الصفحة (316)
خطبة اُمّ كلثوم(1)
وقالت اُمّ كلثوم : صه يا أهل الكوفة ، تقتلنا رجالكم ، وتبكينا نساؤكم ، فالحاكم
بيننا وبينكم الله يوم فصل الخطاب .
يا أهل الكوفة ، سوأة لكم ، ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه وانتهبتم أمواله ، وسبيتم
نساءه ونكبتموه ؟! فتبّاً لكم وسحقاً .
ويلكم ! أتدرون أيّ دواهٍ دهتكم ؟ وأيّ وزر على
ظهوركم حملتم ؟ وأيّ دماء سفكتم ؟ وأيّ كريمة أصبتموها ؟ وأيّ صبيّة أسلمتموها ؟ وأيّ
أموال
انتهبتموها ؟ قتلتم خير الرجالات بعد النّبي ، ونُزعت الرحمة من قلوبكم ، ألا إنّ حزب الله
هم المفلحون ، وحزب الشيطان هم الخاسرون .
فضجّ النّاس بالبكاء ، ونشرن النّساء الشعور ، وخمشن الوجوه ولطمن الخدود ، ودعون بالويل
والثبور . فلَم يرَ ذلك اليوم أكثر باك .
خطبة السجّاد (ع)
وجيء بعلي الحسين (ع) على بعير ضالع ، والجامعة في عنقه ، ويداه مغلولتان إلى عنقه
، وأوداجه
تخشب دماً فكان يقول :
يا اُميّة السّوء لا سقياً لربعكُمُ يـا اُمـّة لَم تراع جدّنا iiفينا
لَـو أنّنا ورسول الله iiيجمعنا يوم القيامة ما كنتم iiتقولونا
تسيّرونا على الأقتاب iiعارية كـأنّنا لـم نشيّد فيكم دينا
وأومأ إلى النّاس أنْ اسكتوا ، فلمّا سكتوا ، حمد الله وأثنى عليه وذكر النّبي فصلّى عليه
، ثمّ
قال : ((
أيّها النّاس ، مَن عرفني فقد عرفني ، ومَن لَم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب ، أنا ابن من انتُهكت حرمته ، وسُلبت نعمته وانتهب ماله ،
____________________________
(1) أشرنا في عدّة مواضع من كتابنا هذا إلى : أن زينب العقيلة هي اُمّ كلثوم وهذه
الفقرات جزء من كلامها السّابق ، ونذكر هذا الكلام هنا على عادة أهل المقاتل .
الصفحة (317)
وسُبي عياله ، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات ، أنا ابن من قُتل
صبراً ، وكفى بذلك فخراً .
أيّها النّاس ناشدتكم الله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من
أنفسكم العهود والميثاق والبيعة ، وقاتلتموه ؟
فتّباً لكم لِما قدّمتم لأنفسكم ،
وسوأة لرأيكم ، بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله ؟ إذ يقول لكم :
قتلتم عترتي ، وانتهكتم حرمتي ، فلستم من اُمّتي )) .
فارتفعت الأصوات بالبكاء وقالوا : هلكتم وما تعلمون .
ثمّ قال (عليه السّلام) : (( رحم الله امرءاً قبِل نصيحتي ، وحفظ وصيّتي في الله وفي رسوله
وأهل بيته ، فإنّ لنا في رسول الله اُسوة حسنة )).
فقالوا بأجمعهم : نحن يابن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك ، غير زاهدين
فيك ، ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك الله ، فإنّا حرب لحربك ، وسِلم لسلمك ، نبرأ
ممَّن ظلمك وظلمنا .
فقال (عليه السّلام) : (( هيهات هيهات أيّها الغدرة المكرة ، حِيل بينكم وبين شهوات أنفسكم
، أتريدون أن تأتوا إليَّ كما أتيتم إلى أبي من قبل ؟ كلاّ وربّ الراقصات ، فإنّ الجرح
لمّا يندمل ، قُتل أبي بالأمس وأهل بيته ، ولَم ينس ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي ،
إنّ وجده والله لبين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقي ، وغصّته تجري في فراش صدري ))(1)
مـهلاً بـني حرب فما قد iiنالنا فـبعين جـبّار الـسّما لم iiيكتم
فـكأنّني يوم الحساب iiبأحمد بالرسل يقدم حاسراً عن iiمعصم
ويـقول ويلكم هتكتم iiحرمتي وتركتم الأسياف تنطف من دمي
تـدرون أيّ دم أرقـتم في الثرى أمْ أيَّ خـود سـقتُمُ في iiالمغنم
أمـن الـعدالة صونكم iiفتياتكم وحـرائري تسبى كسبي iiالديلم
والـماء تـورده يـعافير iiالفلا وكـبود أطـفالي ظماء iiتضرم
تالله لـو ظفرت سراة الكفر iiفي رهطي لما ارتكبوا لذاك iiالمعظم
يـا لـيت شعر محمّد ما iiفاتكم طـعن الحناجر بعد حزّ iiالغلصم
____________________________
(1) الخطب كلّها ذكرها السيّد ابن طاووس في اللهوف ، وابن نما في مثير الأحزان .
الصفحة (318)
هـذا جـزائي منكُمُ فلقرب iiما ضيعتموا عهدي ببنتي iiوابنم(1)
الدفن
ذكر أهل التاريخ أنّ سيّد الشهداء (ع) أفرد خيمة في حومة الميدان(2)
، وكان يأمر بحمل مَن
قُتل من صحبه وأهل بيته إليها ، وكلّما يؤتى بشهيد يقول (عليه السّلام) :
(( قتلة مثل قتلة
النبيّين وآل النبيّين))(3) .
