مقتل الحسين/ للمقرم

 
 

الصفحة (331)

كلام الرأس المقدّس

لهفي لرأسك فوق مسلوب القنا      يـكسوه مـن أنـواره iiجلبابا
يتلو الكتاب على السّنان iiوإنّما      رفعوا به فوق السّنان iiكتابا(1)

لَم يزل السّبط الشهيد حليف القرآن منذ أنشأ كيانه ؛ لأنّهما ثقلا رسول الله وخليفتاه على اُمّته . وقد نصّ الرسول الأعظم (ص) بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض ، فبذلك كان الحسين (ع) غير مبارح تلاوته طيلة حياته في تهذيبه وإرشاده وتبليغه في حلّه ومرتحله حتّى في موقفه يوم الطفّ بين ظهراني اُولئك المتجمهرين عليه ليتمّ عليهم الحجّة ويوضح لهم المحَجّة . هكذا كان ابن رسول الله يسير إلى غايته المقدّسة سيراً حثيثاً حتّى طفق يتلو القرآن رأسه المطهّر فوق عامل السنان ؛ عسى أن يحصل في القوم من يكهربه نور الحقّ ، غير أنّ داعية الهدى لَم يصادف إلاّ قصوراً في الإدراك وطبعاً في القلوب وصمما في الآذان ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ )(2) .

ولا يستغرب هذا مَن يفقه الأسرار الالهيّة ، فإنّ المولى سبحانه بعد أنْ أوجب على سيّد الشهداء النّهضة لسدّ أبواب الضلال بذلك الشكل المحدّد الظرف والمكان والكيفيّة لمصالح أدركها الجليل جلّ شأنه ، فأوحى إلى نبيّه الأقدس أنْ يقرأ هذه الصفحة الخالصة على ولده الحسين (ع) ، فلا سبيل إلاّ التسليم والخضوع للأصلح المرضي لربّ العالمين ( لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ )(3) . وحيث أراد المهيمن تعالى بهذه النّهضة المقدّسة تعريف الاُمّة الحاضرة والأجيال المتعاقبة ضلال الملتوين عن الصراط السّوي العابثين بقداسة الشريعة ، أحبّ الإتيان بكلّ ما فيه توطيد اُسس هذه الشهادة التي كتبت بدمها الطاهر صحائف نيّرة من أعمال الثائرين في وجه المنكر ، فكانت هذه محفوفة بغرائب لا تصل إليها الأفهام ، ومنها استشهاد الرأس المعظّم بالآيات الكريمة ، والكلام من رأس مقطوع أبلغ في إتمام الحجّة على مَن أعمته الشهوات عن إبصار الحقائق ، وفيه تركيز العقائد على أحقيّة دعوته التي لَم يقصد بها إلاّ الطاعة لربّ العالمين ووخامة عاقبة مَن مدّ عليه يد السّوء والعدوان ، كما نبّه الاُمّة على ضلال مَن جرّأهم على

____________________________
(1) في الدرّ النّضيد / 36 ، للسيد محسن الأمين ، أنّهما للسيد رضا الهندي .
(2) سورة البقرة / 7 .
(3) سورة الأنبياء / 23 .

الصفحة (332)

الطغيان .

ولا بدع القدرة الإلهيّة إذا مكّنت رأس الحسين (ع) من الكلام للمصالح التي نقصر عن الوصول إلى كنهها بعد أن اُودعت في الشجرة(1) قوّة الكلام مع نبي الله موسى بن عمران (عليه السّلام) عند المناجاة ، وهل تقاس الشجرة برأس المنحور في طاعة الرحمن سبحانه ؟ ... كلاّ .

قال زيد بن أرقم : كنت في غرفة لي فمرّوا عليَّ بالرأس وهو يقرأ ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا )(2) فوقف شعري وقلت : والله يابن رسول الله رأسك أعجب وأعجب(3) .

ولمّا نُصب الرأس الأقدس في موضع الصيارفة وهناك لغط المارّة وضوضاء المتعاملين ، فأراد سيّد الشهداء توجيه النّفوس نحوه ليسمعوا بليغ عظاته ، فتنحنح الرأس تنحنحاً عالياً فاتّجهت إليه النّاس واعترتهم الدهشة ؛ حيث لَم يسمعوا رأساً مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسين (ع) ، فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى : ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى )(4) .

وصُلب على شجرة فاجتمع النّاس حولها ينظرون إلى النّور السّاطع ، فأخذ يقرأ ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ )(5)(6) .

قال هلال بن معاوية : رأيت رجلا يحمل رأس الحسين (ع) والرأس يخاطبه : فرَّقت بين رأسي وبدني فرق الله بين لحمك وعظمك وجعلك آية ونكالا للعالمين فرفع السوط واخذ يضرب الرأس حتّى سكت(7) .

وسمع سليمة بن كهيل الرأس يقرأ وهو على القناة ( فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )(8)(9) .

____________________________
(1) الدر المنثور 2 / 119 : آية ( رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ) . والبحار 5 / 278 : نقلاً عن المهج . وفي قصص الأنبياء للثعالبي / 120 الباب الثامن : خروج موسى من مدين .
(2) سورة الكهف / 9 .
(3) إرشاد المفيد ، والخصائص الكبرى 2 / 125 .
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 / 362 : كان زيد بن أرقم من المنحرفين عن أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) فإنّه كتم الشهادة لأمير المؤمنين بالولاية يوم الغدير ، فدعا عليه بالعمى ؛ فكفّ بصره إلى أنْ مات .
وفي كامل ابن الأثير 4 / 24 : أمر ابن زياد ، فطيف برأس الحسين (ع) في الكوفة . ومثله في البداية لابن كثير 8 / 191 ، والخطط المقريزيّة 2 / 288 .
(4) سورة الكهف / 13 .
(5) سورة الشعراء / 227 .

(6) ابن شهر آشوب 2 / 188 .
(7) شرح قصيدة أبي فراس / 148 .
(8) سورة البقرة / 137 .
(9) أسرار الشهادة / 488 .

الصفحة (333)

ويحدّث ابن وكيدة أنّه سمع الرأس يقرأ سورة الكهف ، فشكّ في أنّه صوته أو غيره فترك (عليه السّلام) القراءة والتفت إليه يخاطبه : (( يابن وكيدة أما علمت أنّا معشر الأئمّة أحياء عند ربهم يرزقون ؟ )) . فعزم على أنْ يسرق الرأس ويدفنه . وإذا الخطاب من الرأس الأزهر : (( يابن وكيدة  ، ليس إلى ذلك من سبيل ، إنّ سفكهم دمي أعظم عند الله من تسييري على الرمح ، فذرهم فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسّلاسل يسحبون ))(1) .

