الصفحة (363)
وأمّا رأس الحسين (ع) ففي روضة الواعظين للفتّال
/ 165 ، وفي مثير الأحزان لابن نما
الحلي / 58 : إنّه المعوّل عليه عند الإماميّة .
وفي اللهوف لابن طاووس / 112 : عليه
عمل الإماميّة . وفي إعلام الورى للطبرسي / 151 ، ومقتل العوالم / 154 ، ورياض المصائب
، والبحار : إنّه المشهور بين العلماء .
وقال ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 200 : ذكر
المرتضى في بعض رسائله : إنّ رأس الحسين (ع) اُعيد إلى بدنه في كربلاء . وقال الطوسي :
ومنه زيارة الأربعين .
وفي البحار عن ( العدد القويّة ) لأخ العلاّمة الحلّي ، وفي عجائب
المخلوقات للقزويني / 67 : في العشرين من صفر ردَّ رأس الحسين (ع) إلى جثّته .
وقال
الشبراوي : قيل اُعيد الرأس إلى جثّته بعد أربعين يوماً(1)
.
وفي شرح همزيّة البوصيري
لابن حجر اُعيد رأس الحسين (ع) بعد أربعين يوماً من قتله .
وقال سبط ابن الجوزي : الأشهر
أنّه رُدَّ إلى كربلاء فدفن مع الجسد(2)
.
والمناوي في الكواكب الدريّة 1 / 57 ، نقل
اتّفاق الإماميّة على أنّه اُعيد إلى كربلاء ، وإنّ القرطبي رجّحه ولَم يتعقبه ، بل نسب إلى بعض
أهل الكشف والشهود أنّه حصل له اطّلاع على أنّه اُعيد إلى كربلاء .
وقال أبو الريحان
البيروني : في العشرين من صفر ردَّ رأس الحسين (ع) إلى جثّته حتّى دُفِن مع جثته(3) .
وعلى هذا فلا يعبأ بكلّ ما ورد بخلافه ، والحديث بأنّه عند قبر أبيه بمرأى من هؤلاء
الأعلام ، فإعراضهم عنه يدلّنا على عدم وثوقهم به ؛ لأنّ إسناده لَم يتم ورجاله غير
معروفين .
وقال أبو بكر الآلوسي ـ وقد سئل عن موضع رأس الحسين (ع) ـ :
لا تطلبوا رأس iiالحسين بشرق أرض أو iiبغرب
ودَعوا الجميع iiوعرّجوا نحوي فمشهده بقلبي(4)
____________________________
(1) الاتحاف بحبّ الأشراف / 12 .
(2) تذكرة الخواص / 150 .
(3) الآثار الباقية 1 / 331 .
(4) في البابليّات 3 / 128 : ذكرهما سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص
. أقول : وعبارته
في التذكرة / 159 ، الطبعة الحجريّة : ( وأنشد بعض أشياخنا : لا تطلبوا رأس الحسين
... ) .
الصفحة (364)
وقال الحاج مهدي الفلّوجي الحلّي(1)
:
لا تطلبوا رأس الحسين فإنّه لا في حمىً ثاوٍ ولا في iiواد
لـكنّما صـفّو الولاء iiيدلّكم في أنّه المقبور وسْط iiفؤادي
يوم الأربعين
من النّواميس المطّردة الاعتناء بالفقيد بعد أربعين يوماً مضَين من وفاته بإسداء البرّ
إليه وتأبينه ، وعدّ مزاياه في حفلات تُعقد وذكريات تدوّن ، تخليداً لذكره على حين
إن
الخواطر تكاد تنساه والأفئدة أوشكت أنْ تهمله ، فبذلك تعاد إلى ذكره البائد صورة خالدة
، بشعر رائق تتناقله الألسن ، ويستطيع في القلوب ، فتمرّ الحقب والأعوام وهو على جِدته
. أو
خطاب بليغ تتضمّنه الكتب والمدوّنات حتّى يعود من أجزاء التاريح التي لا يبليها
الملوان ، فالفقيد يكون حيّاً كلّما تُليت هاتيك النتف من الشعر أو وقف الباحث على ما
اُلقيت فيه من كلمات تأبينيّة بين طيّات الكتب ، فيقتصّ أثره في فضائله وفواضله ، وهذه
السُنّة الحسنة تزداد أهميّةً كلّما ازداد الفقيد عظمة وكثرت فضائله ، وإنّها في رجالات
الإصلاح ، والمقتدى بهم من الشرائع أهمّ وآكد ؛ لأنّ نشر مزاياهم وتعاليمهم يحدو إلى اتّباعهم واحتذاء مثالهم في الإصلاح
و تهذيب النّفوس .
وما ورد عن أبي ذر الغفاري وابن عبّاس عن النّبي (ص) : (( إنّ الأرض لتبكي على المؤمن
أربعين صباحاً ))(2) ، وعن زرارة عن أبي عبد الله (ع) :
(( إنّ السّماء بكت على الحسين
(ع) أربعين صباحاً بالدم ، والأرض بكت عليه أربعين صباحاً بالسّواد ، والشمس بكت عليه
أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة ، والملائكة بكت عليه أربعين صباحاً ، وما اختضبت امرأة
منّا ولا أدهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتّى أتانا رأس عبيد الله بن زياد ، وما زلنا في
عبرة من بعده ))(3) .
____________________________
(1) شعراء الحلّة 5 / 371 ، إنّها للحاج مهدي الفلّوجي .
