الصفحة (303)
غانم ، وهاني بن ثبيت الحضرمي ، وأسيد بن مالك ، فداسوا بخيولهم جسد ريحانة الرسول
،
وأقبل هؤلاء العشرة إلى ابن زياد يقدمهم اسيد بن مالك يرتجز :
نحن رضضنا الصدر بعد الظهر بكل يعبوب شديد الأسر
فأمر لهم بجائزة يسيرة(1) .
وأيّ شهيد أصلت الشمس جسمه ومـشهدها مـن أصـله متولّد
وأيّ ذبـيح داست الخيل صدره وفـرسانها مـن ذكـره تتجمّد
ألـم تـك تدري أن روح iiمحمد كـقرآنه فـي سـبطه iiمتجسّد
فـلو علمت تلك الخيول iiكاهلها بـأنّ الذي تحت السنابك iiاحمد
لـثارت على فرسانها iiوتمردت كما انّهم ثاروا بها iiوتمرّدوا(2)
قال البيروني : لقد فعلوا بالحسين ما لَم يفعل في جميع الاُمم بأشرار الخلق
؛ من القتل
بالسّيف ، والرمح ، والحجارة ، وإجراء الخيول(3)
، وقد وصل بعض هذه الخيول
إلى مصر ، فقلعت
نعالها وسمرت على أبواب الدور تبرّكاً ، وجرت بذلك السنّة عنده ، فصار أكثرهم يعمل نظيرها
ويعلّق على أبواب الدور(4) .
فـلـيت أكّـفاً حـاربتك iiتـقطّعت وأرجــل بـغي جـاولتك iiجـذام
وخـيلا غـدت تردى عليك iiجواريا عـقـرن فـلا يـلوى لـهنّ iiلـجام
ورضّت قراك الخيل من بعد ما غدت اولـوا الخيل صرعى منك فهي رمام
اصـبت فـلا يـوم الـمسرّات iiنير ولا قـمـر فـي لـيلهنّ iiتـمام(5)
الرؤوس
وأمر ابن سعد بالرؤوس فقطعت واقتسمتها القبائل ؛ لتتقرّب إلى ابن زياد ،
____________________________
(1) اللهوف / 75 ، ومثير الأحزان لابن نما
/ 41 . وفي مقتل الخوارزمي 2 / 39
زيادة بيت :
حتّى عصينا الله ربّ الأمر بعضها مع
الحسين الطهر
(2) من قصيدة للسيّد صالح ابن العلامة السيّد مهدي آل بحر العلوم .
(3) الآثار الباقية / 329 ، طبعة ليدن ، وطبعة الاوفست .
(4) كتاب التعجّب للكراجكي / 46 ملحق بكنز الفوائد .
(5) لأبي ذيب شيخ يوسف القطيفي المتوفّى (1200ﻫـ
) .
الصفحة (304)
فجائت كندة بثلاثة عشر وصاحبهم قيس بن الأشعث ، وجاءت هوازن باثني عشر وصاحبهم شمر بن
ذي الجوشن ، وجاءت تميم بسبعة عشر ، وبنو أسد بستة عشر ، ومذحج بسبعة ، وجاء آخرون بباقي
الرؤوس(1) ، ومنعت عشيرة الحر الرياحي من قطع رأسه ورضّ جسده(2) .
وسرّح ابن سعد في اليوم العاشر رأس الحسين (ع) مع خولى بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم
الأزدي ، وسرّح رؤوس أهل بيته وصحبه مع الشمر وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحَجّاج(3) .
وكان منزل خولي على فرسخ من الكوفة ، فأخفى الرأس عن زوجته الأنصاريّة
؛ لِما يعهده من
موالاتها لأهل البيت (عليهم السّلام) إلاّ أنّها لمّا رأت من التنّور نوراً راعها ذلك
؛ إذ
لم تعهد فيه شيئاً ، فلمّا قربت منه سمعت أصوات نساء يندبن الحسين (ع) بأشجى ندبة ،
فحدّثت زوجها وخرجت باكية(4) ولَم تكتحل ولم تتطيّب حزناً على الحسين
(ع) وكان اسمها العيوف(5) .
وعند الصباح غدا بالرأس إلى قصر الإمارة ، وقد رجع ابن زياد في ليلته من معسكره
بالنّخيلة فوضع الرأس بين يدَيه وهو يقول :
إمـلأ ركابي فضّة أو iiذهبا إنّـي قتلت السيّد iiالمحجّبا
وخيرهم من يذكرون النسبا قـتلت خير الناس اُمّاً iiوأبا
فساء ابن زياد قوله أمام الجمع فقال له : إذا علمت إنّه كذلك فلِمَ قتلته ؟ والله لا
نلت منّي شيئاً(6) .
____________________________
(1) اللهوف / 81 ، وعمدة القاري في شرح البخاري للعيني 7
/ 656 ، وفيه كان معهم عروة
بن قيس .
(2) الكبريت الأحمر .
(3) الإرشاد للشيخ المفيد .
(4) روضة الشهداء ، وفي البداية لابن كثير 8 / 190 : إنّ زوجته رأت النور يسطع من تحت
الاجانة إلى السّماء وطيوراً بيضاً ترفرف حولها ، وإنّ زوجته الاُخرى نوار بنت مالك قالت
له : أتيت برأس ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله ! لا يجمعني وإيّاك فراش أبداً ، ثمّ
فارقته .
(5) أنساب الأشراف للبلاذري 5 / 238 .