قال المنهال بن عمرو : رأيت رأس الحسين (ع) بدمشق على رمح وأمامه رجل يقرأ سورة الكهف حتّى إذا بلغ إلى قوله تعالى : ( أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً )(2) نطق الرأس بلسان فصيح : (( أعجب من أصحاب الكهف ، قتلي وحَملي ))(3) .

ولمّا أمر يزيد بقتل رسول ملك الروم حيث أنكر عليه فعلته نطق الرأس بصوت رفيع : (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ))(4) .

أروحـك  ام روح الـنبوّة iiتـصعد      من  الأرض للفردوس والحور iiسجَّد
ورأسك أم رأس الرسول على القنا      بـآيه أهـل الـكهف راح يـردّد
وصـدرك أم مستودع العلم iiوالحجى      لـتحطيمه  جـيش من الجهل iiيعمد
واُمّــك  أم اُمّ الـكتاب تـنهَّدت      فــذاب  نـشيجاً قـلبها iiالـمتنهّد
وشـاطرت الأرضُ السّماءَ iiبشجوها      فـواحـدة تـنعى واُخـرى iiتـعدّد
وقـد نـصب الوحي العزاء iiببيته      عـليك  حـداداً والـمعزّى iiمحمَّد
يـلوح  لـه الـثقلان ثقل iiممزّق      بـسـهم  وثـقل بـالسّيوف مـقدَّد
فـعترته بـالسّيف والـسّهم iiبعضها      شـهـيد وبـعض بـالفلاة iiمـشرَّد
وأيّ شـهيد أصـلت الشمس iiجسمه      ومـشـهدها  مـن أصـله iiمـتولَّد
وأيّ ذبـيح داسـت الـخيل iiصدره      وفـرسـانها  مـن ذكـره iiتـتجمَّد

____________________________
(1) شرح قصيدة أبي فراس / 148 .
(2) سورة الكهف / 10  .
(3) الخصائص للسيوطي 2 / 127 .
(4) مقتل العوالم / 151 .

الصفحة (334)

ألـم تـك تـدري أنَّ روح iiمحمَّد      كـقرآنه  فـي سـبطه iiمـتجسَّد
فـلو عـلمت تـلك الخيلول iiكاهلها      بـأنَّ  الـذي تحت السنابك iiأحمد
لـثارت عـلى فـرسانها iiوتمرَّدت      عـليهم  كـما ثـاروا بها iiوتمرَّدوا
فـرى  الغيّ نحراً يغبط البدر iiنوره      وفـي كـل عـرق منه للحق iiفرقد
وهـشَّم  أضلاعاً بها العطف iiمودع      وقـطَّع  أنـفاساًبها الـلطف iiموجد
وأعـظم مـا يشجي النّفوس حرائر      تـضام  وحـاميها الـوحيد iiمقيَّد
فـمن مـوثَق يـشكو التشدّد من iiيد      ومـوثـقة تـبكي فـتلطمها iiالـيد
كـأنَّ  رسـول الله قـال iiلـقومه      خذوا وتركم من عترتي وتشدَّدوا
(1)

طغيان الأشدق

قال ابن جرير : أرسل ابن زياد عبد الملك بن الحارث السّلمي إلى المدينة ليبشّر عمرو بن سعيد الأشدق(2) بقتل الحسين ، فاعتذر بالمرض ، فلم يقبل منه ، وكان ابن زياد شديد الوطأة لا يصطلى بناره ، وأمره أن يجدَّ السّير ، فإن قامت به الراحلة يشتري غيرها ، ولا يسبقه الخبر من غيره ، فسار مجدَّاً حتّى إذا وصل المدينة لقيه رجل من قريش وسأله عمّا عنده فقال له : الخبر عند الأمير . ولمّا أعلم ابن سعيد بقتل الحسين ، فرح واهتزّ بشراً وشماتة .

وأمر المنادي أن يعلن بقتله في أزقّة المدينة ، فلم يسمع ذلك اليوم واعية مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على سيّد شباب أهل الجنّة واتّصلت الصيحة بدار الأشدق فضحك وتمثّل بقول عمرو بن معد يكرب :

عجَّت نساء بني زياد عجَّة     كعجيج نسوتنا غداة الأرنب

ثمّ قال : واعية بواعية عثمان(3) .

____________________________
(1) من قصيدة للسيد صالح ابن العلامة السيّد مهدي بحر العلوم .
(2) في مجمع الزوائد لابن حجر الهيثمي 5 / 240 ، وتطهير الجنان على هامش الصواعق المحرقة / 141 : عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : (( ليرعفنّ على منبري جبّار من جبابرة بني اُميّة فيسيل رعافه )) وقد رعف عمرو بن سعيد وهو على منبره (ص) حتّى سال رعافه .
(3) تاريخ الطبري 6 / 268 .

الصفحة (335)

والتفت إلى قبر رسول الله وقال : يوم بيوم بدر يا رسول الله . فأنكر عليه قوم من الأنصار(1) .

ثمّ رقى المنبر وقال : أيّها النّاس ، إنّها لدمة بلدمة وصدمة بصدمة ، كم خطبة بعد خطبة حكمة بالغة فما تغني النّذر ، لقد كان يسبّنا ونمدحه ، ويقطعنا ونصله ، كعادتنا وعادته ، ولكن كيف نصنع بمَن سلَّ سيفه علينا يريد قتلنا إلاّ أنْ ندفعه عن أنفسنا .

فقام إليه عبد الله بن السائب وقال : لَو كانت فاطمة حيَّة ورأت رأس الحسين لبكت عليه .

فزجره عمرو بن سعيد وقال : نحن أحقّ بفاطمة منك ؛ أبوها عمّنا وزوجها أخونا واُمّها ابنتنا ، ولَو كانت فاطمة حيَّة لبكت عينها وما لامت من قتله ودفعه عن نفسه(2) .

وكان عمرو فظّا غليظاً قاسياً ، أمر صاحب شرطته على المدينة عمرو بن الزبير بن العوام(3) بعد قتل الحسين (ع) أنْ يهدم دور بني هاشم ، ففعل وبلغ منهم كلّ مبلغ وهدم دار ابن مطيع ، وضرب النّاس ضرباً شديداً ، فهربوا منه إلى ابن الزبير(4) .

وسمّي بالأشدق ؛ لأنّه أصابه اعوجاج في حلقه إلى الجانب الآخر ؛ لإغراقه في شتم علي بن أبي طالب (ع)(5) ، وعاقبه الله شرّ عقوبة حيث حُمل إلى عبد الملك بن مروان مقيّداً بالحديد ، وبعد أنْ أكثر من عتابه أمر به فقُتل(6) .