(2) مجموعة الشيخ ورام 2 / 276 ، والبحار 2 / 679 ، باب
شهادة الإمام علي (ع) عن مناقب ابن شهر آشوب .
(3) مستدرك الوسائل للنوري / 215 ، الباب الرابع
والتسعون .
الصفحة (365)
يؤكّد هذه الطريقة المألوفة والعادة المستمرّة بين النّاس من الحداد على الميّت أربعين
يوماً ، فإذا كان يوم الأربعين اُقيم على قبره الاحتفال بتأبينه يحضره أقاربه وخاصّته
وأصدقاؤه ، وهذه العادة لَم يختصّ بها المسلمون ، فإنّ النّصارى يقيمون حفلة تأبينيّة
يوم الأربعين من وفاة فقيدهم يجتمعون في الكنيسة ويعيدون الصلاة عليه المسمّاة عندهم
بصلاة الجنازة ويفعلون ذلك في نصف السّنة وعند تمامها ، واليهود يعيدون الحداد على
فقيدهم بعد مرور ثلاثين يوماً وبمرور تسعة أشهُر وعند تمام السّنة(1)
، كلّ ذلك إعادةً
لذكراه ، وتنويهاً به وبآثاره وأعماله إنْ كان من العظماء ذوي الآثار والمآثر .
وعلى كلّ حال ، فإنّ المنقّب لا يجد في الفئة الموصوفة بالإصلاح رجلاً اكتنفته المآثر
بكلّ معانيها ، وكانت حياته وحديث نهضته وكارثة قتله دعوةً إلهيّة ، ودروساً إصلاحيّة
، وأنظمة اجتماعيّة ، وتعاليم أخلاقيّة ، ومواعظ دينيّة ، إلاّ سيّد شباب أهل الجنّة شهيد الدِّين
، شهيد السّلام والوئام ، شهيد الأخلاق والتهذيب الحسين (ع) ، فهو أولى من كلّ أحد بأنْ
تُقام له الذكريات في كلّ مكان ، وتشدّ الرحال للمثول حول مرقده الأقدس في يوم الأربعين
من قتله ؛ حصولاً على تلكم الغايات الكريمة .
وإنّما قصروا الحفلات الأربعينيّة الأول في سائر النّاس من جهة كون مزايا اُولئك الرجال
محدودة منقطعة الآخر ، بخلاف سيّد الشهداء ، فإنّ مزاياه لا تُحَدّ ، وفواضله لا تُعَدّ
،
ودرس أحواله جديد كلما ذُكر ، واقتصاص أثره يحتاجه كلّ جيل ، فإقامة المآتم عند قبره
في الأربعين من كلّ سنة إحياءٌ لنهضته وتعريفٌ بالقساوة التي ارتكبها الاُمويّون ولفيفهم
، ومهما أمعن الخطيب أو الشاعر في قضيّته تفتح له أبواب من الفضيلة كانت موصدة عليه
قبل ذلك ؛
ولهذا اطّردت عادة الشيعة على تجديد العهد بتلكم الأحوال يوم الأربعين من كلّ سنة
، ولعلّ رواية أبي جعفر الباقر (ع) : (( إنّ السّماء بكت على الحسين
أربعين صباحاً تطلع
حمراء وتغرب حمراء ))(2) تلميح
إلى هذه العادة المألوفة بين النّاس .
____________________________
(1) نهر الذهب في تاريخ حلب 1 / 63 : 267 .
(2) كامل الزيارات / 90 الباب الثامن والعشورن .
الصفحة (366)
وحديث الإمام الحسن العسكري (ع) : (( علامات المؤمن خمس : صلاة
إحدى وخمسين ، وزيارة
الأربعين ، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، والتختّم في اليمين ، وتعفير الجبين
))(1) ،
يرشدنا إلى تلك العادة المطّردة المألوفة ، فإنّ تأبين سيّد الشهداء وعقد الاحتفالات
لذكره في هذا اليوم إنّما يكون ممَّن يمتّ به بالولاء والمشايعة ، ولا ريب في أنّ الذين
يمتّون به بالمشايعة هم المؤمنون المعترفون بإمامته ، إذاً فمن علامة إيمانهم
وولائهم لسيّد شباب أهل الجنّة المنحور في سبيل الدعوة الإلهيّة المثول في يوم
الأربعين من شهادته عند قبره الأطهر لإقامة المأتم ، وتجديد العهد بما جرى عليه وعلى
صحبه وأهل بيته من الفوادح .
والتصرّف في هذه الجملة ( زيارة الأربعين ) ـ بالحمل على زيارة أربعين مؤمناً ـ التواء في
فهم الحديث وتمحّل في الاستنتاج يأباه الذوق السّليم ، مع خلوّه عن القرينة الدالّة عليه
، ولَو كان الغرض هو الإرشاد إلى زيارة أربعين مؤمناً لقال (ع) ( زيارة أربعين ) ،
فالإتيان بالألف واللام العهديّة للتنبيه على أنّ زيارة الأربعين من سنخ الأمثلة التي
نصّ عليها الحديث بأنّها من علائم الإيمان والموالاة للأئمّة الاثني عشر .
ثمّ إنّ الأئمّة من آل الرسول (عليهم السّلام) وإنْ كانوا أبواب النّجاة وسفن الرحمة
وبولائهم يُعرف المؤمن من غيره ، وقد خرجوا من الدنيا مقتولين في سبيل الدعوة الإلهيّة
موطّنين أنفسهم على القتل ؛ امتثالاً لأمر بارئهم جلّ شأنه الموحى به إلى جدّهم الرسول
(ص) ، وقد أشار إليه أبو محمّد الحسن ابن أمير المؤمنين (عليهما السّلام) بقوله :
(( إنّ هذا الأمر يملكه
منّا اثنى عشر إماماً ، ما منهم إلاّ مقتول أو مسموم )) .