إلاّ أخاه أبا الفضل العبّاس (عليه السّلام) تركه في محلّ سقوطه قريباًً من شطّ الفرات(4)
.
ولمّا ارتحل عمر بن سعد بحرم الرسالة إلى الكوفة ترك اُولئك الذين وصفهم أمير
المؤمنين (ع) بأنّهم سادة الشهداء في الدنيا والآخرة ، لَم يسبقهم سابق ولا يلحقهم
لاحق(5) على وجه الصعيد تصهرهم الشمس ويزورهم وحش الفلا .
قد غيّر الطّعن منهم كل جارحة
إلا المكارم في أمنٍ من الغير
وبينهم سيّد شباب أهل الجنّة بحالة تفطّر الصخر الأصم ، غير أنّ الأنوار الإلهيّة تسطع
من جوانبه ، والأرواح العطرة تفوح من نواحيه .
ومـجرح مـا غـيّرت منه iiالقنا حـسناً ولا أخـلقْنَ مـنه iiجـديدا
قد كان بدراً فاغتدى شمس الضحى مـذ ألـبسته يـد الـدماء iiلـبودا
تـحمي اشـعّته الـعيون iiفـكلّما حـاولنَ نـهجاً خـلنه iiمـسدودا
وتـظلُّه شـجر الـقنا حتّى iiأبت ارسـال هـاجرة الـيه iiبريدا(6)
وحدّث رجل من بني أسد : أنّه أتى المعركة بعد ارتحال العسكر ، فشاهد من
____________________________
(1) للحاج محمّد رضا الأزري رياض المدح والرثاء / 445 ، مطبعة الآداب
، النجف .
(2) تاريخ الطبري 6 / 256 ، وكامل ابن الأثير 4 / 30 ، وإرشاد الشيخ المفيد .
(3) حكاه في البحار 10 / 211 ، و 13 / 125 ، عن غيبة النعماني .
(4) نصّ عليه جماعة من المؤرّخين . انظر كتابنا ( قمر بني هاشم ) صفحة 115
، المطبعة الحيدريّة في النّجف .
(5) كامل الزيارات / 219 .
(6) للحاج هاشم الكعبي .
الصفحة (319)
تلك الجسوم المضرّجة أنواراً ساطعة ، وأرواحاً طيّبة ، ورأى أسداً هائل المنظر يتخطّى تلك
الأشلاء المقطّعة حتّى إذا وصل إلى هيكل القداسة وقربان الهداية ، تمرّغ بدمه ولاذ بجسده
، وله همهمة وصياح ، فأدهشه الحال إذ لم يعهد مثل الحيوان المفترس يترك ما هو طعمة
أمثاله فاختفى في بعض الأكم ؛ لينظر ما يصنع فلم يظهر له غير ذلك الحال .
وممّا زاد في بعض تحيّره وتعجّبه أنّه عند انتصاف الليل رأى شموعاً مسرجة ملأت الأرض
بكاءاً وعويلاً مفجعاً(1) .
وفي اليوم الثالث عشر من المحرّم أقبل زين العابدين (ع) لدفن أبيه الشهيد (عليه
السّلام) ؛ لأنّ الإمام لا يلي أمره إلاّ إمام مثله (2)
.
يشهد له مناظرة الرضا (ع) مع علي بن أبي حمزة فإنّ أبا الحسن (ع) قال له :
(( اخبرني عن
الحسين بن علي كان إماماً ؟ )) قال : بلى ، فقال الرضا (ع) :
(( فمَن ولي أمره ؟ )) قال ابن أبي
حمزة : تولاّه علي بن الحسين السّجاد . فقال الرضا (ع) : (( فأين كان علي بن الحسين ؟
)) قال ابن
أبي حمزة : كان محبوساً بالكوفة عند ابن زياد ، ولكنّه خرج وهم لا يعلمون به حتّى ولي
أمر أبيه ، ثمّ انصرف إلى السّجن .
فقال الرضا (ع) : (( إنّ مَن مكّن علي بن الحسين أنْ يأتي كربلاء فيلي
أمر أبيه ثمّ ينصرف ، يمكّن
صاحب هذا الأمر أنْ ياتي بغداد فيلي أمر أبيه وليس هو في حبس ولا إسار )) .
____________________________
(1) مدينة المعاجز / 263 ، باب 127 .
(2) اثبات الوصية للمسعودي ص 173 ، وقد ذكرنا في كتاب (زين العابدين) ص 402
الاحاديث الدالة على ان الامام لا يلي أمره إلا امام مثله .
لم تكشف الاحاديث هذا السر المصون ، ولعل النكتة فيه ان جثمان المعصوم عند سيره الى
المبدإ الأعلى بانتهاء امد الفيض الالهي يختص بآثار منها : ان لا يقرب منه من لم
يكن من أهل هذه المرتبة اذ هو مقام قاب قوسين او أدنى ، ذلك المقام الذي تقهقر عنه
الروح الامين وعام النبي (صلّى الله عليه وآله) وحده في سبحات الملكوت وليست هذه
الدعوى في الأئمة بغريبة بعد ان تكوّنوا من الحقيقة المحمدية وشاركوا جدهم في
المآثر كلها إلا النبوة والأزواج كما في المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص 22 طبع
النجف وهذه اسرار لا تصل اليها افكار البشر ولا سبيل لنا الى الانكار بمجرد بعدنا
عن ادراكها ما لم تبلغ حد الاستحالة وقد نطقت الآثار الصحيحة بأن للأئمة احوالا
غريبة ليس لسائر الخلق الشركة معهم كإحيائهم الأموات بالأجساد الأصلية ورؤية بعضهم
بعضاً وصعود أجسادهم الى السماء وسماعهم سلام الزائرين لهم وقد صادق على ذلك شيخنا
المفيد في المقالات ص 84 ط طهران والكراجكي في كنز الفوائد والمجلسي في مرآة العقول
ج 1 ص 373 وكاشف الغطاء في منهج الرشاد ص 51 ، والنوري في دار السلام ج 1 ص 289 .