وخرجت بنت عقيل بن أبي طالب في جماعة من نساء قومها حتّى انتهت إلى قبر النّبي (ص) ، فلاذت به وشهقت عنده ، ثمّ التفتت إلى المهاجرين والأنصار تقول :

____________________________
(1) نفس المهموم / 222 ، وشرح النّهج لابن أبي الحديد 1 / 361 .
(2) مقتل العوالم / 131 .
(3) في أنساب الأشراف للبلاذري 4 / 23 : كانت اُمّ عمرو بن الزبير أمة بنت خالد بن سعد بن العاص ، وكان على جيش أرسله عمرو بن سعد الأشدق إلى محاربة عبد الله بن الزبير بمكّة ، فقبض جيش عبد الله على عمرو بن الزبير ، فأمر عبد الله أنْ يضربه بالسّياط كلّ من له مظلمة عنده فمات من ذلك .
(4) الأغاني 4 / 155 .
(5) معجم الشعراء للمرزباني / 231 .
(6) ( جمهرة الأمثال ) لأبي هلال العسكري / 9 ، طبعة الهند ، مادة : أمكراً وأنت في الحديد .

الصفحة (336)

مـاذا  تـقولون إنْ قال النّبي iiلكم      يوم الحساب وصدق القول iiمسموع
خـذلتموا عـترتي أو كـنتم iiغيبا      والـحقّ عـند وليّ الأمر iiمجموع
اسـلمتموهم  بـأيدي الظالمين فما      مـنكم  لـه اليوم عند الله iiمشفوع
ما كان عند غداة الطَّف إذ حضروا      تـلك  الـمنايا ولا عـنهنَّ مدفوع

فأبكت مَن حضر ، ولَم يرَ باكٍ وباكية أكثر من ذلك اليوم(1) . وكانت اُختها زينب تندب الحسين (ع) بأشجى ندبة وتقول :

مـاذا تـقولون إذ قـال النّبي لكم      مـاذا فـعلتم وأنـتم آخـر iiالاُمم
بـعترتي  وبـأهلي بـعد iiمفتقدي      مـنهم اُسارى ومنهم ضرَّجوا iiبدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت iiلكم      أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
(2)

اُمّ البنين

لَم أعثر على نصّ ، يوثق به يدلّ على حياة اُمّ البنين يوم الطفّ ، وما

____________________________
(1) أمالي ابن الشيخ الطوسي / 55 ، وسمّاها ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 227 أسماء .
(2) الأبيات بهذا اللفظ في مثير الاحزان لابن نماص 51 واللهوف لابن طاووس ص 96 والكامل لابن الأثير ج 4 ص 36 وعنده انها لبنت عقيل بن أبي طالب ومثله أبو الريحان البيروني في الآثار الباقية ص 329 . وابن جرير في التاريخ ج 6 ص 268 الا انه ذكر الأول والثاني وفي رواية ابن قتيبة في عيون الاخبار ج 1 ص 212 للابيات خلاف ، وفي مقتل الخوارزمي ج 2 ص 76 : ان زينب بنت عقيل بن أبي طالب قالت البيتين الأولين ، وفي رواية اخرى ان بنت عقيل بن أبي طالب قالت وذكر أربعة أبيات والرابع منهما :
                                                                                 ضيعتم حقـنا والله أوجـبه      وقد رعى الفيل حق البيت والحرم
ونسب ابن شهر اشوب في المناقب الى زينب بنت امير المؤمنين (عليه السلام) انها انشأت الابيات الثلاثة بعد خطبتها بالكوفة . وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي ص 151 : ان زينب بنت عقيل بن أبي طالب قالت قالت ، وذكر اربعة ابيات وكان الرابع في روايته
                                                                                 ذريـتي وبنـو عمي بمضيعة       منهم اسارى وقتلى ضرجوا بدم
ونسب ابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 200 الأبيات الثلاثة الى زينب بنت عقيل بن أبي طالب ثم قال وقال أبو الاسود الدؤلي
                                                                                  أقول وزادني حنقاً وغيظاً           ازال الله ملك بني زياد
                                                                                  وأبعدهم كما بعدوا وخانوا         كما بعدت ثمود وقوم عاد
                                                                                   ولا رجعت ركائبهم إليهم        اذا وقفت الى يوم التناد
وفي الارشاد للشيخ المفيد ، لما سمعت أم لقمان بنت عقيل بن أبي طالب نعي الحسين خرجت تنعاه ومعها من اخواتها أم هاني واسماء ورملة وزينب وذكر الأبيات الثلاث .
.

الصفحة (337)

يذكر لحياتها في ذلك اليوم مردّه أقوال ثلاثة :
الأول : قول العلامة محمّد حسن القزويني في رياض الأحزان / 60 : اُقيم العزاء والمصيبة في دار اُمّ البنين زوجة أمير المؤمنين واُمّ العبّاس وإخوته .
الثاني : قول السّماوي في إبصار العين / 31 الطبعة الأولى : وأنا أسترقّ جدّاً من رثاء اُمّه فاطمة اُمّ البنين الذي أنشده أبو الحسن الأخفش في شرح الكامل ، وقد كانت تخرج إلى البقيع كلّ يوم ترثيه وتحمل ولده عبد الله ، فيجتمع لسماع رثائها أهل المدينة ، وفيهم مروان بن الحكم فيبكون لشجّي الندبة ( ا هـ ) .
الثالث : رواية أبي الفرج في مقاتل الطالبيين في مقتل العبّاس : عن محمّد بن علي بن حمزة عن النوفلي عن حمّاد بن عيسى الجهني عن معاوية بن عمّار عن جعفر : أنّ اُمّ البنين ـ اُمّ الإخوة الأربعة القتلى ـ تخرج إلى البقيع تندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها ، فيجتمع النّاس إليها ليسمعوا منها ، وكان مروان يجيء فيمَن يجيء لذلك ، فلا يزال يسمع ندبتها ( ا هـ) .

هذا كلّ ما وجدناه ممّا يمكن أن يكون مصدراً لحياتها يوم الطفّ ، فالأول لا دلالة فيه فإنّ غايته أنّ العزاء اُقيم في دار اُمّ البنين ، وأمّا كونها موجودة ، فلا صراحة فيه على أنّه لا يعدو الحكاية التي سجّلها أبو الفرج وأخذها قليل التفكير في التنقيب . والثاني : واضح الدلالة على استقائه من أبي الفرج فإنّ نصّ ( إبصار العين للسماوي ) مثل ما في مقاتل الطالبيين ، واذاً فلا يعد رأياً ثانياً ...

