! ما أسرع الملتقى بجدّك فيسقيك بكأسه شربةً لا
تظمأ بعدها )) وأخذ لسانه فمصّه ودفع إليه خاتمه ليضعه في فيه(5)
.
ويـؤوب لـلتوديع وهـو iiمكابد لـظما الـفؤاد ولـلحديد iiالمجهد
صـادي الحشا وحسامه ريّان iiمن مـاء الـطلا وغـليله لـم يبرد
يشكو لخير أب ظماه وما iiاشتكي ظمأ الحشا إلا
إلى الظامي الصدي
كـل حـشاشته كـصالية iiالغضا ولـسـانه ظـمأ كـشقة مـبرد
فـانصاع يـؤثره عـليه iiبـريقه لـو كـان ثَـمّة ريـقه لم يجمد
وَمُـذ انـثنى يلقى الكريهة iiباسماً والـموت مـنه بـمسمع iiوبمشهد
____________________________
(1) مثير الأحزان لابن نما واللهوف ومقتل الخوارزمي .
(2) سورة آل عمران / 33 ـ 34 .
(3) مقتل الخوارزمي 2 / 30 .
(4) مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج / 47 الطبعة الحجرية ، ومقتل العوالم / 96 ، وروضة الواعظين
/ 161 ، ومناقب ابن شهر آشوب 2 / 222 طبعة ايران ، ومثير الأحزان لابن نا / 35 ، واللهوف
/ 64
طبعة صيدا ، ومقتل الخوارزمي 2 / 30 .
(5) مقتل الخوارزمي 2 / 31 ، ومقتل العوالم / 95 .
جاء في معاهد التنصيص للعباسي 2 / 51 : أنّ يزيد بن مزيد الشيباني لمّا لحق الوليد بن
طريف وأجهده العطش ، وضع خاتمه في فمه وتبع الوليد حتّى طعنه بالرمح . وروى الكليني في
الكافي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه لا بأس للصائم أن يمصّ الخاتم ، وبه أفتى العلماء
بالجواز ولعلّ من أسراره أنّه يسبب عمل الغدد في الإفراز ، وعليه فلا خصوصيّة للخاتم بل
كلّ ما يسبب عمل الغدد في الإفراز يوضع في الفم كالحصى ونحوهما .
الصفحة (259)
لفَّ الوغى وأجالها جول الرحى بـمثقَّف مـن بـأسه iiومـهنَّد
يـلقى ذوابـلها بـذابل معطف ويـشيم أنـصلها بـجيد iiأجيد
حتى إذا ما غاص في iiاوساطهم بـمطهَّم قـبَّ الايـاطل iiاجرد
عـثر الزمان به فغودر iiجسمه نهب القواضب والقنا iiالمتقصّد
ورجع علي إلى الميدان مبتهجاً بالبشارة الصادرة من الإمام الحجّة (عليه السّلام)
بملاقاة جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فزحف فيهم زحفة العلوي السّابق ، وغبَّر
في وجوه القوم ولَم يشعروا أهو الأكبر يطرد الجماهير من أعدائه أم أنّ الوصي (عليه
السّلام) يزأر في الميدان ؟ أم أنّ الصواعق تترى في بريق سيفه فأكثر القتلى في أهل
الكوفة حتّى أكمل المئتين ؟(1) .
فقال مرّة بن منقذ العبدي(2) : عليَّ آثام العرب إنْ لَم أثكل أباه به(3)
. فطعنه بالرمح في
ظهره(4) وضربه بالسّيف على رأسه ففلق هامته ، واعتنق فرسه فاحتمله
إلى معسكر الأعداء
، وأحاطوا به حتّى قطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً(5) .
ومـحا الردى يا قاتلَ اللهُ iiالردى مـنه هـلالٌّ دجـى وغرة iiفرقد
يـا نـجعة الحيَّيْن هاشم iiوالندى وحـمى الذماريْن العلى iiوالسؤدد
كيف ارتقت همم الردى لك صعدة مـطرورة الـكعبين لـم iiتـتأوَّد
أفـديـه مـن ريـحانة iiريّـانة جـفَّت بـحرّ طـما وحـرّ iiمهنّد
بـكر الذبول على نضارة iiغصنه إن الـذبول لآفـة الغصن iiالندي
لله بـدرٌ مـن مـراق نـجيعه مـزج الـحسام لـجينه iiبالعسجد
مـاء الـصبا ودم الوريد iiتجاريا فـيه ولاهـب قـلبه لـم iiيخمد
لـم أنـسه مـتعمّما iiبـشباالظبى بـين الـكماة بـالاسنَّة iiمـرتدي
خـضبت ولـكن من دمٍ و iiفراته فـاخضر ريـحان العذار iiالأسود
____________________________
(1) مقتل الخوارزمي 2 / 31 .