الصفحة (320)
ولمّا أقبل السّجاد (ع) وجد بني أسد مجتمعين عند القتلى ، متحيّرين لا يدرون ما يصنعون
، ولَم
يهتدوا إلى معرفتهم ؛ وقد فرّق القوم بين رؤوسهم وأبدانهم و ربّما يسألون من أهلهم
وعشيرتهم .
فأخبرهم (عليه السّلام) عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم الطاهرة ، و أوقفهم على
أسمائهم ، كما عرّفهم بالهاشميّين من الأصحاب ، فارتفع البكاء والعويل ، وسالت الدموع
منهم كلّ مسيل ، ونشرت الأسديّات الشعور ولطمن الخدود .
ثمّ مشى الإمام زين العابدين (ع) إلى جسد أبيه واعتنقه وبكى بكاءاً عالياً ، وأتى إلى موضع
القبر ، ورفع قليلاً من التراب فبان قبر محفور وضريح مشقوق ، فبسط كفيه تحت ظهره وقال :
(( بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله ، صدق الله ورسوله ، ما شاء الله ، لا حول
ولا قوّة إلاّ بالله العظيم )) .
وأنزله وحده ، لَم يشاركه بنو أسد فيه ، وقال (ع) لهم : (( إنّ معي مَن يعينني
)) . ولمّا أقرّه في
لحده ، وضع خدّه على منحره الشريف قائلاً : (( طوبى لأرض تضمّنت جسدك الطاهر ، فإنّ الدنيا بعدك مظلمة والآخرة بنورك مشرقة ، أمّا
الليل فمسّهد والحزن سرمد ، أو يختار الله لأهل بيتك دارك التي أنت بها مقيم ، و عليك
منّي السّلام يابن رسول الله و رحمة الله وبركاته )) .
وكتب على القبر : (( هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشاناً غريباً
)) .
ثمّ مشى إلى عمّه العبّاس (عليه السّلام) فرآه بتلك الحالة التي أدهشت الملائكة بين
أطباق
السّماء وأبكت الحور في غرف الجنان ووقع عليه يلثم نحره المقدّس قائلاً :
(( على الدنيا
بعدك العفا يا قمر هاشم ، وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبركاته ))
.
وشقّ له ضريحاًً وأنزله وحده كما فعل بأبيه الشهيد ، وقال لبني أسد : (( إنّ معي مَن
يعينني )) .
نعم ، ترك مساغاً لبني أسد بمشاركته في مواراة الشهداء ، وعيّن لهم موضعين
الصفحة (321)
وأمرهم أنْ يحفروا حفرتين ، ووضع في الاُولى بني هاشم ، وفي الثانية الأصحاب(1) .
وأمّا الحر الرياحي فأبعدته عشيرته إلى حيث مرقده الآن وقيل : أنّ اُمّه كانت حاضرة
فلمّا رأت ما يُصنع بالأجساد ، حملت الحر إلى هذا المكان(2) .
وكان أقرب الشهداء إلى الحسين ولده الأكبر (عليه السّلام) ، وفي ذلك يقول الإمام
الصادق (ع) لحمّاد البصري : (( قُتل أبو عبد الله غريباً بأرض غربة
، يبكيه مَن زاره ، ويحزن له
مَن لم يزره ، ويحترق له مَن لَم يشهده ، ويرحمه من نظر إلى قبر ابنه عند رجلَيه في أرض
فلاة ولا حميم قربه ، ثمّ منع الحقّ وتوازر عليه أهل الردّة حتّى قتلوه وضيّعوه وعرضوه
للسّباع ومنعوه شرب ماء الفرات الذي يشربه الكلاب وضيّعوا حقّ رسول الله (ص) ووصيّته به
وبأهل بيته ، فأمسى مجفواً في حفرته صريعاً بين قرابته وشيعته ، قد اوحش قربه في الوحدة
والبعد عن جدّه والمنزل الذي لا يأتيه إلاّ مَن امتحن الله قلبه للإيمان وعرف حقنا
)) .
ولقد حدّثني أبي : أنّه لَم يخل مكانه منذ قُتل من مصلّ عليه من الملائكة أو من الجنّ
والإنس أو من الوحش ، وما من أحد إلاّ ويغبط زائره ويتمسّح ويرجو في النّظر إليه الخير
لنظره إلى قبره ،
وإنّ الله تعالى لَيباهي الملائكة بزائريه .
وأمّا ما له عندنا فالترحّم عليه كلّ صباح ومساء .
ولقد بلغني أنّ قوماً من أهل الكوفة وناساً غيرهم من نواحيها يأتونه في
____________________________
(1) الكبريت الأحمر ، وأسرار الشهادة ، والإيقاد .