وشرح الكامل المنسوب للأخفش لَم أجد واحداً من أرباب التراجم ناصّاً عليه مع فحصي الكثير لتراجم كلّ مَن سُمّي بالأخفش . وأمّا الشيخ السّماوي فكثيراً ما سألته عن مصدر هذا الشرح فلَم أجد منه إلاّ السّكوت ، وقد صارحته بمعتقدي في كَون ( الأبيات ) له وأراد تمشية الكلام بهذا البيان ، فعلى المولى سبحانه أجره ...

ومثله المجلسي في البحار 10 / 201 ، حاكياً عن أبي الفرج ، وحديث أبي الفرج في هذه القصّة فيه اُمور :


الصفحة (338)

1ـ إنّ رجال إسناده لا يعبأ بهم ، فإنّ النّوفلي وهو يزيد بن المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطّلب بن هاشم ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب  11 / 347 ، وحكي عن أحمد : إنّ عنده مناكير ، وعند أبي زرعة ، ضعيف الحديث ، وعامّة ما يرويه غير محفوظ ، وقال أبو حاتم : منكر الحديث جداً ، وقال النّسائي : متروك الحديث ...

ومعاوية بن عمار بن أبي معاوية في تهذيب التهذيب  10 /  214 ، قال أبو حاتم : لا يحتجّ بحديثه ، وإنْ اُريد غير هذا فمجهول .

2ـ إنّ اُمّ البنين اقتبست من سيّد الأوصياء ومن سيّدَي شباب أهل الجنّة المعارف الإلهيّة والآداب المحمّديّة ما يأخذ بها إلى أسمى درجة من اليقين ، فلا يصدر منها ما لا يتّفق مع قانون الشريعة النّاهي عن تعرّض المرأة للأجانب تحريماً أو تنزيهاً ، إذا لَم تكن ضرورة هناك ، ومن البديهي أنّ اللازم للمرأة عند ندبة فقيدها الجلوس في بيتها والتحصّن به عن رؤية الأجانب لها ، وسماع صوتها الذي لَم تدع الضرورة إليه ، وإذا كان السجّاد ( عليه السّلام ) يقول لأبي خالد الكابلي ـ حينما تعجّب من فتح باب الدار ـ : (( يا أبا خالد ، إنّ جارة لنا خرجت ولا علم لها بالتواء الباب ، ولا يجوز لبنات رسول الله أن يخرجن فيصفقن الباب ))(1) .

وإذاً من تربّى في بيتهم وتأدّب بآدابهم لا يمرق عن طريقتهم . ولا يمكن التشكيك في تجاوز اُمّ البنين الحدود الالهيّة التي وضعتها الشريعة في أعناق النّساء .

وأمّا الصدّيقة الزهراء (عليها السّلام) فقد ألجأها شيوخ المدينة على الخروج إلى البقيع لندبة أبيها (ص) فصنع لها أميرالمؤمنين بيتاً من جريد النّخل تتحصّن به من الأجانب سمّاه ( بيت الأحزان )(2) ، ولَم ينقل المؤرخون إنّ النّاس يحضرون

____________________________
(1) مدينة المعاجز للسيّد هاشم البحراني / 318 ، الحيدث السّادس والثمانون .
(2) في الإشارات لمعرفة الزيارات لأبي محسن علي بن أبي بكر الهروي / 93 : بيت الأحزان في البقيع لفاطمة (عليها السّلام) .
وفي وفاء الوفاء للسمهودي 2 / 103 ، طبعة مصر ( سنة 1316ﻫـ ) : عن ابن جبير : بالقرب من قبّة العبّاس بيت الحزن الذي تأوي إليه فاطمة عند وفاة أبيها والتزمت الحزن فيه .
وفي المختار من نوادر الأخبار لأبي عبد الله محمّد بن أحمد المقري الأنباري على هامش العلوم لأبي بكر الخوارزمي / 191 الطبعة الاُولى ( سنة 1310ﻫـ ) : إنّ علياً (ع) صنع للزهراء بيتاً من جريد النّخل بظاهر المدينة تبكي فيه على أبيها .
وفي فتح القدير لابن همام الحنفي 2 / 328 : يصلّي في مسجد فاطمة بنت رسول الله بالبقيع وهو المعروف بـ ( بيت الأحزان ) .

الصفحة (339)

لسماع ندبتها ، فيبكون على اُفول شمس النبوّة وانقطاع وحي السّماء ، وطموس النصائح الالهيّة .

3ـ إنّ المرأة إنّما تبكي فقيدها في الجبانة إذا كان مقبوراً هناك . ولَم ينقل أحد خروج المرأة إلى المقبرة على حميمها وهو مدفون في غيرها والعادة متساوية في جميع العصور ... ونسبة ( أبي الفرج ) خروج اُمّ البنين إلى البقيع فرية واضحة ؛ إذ لا شاهد عليها ، وغايته التعريف بأنّ مروان بن الحكم رقيق القلب ، فاستدرار الدمعة إنّما يتسبّب من انفعال النّفس بتصوّر العدوان الوارد على مَن يمتّ بحميمه بنحو من أسباب الصلة فيحتدم القلب وتهيج العاطفة فسريع الدمعة تهمل عينه وعصيّها تجيش نفسه بالبكاء ، ومروان بن الحكم هو المتشفّي بقتل الحسين (ع) وقد أظهر الفرح والشماتة بقوله لمّا نظر إلى رأس الحسين (ع) :

يـا  حبّذا بردك في iiاليدين      ولـونك  الأحمر في الخدّين
كـأنـّه بـات iiبـعسجدين      شفيت نفسي من دم الحسين

4ـ إنّ أبا الفرج في ( المقاتل ) ناقض نفسه حيث قال في مقتل العبّاس (ع) : وكان آخر من قُتل من إخوته من اُمّه وأبيه فحاز مواريثهم ( ا هـ ) . وروايته هذه توافق النصّ الذي سجّله مصعب الزبيري في نسب قريش /  43 فإنّه قال : ورث العبّاس إخوته إذ لَم يكن لهم ولد ، وورث العبّاس ابنه عبيد الله ، وكان محمّد وعمر حيَّين فسلّم محمّد لعبيد الله ميراث عمومته وامتنع عمر حتّى صولح ورضي من حقه ( ا هـ ) .