فالواجب إقامة المأتم في يوم الأربعين من شهادة كلّ واحد منهم . وحديث الإمام العسكري
لَم يشتمل على قرينة لفظيّة تصرف هذه الجملة ( زيارة الأربعين ) إلى خصوص الحسين (ع)
إلاّ أنّ القرينة الحاليّة أوجبت فهم العلماء الأعلام من هذه الجملة خصوص زيارة الحسين
(ع) ؛ لأنّ قضيّة سيّد الشهداء هي
____________________________
(1) رواه الشيخ الطوسي في التهذيب 3 / 17 ، في باب فضل زيارة الحسين (ع) عن أبي
محمّد العسكري (عليه السّلام) . ورواه في مصباح المتهجد / 551 طبعة الهند .
الصفحة (367)
التي ميّزت بين دعوة الحقّ والباطل ؛ ولذا قيل : الإسلام بدؤه محمّدي وبقاؤه حسيني
.
وحديث الرسول (ص) : (( حسين منّي وأنا من حسين )) يشير
إليه ؛ لأنّ ما قاساه سيّد الشهداء
إنّما هو لتوطيد اُسس الإسلام واكتساح أشواك الباطل عن صراط الشريعة ، وتنبيه الأجيال
على جرائم أهل الضلال ، هو عين ما نهض به نبيّ الإسلام لنشر الدعوة الإلهيّة .
فمن أجل هذا كلّه لَم يجد أئمّة الدِّين من آل الرسول ندحة إلاّ لفت الأنظار إلى هذه
النّهضة الكريمة ؛ لأنّها اشتملت على فجائع تفطّر الصخر الأصمّ ، وعلموا أنّ المواظبة على
إظهار مظلوميّة الحسين (ع) تستفزّ العواطف وتوجب استمالة الأفئدة نحوهم فالسّامع لتلكم
الفظائع يعلم أنّ الحسين (ع) إمام عدل لَم يرضخ للدنايا ، وإنّ إمامته موروثة له من جدّه
وأبيه الوصي ، ومَن ناوأه خارج عن العدل ، وإذا عرف السّامع أنّ الحقّ في جانب الحسين
(ع) وأبنائه المعصومين ، كان معتنقاً طريقتهم وسالكاً سبيلهم .
ومن هنا لَم يرد التحريض من الأئمّة على إقامة المأتم في يوم الأربعين من شهادة كلّ
واحد منهم حتّى نبيّ الإسلام ؛ لكون تذكار كارثته عاملاً قويّاً في إبقاء الرابطة
الدينيّة وإنّ لفت الأنظار نحوها أمسّ في إحياء أمر المعصومين المحبوب لديهم التحدّث
به (( أحيوا أمرنا وتذاكروا في أمرنا )) .
وعلى كلٍّ ، فالقارىء الكريم يتجلّى له اختصاص زيارة الأربعين بالمؤمن حينما يعرف
نظائرها التي نصّ عليها الحديث .
فإنّ الأول منها وهو ( صلاة إحدى وخمسين ركعة ) التي شُرّعت ليلة المعراج ، وبشفاعة النّبي
(ص) اقتصر فيها على خمس فرائض في اليوم والليلة ، عبارة عن : سبع عشرة ركعة للصبح
والظهرين والعشائين والنّوافل الموقّتة لها مع نافلة الليل أربع وثلاثون؛ ثمان للظهر
قبلها ، وثمان للعصر قبلها ، وأربع بعد المغرب ، واثنان بعد العشاء تعدّان بواحدة ، واثنان
قبل الصبح ، وإحدى عشرة ركعة نافلة الليل مع الشفع والوتر وبإضافتها إلى الفرائض يكون
المجموع إحدى وخمسين ركعة ، وهذا ممّا اختصّ به الإماميّة ، فإنّ أهل السُنّة وإنْ وافقوهم على
عدد الفرائض إلاّ أنّهم افترقوا في النّوافل ، ففي فتح القدير لابن همام الحنفي 1 / 314
: إنّها ركعتان قبل الفجر ، وأربع قبل الظهر ، واثنان بعدها ، واربع قبل العصر ، وإنْ شاء
الصفحة (368)
ركعتين ، وركعتان بعد المغرب ، وأربع بعدها ، وإنْ شاء ركعتين . فهذه ثلاث وعشرون ركعة
، واختلفوا في نافلة الليل أنّها ثمان ركعات أو ركعتان أو ثلاث عشر أو أكثر ، وحينئذ
فالمجموع من نوافل الليل والنّهار مع الفرئض لا يكون إحدى وخمسين فإذاً تكون ( إحدى
وخمسون ) من مختصّات الإماميّة .