(6) في مرآة الجنان لليافعي 1 / 133 : إنّ ابن زياد غضب عليه وقتله
، ولَم يسمّ حامل
الرأس ، وفي العقد الفريد 2 / 213 : سمّاه خولي ابن يزيد الأصبحي ، وقتله ابن زياد
لذلك . واختلف المؤرّخون فيمَن جاء بالرأس وقائل الأبيات ؛ فعند ابن جرير الطبري 6
/ 261 ، وابن الأثير 4 / 33 : سنان بن أنس أنشدها على عمر بن سعد ، وفي تذكرة الخواص
/ 144 قال له عمر : أنت مجنون لَو سمعك ابن زياد لقتلك . وفي شرح المقامات للشريثي 1
/ 193 : إنّه أنشدها على ابن زياد ، وفي كشف الغمّة للأربلي ومقتل الخوارزمي 2 / 40 :
إنّ بشر بن مالك أنشدها على ابن زياد .
وفي مطالب السؤول لابن طلحة / 76 ، زاد عليهما
( ومن يصلّي القبلتين في الصبا ) ، فغضب عليه ابن زياد وقتله . وفي رياض المصائب / 437 :
إنّ الشمر قائلها .
وأنت إذا عرفت إنّ الشمر هو قاتل الحسين (ع) كما في زيارة النّاحية وعليه جماعة من
المؤرّخين ، تعرف أنّه المنشد لها ؛ إذ من البعيد أن يقتله ويأخذ الرأس غيره فيفوته
التقرّب عند ابن زياد ، وإنّما ذكرنا القصّة عن خولي مماشاةً مع أهل المقاتل . وفي المعجم
ممّا استعجم 2 / 865 ، ووفاء الوفاء للمسعودي 2 / 232 ، عند ذكر حمي ضريه ، قال : ضريه من
مياه الضباب في الجاهليّة لذي الجوشن الضبابي والد الشمر قاتل الحسين بن علي (ع) .
الصفحة (305)
السّفر من كربلاء
لمّا سيّر ابن سعد الرؤوس إلى الكوفة ، أقام مع الجيش إلى الزوال من اليوم الحادي عشر
، فجمع قتلاه وصلّى عليهم ودفنهم ، وترك سيّد شباب أهل الجنّة وريحانة الرسول الأكرم ومَن
معه من أهل بيته وصحبه بلا غسل ولا كفن ولا دفن(1)
، تسفي عليه الصبا ، ويزورهم وحش الفلا .
فإن يمسِ فوق التّرب عريان لم تقم لـه مـأتماً تـبكيه فـيه iiمحارمه
فـأيّ حـشا لم يمس قبراً iiلجسمه وفـي أيّ قلب ما اقيمت iiمآتمه(2)
وبعد الزوال ارتحل إلى الكوفة ومعه نساء الحسين (ع) وصبيته وجواريه وعيالات الأصحاب
وكنَّ عشرين امرأة(3) وسيروهنَّ على أقتاب الجمال بغير وطاء كما يساق سبي الترك
والروم و هنّ ودائع خير الأنبياء ومعهنّ السّجاد علي بن الحسين (ع) وعمره ثلاث وعشرون
سنة(4) ، وهو على بعير ظالع بغير وطاء وقد أنهكته العلّة(5) ومعه ولده الباقر
(ع)(6) وله
سنتان وشهور(7) ، ومن أولاد الإمام الحسن
____________________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 2
/ 39 .
(2) للعلامة الشيخ محمّد تقي آل صاحب الجواهر .
(3) نفس المهموم / 204 .
وفي مستدرك الوسائل للنوري 2 / 234 الطبعة الاُولى : روى الشيخ
المفيد والسيّد ابن طاووس بالإسناد عن الصادق (ع) أنّه صلّى في القائم المائل بطريق
الغري ركعتين وقال : (( ههنا وضعوا رأس جدّي الحسين (ع) لمّا توجّهوا من كربلاء
، ثمّ حملوه إلى عبيد الله بن زياد )) . ثمّ ذكر دعاء يُدعا به بعد الصلاة ، وقال
: (( هذا الموضع يعرف بالحنانة
..
(4) نسب قريش لمصعب الزبيري / 58 .
(5) الاقبال لابن طاووس / 54 .
(6) رياض الأحزان / 49 ، وإثبات الوصيّة للمسعودي / 143 .
(7) إثبات الوصيّة / 143 طبعة النّجف . وفي تاريخ أبي الفداء 1
/ 203 : له ثلاث سنين .
الصفحة (306)
المجتبى (ع) زيد وعمرو والحسن المثنّى ، فإنّه أُخذ أسيراً بعد أنْ قَتل سبعة عشر رجلاً
، وأصابته
ثمان عشرة جراحة وقُطعت يده اليمنى ، فانتزعه أسماء بن خارجة الفزاري ؛ لأنّ اُمّ المثنّى
فزاريّة ، فتركه ابن سعد له(1)
. وكان معهم عقبة بن سمعان مولى الرباب زوجة الحسين (ع) ، ولمّا
أخبر ابن زياد بأنّه مولى للرباب خلّى سبيله ، وأخبر ابن زياد بأنّ المرقع بن ثمامة
الأسدي نثر نبله وقاتل ، فآمنه قومه وأخذوه فأمر بنفيه إلى الزارة(2) .