وقال أبو نصر البخاري في سرّ السلسلة العلويّة / 89 المطبعة الحيدريّة بالنّجف : لمّا كان يوم الطفّ قدّم الحسين (ع) إخوة العبّاس جعفراً وعثمان وعبد الله فقُتلوا جميعاً ، فورثهم العبّاس ، ثمّ قُتل العبّاس فورثهم جميعاً ابنه عبيد الله بن العبّاس ، وهذا يفيدنا وثوقاً بوفاة اُمّ البنين يوم الطفّ فإنّها لَو كانت موجودة لكان ميراث إخوة العبّاس مختصّاً بها ؛ لكونها اُمّهم ، ولا يرثهم العبّاس حتّى ينتقل إلى ولده عبيد الله وعدم منازعة ( محمّد بن الحنفيّة ) لعبيد الله في ميراث عمومته على وفق الشريعة ؛ لأنّ العبّاس يتّصل بإخوته الشهداء بسببين : الأب والاُمّ ، ومحمّد يتصل بهم من جهة الأب ، وذو السّببين يقدّم في الميراث ، ولَم يفقه عمر الأطرف وجه المسألة ، وهو ابن علي باب مدينة العلم ، وكان عليه أنْ يراجع إمام الاُمّة زين العابدين (ع) كَي لا يقع في


الصفحة (340)

الهلكة ، إنْ كان ما ينسب إليه من المنازعة صحيحاً ولعلّ ما يذكر في عمدة الطالب طبعة النّجف يؤيّد هذه النّسبة وذلك : إنّه خرج إلى النّاس في ثياب معصفرة يقول : أنا الرجل الحازم ، حيث لَم أخرج فاقتل.

وقد وضح التناقض في كلام أبي الفرج فإنّ تسجيل خروج ( اُمّ البنين ) إلى البقيع وندبتها أولادها يدلّ على حياتها يوم الطفّ ، ثمّ نصّه على ميراث العبّاس لإخوته يشهد بوفاتها ذلك اليوم ... وكم له من هفوات !

عبد الله بن جعفر

قال ابن جرير : لمّا ورد نعي الحسين (ع) جلس عبد الله بن جعفر للعزاء ، وأقبل النّاس يعزّونه فقال مولاه (أبو اللسلاس)(1) : هذا ما لقيناه من الحسين .

فحذفه بنعله وقال : يابن اللخناء أللحسين تقول ذلك ؟! والله لو شهدته لأحببت أنْ لا اُفارقه حتّى اُقتل معه ، والله إنّه لمِّما يسخى بنفسه عن ولديّ ويهون عليّ المصاب بهما أنّهما أصيبا مع أخي وابن عمّي مواسيَين له صابرَين معه . ثمّ أقبل على جلسائه وقال : الحمد لله لقد عزّ عليَّ المصاب بمصرع الحسين (ع) أنْ لا أكون واسيته بنفسي ، فلقد واساه ولداي(2) ...

ومن عجب التاريخ حديث البلاذري(3) والمحسن التنوخي(4) وفود عبد الله بن جعفر على ( يزيد ) وإكرامه إيّاه بأكثر ممّا يكرمه أبوه معاوية .

إنّ مَن يدرس نفسيّة ابن جعفر يتجلّى له كذب القصّة التي أرسلها المدائني واستند إليها البلاذري والتنوخي . فإنّ الواقف على الرجال الموتورين لا يعدّون الجزم بالتهاب قلوبهم ناراً على واترهم ويترقّبون الفرص للأخذ بالثأر . يشهد له حديث عبد الله بن اُبَي بن سلول مع النّبي ، وذلك إنّ اُبياً لمّا صدر منه ما حكاه الكتاب العزيز ( لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ )(5) فجاء عبد الله إلى نبيّ الإسلام وقال : لقد بلغتك هذه الكلمة من أبي ؟

____________________________
(1) في الإرشاد للشيخ المفيد ، وكشف الغمّة للأربلي / 194 : أبو السلاسل .
(2) تاريخ الطبري 6 / 218 .
(3) أنساب الأشراف 4 / 3 .
(4) المستجاد من فعلات الأجواد / 22 .
(5) سورة المنافقين / 8 .

الصفحة (341)

قال (ص) : (( نعم )) فقال : إنّك تعلم ما أحد بارّ بأبيه مثلي ، فإنْ أردت قتله فأمرني به ؛ لأنّي أخاف أنْ تأمر غيري ولا اُحبّ أنْ أنظر إلى قاتل أبي فأعدو عليه فأقتله وأكون في النّار(1) ... وهذه القصّة تعطينا صورة نيّرة عمّا عليه البشر من احتدام أولياء المقتول على القاتل وتربّصهم الفرص للأخذ بالثأر منه ، ولَو كان القتل من جهة الشرك ...

ولهذه الغريزة المطبوعة عليها جبلة النّاس كان عمر بن الخطاب يقول لسعيد بن العاص وقد اجتمع عنده في بعض الليالي هو وعثمان وعلي وابن عبّاس : ما لك معرضاً عنّي كأنّي قتلت أباك ! إنّي لم أقتله ولكن أبا حسن قتله ، فقال أمير المؤمنين : (( اللهمّ غفراً ذهب الشرك بما فيه ، ومحا الإسلام ما قبله ، فلماذا تهيّج القلوب يا عمر ؟ )) فقال سعيد : لقد قتله كفؤ كريم ، وهو أحبّ إليَّ من أن يقتله مَن ليس من عبد مناف(2) .

لم يكن من الهيّن على سعيد قتْل أبيه وإنْ كان كافراً وقُتل بسيف الدعوة المحمّديّة ، والقاتل شريف جم المناقب ولم يحفّزه على إراقة دمه إلاّ نداء الربّ جلّ وعلا الموحى به إلى رسول السّماء ، غير أنّ الخوف من صارم العدل حتم عليه التظاهر بالرضا مع انحناء أضالعه على أحرّ من جمر الغضا مرتقباً الفرصة في الأخذ بثاره ، وقد ظهرت نار البغض على لسان ولده عمرو بن سعيد الأشدق يوم تولّى المدينة من قِبَل يزيد فلقد واجه ضريح النّبي (ص) بلسان طويل مجاهر بقوله : يوم بيوم بدر يا رسول الله . ولمّا سمع صراخ نساء بني هاشم على سيّد شباب أهل الجنّة قال : واعية بواعية عثمان(3) .