الثاني : مما تعرّض له الحديث ( الجهر بالبسملة ) فإنّ الإماميّة تدينوا إلى الله تعالى به
وجوباً في الصلاة الجهريّة واستحباباً في الصلاة الاخفاتية ، تمسّكاً بأحاديث أئمّتهم
(عليهم السّلام) ، وفي ذلك يقول الفخر الرازي : ذهبت الشيعة أنّ من السُنّة الجهر بالتسمية في
الصلاة الجهريّة والاخفاتيّة ، وجمهور الفقهاء يخالفون ، وقد ثبت بالتواتر أنّ علي بن أبي
طالب كان يجهر بالتسمية ومّن اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى والدليل عليه قوله (ص)
: (( اللهمّ ، أدر الحقّ مع علي حيث دار
))(1) . وكلمة الرازي لَم يهضمها أبو الثناء الآلوسي
، فتعقّبها بقوله : لَو عمل أحد بجميع ما يزعمون تواتره عن الأمير كفر ، فليس إلاّ الإيمان
ببعض والكفر ببعض . وما ذكره من أنّ مَن اقتدى في دينه بعلي فقد اهتدى مسلم ، لكن إنْ
سلم لنا خبر ما كان عليه علي (عليه السّلام) ودونه مهامه فيح(2) .
ولا يضرّ الشيعة تهجّم الآلوسي وغيره بعد أنْ رسخت أقدامهم على الولاء لسيّد الأوصياء
(ع) الذي يقول له رسول الله (ص) :(( يا علي ، ما عرف الله تعالى إلاّ
أنا وأنت ، وما عرفني
إلاّ الله وأنت ، وما عرفك إلاّ الله وأنا ))(3) .
إنْ كنت ويحك لَم تسمع مناقبه
فاسمعه مِنْ هل أتى يا ذا الغبا وكفى(4)
وخالف أهل السُنّة في مسألة الجهر ، ففي المغني لابن قدامة 1 / 478 ، وبدايع الصنايع
للكاساني 1 / 204 ، وشرح الزرقاني على مختصر أبي الضياء في فقه مالك 1 / 216 : إنّ
الجهر غير مسنون في الصلاة .
الثالث : ممّا تعرّض له الحديث ( التختّم باليمين ) وقد التزم به الإماميّة تديّناً
____________________________
(1) مفاتيح الغيب 1 / 107 .
(2) روح المعاني 1 / 47 .
(3) المحتضر / 165 .
(4) في شذرات الذهب لابن العماد 4 / 140 : كان بعض الحنابلة ينشدهما على المنبر
ببغداد .
الصفحة (369)
بروايات أئمتهم (عليهم السّلام) وخالفهم جماعة من السُنّة ، قال ابن الحَجّاج المالكي : إنّ السُنّة
أوردت كلّ مستقذر يتناول بالشمال ، وكلّ طاهر يتناول باليمين ؛ ولأجل هذا المعنى كان
المستحبّ في التختّم أنْ يكون التختّم بالشمال ، فإنّه يأخذ الخاتم بيمينه ويجعله في
شماله(1) .
ويحكي ابن حجر إنّ مالكاً يكره التختّم باليمين وإنّما يكون باليسار ، وبالغ
الباجي من المالكية بترجيح ما عليه مالك من التختّم باليسار(2)
.
وقال الشيخ إسماعيل
البروسوي ذكر في عقد الدرر : إنّ السُنّة في الأصل التختّم في اليمين ، ولمّا كان ذلك
شعار أهل البدعة والظلمة ، صارت السُنّة أنْ يُجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا
(3) .
الرابع : ما ذكره الحديث ( التعفير ) ، والتعفير في اللغة : وضع الشيء على العفر ، وهو
التراب . والجبين في هذا الحديث الشريف إنْ اُريد منه الجبهة كما استظهره الشيخ يوسف
البحراني في الحدائق مدّعياً كثرة الاستعمال بذلك في لسان أهل البيت (عليهم
السّلام) ، وقد ورد في
التيمّم ، فيكون الغرض بيان أنّ الجبهة في السّجود لا بدّ أنْ تكون على الأرض ؛ لأنّ أهل
السُنّة لَم يلتزموا بوضعها على الأرض ، فإنّ أبا حنيفة ومالكاً وأحمد ـ في إحدى الروايتين
عنه ـ جوّزوا السّجود على كور العمامة(4) وفاضل الثوب(5) والملبوس
، وجوّز الحنفيّة
وضعها على الكفّ مع
____________________________
(1) المدخل 1 / 46 ، آداب الدخول في المسجد .
(2) الفتاوى الفقهيّة الكبرى 1 / 246 ، في اللباس .
(3) حكاه الحجة الأميني في الغدير ج 10 ص 211 عن تفسير روح البيان ج 4 ص 142 .
وليس هذا بأول مخالفة للإمامية ففي المهذب لأبي اسحاق الشيرازي ج 1 ص 137 والوجيز
للغزالي ج 1 ص 47 والمنهاج للنووي ص 25 وشرحه تحفة المحتاج لابن حجر ج 1 ص 560
وعمدة القاري للعيني شرح البخاري ج 4 ص 248 والفروع لابن مفلح ج 1 ص 681 والمغني
لابن قدامة ج 2 ص 505 التسطيح اشبه بشعار أهل البدع وفي رحمة الأمة باختلاف الأئمة
على هامش الميزان للشعراني ج 1 ص 88 ان السنة تسطيح القبور ولما صار شعار الرافضة
كان الأولى مخالفتهم التسنيم (ومن ذلك) الصلاة على أهل البيت مستقلا ففي الكشاف
للزمخشري في الاحزاب 56 (ان الله وملائكته يصلون) انه مكروه لانه يؤدي الى الاتهام
بالرفض وقد قال (صلّى الله عليه وآله) لا تقفن مواقف التهم (ومن ذلك) ما في فتح
الباري لابن حجر ج 11 ص 135 كتاب الدعوات باب هل يصلى على غير النبي قال اختلف في
السلام على غير الانبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي فقيل يشرع مطلقاً
وقيل تبعاً ولا يفرد لواحد لكونه صار شعاراً للرافضة ا هـ (ومن ذلك) ما في شرح
المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 13 كان بعض أهل العلم يرخي العذبة من قدام الجانب
الايسر ولم ار ما يدل على تعيين الايمن الا في حديث ضعيف عند الطبراني ولما صار
شعاراً للامامية ينبغي تجنبه لترك التشبه بهم ا هـ .