أتـرى كيف أمست iiالخفرات بعد غلب دون المخيّـم iiماتوا
أتـراهم لـلأسر قد iiأسلموها أم عـلى الرغم فارقتها iiالحماة
فارقوها من بعد ما ثلم iiالعضب ودقّـت مـن الـطعان iiالقناة
وبـنوا فـي دم الشهادة iiعرشاً لــم قـبـلهم بـنته iiالـبناة
أدهشتها من بعدهم هجمة الخي ل عـليها وأيـن عـنها الاباة
فـتصارخْنَ يستغثْنَ iiبصرعي هـوّمت غـفوة بـهم iiوسباة
وتـرامت بـجنب كـلّ iiأبيِّ حــرّة تـسـتثيره iiوفـتـاة
يـشتكين الـسياط قد iiألمتهن و هـل حفزت بصرخى iiشكاة
يـتساقطْنَ عـن متون المطايا كـلّما أزعج النياق iiالحدادة(3)
فقلن النّسوة : بالله عليكم إلاّ ما مررتم بنا على القتلى
. ولمّا نظرن إليهم
____________________________
(1) البحار الجزء العاشر ، عند ذكر أولاد الحسن (ع) ، وإسعاف الراغبين
/ 28 ، على هامش نور الأبصار
.
وفي اللهوف / 8 : عالجه بالكوفة ، فلمّا برأ حمله إلى المدينة .
(2) تاريخ الطبري 6 / 261 ، وكامل ابن الاثير 4 / 33 .
والزارة ، كما في معجم البلدان 4
/ 367 : قرية بالبحرين ، واُخرى في طرابلس الغرب ، وكورة بالصعيد .
وفي المعجم ممّا استعجم
للبكري 2 / 692 : إنّها موضع بناحية البحرين جرت فيها حروب للنعمان بن المنذر
المعروف بـ ( الغرور ) مع الأساورة ، ومدينة بفارس فيها بارز البراء بن مالك مرزبانها فصرعه
وقطع يده وأخذ منطقته وسواريه ، وكان قيمته ثلاثين ألفاً ، فأخذ خُمسه عمر ، وهو أول سلب
اُخذ خمسه في الإسلام .
وفي كامل ابن الاثير 4 / 10 : إنّ ابن زياد هدّد أهل الكوفة
بالنّفي إلى عمان الزارة . وفيه 8 / 86 حوادث سنة ( 321 هـ ) : إنّ علي بن يليق أمر بلعن
معاوية وابنه يزيد على المنابر ببغداد ، فاضطربت العامّة ، وكان يثير الفتن البربهاري من
الحنابلة ، فهرب منه وقبض على جماعته فأحدرهم في زورق إلى عمان . انتهى .
فيظهر من ذلك أنّ الزارة موضع في عمان .
وفي الأخبار الطوال / 256 ، سيّر ابن زياد
المرقع بن ثمامة الأسدي إلى الزبدة ، فلم يزل بها حتّى هلك يزيد وهرب ابن زياد إلى الشام
، فانصرف المرقع
إلى الكوفة .
وفي نشوار المحاضرة 8 / 9 : إنّ أبا محمّد المهلّبي
أحدر محمّد بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي إلى عمان في زورق طبقه عليه ؛ لأمر نقمه
عليه .
(3) للعلامة الثقة الشيخ عبد المهدي مطر النجفي .
الصفحة (307)
مقطّعي الأوصال ، قد طعمتهم سمر الرماح ، ونهلت من دمائهم بيض الصفاح ، وطحنتهم الخيل
بسنابكها ، صِحن ولطمن الوجوه(1) وصاحت زينب : يا محمّداه
! هذا حسين بالعراء ، مرمّل
بالدماء ، مقطّع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذريّتك مقتّلة . فأبكت كلّ عدو وصديق(2)
حتّى جرت
دموع الخيل على حوافرها(3)
، ثمّ بسطت يدَيها تحت بدنه المقدّس ورفعته نحو السّماء ، وقالت : إلهي تقبّل منّا هذا
القربان(4) . وهذا الموقف يدلّنا على تبوّئها عرش الجلالة
، وقد اُخذ عليها العهد
والميثاق بتلك النّهضة المقدّسة كأخيها الحسين (ع) وإنْ كان التفاوت بينهما محفوظاً ،
فلمّا خرج الحسين (ع) عن العهدة بإزهاق نفسه القدسيّة ، نهضت العقيلة زينب بما وجب عليها
، ومنه تقديم الذبيح إلى ساحة الجلال الربوي والتعريف به ، ثمّ طفقت (سلام الله عليها)
ببقيّة الشؤون ، ولا استبعاد في ذلك بعد وحدة النّور وتفرّد العنصر .
وتـشاطرت هـي والحسين iiبدعوة حـتم الـقضاء عـليهما أنْ iiيـندبا
هــذا بـمشتبك الـنصول iiوهـذه في حيث معترك المكاره في السّبا(5)
واعتنقت سكينة(6) جسد أبيها الحسين
(ع) فكانت تحدّث أنّها سمعته يقول :
شيعتي ما أنْ شربتم
عَذْبَ ماء فاذكروني
____________________________
(1) مثير الأحزان لابن نما / 41 ، واللهوف لابن طاووس / 74
، والمقتل للخوارزمي 2 / 39
، والمقتل للطريحي / 332 .
(2) الخطط المقريزيّة 2 / 280 .
وفي مقتل الخوارزمي واللهوف : كانت الندبة أوسع .
(3) مقتل الخوارزمي 2 / 39 ، والمنتخب للطريحي / 332 .
(4) الكبريت الأحمر 3 / 13 ، عن الطراز المذهّب .
(5) للعلامة ميرز محمّد علي الاوردبادي ( نوّر الله ضريحه
) .
(6) في تهذيب الأسماء للنووي 1 / 163 ، والكواكب الدرّية للمناوي 1
/ 58 ، ونور الأبصار
للشبلنجي / 160 ، ووفيات الأعيان لابن خلّكان بترجمتها : توفّيت سكينة بنت الحسين (ع)
يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول سنة ( 117 هـ ) .
وفي المجدي لابن الحسن العمري في
النّسب ، وإعلام الورى للطبرسي / 127 ، عند ذكر أولاد الحسن (ع) ، والأغاني 12 / 163 :
إنّها
تزوّجت من ابن عمّها عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب قُتل عنها يوم الطف ، ولم
تلد منه . انتهى .
وفي إعلام الورى : قُتل عنها قبل البناء بها ، ولها يوم الطفّ أكثر
من عشر سنين ، وولادتها قبل وفاة عمّها الحسن (ع) وعمرها يقارب السّبع سنين ، وكلمة سيّد
الشهداء (ع) في حقّها : (( أنّ الغالب على سكينة الاستغراق مع الله
)) . على ما رواه الصبان في
اسعاف الرغبين يفيدنا درساً دقيقاً عن مكانة ابنته من الشريعة المقدسة ـ لاحظ
كتابنا السيدة سكينة ـ الطبعة الثانية .
الصفحة (308)
أو سمـعتم بغريـب
او شهيد فاندبوني(1)
ولَم يستطع أحد أن ينحيها عنه حتّى اجتمع عليها عدّة وجروها بالقهر(2) .
ومـذعورة بـاليتم قـد ربـع iiقلبها كـطير عليه الصقر قد هجم الوكرا
أهابت بها من هجمة الخيل iiصرخة عـلى ثكلها باليتم فاضطربت ذعرا
وفرَّت إلى الثاوي على جمرة iiالثرى وقـد أرسـلت من جفنها فوقه iiنهرا
وأهـوت على جسم الحسين iiفضمّها
إلى صدره ما بين يمناه iiواليسرى
تـلوذ بـه حـسرى القناع iiمروعة وعـزّ عـليه أن يـشاهدها iiحسرى
فـما تـركتها تـستجير iiسـياطهم بجسم أبيها حينما انتزعت قسرى(3)
وأمّا علي بن الحسين (ع) فإنّه لمّا نظر إلى أهله مجزّرين ، وبينهم مهجة الزهراء
(عليها السّلام) بحالة تنفطر
لها السّماوات وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّا ، عظم ذلك عليه واشتدّ قلقه فلمّا تبيّنت ذلك
منه زينب الكبرى بن علي (ع)(4) أهمّها أمر الإمام فأخذت تسلّيه وتصبّره وهو الذي لا
توازن الجبال بصبره ، وفيما قالت له : ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي
، فوالله إنّ هذا لعهد من الله إلى جدّك وأبيك ، ولقد أخذ الله ميثاق اُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض
، وهم معروفون في
أهل السّماوات ، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المقطّعة والجسوم المضرّجة ، فيوارونها وينصبون
بهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيّد الشهداء لا يُدرس أثره ولا يُمحى رسمه على كرور
الليالي والأيّام ، وليجتهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضلال في محوه وتطميسه ، فلا يزداد أثره
إلاّ علوّاً(5) .
لله صبر زينب العقيلة
كم صابرت مصائباً مهولة
____________________________
(1) مصباح الكفعمي / 376 ، طبعة الهند .
(2) تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 135 .
(3) من قصيدة للعلامة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي .
(4) زينب الملقبة الكبرى ، هي ابنة فاطمة الزهراء (ع) ، وقد وصفها بذلك الطبري في
تاريخه 6 / 89 ، وابن الأثير في الكامل 3 / 158 .
وفي المعارف لابن قتيبة : فأمّا زينب
الكبرى بنت فاطمة كانت عند عبد الله بن جعفر ، فولدت له أولاد .
(5) كامل الزيارات / 261 الباب الثامن والثمانون ، فضل كربلاء وزيارة الحسين
(ع) .
الصفحة (309)
رأت من الخطوب iiوالرزايا أمـراً تـهون دونـه iiالمنايا
رأت كـرام قـومها iiالأماجد مـجزّرين في صعيد iiواحد
تسفي على جسومها iiالرياح وهـي لـذؤبان الـفلا تباح
رأت عـزيز قومها صريعاً قـد وزّعوه بالظبى iiتوزيعاً
رأت رؤوسـاً بـالقنا iiتشال وجـثـثاً أكـفانها iiالـرمال
رأت رضـيعاً بالسّهام iiيفطم وصـبية بـعد أبيهم iiأيتموا
رأت شـماتة الـعدوّ iiفـيها وصنعه ما شاء في أخيها(1)
وأتاهن زجر بن قيس وصاح بهن فلَم يقمن ، فأخذ يضربهنّ بالسّوط واجتمع عليهن النّاس حتّى
أركبوهنّ على الجمال(2) .
وركبت العقيلة زينب ناقتها ، فتذكّرت ذلك العزّ الشامخ والحرم المنيع الذي تحوطه الليوث
الضواري الاُباة من آل عبد المطّلب وتحفّه السّيوف المرهفة والرماح المثقفة ، والأملاك
تخدمها فيه ، فلا يدخلون إلاّ مستأذنين :
فـلا مثل عزًّ كان في الصبح iiعزّها ولا مـثل حال كان في العصر iiحالها
إلـى أيـن مـسراها وأين iiمصيرها ومـَن هـو مـأواها ومَـن ذا iiمآلها
ومَـن ذا ثمال الظعن إنْ هي iiسيّرت يـضيق فـمي إنّ ابـن سعد iiثمالها
عـلى أيّ كـتف تـتكي حين ركِبت وجـمـالها زجـر وشـمر iiجـمّالها
أمخمد ضوء البيت عن شخص زينب لـكيلا يـرى فـي الليل
حتّى خيالها
تـمنّيت يـوم الطّف عينك أبصرت بـناتك حـين ابـتزّ مـنها iiحجالها
قـرومـاً تـراها جـزّراً iiوأرامـلا تـحـنّ كـنيبٍ فـارقتها iiفـصالها
لـه الله مـن ثـكل وقـد مات iiبغتة لـدى بـعض يـومٍ عزّها iiورجالها
ومـا هـان ثـكل عـندها غير انّه أمـضّ مـصاباً هـتكها iiوابـتذالها
وأمـسـين فـي أمـر يـهدّد غـبّه تـقف إهـاباً حـين يطريه iiبالها(3)
في الكوفة
ولمّا اُدخلت بنات أمير المؤمنين إلى الكوفة ، اجتمع أهلها للنظر إليهم
____________________________
(1) المقبولة الحسينية / 61 ، للحجّة آية الله الشيخ هادي كاشف الغطاء ( قدس
سره ) .
(2) تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 177 .
(3) للعلامة الثقة الشيخ محمّد طاهر آل فقيه الطائفة الشيخ راضي
( قدس سره ) .
الصفحة (310)
فصاحت اُمّ كلثوم : يا أهل الكوفة ، أما تستحون من الله ورسوله أنْ تنظروا إلى حرم النّبي
(ص) ؟(1) .
وأشرفت عليهنّ امرأة من الكوفيّات ورأتهن على تلك الحال التي تشجي العدوّ الألد فقالت
: من أي الاُسارى أنتم ؟ قلن : نحن اُسارى آل محمد(2)
.
وأخذ أهل الكوفة يناولون الأطفال التمر والجوز والخبز ، فصاحت اُمّ كلثوم وهي زينب
الكبرى : إنّ الصّدقة علينا حرام . ثمّ رمت به إلى الأرض(3) .
أبـا حـسن تـغضي وتلتذّ iiبالكرى وبـالكفّ أمست تستر الوجه iiزينب
أبـا حسن ترضى صفاياك في iiالسّبا ونـسوة حـرب بالمقاصير iiتحجب
وتـلوي لـلين الـفرش جنباً iiوهذه بـناتك فـوق الـعيس للشام iiتجلب
ويـهنيك عـيش والـعقائل iiحـسّر إذا مـا بـكت بـالأصبحية iiتضرب
تـشرّق فـيها تـارة عـصب الخنا وطـوراً بـها نـحو الشئام iiتغرّب
بـلا كـافل تـطوي الـمهامه iiلغباً ويـسمعها مـا يـشعب القب غيهب
فـأصواتها بـحّت و ذابـت قلوبها وأنـفاسها كـادت من الحزن iiتذهب
عـجبت ومن في الدهر سرّح iiطرفه وفـكّـر فـيه لـم يـزل iiيـتعجّب
يـزيد الـخنا فـي دسـته iiمـتقلّب ويـمسي حـسين في الثرى iiيتقلّب
و يحمل منه الرأس في الرمح iiجهرة وفي التاج رأس ابن الدعيّة iiيعصب
ويـبـقى ثـلاثاً عـارياً iiويـزيدها على جسمه يغدر الدمقس المذهّب(4)
خطبة زينب
ولقد أوضحت ابنة أمير المؤمنين (ع) للنّاس خُبث ابن زياد ولؤمه في خطبتها بعد أنْ أومأت إلى ذلك الجمع المتراكم
، فهدأوا حتّى كأنَّ على رؤوسهم
____________________________
(1) الدمعة الساكبة / 364 .
(2) ابن نما / 84 ، واللهوف / 81 .
(3) أسرار الشهادة / 477 ، وتظلّم الزهراء (عليها
السّلام ) / 150 .
(4) من قصيدة في الحسين (ع) للشيخ حسّون الحلي المتوفى سنة
( 1305 هـ ) ، شعراء الحلّة 2
/ 155 .
الصفحة (311)
الطير . وليس في وسع العدد الكثير أنْ يسكن ذلك اللغط
أو يردّ تلك الضوضاء لولا
الهيبة الإلهيّة والبهاء المحمّدي الذي جلّل عقيلة آل محمّد (ص) .
فيقول الراوي : لمّا أومأت زينب ابنة علي (ع) إلى النّاس
، فسكنت الأنفاس والأجراس
، فعندها اندفعت بخطابها مع طمأنينة نفس وثبات جأش ، وشجاعة حيدريّة ، فقالت (صلوات الله
عليها) : الحمد لله والصلاة على أبي محمّد وآله الطيّبين الأخيار .
أمّا بعد ، يا أهل الكوفة ، يا
أهل الختل والغدر ، أتبكون ؟! فلا رقأت الدمعة ، ولا هدأت الرنّة ، إنّما مثَلكم كمثَل
التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم ، ألا وهل فيكم
إلاّ الصلف النطف(1) والعجب والكذب والشنف(2) وملق الإماء(3) ، وغمز الأعداء(4)
؟!
أو
كمرعى على دمنة(5) أو كقصّة على ملحودة(6)
، ألا بئس ما قدّمتْ لكم أنفسكم أنْ سخط الله
عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون .
____________________________
(1) الصلف ( بفتحتين )
: الذي يتمدح بما ليس عنده . والنطف : القذف بالفجور .
(2) الشنف : المبغض بغير حق .
(3) الملق : التذلل .
(4) الغمز : الطعن بالشر .
(5) الغرض التعريف ، بأنّ الدمنة وإنْ زها ظاهرها بالنبت
، إلاّ أنّه لا يفيد الحيوان قوّة
؛ لأنّها مجمع الأوساخ والكثافات السّامة القاتلة ، فنتاج الدمنة لا يكون طيّبا . وأهل
الكوفة وإنْ زها ظاهرهم بالإسلام إلاّ أنّ الصدور انطوت على قلوب مظلمة ، لا يصدر منها
إلاّ بما يقوم به أهل الجأهليّة والإلحاد .
(6) في رواية اللهوف وابن نما (فضة) بالفاء الموحدة والضاد المعجمة ولم يتضح المراد
منه بعد عدم الترجيح على الذهب وغيره ، نعم رواية ابن شهر اشوب في المناقب (قصة)
بالقاف المثناة والصاد المهملة وهي الجص تتناسب مع الملحودة التي هي القبر ولم ينكر
أهل اللغة هذا المعنى ففي الصحاح للجوهري قصص داره أي جصصها وفي تاج العروس ج 4 ص
423 تقصيص الدار تجصيصها وكذلك قبر مقصص ومنه الحديث نهى النبي (صلّى الله عليه
وآله) عن تقصيص القبور وهو بناؤها بالقصة وفيه ص 422 قال القصة هي الجص بلغة الحجاز
أو الحجارة من الجص وعن ابن دريد ان ابا سعيد السيرافي يقول بكسر القاف وعند غيره
بفتحها وفي الفائق للزمخشري ج 2 ص 173 روى ان النبي (صلّى الله عليه وآله) نهى عن
تطيين القبور وتقصيصها اي تجصيصها فان القصة هي الجصة وفي غريب الحديث لأبي عبيد ج
1 ص 277 حيدر آباد التقصيص الجص يقال قصصت القبور والبيوت اذا جصصتها وفي (لحن
العوام) ص 145 للزبيدي تقصيص القبور تبييضها بالجص وفي نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص
73 القصة بفتح القاف وتشديد الصاد لمهملة هي الجص وفي مسند احمد ج 2 صفحة 137 عن
عبد الله بن عمر ان عثمان بنى جدار مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) بالحجارة
المنقوشة والقصة وفي تاريخ المدينة للمسعودي ج 2 صفحة 105 كان قبر حمزة مبنياً
بالقصة أي مجصص لا خشب عليه وفي البحار ج 18 ص 374 باب الدفن عن معاني الاخبار قال
: تقصيص القبور تجصيصها لان الجص يقال له القصة وفي النهاية لابن الأثير مادة قصص
في حديث زينب يا قصة على ملحودة شبهت اجسامهم بالقبور المتخذة من الجص وانفسهم بجيف
الموتى التي تشتمل عليها القبور ، والذي أراه ان النكتة في هذه الاستعارة ان القصة
بلغة الحجاز الجص والملحودة القبر لكونه ذا لحد فكأن القبر يتزين ظاهره ببياض الجص
ولكن داخله جيفة قذرة وأهل الكوفة وان تزين ظاهرهم بالاسلام الا ان قلوبهم كجيف
الموتى بسبب قيامهم باعمال الجاهلية الوخيمة العاقبة من الغدر وعدم الثبات على
المبادي الصحيحة وقد انفردت (متممة الدعوة الحسينية) بهذه النكات البديعة التي لم
يسبقها مهرة البلغاء اليها لانها ارتضعت در (الصديقة الكبرى) التي اخرست الفصحاء
بخطابها المرتجل يوم أجمع القوم على غصبها حقها مع ما اكتنفها من فوادح تبلبل فكر
البليغ فعرفت الحاضرين ومن يأت من الاجيال عظيم الجناية وخسران الرضوان الاكبر كما
ان سيد الاوصياء نسه عرف اولئك المتجمهرين على غصب حقه المجعول له من الله سبحانه
يوم الغدير ويوم المنزلة ويوم الاعلان بالثقلين في خطبته المعروفة بالوسيلة التي
خطبها في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)
بسبعة أيام وقد فرغ من جمع القرآن كما نص عليه الكليني في روضة الكافي .
الصفحة (312)
أتبكون وتنتحبون ؟! إي والله فابكوا كثيراً ، واضحكوا قليلاً
؛ فلقد ذهبتم بعارها
وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً ، وأنّى ترحضون قتْل سليل خاتم النبوّة
ومعدن الرسالة ، ومدرة حجّتكم ومنارمحَجّتكم ، وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم ، وسيّد
شباب أهل الجنّة ، ألا ساء ما تزرون .
فتعساً و نكساً وبُعداً لكم وسحقاً ، فلقد خاب السّعي وتبّت الأيدي ، وخسرت الصفقة ،
وبؤتم بغضب من الله ورسوله ، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة .
ويلكم يا أهل الكوفة ، أتدرون
أيّ كبد لرسول الله فريتم ؟ وأيّ كريمة له أبرزتم ؟ وأيّ
دم له سفكتم ؟ وأيّ حرمة له انتهكتم ؟ لقد جئتم شيئاً إدّاً ، تكاد السّموات يتفطّرن
منه ، وتنشقّ الأرض ، وتخرّ الجبال هدّاً . ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض(1) وملء السّماء
.
أفعجبتم أنْ مطرت السّماء
دماً ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا يُنصرون ، فلا يستخفنّكم المهل ، فإنّه لا يحفزه البدار
، ولا يخاف فوت الثار ، وإنّ ربّكم لَبِالمرصاد(2) .
____________________________
(1) في تهذيب اللغة 3 / 171
، ومقاييس اللغة 3 / 419 ، والمغرب للمطرزي 2 / 17 ، والفايق
1 / 125 ، والنّهاية ، واللسان ، وتاج العروس كلّهم مادّة ( طلع ) .
وذكر في اللسان حديث النبي
(ص) : رأى رجلاً به بذاذة تعلو عنه العين ، فقال : (( هذا خير من طلاع الأرض ذهباً
)) . إنّ
طلاع الأرض ملؤها حتّى يسيل .
وفي حديث عمر بن الخطّاب عند موته : لو أنّ لي طلاع الأرض
ذهباً لافتديت به من هَول المطلع . وهو يملؤها حتّى يطلع عنها ويسيل .
وفي الفايق عن الحسن
البصري قال : لئن أعلم أنّي بريء من النّفاق أحبّ إليّ من طلاع الأرض ذهباً ، وهو ملؤها .
(2) رتّبنا الخطبة من أمالي الشيخ الطوسي ، وأمالي ابنه
، واللهوف ، وابن نما ، وابن شهر
آشوب ، واحتجاج الطبرسي .
الصفحة (313)
فقال لها الإمام السّجاد (ع) :
(( اسكتي يا عمّة ، فأنت بحمد الله عالمة غير معلَّمة ، وفهِمة
غير مفهَّمة ))(1) . فقطعت العقيلة الكلام
، وأدهشت ذلك الجمع المغمور بالتمويهات والمطامع ، وأحدث كلامها
إيقاظاً في الأفئدة ولفتة في البصائر ، وأخذت خطبتها من القلوب مأخذاً عظيماً ،
وعرفوا عظيم الجناية ، فلا يدرون ما يصنعون .
فـعن الـوصي بلاغة خُصّت بها أعـيت بـرونقها البليغ iiالاخطبا
مـا اسـترسلت إلاّ وتحسب أنّها تـستلّ من غرر الخطابة iiمقضباً
أو أنّـها الـيزنيّ فـي يد iiباسل أخـلى بـه ظـهراً وأوهى iiمنكبا
أو أنّـهـا تـقـتاد مـنها iiفـيلقاً وتـسوق من زمر الحقائق iiموكبا
أو أنّ فـي غـاب الإمـامة iiلبوة لـزئيرها عـنت الـوجوه iiتهيّبا
أو أنّـها الـبحر الخضمّ iiتلاطمت أمـواجه عـلماً حـجى بأساً iiإبا
أو أنّ مـن غضب الإله iiصواعقاً لَـم تـلف عنها آل حرب iiمهربا
أو أنّ حـيدرة عـلى iiصـهواتها يـفني كـراديس الضّلال ثباً iiثبا
أو أنّــه ضـمـته ذروة iiمـنبر فـأنار نـهجاً لـلشريعة iiألـحبا
أو أنّ فـي الـلأوى عقيلة iiهاشم قد فرّقت شمل العمى ايدي سبا(2)
وخطبت فاطمة بنت الحسين (عليه السّلام)(3) فقالت :
____________________________
(1) احتجاج الطبري / 166 طبعة النّجف .
(2) من قصيدة للعلامة ميرز محمّد علي الاوردبادي في العقيلة زينب
(عليها السّلام) .
(3) كانت فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) جليلة القدر عظيمة المنزلة وكانت لها
المكانة العالية من الدين وقد شهد بذلك أبوها سيد الشهداء لما جاء اليه الحسن
المثنى يخطب احدى ابنتيه فقال (عليه السلام) كما في اسعاف الراغبين بهامش نور
الابصار ص 202 : إني اختار لك فاطمة فهي أكثر شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول الله (صلّى
الله عليه وآله) أما في الدين فتقوم الليل كله وتصوم النهار وفي الجمال تشبه الحور
العين .
وفي تهذيب التهذيب لابن حجر ج 12 ص 442 روت الحديث عن أبيها وأخيها زين العابدين
وعمتها زينب وابن عباس وأسماء بنت عميس وروى عنها أولادها عبد الله وابراهيم وحسين
وام جعفر بنو الحسن المثنى وروى عنها ابو المقدام بوساطة امه وروى عنها زهير بن
معاوية بوساطة أمه وفي خلاصة تذهيب الكمال ص 425 خرج أصحاب السنن أحاديثها منهم :
الترمذي وأبو داود والنسائي في مسند علي وابن ماجة القزويني وقال ابن حجر العسقلاني
وقع ذكرها في كتاب الجنائز من صحيح البخاري ووثقها ابن حبان . ونص على وفاتها في
سنة 110 واليافعي في مرآة الجنان ج 1 ص 234 وابن العماد في شذرات ج 1 ص 139 وبناء
على ما يقوله ابن حجر في تهذيب التهذيب انها قاربت التسعين تكون ولادتها سنة 30
تقريباً ولها يوم الطف ما يقرب من ذلك وتوفيت قبل اختها (سكينة) بسبع سنين وفي كامل
ابن الأثير ج 4 ص 35 وتاريخ الطبري ج 6 ص 267 كانت فاطمة اكبر من اختها سكينة وفي
كتاب (تحقيق النصرة الى معالم دار الهجرة) ص 18 تأليف أبي بكر بن الحسين بن عمر
المراغي المتوفى سنة 816 من كرامات فاطمة بنت الحسين ان الوليد بن عبد الملك لما
أمر بادخال الحجرات في المسجد خرجت فاطمة بنت الحسين الى الحرة وبنت داراً لها
وامرت بحفر بئر فظهر فيه جبل فقيل لها فتوضأت ورشت بفاضل وضوئها عليه فلم يتصعب
عليهم فكان يتبركون بمائه ويسمونه (زمزم) وفي طبقات ابن سعد ج 8 ص 474 طبعة صادر .
كانت فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) تسبّح بخيوط معقودة وفي كتابنا (نقد التاريخ
المخطوط) ناقشنا المؤرخين في تزويجها من العثماني ، وان محمد الديباج خلقته اقلام
الزبيريين .
الصفحة (314)
الحمدلله عدد الرمل والحصى ، وزنة العرش إلى الثرى ،
أحمده واُؤمن به وأتوكّل عليه ،
وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله ، وأنّ أولاده
ذُبحوا بشطّ الفرات ، من غير ذحل ولا ترات .
اللهمّ إنّي أعوذ بك أنْ أفتري عليك ، وأنْ أقول عليك خلاف ما
أنزلت من أخذ العهود
والوصيّة لعلي بن أبي طالب المغلوب حقّه ، المقتول من غير ذنب كما قُتل ولده بالأمس
، في
بيت من بيوت الله تعالى ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم ، تعساً لرؤوسهم ما دفعت عنه
ضيماً في حياته ولا عند مماته ، حتّى قبضه الله تعالى إليه محمود النّقيبة طيّب
العريكة ، معروف المناقب مشهور المذاهب ، لَم تأخذه في الله سبحانه لَومة لائم
ولا عذل عاذل ، هديته اللهمّ للإسلام صغيراً ، وحمدت مناقبه كبيراً ، ولَم يزل ناصحاً
لك ولرسولك ، زاهداً في الدنيا غير حريص عليها ، راغباً في الآخرة ، مجاهداً لك في
سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته إلى صراط مستقيم .
أمّا بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء ، فإنّا أهل بيت ابتلانا الله
بكم ، وابتلاكم بنا . فجعل بلاءنا حسناً ، وجعل علمه عندنا وفهمه لدنيا ، فنحن عَيبة
علمه ، ووعاء فهمه وحكمته ، وحجّته على الأرض في بلاده لعباده ، أكرمنا الله بكرامته
، وفضّلنا بنبيّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) على كثير ممَّن خلق الله تفضيلاً ، فكذّبتمونا وكفّرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالاً ، وأموالنا نهباً ، كأنّنا
أولاد ترك أو
كابل ، كما قتلتم جدّنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدّم ، قرّت
لذلك عيونكم ، وفرحت قلبوكم افتراءً على الله ومكراً مكرتم
الصفحة (315)
والله خير الماكرين ، فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ، ونالت
أيديكم من أموالنا ، فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة ، والرزايا العظيمة في كتاب
من قبل أن نبرأها ، إنّ ذلك على الله يسير ؛ لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا
بما آتاكم ، والله لا يحبّ كلّ مختال فخور .
تبّاً لكم فانظروا اللعنة والعذاب ، فكأنّ قد حلّ بكم وتواترت من السّماء نقمات ،
فيسحتكم بعذاب ويذيق بعضكم بأس بعض ، ثمّ تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة ؛ بما
ظلمتمونا ، ألا لعنة الله على الظالمين .
ويلكم ! أتدرون أيّة يد طاعنتنا منكم ؟ وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا ؟ أم بأيّة رِجل
مشيتم إلينا ؟ تبغون محاربتنا ، قست قلوبكم وغلظت أكبادكم وطبع الله على أفئدتكم ،
وختم على سمعكم وبصركم وسوّل لكم الشيطان وأملى لكم ، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم
لا تهتدون .
تبّاً لكم يا أهل الكوفة ، أيّ ترات لرسول الله قِبلَكم ، وذحول له لديكم ؟ بما عندتم
بأخيه على بن أبي الطالب جدّي وبنيه وعترته الطيّبين الأخيار ، وافتخر بذلك مفتخركم .
نحن قتلنا علياً وبني علي بـسيوف هنديّة iiورماح
وسبينا نساءهم سبي iiترك ونـطحناهم فـأيّ iiنطاح
بفيك أيها القائل الكثكث والأثلب(1)
افتخرت بقتل قوم زكّاهم الله وطهّرهم وأذهب عنهم
الرجس فأكضم وأقع كما أقعى أبوك فإنّما لكلّ امرىء ما اكتسب وما قدّمت يداه .
حسدتمونا ويلاً لكم على ما فضّلنا الله تعالى ، ذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء والله
ذوالفضل العظيم . ومَن لَم يجعل الله له نوراً فما له من نور .
فارتفعت الأصوات بالبكاء والنّحيب وقالوا : حسبكِ يا ابنة الطاهرين فقد حرقت قلوبنا
وأنضجت نحورنا وأضرمت أجوافنا ، فسكتت .
____________________________
(1) في تاج العروس : الأثلب ( بكسر الهمزة واللام وفتحهما
، والفتح أكثر ) : الحجَر ، وقيل
دقاق الحجارة . وقال شمر الأثلب ( بلغة الحجاز ) : الحجارة . وبلغة تميم التراب وهو دعاء
.
وفي الحديث : (( الولد للفراش وللعاهر الأثلب )) .
وفيه صفحة 640 : الكثكث ( كجعفر ، وزبرج ) : دقائق
التراب ، ويقال : التراب عامة ، يقال بفيه الكثكث : أي التراب .
|