(2) الكبريت الأحمر ، ونقل السيّد الجزائري في الأنوار النّعمانية
/ 344 ما يشهد بذلك
، فإنّه نقل : أنّ إسماعيل الصفوي نبش الموضع ، فظهر له رجل كهيئته لمّا قُتل ، وعلى رأسه
عصابة ، فلمّا حلّها انبعث الدم ولَم ينقطع إلاّ بشدّها ، فبنى على القبر قبّة ، وعيّن له خادماً
.
وعليه فإنكار النّوري في اللؤلؤ والمرجان دفنَه هنا لَم يُدعم بقرينة .
وفي تحفة
العالم للسيّد جعفر بحر العلوم 1 / 37 : إنّ حمد الله المستوفي ذكر في نزهة القلوب :
إنّ
في ظاهر كربلاء قبر الحر تزوره النّاس وهو جدّه الثامن عشر . وكان أحدهم يقول :
أشِرْ للحرِّ من قرب وبعد فإنَّ
الحرَّ تكفيه الاشاره
فردّ عليه الحجّة السيد محمّد القزويني :
زر الحرَّ الشهيد ولا تؤخر زيـارته على الشهداء iiقدم
ولا تسمع مقالة من ينادي أشـر للحر من بعد وسلم
الصفحة (322)
النّصف من شعبان ، فبين قارئ يقرأ وقاصًّ يقصّ ونادب يندب ، ونساء يندبنه ، وقائل يقول
المراثي !
فقال حمّاد : قد شهدت بعض ما تصف .
قال (عليه السّلام) : (( الحمد لله الذي جعل في النّاس مَن يفد
إلينا ويمدحنا ويرثي لنا
، وجعل عدوّنا مَن يطعن عليهم ويهدّدونهم ويقبّح ما يصنعون ))(1) .
ثـوى اليوم احماها عن الضّيم iiجانباً واصـدقها عـند الـحفيظة iiمخبرا
واطـعمها لـلوحش من جثث العدى واخـضبها لـلطير ظـفرا iiومنسرا
قـضى بعد ما ردّ السّيوف على القنا ومـرهفه فـيها وفـي الموت iiاثَّرا
ومـات كـريم الـعهد عند شبا iiالقنا يـواريه مـنها مـا عـليه تـكسّرا
فـإنْ يـمس مُـغبرّ الجبين iiفطالما ضحى الحرب في وجه الكتيبة iiغبَّرا
وإن يـقض ظـمآناً تـفطّر iiقـلبه فـقد راع قـلب الموت
حتّى iiتفطَّرا
وألـقحها شـعواء تشقى بها iiالعدى ولـود الـمنايا ترضع الحتف iiممقّرا
فـظاهر فـيها بـين درعـين iiنثرة وصبر ودرع الصبر اقواهما عرى
سـطا وهو أحمى مَن يصون iiكريمة وأشـجع مَـن يقتاد للحرب iiعسكرا
فـرافده في حرمة الضرب iiمرهف عـلى قـلّة الأنـصار فـيه iiتكثّرا
تـعثَّر حتّى مـات فـي إلهام حدّه وقـائـمه فـي كـفّه مـا iiتـعثَّرا
كـأنّ أخـاه الـسّيف اُعطي iiصبره فـلم يـبرح الـهيجاء
حتّى iiتكسَّرا
لـه الله مـفطوراً مـن الصّبر iiقلبُه ولـَو كـان مـن صمّ الصفا لتفطَّرا
ومـنعطف أهـوى لـتقبيل iiطـفله فـقبّل مـنه قـلبه الـسّهم iiمـنحرا
لـقد ولـدا فـي ساعةٍ هو iiوالردى ومـن قـبله فـي نحره السّهم iiكبَّرا
وفي السَّبى ممّا يصطفي الخدّ iiنسوة يـعـزّ عـلى فـتيانها أن iiتـسيَّرا
حـمت خدرها تقضي وودّت iiبنومها تـردّ عـليها جفنها لا على iiالكرى
مشى الدهر يوم الطّف أعمى فلَم يدع عـمـاداً لـهـا إلاّ وفـيه تـعثّرا
وجـشّمها الـمسرى بـبيداء iiفـقرة ولَم تدرِ قبل الطّف ما البيد iiوالسرّى
ولَـم تـرَ حتّى عينها ظلّ شخصها
إلى أنْ بدت في الغاضريّة iiحسرّا(2)
____________________________
(1) كامل الزيارات / 325 ، وعنه في مزار البحار / 124 .
(2) للسيّد حيدر الحلّي ( نوّر الله ضريحه) .
الصفحة (323)
في قصر الإمارة(1)
لمّا رجع ابن زياد من معسكره بالنّخيلة ودخل قصر الإمارة(2) ووضع
أمامه الرأس المقدّس
، سالت الحيطان دماً(3) وخرجت نار من بعض نواحي القصر وقصدت سرير ابن زياد(4) فولّى
هارباً منها ودخل بعض بيوت القصر فتكلّم الرأس الأزهر بصوت جهوري ـ سمعه ابن زيد وبعض
مَن حضر ـ : (( إلى أين تهرب فإنْ لَم تنلك في الدنيا فهي في الآخرة مثواك
)) ، ولَم يسكت حتّى ذهبت النّار
. واُدهش مَن في القصر لهذا الحادث الذي لَم يشاهد مثله(5) ولَم يرتدع ابن زياد لهذا
الحادث بل أذِن للنّاس إذناً عامّاً ، وأمر بإدخال السّبايا مجلسه ، فاُدخلت عليه حرم رسول
الله بحالة تقشعّر لها الجلود(6) .