(4) الميزان للشعراني 1 / 138 .
(5) الهداية لشيخ الإسلام المرغيناني 1 / 33 .
الصفحة (370)
الكراهة(1) ، وجوّزوا السّجود على الحنطة والشعير والسّرير وظهر مصلٍّ
أمامه يصلّي بمثل
صلاته(2) ، وإنْ اُريد نفسه فيكون الغرض من ذكره الإرشاد
إلى أنّ الراجع في سجدة الشكر
تعفير الجبين ، وإنّه للتذليل والبُعد عن الكبرياء ، ومن هذا الجملة في الحديث استظهر
صاحب المدارك رجحان تعفير الجبينَين أيضاً ، وإليه أشار السيّد بحر العلوم (قدّس سرّه) في
المنظومة ، قال في سجدة الشكر :
والخدُّ أوْلى وبه النصّ جلا
وفي الجبين قد أتى محتملا
وقد ورد تعفير الخدّين في سجدة الشكر(2) وبه استحقّ موسى بن عمران
(عليه السّلام) الزلفى
من المناجاة(3) ولَم يخالف الإماميّة في التعفير سواء
اُريد من الجبين الجبهة أو نفسه
، وأهل السُنّة لَم يلتزموا بالتعفير في الصلاة أو سجدة الشكر مع أنّ النّخعي ومالكاً وأبا
حنيفة كرهوا سجدة الشكر ، وإن التزم بها الحنابلة(4) والشافعي(5) عند حلول كلّ نعمة
أو
زوال نقمة . الخلاصة في علائم المؤمن
لقد تجلّى ممّا ذكرناه في هذه الاُمور التي نصّ عليها الحديث بأنّها من علائم الإيمان
أنّ
المراد من ( زيارة الأربعين ) فيه إرشاد الموالين لأهل البيت (عليهم السّلام) إلى الحضور في مشهد
الغريب المظلوم سيّد الشهداء (عليه السّلام) لإقامة العزاء وتجديد العهد بذكر ما جرى
عليه من القساوة التي لَم يرتكبها أيّ أحد يحمل شيئاً من الإنسانيّة فضلاً عن الدِّين
، والحضور عند قبر الحسين (ع) يوم الأربعين من مقتله من أظهر علائم الإيمان .
ولا ينقضي العجب ممَّن يتصرّف في هذه الجملة بالحمل على زيارة أربعين
____________________________
(1) الفقه على المذاهب الأربعة 1 / 189 .
(2) البحر الرائق لابن نجيم 1 / 319 .
(3) الكافي على هامش مرآة العقول 3 / 129 ، والفقيه للصدوق / 69 ، والتهذيب للشيخ الطوسي
1 / 266 ، في التعقيب .
(4) الفقيه للصدوق / 69 ، في التعقيب .
(5) المغني لابن قدامة 1 / 626 ، والفروع لابن مفلح 1 / 382 .
(6) كتاب الاُم 1 / 116 ، ومختصر المزني على هامشه 1 / 90 ، والوجيز للغزالي 1 / 32 .
الصفحة (371)
مؤمناً مع عدم تقدّم إشارة إليه ولا قرينة تساعد عليه ليصح الإتيان بالألف واللام
للعهد ، مع أنّ زيارة أربعين مؤمناً ممّا حثّ عليها الإسلام ، فهي من علائمه عند الشيعة
والسُنّة ولَم يخصّ بها المؤمنون ليمتازوا عن غيرهم . نعم ، زيارة الحسين (ع) يوم
الأربعين من قتله ممّا يدعو إليها الإيمان الخالص لأهل البيت (عليهم السّلام) ويؤكّدها الشوق
الحسيني ، ومعلوم أنّ الذين يحضرون في الحائر الأطهر بعد مرور أربعين يوماً من مقتل
سيّد شباب أهل الجنّة خصوص المشايعين له السّائرين على أثره .
ويشهد له عدم تباعد العلماء الأعلام عن فهم زيارة الحسين في الأربعين من صفر من هذا
الحديث المبارك ، منهم أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في التهذيب 2 / 17 باب فضل
زيارة الحسين (ع) ، فإنّه بعد أن روى الأحاديث في فضل زيارته المطلقة ، ذكر المقيّد
بأوقات خاصّة ، ومنها يوم عاشوراء ، وبعده روى هذ الحديث .
وفي مصباح المتهجّد / 551 طبعة
بمبئي ، ذكر شهر صفر وما فيه من الحوادث ، ثمّ قال : وفي يوم العشرين منه رجوع حرم
أبي عبد الله (ع) من الشام إلى مدينة الرسول (ص) ، وورود جابر بن عبد الله الأنصاري
إلى كربلاء لزيارة أبي عبد الله (ص) ، فكان أول من زاره من النّاس ، وهي زيارة الأربعين
، فروي عن أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السّلام) أنّه قال :
(( علامات المؤمن خمس ... )) .
وقال أبو الريحان البيروني : في العشرين من صفر رُدّ الرأس إلى جثّته فدفن معها . وفيه
زيارة الأربعين ومجيء حرمه بعد انصرافهم من الشام(1) .
وقال العلاّمة الحلّي في المنتهى ، كتاب الزيارات بعد الحج : يستحب زيارة الحسين (عليه
السّلام) في العشرين من صفر .
وروى الشيخ عن أبي محمّد الحسن العسكري (ع) أنّه قال : (( علامات
المؤمن خمس ... )) إلى آخر الحديث .
وفي الإقبال للسيّد رضيّ الدِّين علي بن طاووس ، عند ذكر زيارة
الحسين (ع) في العشرين من صفر قال : روينا بالاسناد إلى جدِّي أبي جعفر فيما رواه
بالاسناد إلى مولانا الحسن بن علي العسكري (ع) أنه قال : (( علامات المؤمن خمس
... )) .
ونقل المجلسي (أعلى الله مقامه) في مزار البحار هذا الحديث عند ذكر فضل
____________________________
(2) الآثار الباقية / 331 .
الصفحة (372)
زيارة الحسين (ع) يوم الأربعين .
وفي الحدائق للشيخ يوسف البحراني ، في الزيارات بعد الحجّ
قال : وزيارة الحسين (ع) في العشرين من صفر من علامات المؤمن .
وحكى الشيخ عبّاس القمي
في المفاتيح هذه الرواية عن التهذيب ، ومصباح المتهجّد في الدليل على رجحان الزيارة في
الأربعين ، من دون تعقيب باحتمال إرادة أربعين مؤمناً .
واستبعاد بعضهم إرادة زيارة الأربعين من جهة عدم تعرّض الإمام (عليه السّلام) للآثار
الاُخرويّة المترتّبة على الزيارة مع أنّ أهل البيت (عليهم السّلام) عند الحثّ على زيارة المظلوم
وغيره من أئمّة الهدى (عليهم السّلام) يذكرون ما يترتّب عليها من الثواب لا يُصغى إليه
؛ فإنّ
الإمام في هذا الحديث إنّما هو بصدد بيان علائم المؤمن التي يمتاز بها عن غيره ، وجعل
منها زيارة الأربعين على ما أوضحنا بيانه ، ولَم يكن بصدد بيان ما يترتّب على الزيارة
من الأثر .
واستحباب زيارته (ع) في العشرين من صفر نصّ عليه الشيخ المفيد في ( مسار الشيعة ) ، والعلاّمة الحلّي في
( التذكرة ) و ( التحرير ) ، وملاّ محسن الفيض في ( تقويم المحسنين ) .
وتفسير
الشيخ البهائي في ( توضيح المقاصد ) الأربعين بالتاسع عشر من صفر ، مبنيّ على حساب يوم
العاشر من الأربعين ، وهو خلاف المتعارف .
وافـتك جـنداً يـستثير iiويزأر فـقد الـمواكب أنّها لك iiعسكر
لا تـسلمنَّ إلى الـدنيّة iiراحة مـا كـان أسـلمها لذل
iحيدر
وابـعث حياة النّاهضين iiجديدة فـيها الاُبـاء مـؤيَّد iiومـظفَّر
وارسـم لسير الفاتحين iiمناهجاً فـيها عـروش الطَّائشين iiتدمَّر
إنْ لَـم تـلبِّك سـاعة iiمحمومة ذمّـت فـقد لبَّت نداءك iiأعصر
قم وانظر البيت الحرام ونظرة اُخـرى لقبرك فهو حجّ iiأكبر
أصبحت مفخرة الحياة وحقّ iiلَو فـخرت بـه فدم الشهادة iiمفخر
قـدَّست مـا أعلى مقامك رفعة أخـفيه خوف الظالمين iiفيظهر
شكتِ الإمارة حظَّها iiواستوحشت أعـوادها مـن عابثين iiتأمَّروا
وتـنكرت لـلمسلمين iiخـلافة فيها يصول على الصلاح المنكر
سوداء فاحمة الجبين iiترعرعت فـيها الـقرود ولـوَّثتها iiالأنـمر
سكبت على نغم الأذان iiكؤوسها وعلى الصلاة تديرهنَّ iiوتعصر
الصفحة (373)
تـلك الـمهازل يـشتكيها iiمـسجد ذهـبت بـروعته ويـبكي iiمـنبر
فـشكت إلـيك وما شكت إلاّ iiإلى بـطل يـغار على الصلاح iiويثأر
تـطوى الفضائل ما عظمن iiوهذه اُمّ الـفـضائل كـلَّ عـام تـنشر
جـرداء ذابـلة الـغصون سقيتها بـدم الـوريد فطاب غرس iiمثمر
وعـلى الـكريهة تـستفزُّك iiنخوة حـمـراء دامـية ويـوم أحـمر
شـكت الـشريعة من حدود iiبُدّلَتْ فـيـها وأحـكـام هـناك iiتـغيَّر
سـلبت مـحاسنها اُميّة iiفاغتدت صـوراً كـما شاء الضلال تصوَّر
عـصفت بـها الأهواء فهي أسيرة تشكو وهل غير الحسين محرِّر
وافـى بـفتيته الـصّباح iiفـساقهم لـلدِّين قـربان الإلـه iiفـجزِّروا
أدّى الـرسالة مـا اسـتطاع iiوإنّما تـبـليغها بــدم يـطلّ iiويـهدر
فـبذمّة الإصـلاح جـبهة iiمـاجد تـدمى ووضّـاح الـجبين iiيـعفَّر
لـبّيك مـنفرداً اُحيط بعالم iiتحصى الـحصى عـدداً ومـا إن iiيحصر
لـبّيك ظـام حـلأوه عن iiالروى وبـراحتيه مـن الـمكارم iiأبـحر
هـذي دمـوع المخلصين فروّ iiمن عـبـراتها كـبـداً تـكاد تـفطَّر
واعـطف على هذي القلوب iiفإنّها ودَّت لَـو أنَّـك في الأضالع iiتقبر
يـتزاحمون على استلام iمشاعر مـن دون روعتها الصّفا والمشعر
ركـبوا لها الأخطار حتّى لَو iiغدت تُـبرى الأكـفّ أو الـجماجم تنثر
وافـوك يـوم الأربـعين iiوليتهم حـضروك يوم الطّف إذ iiتستنصر
وجـدوا سـبيلكم الـنّجاة iiوإنّـما نـصبوا لـها جسر الولاء iiليعبروا
وتـأمّـلوك لـسـاعةٍ iiمـرهوبةٍ إمّـا الـحميم بـها وإمّـا iiالكوثر
وسـيعلم الخصمان إنْ وافوك iiمَن يـرد المعين ومَن يذاد iiويصدر(1)
في المدينة
لَم يجد السجّاد (ع) بدّاً من الرحيل من كربلاء إلى المدينة بعد أنْ أقام ثلاثة أيّام
؛
لأنّه رأى عمّاته ونساءه وصبيته نائحات الليل والنّهار ، يقمن من قبر ويجلسن عند
آخر .