فعبد الله بن جعفر يتّقد قلبه ناراً على ابن ميسون ويوّد لَو تمكّنه الفرصة وتأخذ المقادير إلى تدميره والقضاء عليه وعلى أهله وذويه ، ومهما يكن ناسياً للأشياء فلا ينسى قتله أبي الضيم ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب والبهاليل من صحبه ، ثمّ نكْته بالقضيب ثنايا ريحانة رسول الله (ص) ، وهل يستطيع ابن جعفر والحالة هذه أن يبصر يزيد وسيفه يقطر من دمائهم وقد صكّ سمعه إظهاره الشماتة بنبيّ الإسلام :

____________________________
(1) اُسد الغابة 3 / 97 .
(2) شرح النّهج لابن أبي الحديد 3 / 335 ، الطبعة الاُولى المصريّة ، وتهذيب تاريخ ابن عساكر 6 / 134 ترجمة سعيد بن العاص .
(3) راجع ما تقدّم بعنوان ( عمرو الأشدق ) من كتابنا هذا .

الصفحة (342)

قد قتلنا القرم من ساداتهم     وعدلنا ميل بدر فاعتدل

ثمّ إلى إنكاره الرسالة :

لعبت هاشم بالملك فلا     خبر جاء ولا وحي نزل

وهل ينسى ابن جعفر ليله ونهاره وقوف حرائر النبوّة بحالة يتصفّح وجوهها القريب والبعيد وأهل المنأهل والمعاقل .. والذي يهون الأمر أنّ المرسل للحديث هو المدائني الاُمويّ النّزعة والولاء ، وكتابه مملوء بالأحاديث الرافعة للبيت الاُموي والواضعة من كرامة البيت العلوي ، لا يلتفت إليها إلاّ العارف بأخبار الرجال وشخصيّات الرواة .

عبد الله بن عباس

لمّا بلغ يزيد امتناع عبد الله بن عبّاس عن البيعة لابن الزبير ، كتب إليه : أمّا بعد ، فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك إلى بيعته والدخول في طاعته لتكون على الباطل ظهيراً وفي المآثم شريكاً ، فامتنعتَ عليه وانقبضتَ عنه ؛ لما عرّفك الله في نفسك من حقّنا أهل البيت ، فجزاك أفضل ما جزى الواصلين عن أرحامهم الموفين بعهودهم ، ومهما أنسى من الأشياء فلا أنسى وصلك وحُسن جائزتك التي أنت أهلها في الطاعة والشرف والقرابة من رسول الله (ص) ، فانظر مَن قبلك من قومك ، ومَن يطرأ عليك من أهل الآفاق ممَّن يسحره ابن الزبير بلسانه وزخرف قوله ، فاجذبهم عنه فإنّهم لك أطوع ومنك أسمع منهم للملحد المارق ، والسّلام .

فكتب إليه ابن عبّاس : أمّا بعد ، فقد جاء في كتابك تذكر فيه دعاء ابن الزبير إيّاي إلى بيعته وأنّي امتنعت عليه معرفةً لحقّك ، فإن يكن ذلك كذلك فلستُ أرجو بذلك برّك ، ولكنّ الله بما أنوي عليم . وكتبتَ إليَّ أنّه أحثّ النّاس عليك وأخذلهم عن ابن الزبير ، فلا ولا سرور ولا حبور ، بفيك الكثكث ولك الأثلب وإنّك العازب الرأي أنْ منّتك نفسك وإنّك لأنت المنقود المثبور . وكتبت إليَّ بتعجيل برّي وصِلتي ، فاحبس أيّها الإنسان برّك ، فإنّي حابس عنك ودّي ونصرتي ، ولَعمري ما تعطينا ممّا في يدك لنا إلاّ القليل ، وتحبس منه الطويل العريض ، لا أباً لك ! أتراني أنسى قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطّلب ومصأبيح الدجى


الصفحة (343)

ونجوم الهدى وأعلام التقى ، وغادرتْهم خيولك بأمرك فأصبحوا مصرّعين في صعيد واحد ، مزمّلين بالدماء مسلوبين بالعراء ، لا مكفّنين ولا موسّدين ، تسفي عليهم الرياح ، وتغزوهم الذئاب وتنتابهم عوج الضباع حتّى أتاح الله لهم قوماً لَم يشركوا في دمائهم ، فكفّنوهم وأجنّوهم ، وبهم والله وبي من الله عليك العذاب . ! ومهما أنسى من الأشياء فلستُ أنسى تسليطك عليهم الدعيّ بن الدعيّ الذي كان للعاهرة الفاجرة البعيد رحماً ، اللئيم أباً واُمّاً ، الذي اكتسب أبوك في ادّعائه العار والمأثم والمذلّة والخزي في الدنيا والآخرة ؛ لأنّ رسول الله قال : (( الولد للفراش ، وللعاهر الحجر )) . وإنّ أباك يزعم أنّ الولد لغير الفراش ، ولا يضير العاهر ، ويلحق به ولده كما يلحق به الولد الرشيد . ولقد أمات أبوك السُنّة جهلاً ، وأحيا الأحداث المضلّة عمداً .

ومهما أنسى من الأشياء ، فلستُ أنسى تسييرك حسيناً من حرم رسول الله إلى حرم الله تعالى ، وتسييرك إليه الرجال وإدساسك إليهم أنْ يقتلوه ، فما زلت بذلك وكذلك حتّى أخرجته من مكّة إلى أرض الكوفة تزأر به خيلك وجنودك زئير الأسد عداوةً منك لله ولرسوله ولأهل بيته . ثمّ كتبتَ إلى ابن مرجانة أنْ يستقبله بالخيل والرجال والأسنّة والسّيوف ، وكتبت إليه بمعاجلته وترك مطاولته حتّى قتلته ومَن معه من فتيان بني عبد المطّلب أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، ونحن كذلك لا كآبائك الجفاة أكباد الحمير ولقد علمت أنّه كان أعزّ أهل البطحاء قديماً وأعزَّه بها حديثاً ، لَو ثوى بالحرمين مقاماً واستحلَّ بها قتلاً ، ولكنّه كره أنْ يكون هو الذي يستحلّ به حرم الله وحرم الرسول وحرمة البيت الحرام ، فطلب الموادعة وسألكم الرجعة فطلبتم قلَّة أنصاره واستئصال أهل بيته كأنّكم تقتلون أهل بيت من الترك أو كابل .

وكيف تجدني على ودّك وتطلب نصري فقد قتلتَ بني أبي ، وسيفك يقطر من دمي وأنت طلبة ثأري ؟! فإنْ شاء الله لا يطل إليك دمي ، ولا تسبقني بثأري وإنْ تسبقنا فقتلتنا ما قتلت به النبيون فطلب دمائهم في الدماء ، وكان الموعد الله وكفى بالله للمظلومين ناصراً ، ومن الظالمين منتقماً .