(2) كامل ابن الأثير 4 / 30 ، والأخبار الطوال / 254 ، وإرشاد المفيد ، ومثير الأحزان
، واللهوف . وفي تاريخ الطبري 6 / 265 : مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي ثمّ الليثي
. وفي
مقاتل العوالم / 95 : منقذ بن مرّة .
(3) الإرشاد للمفيد ، وتاريخ الطبري 6 / 256 .
(4) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 222 .
(5) مقتل الخوارزمي 2 / 31 ، ومقتل العوالم / 95 .
الصفحة (260)
ونادى رافعاً صوته : عليك منّي السّلام
أبا عبد الله(1) ، هذا جدّي قد سقاني بكأسه
شربةً لا أظمأ بعدها ، وهو يقول : إنّ لك كأساً مذخورةً(2)
. فأتاه الحسين (عليه السّلام)
وانكبّ عليه واضعاً خدّه على خدِّه(3) وهو يقول :
(( على الدنيا بعدك العفا ، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول(4)
، يعزّ على جدّك و أبيك أنْ تدعوهم فلا يجيبونك ، وتستغيث بهم فلا يغيثونك ))(5) . ثمّ أخذ بكفّه من دمه الطاهر ورمى به نحو السّماء فلَم يسقط منه قطرة
ـ وفي هذا جاءت
زيارته : (( بأبي أنت واُمّي من مذبوح و مقتول من غير جرم ، بأبي أنت واُمّي دمك المرتقى
به إلى حبيب الله ، بأبي أنت واُمّي من مقدّم بين يدَي أبيك يحتسبك و يبكي عليك محترقاً
عليك قلبُه ، يرفع دمك إلى عنان السّماء لا يرجع منه قطرة ، ولا تسكن عليك من أبيك زفرة
))(6)
ـ . وأمر فتيانه أنْ يحملوه إلى الخيمة ، فجاؤوا به إلى الفسطاط الذي يقاتلون أمامه ،
وحرائر بيت الوحي ينظرن إليه محمولاً قد جللته الدماء بمطارف العزّ حمراء وقد وزع
جثمانه الضرب والطعن ، فاستقبلنه بصدور دامية وشعور منشورة وعولةٍ تصكُّ سمع الملكوت
وأمامهنّ عقيلة بني هاشم زينب الكبرى ابنة فاطمة بنت رسول الله (ص)(7) صارخةً نادبةً
فألقت بنفسها عليه تضمّ إليها جمام
____________________________
(1) رياض المصائب / 321 .
(2) مقتل العوالم / 95 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 31 .
(3) اللهوف / 64 .
(4) تأريخ الطبري 6 / 265 .
(5) مقتل العوالم / 95 .
(6) كامل الزيارات / 239 : هي صحيحة السند ، علّمها الصادق (ع) أبا حمزة الثمالي ،
وسيأتي فيما يتعلّق بالليلة الحادية عشر نصوص أهل السنّة على احتفاظ النّبي (ص) بدم
الأصحاب وأهل بيته .
(7) الإرشاد للمفيد وتاريخ الطبري 6 / 256 ، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 31 .
(8) في تاريخ الطبري 6 / 256 ، والبداية لابن كثير 8 / 185 : قال حميد بن مسلم : لمّا
قُتل علي الأكبر ، رأيت امرأةً خرجت من الفسطاط تصيح : وآ ابن أخاه ! فجاءت وانكبّت عليه
فأخذ الحسين بيدها وردّها إلى الخيمة . فسألت عنها قيل : هذه زينب ابنة فاطمة بنت رسول
الله (صلّى الله عليه وآله) .
الصفحة (261)
نفسها الذاهب ، وحمى خدرها المنثلم وعماد بيتها المنهدم(1) .
لـهـفي عـلـى عـقائل الـرسالة لـمّـا رأيـنـه بـتـلك iiالـحـالة
عـــلا نـحـيبهنَّ iiوالـصّـياح فـانـدهـش الـعـقول iiوالأرواح
نـاحـت عـلى كـفيلها iiالـعقائل والـمـكرمات الـغـرُّ iiوالـفضائل
لـهـفي لـها إذ تـندب iiالـرسولا فـكـادت الـجـبال أن iiتــزولا
لـهفي لـها مـذ فـقدت iiعـميدها وهــل يــوازي أحـد iiفـقيدها
ومـَـن يــوازي شـرفاً iiوجـاها مـثـال يـاسـين شـبـيه iiطـاها
يــا سـاعد الله أبـاه مـذ iiخـبا نـيّره الأكـبر فـي ظلّ iiالظّبي
رأى الـخليل فـي مـنى iiالطفوف ذبـيـحـه ضـريـبة iiالـسّـيوف
بـكاه مـا يُـرى ومـا لـيس يُرى مـن ذروة العرش
إلى تحت iiالثرى
بـكاه حـزناً ربُّ أربـاب iiالـنّهى ومـَن هـو الـمبدأ وهـو المنتهى
ومـَـن بـكـاه سـيـّد iiالـبـرايا فــرزؤه مــن أعـظم iiالـرزايا
بـكـته عـيـن الـرشـد iiوالـهداية ومَن هـو المنصوص بالوصاية(2)
ولسان حال أبيه يقول :
بُـنَي اقـتطعتك من iiمهجتي عـلام قطعت جميل الوصال
بُـنَي عراك خسوف iiالردى وشأن الخسوف قبيل iiالكمال
بُـنَي حـرام عـليّ iiالرقاد وأنـت عـفير بحرّ iiالرمال
بُـنَي أبيت سوى iiالقاصرات وخـلّفت عندي سمر العوالي
بُـنَي بـكتك عيون iiالرجال لـيوم الـنّزيل ويوم iiالنّزال
بـكتك بَـنَي صفات الكمال وغضُّ الشباب وذات iiالجمال
عـجلت لحوض أبيك iiالنبيِّ وسـارعت بعد الظّما iiللزلال
سـيرثيك منّي لسان iiالسّنان بنظم قلوب عيون الرجال(3)
____________________________
(1) في تاريخ الطبري 6 / 256 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 31 : خرجت زينب بنت فاطمة صارخة
فألقت بنفسها عليه ، وردّها الحسين إلى الخيمة . وإذا خرجت العميدة لتلك الفواقد المهدّئة
لهن ، فهل يتصوّر بقاء واحدة منهنّ في الخيمة ؟
(2) من اُرجوزة آية الله الشيخ محمّد حسين الأصفهاني ( قدّس سره ) .
(3) من قصيدة للعلامة السيد مهدي البحراني رحمه الله .
الصفحة (262)
عبد الله بن مسلم
وخرج من بعده عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، واُمّه رقية الكبرى بنت أمير
المؤمنين (عليه السلام)(1) ، وهو يقول :
اليوم ألقى مسلماً وهو أبي
وعصبة بادوا على دين النبي
فقتل جماعة بثلاث حملات(2) . ورماه يزيد بن الرقاد الجهني(3)
، فاتقاه بيده فسمرها إلى جبهته ، فما استطاع أنْ يزيلها عن جبهته(4) فقال : اللهمّ انّهم استقلونا واستذلونا
فاقتلهم كما قتلونا . وبينا هو على هذا إذ حمل عليه رجل برمحه فطعنه في قلبه ومات(5)
. فجاء إليه يزيد بن الرقاد وأخرج سهمه من جبهته وبقي النّصل فيها وهو ميّت(6) .
حملة آل أبي طالب
ولمّا قُتل عبد الله بن مسلم ، حمل آل أبي طالب حملة واحدة ، فصاح بهم الحسين (عليه السّلام)
: (( صبراً على الموت يا بني عمومتي ، والله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم
))(7) ، فوقع
فيهم عون بن عبد الله بن جعفر الطيّار ، واُمّه العقيلة زينب ، وأخوه محمّد ، واُمّه الخوصاء
، وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب(8) ، وأخوه جعفر
____________________________
(1) نسب قريش لمصعب الزبيري / 45 . قال : وهي اُمّ أخويه علي ومحمد .
(2) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 220 .
(3) في أنساب الأشراف 5 / 238 : الجنبي بالنّون بعد الجيم .
(4) المقاتل لأبي الفرج / 27 ، طبعة ايران .
(5) الإرشاد ، وتاريخ الطبري 6 / 256 : إنّ عمرو بن صبيح الصدائي رماه بسهم ، ورماه بآخر
ففلق قلبه . وفي أنساب الأشراف 5 / 239 : الرامي يزيد بن الرقاد الجنبي .
(6) تاريخ الطبري 6 / 179 .
(7) هذه الجملة هي الظاهرة مما ذكره ابن جرير في التاريخ 6 / 256 : و ( النداء بالصبر
) نصّ عليه الخوارزمي في المقتل 2 / 78 ، والسيد في اللهوف / 64 .
(8) في المحبر لابن حبيب النسابة / 57 : كانت خديجة بنت علي (عليه السلام) عند عبد
الرحمن بن عقيل . وفي معارف ابن قتيبة / 89 ، عند ذكر أخبار علي (عليه السلام) : ولدت له
سعيداً . وفي المحبر لابن حبيب / 57 : خلف على خديجة هذه أبو السنابل عبد الله بن
عامر بن كريز .
الصفحة (263)
ابن عقيل ومحمد بن مسلم بن عقيل(1) .
وأصابت الحسين المثنّى ابن الإمام الحسن السّبط (عليه السّلام) ثمانية عشر جراحة وقُطعت
يده اليمنى ولَم يستشهد .
وخرج أبو بكر ابن أمير المؤمنين (عليه السّلام)(2) واسمه محمد(3) قتله زحر بن بدر
النخعي(4) .
وخرج عبد الله بن عقيل فما زال يضرب فيهم حتّى اُثخن بالجراح وسقط إلى الأرض ، فجاء
إليه عثمان بن خالد التميمي فقتله .
مـا الـعرب إلاّ سـماء لـلعلاء iiوما أبـناء عـمرو الـعلى إلاّ iiدراريـها
فـلـلنبوّة تــاج فــي iiمـفارقها ولـلإمـامة عـقـد فـي iiتـراقيها
حـليان لـيس سـواها تـحتلي iiبهما شـتّـان عـاطل أجـياد iiوحـاليها
مـن شـيبة الحمد شبّان مشت iiمرحا لـنصرة الـدِّين لا كـبراً ولا iiتـيها
بـسّامة الـثغر والأبـطال iiعـابسة تـفتّر مـنها الـثنايا عـن iiلـئاليها
جـرت بـطوفان حرب في iiبواخرها ومـــا بـواخـرها إلا مـذاكـيها
لَـو لَـم يـكن همّها نيل السّعادة iiما أبقت على الأرض شخصاً من أعاديها
لـيست تـبالي ولـلأسياف iiصلصلة مـطّـبّق سـعّـة الـغبراء iiداويـها
ولـلرماح اصـطكاك فـي iiأسـنّتها ولـلسهام اخـتلاف فـي iiمـراميها
ولـلرؤوس انـتثار عـن كـواهلها ولـلصدور انـتظام فـي مجانيها(5)
____________________________
(1) في سير أعلام النبلاء للذهبي 2 / 217 : قُتل مع الحسين عبد الله وعبد الرحمن
ابنا مسلم بن عقيل ابن أبي طالب .
(2) في جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 118 ، وصفوة الصفوة لابن الجوزي 1 / 119 ، ومقتل
الخوارزمي 2 / 98 : إنّ أبا بكر اُمّه ليلى بنت مسعود قُتل مع الحسين (عليه السّلام) .
(3) الإرشاد وأعلام الورى عند ذكر أولاد أمير المؤمنين (ع) . وفي مقتل الخوارزمي 2
/ 28 اسمه عبد الله . وفي صفوة الصفوة 1 / 119 : محمّد الأصغر اُمّه اُمّ ولد قُتل مع الحسين
(ع) .
(4) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 221 . وفي مقتل الخوارزمي : زحر بن قيس النخعي . وفي مقاتل
أبي الفرج : وجِد في ساقية ولم يعلم قاتله .
(5) للحجة الشيخ عبد الحسين صادق العاملي قدس الله سره وستأتي في القاسم تتمتها .
|