أبـرزت حـاسرة لـكن iiعلى حـالة لَـم تبقَ للجلد iiاصطبارا
لا خـمار يـستر الـوجه وهل لـكريمات الـهدى أبقَوا iiخمارا
لا مــن ألـبسها مـن نـوره أزراً مـذ سـلبوا عنها iiالازارا
لـم تُـدع يا شلّتِ الأيدي iiلها من حجاب فيه عنهم تتوارى(7)
ووضع رأس الحسين (عليه السّلام) بين يدَيه ، وجعل ينكت بالقضيب ثناياه
____________________________
(1) في كتاب صفّين لنصر بن مزاحم / 8 ، طبعة مصر : لمّا دخل علي (ع) الكوفة
، قيل : أي
القصرين ننزلك ؟ قال : (( قصر الخبال لا تنزلونيه ))
. فنزل على جعدة بن هبيرة المخزومي .
والخبال كما في الفائق للزمخشري والنّهاية لابن الأثير ومقاييس اللغة لابن فارس :
مادة ( خبل ) ، الخبل : الفساد ، وحراقة صديد أهل النّار ، والمراد هنا منزل أهل الجَور
والفساد .
(2) في لطائف المعارف للثعالبي / 142 ، الباب التاسع : روى عبد الملك بن عمير اللخمي
قال : رأيت في قصر الإمارة رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عند عبيد الله بن زياد
على ترس ، ورأيت رأس عبيد الله بن زياد عند المختار على ترس ، ورأيت رأس المختار عند
مصعب بن الزبير على ترس ، ورأيت رأس مصعب بين يدَي عبد الملك بن مروان على ترس ، ولمّا
حدّثت بذلك عبد الملك تطيّر منه وفارق مكانه . ورواه السّيوطي في تاريخ الخلفاء / 139
، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / 148 ، طبعة ايران .
(3) تاريخ ابن عساكر 4 / 339 ، والصواعق المحرقة / 116 ، وذخائر العقبى
/ 145 ، وابن طاووس
في الملاحم / 128 الطبعة الاُولى .
(4) كامل ابن الأثير 4 / 103 ، ومجمع الزوائد لابن حجر 9
/ 196 ، والمقتل للخوارزمي 2
/ 87 ، والمنتخب للطريحي / 339 ، المطبعة الحيدريّة ، والبداية لابن كثير 8 / 286 .
(5) شرح قصيدة أبي فراس / 149 .
(6) أخبار الدول 1 / 8 ، لأبي العبّاس أحمد بن يوسف بن أحمد القرماني .
(7) من قصيدة للسيّد عبد المطّلب الحلّي ذكرت في شعراء الحلّة 3
/ 218 .
الصفحة (324)
ساعة ، فقال له زيد بن أرقم : ارفع القضيب عن هاتين الشفتين ؛ فوالله الذي لا إله إلاّ
هو لقد رأيت شفتي رسول الله على هاتين الشفتين يقبّلهما . ثمّ بكى ، فقال له ابن زياد :
أبكى الله عينيك ، فوالله لَولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك . فخرج زيد من
المجلس وهو يقول : ملك عبد عُبُداً فاتخذهم تلداً ، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد
اليوم ، قتلتم ابن فاطمة ، وأمّرتم ابن مرجانة ، يقتل خياركم ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذلّ
فبُعداً لمَن رضي بالذلّ(1) .
وانحازت زينب ابنة أمير المؤمنين (ع) عن النّساء وهي متنكّرة ، لكن جلال النبوّة وبهاء
الإمامة المنسدل عليها استلفت نظر ابن زياد فقال : من هذه المتنكّرة ؟ قيل له : ابنة
أمير المؤمنين زينب العقيلة . فأراد أنْ يحرق قلبها بأكثر ممّا جاء إليهم فقال متشمّتاً : الحمد لله الذي فضحكم
، وقتلكم وأكذب اُحدوثتكم . فقالت (عليها السّلام) : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد وطهّرنا من الرجس تطهيراً ،
إنّما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا . قال ابن زياد : كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك ؟ قالت
(عليها السّلام) : ما رأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا
إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجَّ وتُخاصم(2) فانظر لمَن الفلج يومئذ
، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة(3) . فغضب ابن زياد
، واستشاط من كلامها معه في ذلك المحتشد وهمَّ بها .
فقال له عمرو بن حريث : إنّها امرأة ، وهل تؤاخذ بشيء من منطقها ، ولا تلام على خطل
.
____________________________
(1) الصواعق المحرقة / 118 ، وفي تاريخ الطبري 6 / 262 والبداية والنهاية لابن كثير 8
/ 190 ، ومجمع الزوائد 9 / 195 ، وتاريخ ابن عساكر 4 / 340 ، ذكروا وانكاره عليه ولا ينافي
كونه أعمى على تقدير صحته ؛ لجواز أنّه سمع بذلك فأنكر عليه . وعبارة ابن عساكر ( كان
زيد حاضراً ) تؤيّده .
(2) تاريخ الطبري 6 / 262 .
(3) اللهوف / 90 .
الصفحة (325)
فالتفت إليها ابن زياد وقال : لقد شفى الله قلبي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل
بيتك . فرقّت العقيلة وقالت : لَعمري لقد قتلت كهلي ، وابرزت أهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت
أصلي
، فإنْ يشفك هذا فقد اشتفيت(1) .
والتفت إلى علي بن الحسين (ع) وقال له : ما اسمك ؟ قال : ((
أنا علي بن الحسين )) . فقال له :
أوَلَم يقتل الله علياً ؟ فقال السّجاد (ع) : (( كان لي أخ أكبر منّي(2)
يُسمّى علياً قتله النّاس )) . فردَّ عليه ابن
زياد بأنّ الله قتله . قال السّجاد (ع) : (( الله يتوفّى الأنفس حين موتها
، وما كان لنفس أنْ تموت إلاّ بإذن الله )) . فكبر على ابن زياد أنْ يرد عليه
، فأمر أنْ تضرب عنقه لكن عمتّه العقيلة اعتنقته وقالت : حسبك يابن زياد من دمائنا ما سفكت
، وهل أبقيت
أحداً(3) غير هذا ؟ فإنْ أردت قتله
، فاقتلني معه . فقال السّجاد (ع) : (( أما علمتَ أنّ القتل لنا عادة
، وكرامتنا من الله الشهادة ؟! ))(4) فنظر
ابن زياد إليهما وقال : دعوه لها ، عجباً للرحم ! ودَّت أنّها تُقتل معه(5) .
وأخذت الرباب زوجة الحسين (ع) الرأس ووضعته في حجرها وقبّلته وقالت :
____________________________
(1) كامل ابن الأثير 4 / 33 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 42 ، وتاريخ الطبري 6
/ 263 ، وإرشاد
المفيد ، وإعلام الورى للطبرسي / 141 .
وفي كامل المبرّد 3 / 145 طبعة سنة ( 1347 ) : لقد
أفصحت زينب بنت علي وهي أسنّ مَن حمل إلى ابن زياد وأبلغت وأخذت من الحجّة حاجتها فقال
ابن زياد لها : إنْ تكوني بلغت من الحجّة حاجتك فقد كان أبوكِ خطيباً شاعراً . فقالت :
ما للنّساء والشعر . وكان ابن زياد ألكناً يرتضخ الفارسيّة اهـ .
(2) نصّ عيه ابن جرير الطبري في المنتخب من الذيل / 89 ، ملحق بالتاريخ
/ 12 ، وأبو الفرج
في المقاتل / 49 طبعة ايران ، والدميري في حياة الحيوان بمادّة ( بغل ) ، والمنتخب للطريحي
/ 238
المطبعة الحيدريّة ونسب قريش لمصعب الزبيري / 58 ، وذكرنا في رسالة ( علي الأكبر )
/ 17
، نصوص المؤرخين : على أنّ المقتول هو الأكبر .
(3) تاريخ الطبري 6 / 263 .
(4) اللهوف / 91 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 13 .
(5) ابن الأثير 4 / 34 .
الصفحة (326)
وا حـسيناً فـلا نسيت iiحسيناً اقـصـدته أسـنَّة iiالاعـداء
غـادروه بـكربلاء iiصريعاً لا سقى الله جانبي كربلاء(1)
ولمّا وضح لابن زياد ولولة النّاس ولغط أهل المجلس خصوصاً لمّا تكلّمت معه زينب العقيلة
خاف هياج النّاس فأمر الشرطة بحبس الاُسارى في دار إلى جنب المسجد الأعظم(2) قال حاجب
ابن زياد : كنت معهم حين أمر بهم إلى السّجن فرأيت الرجال والنّساء مجتمعين يبكون
ويلطمون وجوههم(3) . فصاحت زينب بالنّاس : لا تدخل علينا إلاّ مملوكة
أو اُمّ ولد ؛ فإنّهنّ سُبين كما سُبينا(4)
.
تشير الحوراء العقيلة إلى أنّ المسبيّة تعرف مضض عناء الذلّ فلا يصدر منها غير المحمود
من شماتة وغيرها ، وهذا شيء معروف لا ينكر ، فقد ورد أنّ جسّاس بن مرّة لمّا قَتل كليب بن
ربيعة ، وكانت اُخت جسّاس زوجة كليب ، واجتمع نساء الحي للمأتم على كليب ، قلن لأخت كليب :
رحّلي جليلة عن مأتمك ؛ فإنّ قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب فإنّك اُخت واترنا
وقاتلنا ، فخرجت وهي تجرّ أذيالها ولمّا رحلت قالت اُخت كليب : رحلة المعتدي وفراق
الشامت(5) .
ودعا بهم ابن زياد مرّة اُخرى فلمّا اُدخلوا عليه ، رأين النّسوة رأس الحسين (ع) بين يدَيه
والأنوار الإلهيّة تتصاعد من أساريره إلى عنان السّماء ، فلم تتمالك الرباب زوجة
الحسين (ع) دون أنْ وقعت عليه تقبّله ، وقالت :
إنَّ الذي كان نوراً يستضاء iiبه بـكربلاء قـتيل غير iiمدفون
سبط النبيّ جزاك الله iiصالحة عنّا وجنبت خسران iiالموازين
قد كنتَ لي جبلاً صعبا ألوذ به وكنتَ تصحبنا بالرحم iiوالدِّين
مَن لليتامى ومَن للسائلين iiومَن يـعنى ويأوى إليه كلّ iiمسكين
____________________________
(1) تذكرة الخواص / 148 : ومن الاشتباه وعدم التدبّر ما جاء في الحماسة البصريّة 1
/ 214 ، رقم 18 ، باب المراثي ، نسبة هذين البيتين إلى عاتكة بنت نفيل زوجة الحسين
(ع) فإنّه
لَم يذكر الثقات من المؤرّخين تزويج الحسين (ع) منها .
(2) اللهوف / 91 ، و المقتل الخوارزمي 2 / 43 .
(3) روضة الواعظين / 163 .
(4) اللهوف / 92 ، ومقتل العوالم / 130 .
(5) الأغاني 4 / 150 .
الصفحة (327)
والله لا ابتغي صهراً بصهركُمُ
حتّى أغَيَّبَ بين الماء والطين(1)
ابن عفيف
قال حميد بن مسلم : أمر ابن زياد أنْ ينادى الصلاة جامعة ، فاجتمعوا في الجامع الأعظم
، ورقى ابن زياد المنبر فقال : الحمد لله الذي أظهر الحقّ وأهله ، ونصر أمير المؤمنين
يزيد وحزبه ، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب الحسين بن علي وشيعته(2) .
فلم ينكر عليه أحد من اُولئك الجمع الذي غمره الضلال إلاّ عبد الله بن عفيف الأزدي ثمّ
الغامدي أحد بني والبة فإنّه قام إليه وقال : يابن مرجانة ، الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك والذي ولاّك وأبوه
، يابن مرجانة
أتقتلون أبناء النبيّين وتتكلّمون بكلام الصدّيقين ؟!(3) فقال ابن زياد : مَن هذا المتكلّم
؟ قال ابن عفيف : أنا المتكلّم يا عدوّ الله ! تقتلون الذريّة الطاهرة التي أذهب الله
عنهم الرجس ، وتزعم أنّك على دين الإسلام ؟! وا غوثاه ! أين أولاد المهاجرين والأنصار
لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمّد رسول ربّ العالمين . فازداد غضب ابن زياد وقال : عليّ به
. فقامت إليه(4) الشرطة .
فنادى ابن عفيف بشعار الازد : ( يا مبرور ) . فوثب إليه عدد كثير ممَّن حضر من الأزد
وانتزعوه وأتَوا به أهله .
وقال له عبد الرحمن بن مخنف الأزدي : ويح غيرك لقد أهلكت نفسك وعشيرتك(5) .
____________________________
(1) الأغاني 14 / 158 ، طبعة ساسي .
(2) ابن الأثير 1 / 34 .
(3) تاريخ الطبري 6 / 263 .
(4) اللهوف .
(5) تاريخ الطبري 6 / 263 .
الصفحة (328)
ثمّ أمر ابن زياد بحبس جماعة من الأزد ، فيهم عبد الرحمن بن مخنف الأزدي(1) وفي الليل
ذهب جماعة من قِبل ابن زياد إلى منزله ؛ ليأتوه به ، فلمّا بلغ الأزد ذلك تجمَّعوا
وانضمَّ إليهم أحلافهم من اليمن ، وبلغ ابن زياد تجمّعهم فأرسل مضر مع محمّد بن
الأشعث(2) ، فاقتتلوا أشدّ قتال وقُتل من الفريقَين جماعة
، ووصل ابن الأشعث
إلى دار ابن
عفيف واقتحموا الدار ، فصاحت ابنته : أتاك القوم . قال لها : لا عليك ، ناوليني سيفي
. فجعل يذبّ به عن نفسه ، ويقول :
إنّ ابن ذي الفضل العفيف الطّاهر عـفيف شـيخي وابـن اُمّ iiعامر
كـم دارعٍ مـن جـمعكم iiوحاسر وبــطـل جـدّلـته مـغـادر
وابنته تقول له : ليتني كنت رجلاً ، أذبّ بَين يدَيك هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة .
ولَم يقدر أحد منهم أنْ يدنو منه فإنّ ابنته تقول له : أتاك القوم من جهة كذا . ولمّا
أحاطوا به صاحت : وا ذلاّه ! يُحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به . وهو يدور بسيفه ويقول :
أقسمُ لو يفسح لي عن بصري ضاق عليكم موردي ومصدري
وبعد أنْ تكاثروا عليه ، أخذوه وأتوا به إلى ابن زياد فقال له : الحمد لله الذي
أخزاك . قال ابن عفيف : وبماذا أخزاني ؟
والله لو فرج لي عن بصري ضاق عليكم موردي ومصدري
قال ابن زياد : يا عدوّ الله ما تقول في عثمان ؟ فشتمه ابن عفيف وقال : ما أنت وعثمان
؟ أساء أم أحسن ، أصلح أم أفسد ، وإنّ الله تبارك
وتعالى وليُّ خلقه يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحقّ ، ولكن سلني
____________________________
(1) رياض الأحزان / 57 ، عن روضة الصفا .
(2) في مثير الأحزان لابن نما الحلّي : أرسل ابن زياد
محمّد بن الأشعث ، وحيث إنّه قُتل
يوم عاشوراء بدعاء الحسين (عليه السّلام) أصابته عقرب فمات منها ، فيكون المرسَل هذا
أحد بني الأشعث .
الصفحة (329)
عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه . فقال ابن زياد : لا سألتك عن شيء ولتذوق الموت غصّة بعد غصّة .
قال ابن عفيف : الحمد لله ربّ العالمين أمّا إنّي كنت أسأل ربّي أنْ يرزقني الشهادة من
قبل أنْ تلدك اُمّك ، وسألت الله أنْ يجعلها على يدَي العن خلقه وأبغضهم إليه ولمّا كفّ بصري
يئست من الشهادة ، أمّا الآن والحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منه ، وعرّفني الإجابة في
قديم دعائي . فأمر ابن زياد بضرب عنقه ، وصلبه في السّبخة(1) .
ودعا ابن زياد بجندب بن عبد الله الأزدي ، وكان شيخاً كبيراً ، فقال له : يا عدوّ الله
ألست صاحب أبي تراب في صفّين ؟ قال : نعم ، وإنّي لاُحبّه وأفتخر به ، وأمقتك وأباك سيّما
الآن ، وقد قتلت سبط الرسول وصحبه وأهله ، ولَم تخف من العزيز الجبّار المنتقم . فقال ابن
زياد : إنّك لأقلّ حياءً من ذلك الأعمى وإنّي ما أراني إلاّ متقرّباً إلى الله بدمك
. فقال
ابن جندب : إذاً لا يقرّبك الله . وخاف ابن زياد من نهوض عشيرته فتركه وقال : إنّه شيخ
ذهب عقله وخرف . وخلي سبيله(2) .
المختار الثقفي
لمّا أحضر ابن زياد السّبايا في مجلسه ، أمر بإحضار المختار ، وكان محبوساً عنده من يوم
قَتْل مسلم بن عقيل ، فلمّا رأى المختار هيئة منكرة زفر زفرة شديدة وجرى بينه وبين ابن
زياد كلام أغلظ فيه المختار فغضب ابن زياد وارجعه إلى الحبس(3) ويقال ضربه بالسّوط
على عينه فذهبت(4) .
وبعد قَتْل ابن عفيف كان المختار بن أبي عبيد الثقفي مطلق السراح بشفاعة عبد الله بن
عمر بن الخطاب عند يزيد ؛ فإنّه زوج اُخته صفيّة بنت أبي
____________________________
(1) مثير الأحزان لابن نما الحلّي / 50 ، واللهوف لابن طاووس
/ 92 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 53
. واختصر قصّته في تاريخ الطبري 6 / 263 ، والمحبر لابن حبيب / 480 ، والإرشاد للشيخ المفيد
، والكل اتّفقوا على صلبه في الكناسة ، وذكره الأربلي في كشف الغمّة / 116 .
(2) مثير الأحزان / 51 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 55 ، ورياض الأحزان
/ 58 .
(3) رياض الأحزان / 52 .
(4) الأعلاق النفسيّة لابن رسته / 224 .
الصفحة (330)
عبيد الثقفي ، ولكن ابن زياد أجّله في الكوفة ثلاثاً
، ولمّا خطب ابن زياد بعد قَتْل ابن
عفيف ونال من أمير المؤمنين (ع) ، ثار المختار في وجهه وشتمه وقال : كذبت يا عدوّ الله
وعدوّ رسوله ، بل الحمد لله الذي أعزَّ الحسين (ع) وجيشه بالجنّة والمغفرة وأذلَّك وأذلَّ
يزيد وجيشه بالنّار والخزي . فحذفه ابن زياد بعمود حديد فكسر جبهته ، وأمر به إلى السّجن
ولكن النّاس عرّفوه بأنّ عمر بن سعد صهره على اُخته وصهره الآخر عبد الله بن عمر وذكروا
ارتفاع نسبه ، فعدل عن قتله وأبقاه في السّجن . ثمّ تشفّع فيه ثانياً عبد الله بن عمر عند
يزيد ، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بإطلاقه(1)
.
ثمّ أخذ المختار يخبر الشيعة بما علمه
من خواص أصحاب أمير المؤمنين (ع) من نهضته بثأر الحسين (ع) وقتله ابن زياد والذين
تألبوا على الحسين (ع)(2) .
ومن ذلك إنّه كان في حبس ابن زياد ، ومعه عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب
، وميثم التمّار . فطلب عبد الله بن الحارث حديدة يزيل بها شعر بدنه وقال : لا آمن من
ابن زياد القتل فأكون قد ألقيت ما على بدني من الشعر ، فقال له المختار : والله لا
يقتلك ولا يقتلني ولا يأتي عليك إلاّ القليل حتّى تلي البصرة ، وميثم يسمع كلامهما فقال
للمختار : وأنت تخرج ثائراً بدم الحسين (ع) وتقتل هذا الذي يريد قتلنا وتطأ بقدميك
على وجنتيه(3) . فكان الأمر كما قالا
.
خرج عبد الله بن الحارث بالبصرة بعد هلاك يزيد
، وأمّره أهل البصرة ، وبقي على هذا سنة ، وخرج المختار طالباً بدم الحسين (ع) فقتل ابن
زياد ، وحرملة بن كاهل ، وشمر بن ذي الجوشن إلى العدد الكثير من أهل الكوفة الخارجين
على الحسين (ع) ، فبلغ من قتلهم ثمانية عشر ألفاً ـ كما يحدّث به ابن نما الحلّي ـ وهرب
منهم إلى مصعب الزبيري زهاء عشرة آلاف(4) فيهم شبث بن ربعي جاء راكباً بغلة قد قطع
اُذنها وذنبها في قباء مشقوق وهو ينادي : وا غوثاه ! سِر بنا إلى محاربة هذا الفاسق الذي
هدم دورنا وقتل أشرافنا(5) .
____________________________
(1) مقتل الخوارزمي 2 / 178 ـ 179 ، واختصره في رياض الأحزان
/ 58 .
(2) البحار 10 / 284 ، عن أخذ الثأر لابن نما .
(3) شرح النّهج لابن أبي الحديد 1 / 210 طبعة مصر ، والبحار 10
/ 284 ، والإرشاد للمفيد .
(4) الأخبار الطوال / 295 .
(5) تاريخ الطبري 7 / 146 .
|