والعجب كلّ العجب ما عشت يريك الدهر عجباً ، حملك بنات عبد المطّلب وأبناءهم اُغيلمةً صغاراً إليك بالشام ! ترى أنّك قهرتنا وأنّك تذلّنا وبهم والله وبي مَنَّ الله عليك وعلى أبيك واُمّك من السّباء .

وأيم الله إنّك لتصبح وتمسي آمناً


الصفحة (344)

لجراح يدي وليعظمنَّ جرحك بلساني ونقضي وإبرامي ، لا يستفزنَّك الجدل فلن يمهلك الله بعد قتْل عترة رسول الله إلاّ قليلاً حتّى يأخذك الله أخذاً عزيزاً ويخرجك من الدنيا آثماً مذموماً ، فعش لا أباً لك ما شئت ولقد أرداك عند الله ما اقترفت(1) .

السّبايا إلى الشام

وبعث ابن زياد رسولاً إلى يزيد يخبره بقتْل الحسين (ع) ومَن معه وأنّ عياله في الكوفة وينتظر أمره فيهم ، فعاد الجواب بحملهم والرؤوس معهم(2) .

وكتب رقعةً ربط فيها حجراً ورماه في السّجن المحبوس فيه آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) وفيها : خرج البريد إلى يزيد بأمركم في يوم كذا ، ويعود في كذا ، فإذا سمعتم التكبير فأوصلوا وإلاّ فهو الأمان .

ورجع البريد من الشام يخبر بأنْ يسرّح آل الحسين إلى الشام(3) .

فأمر ابن زياد زجر بن قيس وأبا بردة بن عوف الأزدي وطارق بن ظبيان في جماعة من الكوفة أنْ يحملوا رأس الحسين ورؤوس مَن قُتل معه إلى يزيد(4) .

وقيل ذهب برأس الحسين (ع) مجبر بن مرّة بن خالد بن قناب بن عمر بن قيس بن الحرث بن مالك بن عبيد الله بن خزيمة بن لؤي(5) .

وسرّح في أثرهم علي بن الحسين مغلولة يدَيه إلى عنقه وعياله معه(6) على

____________________________
(1) رتّبنا الكتاب من مجمع الزوائد لأبي بكر الهيثمي 7 / 250 ، وأنساب الأشراف للبلاذري 4 / 18 الطبعة الاُولى ، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 77 ، وكامل ابن الأثير 4 / 50 ( سنة 64 ) ، وعليه مروج الذهب للمسعودي .
(2) اللهوف / 95 و97 .
(3) الطبري 6 / 266 ، وفي صفحة 96 ذكر : إنّ أبا بكرة أجّله بسر بن أرطاة اُسبوعاً على أنْ يذهب إلى معاوية ، فرجع من الشام في اليوم السّابع .
وفي مثير الأحزان لابن نما / 74 : إنّ عميرة أرسله عبد الله بن عمر إلى يزيد ومعه كتاب إلى ابن زياد ليطلق سراح المختار الثقفي ، فكتب يزيد بذلك إلى عبيد الله بن زياد ، فجاء عميرة بالكتاب إلى الكوفة وقد قطع المسافة بين الشام والكوفة بأحد عشر يوماً .
(4) الطبري 6 / 264 ، وابن الأثير 4 / 34 ، والبداية 8 / 191 ، والخوارزمي ، وإرشاد المفيد ، وإعلام الورى / 149 ، واللهوف / 97 .
(5) الإصابة 3 / 489 ، بترجمة مرّة .
(6) تاريخ الطبري 6 / 254 ، والخطط المقريزيّة 2 / 288 .

الصفحة (345)

حال تقشعّر منها الأبدان(1) .

وكان معهم شمر بن ذي الجوشن ، ومجفر بن ثعلبة العائدي(2) ، وشبث بن ربعي ، وعمرو بن الحَجّاج ، وجماعة ، وأمرهم أنْ يلحقوا الرؤوس ويشهّروهم في كلّ بلد يأتونها(3) فجدّوا السّير حتّى لحقوا بهم في بعض المنازل(4) .

وحدّث ابن لهيعة : إنّه رأى رجلاً متعلّقاً بأستار الكعبة يستغيث بربّه ، ثمّ يقول : ولا أراك فاعلاً . فأخذتُه ناحيةً وقلت : إنّك لمجنون فإنّ الله غفور رحيم ، ولَو كانت ذنوبك عدد القطر لغفرها لك . قال لي : اعلم كنتُ ممَّن سار برأس الحسين إلى الشام ، فإذا أمسينا وضعنا الرأس وشربنا حوله ، وفي ليلة كنت أحرسه ، وأصحابي رقود ، فرأيت برقاً وخلقاً أطافوا بالرأس ، ففزعت واُدهشت ولزمت السّكوت ، فسمعتُ بكاءاً وعويلاً وقائلاً يقول : يا محمّد إنّ الله أمرني أنْ اُطيعك ، فلَو أمرتني أنْ اُزلزل بهؤلاء الأرض كما فعلت بقوم لوط ، فقال له (ص) : (( يا جبرئيل ، إنّ لي موقفاً معهم يوم القيامة بين يدَي ربّي سبحانه )) .

فصحت : يا رسول الله الأمان ! فقال لي : (( اذهب فلا غفر الله لك )) . فهل ترى الله يغفر لي ؟(5) .

وفي بعض المنازل وضعوا الرأس المطهّر فلم يشعر القوم إلاّ وقد ظهر قلم حديد من الحائط وكتب بالدم(6) .

____________________________
(1) تاريخ القرماني / 108 .
وفي مرآة الجنان لليافعي 1 / 134 : سيقت بنات الحسين بن علي ومعهم زين العابدين (ع) وهو مريض كما تساق الاُسارى ( قاتل الله فاعل ذلك ) .
وخالف ابن تيمية ضرورة التاريخ ، فقال كما في المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي / 288 : سيّر ابن زياد حرم الحسين بعد قتله إلى المدينة .
(2) في جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 165 قال : بنو عائدة منهم مجفر بن مرّة بن خالد بن عامر بن قبان بن عمرو بن قيس بن الحارث بن مالك بن عبيد بن خزيمة بن لؤي ، وهو الذي حمل رأس الحسين بن علي (رضي الله عنهما) إلى الشام .
(3) المنتخب للطريحي / 339 ، الطبعة الثانية .
(4) الإرشاد للمفيد .
(5) اللهوف / 98 .
(6) مجمع الزوائد لابن حجر 9 / 199 ، والخصائص للسيوطي 2 / 127 ، وتاريخ ابن عساكر 4 / 342 ، والصواعق المحرقة / 116 ، والكواكب الدريّة 1 / 57 ، والاتحاف بحبّ الأشراف / 23 .
ونسبه ابن طاووس في اللهوف / 98 إلى تاريخ بغداد لابن النّجار .
وفي تاريخ القرماني / 108 : وصلوا إلى دَير في الطريق ، فنزلوا فيه ليقيلوا به ، فوجدوا مكتوباً على بعض جدرانه هذا البيت .
وفي الخطط المقريزيّة 2 / 285 : كتب هذا قديماً ولا يدرى قائله .
وفي مثير الأحزان لابن نما / 53 : حفروا في بلاد الروم حفراً قبل أن يبعث النّبي (ص) بثلاثمئة سنة فأصأبوا حجراً مكتوب عليه بالمسند هذا البيت ، والمسند كلام أولاد شيث .