____________________________
(1) للعلاّمة الشيخ عبد المهدي مطر النّجفي .
الصفحة (374)
تـشكو عـداها وتـنعي قومها iiفلها حـال من الشجو لفّ الصبر مدرجه
فـنعيها بـشجى الـشكوى تـؤلّفه ودمـعها بـدم الأحـشاء iiتـمزجه
ويدخل الشجو في الصخر الأصمِّ لها تـزفُّر من شظايا القلب تخرجه(1)
قال بشير بن حذلم : لمّا قربنا من المدينة ، نزل علي بن الحسين (ع) وحطَّ رحله وضرب فسطاطه
، وأنزل نساءه وقال : (( يا بشير ، رحم الله أباك لقد كان شاعراً
، فهل تقدر على شيء منه ؟
)) قلت : بلى يابن رسول الله ، إنّي لشاعر . فقال (ع) :
(( ادخل المدينة وانع أبا عبد الله
(ع) )) . قال بشير : فركبت فرسي حتّى دخلت المدينة فلمّا بلغت مسجد النّبي (صلّى الله عليه
وآله) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت :
يا أهل يثربَ لا مُقَام لكم بها قُتل الحسينُ فأدمعي iiمدرار
الجسم منه بكربلاء iiمضرّج والرأس منه على القناة iiيُدار
وقلت : هذا علي بن الحسين (ع) مع عمّاته وأخواته قد حلّوا بساحتكم وأنا رسوله إليكم
اُعرّفكم مكانه . فخرج النّاس يهرعون ولّم تبقَ مخدَّرة إلاّ برزت ، تدعو بالويل والثبور
، وضجَّت المدينة بالبكاء ، فلم يرَ باكٍ أكثر من ذلك اليوم ، واجتمعوا على زين العابدين
(ع) يعزّونه ، فخرج من الفسطاط بيده خرقة يمسح بها دموعه ، وخلفه مولى معه كرسي ، فجلس
عليه ، وهو لا يتمالك من العبرة ، وارتفعت الأصوات بالبكاء والحنين .
فأومأ إلى النّاس أنْ اسكتوا ، فلمّا سكتت فورتهم قال (عليه السّلام) :
((
الحمدلله ربِّ العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين ،
الذي بعُد فارتفع في السّماوات العلا ، وقرُب فشهد النّجوى ، نحمده على عظائم الاُمور ،
وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء ، وعظيم المصائب
الفاظعة الكاظة الفادحة الجائحة .
أيّها القوم ، إنّ الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الإسلام
عظيمة ، قُتل أبو عبد الله الحسين (ع) وعترته ، وسُبيت نساؤه
____________________________
(1) لحجة الإسلام الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (قدّس سرّه) .
الصفحة (375)
وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان ، من فوق عامل السّنان ، وهذه الرزيّة التي لا
مثلها رزيّة .
أيّها النّاس ، فأيّ رجالات منكم يسرّون بعد قتله ؟ أم أيّ فؤاد لا يحزن من أجله ؟ أم
أيّة عين منكم تحبس دمعها ، وتضنُّ عن انهمالها ؟ فلقد بكت السّبع الشداد لقتله ،
وبكت البحار بأمواجها ، والسّماوات بأركانها ، والأرض بأرجائها ، والأشجار بأغصانها
، والحيتان في لجج البحار ، الملائكة المقرّبون ، وأهل السّماوات أجمعون .
أيّها النّاس ، أيّ قلب لا ينصدع لقتله ؟ أم أيّ فؤاد لا يحنّ إليه ؟ أم أيّ سمع يسمع
بهذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصمّ ؟
أيّها النّاس ، أصبحنا مشرّدين مطرودين مذودين شاسعين عن الأمصار ، كأنّنا أولاد ترك
وكابل ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها .
ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، إنّ هذا إلاّ اختلاق ، والله لو أنّ النّبيّ تقدّم
إليهم
في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصيّة بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا ، فإنّا لله
وإنّا إليه راجعون ، من مصيبة ما أعظمها وأفجعها وأكظّها وأفظّها وأمرّها وأفدحها، فعند
الله نحتسب ما أصابنا ، وما بلغ بنا ، فإنّه عزيز ذو انتقام )) .
فقام إليه صوحان بن صعصعة بن صوحان العبدي ، وكان زَمِناً واعتذر بما عنده من زمانة
رجلَيه .
فأجابه (عليه السّلام) بقبول عذره وحُسن الظن فيه ، وشكر له وترحّم على أبيه . ثمّ دخل زين
العابدين (ع) المدينة بأهله وعياله(1) وجاء إليه إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقال :
مَن الغالب ؟ فقال (عليه السّلام) : (( إذا دخل وقت إلى الصلاة فأذّن وأقم
، تعرف الغالب ))(2)
.
فأمّا زينب اُمّ كلثوم فأنشأت تقول :
مدينة جَدّنا لا تقبلينا
فبالحسرات والأحزان جينا
____________________________
(1) اللهوف لابن طاووس / 116 .
(2) أمالي الشيخ الطوسي / 66 ، وفي المقدمة / 56 ذكرنا مراده .
الصفحة (376)
خرجنا منك بالأهلين طرّاً
رجعنا لا رجال ولا بنينا
ثمّ أخذت زينب بنت أمير المؤمنين بعضادتي باب المسجد وصاحت : يا جَدّاه ، إنّي ناعية
إليك أخي الحسين .
وصاحت سكينة : ياجَدّاه ! إليك المشتكى ممّا جرى علينا ، فوالله ما رأيت أقسى من يزيد
، ولا رأيت كافراً ولا مشركاً شرّاً منه ولا أجفى وأغلظ ، فلقد كان يقرع ثغر أبي بمخصرته
وهو يقول : كيف رأيت الضرب يا حسين(1) .
وأقمن حرائر الرسالة المأتم على سيّد الشهداء ولبسن المسوح والسّواد ، نائحات الليل
والنّهار ، والإمام السجّاد يعمل لهنّ الطعام(2) .
وفي حديث الصادق (ع) : (( ما اختضبت هاشميّة ولا أدهنت ولا اُجيل مرود في عين هاشميّة
خمس حجج حتّى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد ))(3) .
وأما الرباب فبكت على أبي عبد الله حتّى جفّت دموعها فأعلمتها بعض جواريها بأنّ
السّويق يسيل الدمعة ، فأمرت أنْ يُصنع لها السّويق لاستدرار الدموع(4). وكان من رثائها في أبي عبد الله (ع)(5) :
إنَّ الذي كان نوراً يُسْتَضاء iiبه بـكربلاء قـتيل غير iiمدفون
سبط النّبيّ جزاك الله iiصالحة عنّا وجنبت خسران iiالموازين
قد كنتَ لي جبلاً صعباً ألوذ به وكنتَ تصحبنا بالرحم iiوالدّين
مَنْ لليتامى ومَنْ للسائلين iiومَنْ يـغني وياوي إليه كلّ iiمسكين
والله لا أبتغي صهراً iiبصهركمُ
حتّى اُغَّيب بين الرمل iiوالطِّين
وأمّا علي بن الحسين (ع) فانقطع عن النّاس ؛ انحيازاً عن الفتن وتفرّغاً للعبادة
____________________________
(1) رياض الأحزان / 163 .
(2) محاسن البرقي 2 / 420 ، باب الاطعام للمأتم .
(3) مستدرك الوسائل 2 / 215 الباب الرابع والتسعون .
(4) البحار 10 / 235 عن الكافي .
(5) الأغاني 2 / 158 .
الصفحة (377)
والبكاء على أبيه ، ولم يزل باكياً ليله ونهاره ، فقال له بعض مواليه : إنّي أخاف عليك
أنْ تكون من الهالكين . فقال (ع) : (( يا هذا ، إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله
، وأعلم من الله
ما لا تعلمون ، إنّ يعقوب كان نبيّاً فغيّب الله عنه واحداً من أولاده وعنده اثنا عشر
، وهو يعلم أنّه حيّ فبكى عليه حتّى أبيضّت عيناه من الحزن ، وإنّي نظرت إلى أبي وإخوتي
وعمومتي وصحبي مقتولين حولي ، فكيف ينقضي حزني ؟! وإنّي لا أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ
خنقتني العبرة ، وإذا نظرت إلى عمّاتي وأخواتي ذكرت فرارهنّ من خيمة إلى خيمة ))
.
رأى اضطرام النّار في iiالخباء وهـو خـباء الـعزِّ iiوالإباء
رأى هـجوم الكفر iiوالضلالة عـلى بنات الوحي iiوالرسالة
شـاهد فـي عـقائل iiالـنبوّة مـا لـيس في شريعة iiالمروَّة
مـن نـهبها وسلبها iiوضربها ولا مـجير قـطّ غـير iiربِّها
شاهد سَوق الخفرات الطّاهرة سـوافر الوجوه لابن العاهرة
رأى وقوف الطّاهرات الزاكية قـبالة الرجس يزيد iiالطّاغية
وهـنَّ فـي الـوثاق والحبال في محشد الأوغاد والأنذال(1)
إليك يا رسول الله المشتكى ممّا أتت به اُمّتك مع أبنائك الأطهرين من الظلم والاضطهاد
. والحمد لله ربّ العالمين .
____________________________
(1) للحجّة الشيخ محمّد حسين الاصفهاني .
|