الصفحة (346)

أترجو اُمّة قتلت حسيناً    شفاعةَ جَدّه يومَ الحساب ؟

فلم يعتبروا بهذه الآية ، وأرداهم العمى إلى مهوىً سحيق ، ونِعم الحكم الله تعالى .

وقبل أنْ يصلوا الموضع بفرسخ ، وضعوا الرأس على صخرة هناك ، فسقطت منه قطرة دم على الصخرة ، فكانت تغلي كلّ سنة يوم عاشوراء ، ويجتمع النّاس هناك من الأطراف فيقيمون المأتم على الحسين (ع) ويكثر العويل حولها ، وبقي هذا إلى أيّام عبد الملك بن مروان ، فأمر بنقل الحجر فلم يُرَ له أثر بعد ذلك ، ولكنّهم بنوا في محلّ الحجر قبّة سموها النّقطة(1).

وكان بالقرب من حماة في بساتينها مسجد يقال له مسجد الحسين (ع) ، ويحدّث القَومة : أنّ الحجر والأثر والدم موضع رأس الحسين (ع) حين ساروا به إلى دمشق(2) .

وبالقرب من حلب مشهد يعرف بـ ( مسقط السّقط )(3) وذلك أنّ حرم

____________________________
(1) نفَس المهموم / 228 ، للشيخ الجليل الشيخ عبّاس القمي .
وفي نهر الذهب في تاريخ حلب 3 / 23 : لمّا جيء برأس الحسين (ع) مع السّبايا ووصلوا إلى هذا الجبل غربي حلب ، قطرت من الرأس الشريف قطرة دم ، وعُمّر على أثرها مشهد عرف ( بمشهد النقطة ) . وفيه 3 / 280 ، نقل من تاريخ يحيى بن أبي طي من عمْر هذا المشهد وتوالي العمارات عليه .
وفي كتاب الإرشارات إلى معرفة الزيارات تأليف أبي الحسن علي بن أبي بكر الهروي المتوفّى ( سنة 611 هـ ) / 66 : في مدينة نصيبين مشهد النّقطة يقال أنّه من دم رأس الحسين (ع) . وفي سوق النشابين مشهد الرأس فإنّه علّق هناك لمّا عبروا بالسّبي إلى الشام .
(2) قال الشيخ المحدّث الجليل الشيخ عبّاس القمي ، في نفس المهموم شاهدت هذا الحجر عند سفري إلى الحج ، وسمعت الخدم يتحدثون بذلك .
(3) في معجم البلدان 3 / 173 ، وخريدة العجائب / 128 : يُسمّى مشهد الطرح .
وفي نهر الذهب 2 / 278 : سمّي مشهد الدكّة ، ومشهد الطرح ، يقع غربي حلب .
وحكى عن تاريخ ابن أبي طي إنّ مشهد الطرح ظهرت عمارته ( سنة 351 هـ) بأمر من سيف الدولة .
وذكر بعضهم : إنّ إحدى نساء الحسين (ع) أسقطت هنا لمّا جيء بسبي عيال الحسين (ع) والرؤوس وكان هنا معدن ، وأهله لمّا فرحوا بالسّبي دعت عليهم زينب (عليها السّلام) ففسد ذلك المعدن ، فعمّره سيف الدولة ، ثمّ ذكر توالي العمارات عليه .

الصفحة (347)

الرسول (ص) لمّا وصلوا إلى هذا المكان ، أسقطت زوجة الحسين (ع) سقطاً كان يُسمى (محسناً)(1) .

وفي بعض المنازل نصبوا الرأس على رمح إلى جنب صومعة راهب ، وفي أثناء الليل سمع الراهب تسبيحاً وتهليلاً ، ورأى نوراً ساطعاً من الرأس المطهّر وسمع قائلاً يقول : السّلام عليك يا أبا عبد الله . فتعجّب حيث لَم يعرف الحال . وعند الصباح استخبر من القوم ، قالو : إنّه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب واُمّه فاطمة بن محمّد النّبي (ص) فقال لهم : تبّاً لكم أيّتها الجماعة ، صدقت الأخبار في قولها ( إذا قُتل تمطر السّماء دماً ) . وأراد منهم أنْ يقبّل الرأس فلَم يجيبوه إلاّ بعد أن دفع إليهم دراهم ، ثمّ أظهر الشهادتين وأسلم ببركة المذبوح دون الدعوة الإلهيّة ، ولمّا ارتحلوا عن هذا المكان نظروا إلى الدراهم وإذا مكتوب عليها : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون(2) .

أيُهدى إلى الشامات رأس ابن فاطمٍ      ويـقـرعه بـالخيزرانة كـاشحه
وتـُسبى كـريمات النبيّ iiحواسراً      تـغادي الجوى من ثكلها iiوتراوحه
يـلوح لها رأس الحسين على القنا      فـتبكي وينهاها عن الصبر iiلائحه
وشـيـبته مـخـضوبة iiبـدمائه      يـلاعبها غادي النسيم iiورائحه
(3)

في الشام

ولمّا قربوا من دمشق ، أرسلت اُمّ كلثوم إلى الشمر تسأله أنْ يدخلهم في درب قليل النظّار ، ويخرجوا الرؤوس من بين المحامل ؛ لكي يشتغل النّاس بالنّظر إلى

____________________________
(1) في معجم البلدان 3 / 173 ، بمادة جوشن ، وخريدة العجائب لابن الوردي / 128 ، عند ذكر جبل جوشن : إنّ بعض سبي الحسين (ع) طلب ممّن يقطن هناك من الصنّاع خبزاً وماءً ، فامتنع فدعا عليهم ؛ ومن ذلك لا يربح أهل ذلك الموضع .
(2) تذكرة الخواص / 150 .
(3) للعلامة الشيخ عبد الحسين الأعسم النجفي (رحمه الله) .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث