الصفحة (348)
الرؤوس .
فسلك بهم على حالة تقشعّر من ذكرها الأبدان وترتعد لها فرائص كلّ إنسان .
وأمر أنْ يُسلك بهم بين النظّار ، وأنْ يجعلوا الرؤوس وسط المحامل(1) .
وفي أول يوم من صفر دخلوا دمشق(2) فأوقفوهم على ( باب السّاعات )(3) وقد خرج النّاس
بالدفوف والبوقات ، وهم في فرح وسرور ، ودنا رجل من سكينة وقال : من أيّ السّبايا أنتم
؟ قالت : نحن سبايا آل محمّد (ص)(4) .
وكان يزيد جالساً في منظره على جيرون ، ولمّا رأى السّبايا والرؤوس على أطراف الرماح
، وقد أشرفوا على ثنية جيرون ، نعب غراب ، فأنشأ يزيد يقول :
لـمّا بـدت تلك الحمول وأشرقت تلك الرؤوس على شفا جيرون(5)
نـعب الغراب فقلتُ قل أو لا تقل فـقد أقتضيت من الرسول iiديوني
ومن هنا حكم ابن الجوزي والقاضي أبو يعلى والتفتازاني والجلال السّيوطي بكفره ولعنه(6) .
____________________________
(1) اللهوف / 99 ، ومثير الأحزان لابن نما / 53 ، ومقتل العوالم
/ 145 .
(2) نصّ عليه كامل البهائي ، والآثار الباقية للبيروني / 331 طبعة الاُفست
، والمصباح
للكفعمي / 269 ، وتقويم المحسنين للفيض / 15 ، وبناءً على ما في تاريخ الطبري 6 / 266
، من حبسهم في السّجن إلى أنْ يأتي البريد من الشام يخبرهم ببعد وصولهم إلى الشام في
أول صفر فإنّ المسافة بعيدة تستدعي زمناً طويلاً ، اللهمّ إلاّ أنْ يكون البريد من طريق
الطير .
(3) مقتل الخوارزمي 2 / 61 روى : إنّهم اُدخلوا مدينة دمشق من باب ( توما ) ، وهذا
الباب كما في ثمار المقاصد / 109 : أحد أبواب مدينة دمشق القديمة .
ويحدّث أبو عبد الله محمّد بن علي بن ابراهيم المعروف بابن شدّاد المتوفّى ( سنة 684
هـ ) في
أعلاق الخطيرة 2 / 72 قال : إنّما سمّي بباب السّاعات ؛ لأنّه عمل هناك بنظام السّاعات
، يعلم بها كلّ ساعة تمضي من النّهار عليها عصافير من نحاس وغراب وحيّة من نحاس ، فإذا
أتمّت السّاعة خرجت الحيّة فصفرت العصافير وصاح الغراب وسقطت حصاة في الطشت .
(4) أمالي الصدوق / 100 المجلس الواحد والثلاثون ، ومقتل الخوارزمي 2
/ 60 .
(5) في صورة الأرض لابن حوقل / 161 طبعة الاُفست في دمشق : ليس في الإسلام أحسن منه
، كان
مصلّى الصابئين ثمّ صار لليونان يعظّمون فيه دينهم ، ثمّ صار لليهود ، وملوك عبدة الأصنام
، وباب هذا المسجد يُسمّى باب جيرون ، صُلب على هذا الباب رأس يحيى بن زكريا وصلب على
جيرون رأس الحسين بن علي (ع) في الموضع الذي صُلب فيه رأس يحيى بن زكريا . ولمّا كان أيّام
الوليد بن عبد الملك جعل وجه جدرانه رخاماً ... ، ويظهر إنّ هذا المسجد هو الجامع
الاُموي .
(6) روح المعاني للآلوسي 26 / 73 ، آية
( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) قال الآلوسي :
أراد بقوله : ( فقد اقتضيت من الرسول ديون ) أنّه قتل بما قتله رسول الله (ص) يوم بدر
، كجدّه عتبة وخاله وغيرهما ، وهذا كفر صريح ، ومثله تمثله بقول ابن الزبعري قبل إسلامه
( ليت أشياخي ... ) الأبيات .
الصفحة (349)
ودنا سهل بن سعد السّاعدي من سكينة بنت الحسين (ع) وقال : ألك حاجة ؟ فأمرته أنْ يدفع لحامل
الرأس شيئاً فيبعده عن النّساء ليشتغل النّاس بالنّظر إليه ، ففعل سهل(1) .
ودنا شيخ من السّجاد (ع) وقال له : الحمد الله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم . ها هنا
أفاض الإمام من لطفه على هذا المسكين المغترّ بتلك التمويهات لتقريبه من الحقّ
وإرشاده إلى السّبيل ، وهكذا أهل البيت (عليهم السّلام) تشرق أنوارهم على مَن يعلمون صفاء قلبه
وطهارة طينته واستعداده للهداية . فقال (عليه السّلام) له :
(( يا شيخ أقرأت القرآن ؟ )) قال
: بلى ، قال (عليه السّلام) : (( أقرأت
(
قُلْ لاَ
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )(2)
؟ وقرأت قوله تعالى : (
وَآتِ
ذَا الْقُرْبَى حَقّهُ )(3)
؟ وقوله تعالى :
( وَاعْلَمُوا
أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنّ للّهِِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي
الْقُرْبَى
)(4)
؟ )) قال الشيخ : نعم ، قرأت ذلك . فقال (ع) :
(( نحن والله القربى في هذه الآيات )) .
ثمّ قال له الإمام : (( أقرأت قوله تعالى :
(
إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً )(5) ؟
))
قال : بلى . فقال (عليه السّلام) : (( نحن أهل البيت الذين خصّهم الله بالتطهير
)) . قال الشيخ : بالله عليك أنتم هم ؟ فقال (عليه السّلام) :
(( وحقّ جدّنا رسول الله إنّا لنحن هم
، من غير شكّ )) .
فوقع الشيخ على قدمَيه يقبّلهما ويقول : أبرأ إلى الله ممَّن قتلكم . وتاب على يد الإمام
ممّا فرّط في القول معه . وبلغ يزيد فعل الشيخ وقوله ، فأمر بقتله(6) .
بـأيـّة آيــة يـأتـي iiيـزيـد غـداة صـحائف الأعـمال iiتُتلى
وقـام رسـول ربّ الـعرش iiيتلو وقد صمَّت جميع الخلق قل لا(7)
____________________________
(1) مقتل العوالم / 145 .
(2) سورة الشورى / 23 .
(3) سورة الإسراء / 26 .
(4) سورة الأنفال / 41 .
(5) سورة الأحزاب / 33 .
(6) اللهوف / 100 .
وفي تفسير ابن كثير 4 / 112 ، وروح المعاني للآلوسي 25 / 31
، ومقتل الخوارزمي 2 / 61 : إنّ السّجاد (ع) قرأ على الشيخ آية المودّة فأذعن له .
(7) روح المعاني للآلوسي 25 / 31 ، إنّهما للسيّد عمر الهيثمي ( أحد أقاربه المعاصرين
) وقد استجودهما الآلوسي .
الصفحة (350)
وقبل أنْ يدخلوهم إلى مجلس يزيد ، أتوهم بحبال فربقوهم بها ، فكان الحبل في عنق زين
العابدين (ع) إلى زينب اُمّ كلثوم وباقي بنات رسول الله (ص) ، وكلّما قصروا عن المشي ضربوهم
حتّى أوقفوهم بين يدَي يزيد ، وهو على سريره ، فقال على بن الحسين (ع) :
(( ما ظنّك برسول
الله لَو يرانا على هذا الحال ؟ )) فبكى الحاضرون ، وأمر يزيد بالحبال فقُطعت(1) .
واُقيموا على درج باب الجامع حيث يقام السّبي ، ووُضع الرأس المقدّس بين يدَي يزيد
، وجعل
ينظر إليهم ويقول :
صبرنا وكان الصبر منّا iiعزيمةً وأسـيافنا يقطعنَ هاماً ومعصما
نُـفلّق هـاماً مـن رجال iiأعزّة علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما(2)
ثمّ التفت إلى النّعمان بن بشير وقال : الحمد لله الذي قتله . فقال النّعمان : قد كان
أمير المؤمنين معاوية يكره قتله . فقال يزيد : قد كان ذلك قبل أنْ يخرج ، ولو خرج على
أمير المؤمنين لقتله(3) .
فليت السّما حقاً على الأرض اُطبِقَتْ وطـاف عـن الدنيا الفناء أو النشر
بـنات عـليٍّ وهـي خير حرائر يـباح بـأيدي الأدعـياء لها iiستر
سـبايا على عَجْف المطايا حواسراً يـودّعها مـصر ويـرقبها iiمـصر
فـإنْ دمـعت منهنَّ عين iiوقصَّرت عـن الـمشي إعـياء مخدرة iiطهر
____________________________
(1) الأنوار النّعمانيّة / 341 ، واللهوف / 101 ، وتذكرة الخواص
/ 49 .
(2) مرآة الجنان لليافعي 1 / 135 .
وفي كامل ابن الأثير 4 / 35 ، وعليه مروج الذهب
: لما اُدخل الرأس عليه ، جعل ينكته بقضيب ويتمثّل بقول الحصين بن حمام .
أبى قومنا أن ينصفونا فانصفت
قواضب في أيماننا تقطر الدما
نفلق هاماً من رجـال أعـزة
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما
وفي العقد الفريد 2 / 313 ، في خلافة يزيد قال : لمّا وُضع الرأس بين يدَيه تمثّل يزيد
بقول الحصين بن الحمام المزني وذكر البيت الثاني ، واقتصر ابن حجر الهيثمي في مجمع
الزوائد 9 / 198 على البيت الثاني ، واقتصر الخوارزمي في المقتل 2 / 61 على وقوفهم
على درج باب الجامع ، وهذان البيتان للحصين بن الحمام ذكرهما في المؤتلف والمختلف
للآمدي / 91 ، قال : إنّ الحصين بن حمام بن ربيعة ( إلى آخر نسبه ) قال من قصيدة طويلة وذكر
ثلاثة أبيات فيها البيتان .
وفي الشعر والشعراء / 151 ، ذكر ثلاثة أبيات فيها البيت
الثاني .
وفي الأشباه والنظائر / 4 من أشعار المتقدّمين والجاهلين للخالديين اقتصر
على البيت الثاني .
وفي الأغاني 12 / 120 ، طبعة ساسي ذكر ثلاثة عشر بيتاً فيها البيتان
.
(3) مقتل الخوارزمي 2 / 59 .
الصفحة (351)
أهـاب بـها شـمر الخنا بقساوة وآمـلها فـي سوطه نقمة iiزجر
ولـيس لـديها كـافل غير iiمدنف أضرَّت به البلوى وقد مسَّه iiالضر
عليل يعاني القيد والغلَّ في السرى ويـبدو عـلى سيمائه الذلّ iiوالاسر
سـروا فـيه مـغلول اليدين iiمقيَّدا
إلى بطن حرف لم يوطَّأ لها iiظهر
وقـد أكـل الـلحم الـحديد iiبجيده واثَّـر
حتّى فاض في دمه iiالنحر
يـلاحظ أطـفالاً تـصيح ونـسوة تـعجُّ واكـباداً يـطير بها iiالذعر
ورأس أبـيه وهـو سـبط iiمحمد أمـامَ الـسبايا تـستطيل به السمر
وقـد أدخـلوه الـشام لا مرحباً iiبه وأفـراحه تـطغى بعيدٍ هو iiالنصر
الـى مـجلس فيه ابن هند iiبنصره قـرير ومـروان يـطير به iiالبشر
ورأس أبيه السّبط في طست عسجد أمـام دعـيًّ غـرَّه الزهو والكبر
وقـد كـان يخفي الكفر لكن iiبذكره لا شياخه في بدر قد ظهر iiالكفر(1)
يزيد مع السجاد
والتفت يزيد إلى السّجاد (ع) وقال : كيف رأيت صنع الله يا علي بأبيك الحسين ؟ قال :
(( رأيت ما قضاه الله عزّ وجلّ قبل أن يخلق السّموات والأرض
)) . وشاور يزيد من كان حاضراً
عنده في أمره ، فأشاروا عليه بقتله . فقال زين العابدين (ع) :
(( يا يزيد ، لقد أشار عليك
هؤلاء بخلاف ما أشار به جلساء فرعون عليه حين شاورهم في موسى وهارون فإنّهم قالوا
له :
( أَرْجِهِ
وَأَخَاهُ )
ولا يقتل الأدعياء أولاد الأنبياء وأبناءهم ))
. فأمسك يزيد مطرقاً(2) .
وممّا دار بينهما من الكلام أنْ قال يزيد لعلي بن الحسين (ع) :
( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ )(3)
، قال علي بن الحسين (ع) : (( ما هذه فينا نزلت ، إنّما نزل فينا
( مَا
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
* لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ )(4)(5)
فنحن لا
____________________________
(1) من قصيدة للعلامة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي .
(2) اثبات الوصية صفحة 143 ط نجف .
(3) سورة الشورى / 30 .
(4) العقد الفريد 2 / 313 , وتاريخ الطبري 6 / 267 .
(5) سورة الحديد / 22 ـ 23 .
الصفحة (352)
نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا
))(1)
فأنشد يزيد قول الفضل بن العبّاس بن عتبة :
مهلاً بني عمَّنا مهلاً موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفوناً(2)
ثمّ استأذنه (عليه السّلام) في أنْ يتكلّم ، فقال يزيد : نعم على أنْ لا تقل هجراً
. قال (ع) :
لقد (( وقفت موقفاً لا ينبغي لمثلي أنْ يقول الهجر ، ما ظنّك برسول الله (ص) لَو يراني على
هذه الحال ؟ )) فأمر يزيد بأن يفكّ الغل منه(3) .
وأمر يزيد الخطيب أن يثني على معاوية وينال من الحسين وآله ، فأكثر الخطيب من الوقيعة
في علي والحسين (عليهما السّلام) فصاح به السّجاد (ع) : (( لقد اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق
، فتبوّأ
مقعدك من النّار ))(4) :
أعلى المنابر تعلنون بسبّه
وبسيفه نُصِبَتْ لكم أعوادها
وقال ليزيد : (( أتأذن لي أن أرقى هذه الأعواد ، فأتكلّم بكلام لله تعالى رضىً ولهؤلاء أجر
وثواب ؟ )) فأبى يزيد ، وألحّ النّاس عليه فلَم يقبل ، فقال ابنه معاوية : إئذن له ، ما قدر
أنْ
يأتي به ؟ فقال يزيد : إنّ هؤلاء ورثوا العلم والفصاحة(5) وزقّوا
العلم زقّاً(6) .
وما زالوا به حتّى أذِن له .
فقال (ع) : (( الحمد لله الذي لا بداية له ، والدائم الذي لا نفاد له ، والأول الذي لا
أوليّة له ، والآخر الذي لا آخريّة له ، والباقي بعد فناء الخلق ، قدّر الليالي
والأيّام ، وقسّم فيما بينهم الأقسام ، فتبارك الله الملك العلاّم ، إلى أنْ قال :
أيّها
النّاس اُعطينا ستّاً وفضّلنا بسبع ، اُعطينا ؛ العلم والحلم والسّماحة والفصاحة والشجاعة
والمحبّة في قلوب المؤمنين ، وفُضلنا ؛ بأنَّ منّا النّبي والصدّيق والطيّار وأسد الله وأسد
رسوله وسبطا هذه الاُمّة . أيّها النّاس مَن عرفني فقد
____________________________
(1)
العقد الفريد 2 / 313 ، وتاريخ الطبري 6 / 267 ، تفسير علي بن إبراهيم / 603 ، في الشورى .
(2) المحاضرات للراغب الاصفهاني 1 / 775 ، باب مَن يبجح بمعادات ذويه
، وهذا البيت من
أبيات خمسة للفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب ذكرها أبو تمام في الحماسة راجع
( شرح التبريزي 1 / 223 ) .
(3) مثير الأحزان لابن نما / 54 ، وغيره .
(4) نفَس المهموم / 242 .
(5) كامل البهائي .
(6) رياض الأحزان / 148 .
الصفحة (353)
عرفني ، ومَن لَم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي ، أيّها النّاس أنا ابن مكّة ومِنى ،
أنا ابن
زمزم والصفا ، أنا ابن مَن حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير مَن ائتزر وارتدى
وخير مَن طاف وسعى ، وحجّ ولبّى ، أنا ابن مَن حُمِل على البراق وبلغ به جبرئيل سدرة
المنتهى ، فكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن مَن صلّى بملائكة السّماء ، أنا
ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن مَن ضرب بين يدَي رسول الله ببدر وحنين ،
ولم يكفر بالله طرفة عين ، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيّين ، ويعسوب المسلمين
ونور المجاهدين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، ومفرّق الأحزاب ، أربطهم جأشاً
، وأمضاهم عزيمةً ذاك أبو السّبطين الحسن والحسين ، علي بن أبي طالب . أنا ابن فاطمة الزهراء ، وسيّدة النّساء ، وابن خديجة الكبرى .
أنا ابن المرمّل بالدماء ، أنا ابن ذبيح كربلاء ، أنا ابن مَن بكى عليه الجنّ في
الظلماء ، وناحت الطير في الهواء )) .
فلمّا بلغ إلى هذا الموضع ، ضجّ النّاس بالبكاء ، وخشي يزيد الفتنة ، فأمر المؤذّن
أن يُؤذِّن
للصلاة .
فقال المؤذِّن : الله أكبر .
قال الإمام (ع) : (( الله أكبر وأجلّ وأعلى وأكرم ممّا أخاف وأحذر
)) . فلمّا قال المؤذِّن : أشهد
أنْ لا إله إلاّ الله ، قال (ع) : (( نعم ، أشهد مع كلّ شاهد
أنْ لا إله غيره ولا ربّ سواه )) . فلمّا
قال المؤذِّن : أشهد أنّ محمّداً رسول الله قال الإمام (ع) للمؤذِّن :
(( أسألك بحقّ محمّد أنْ
تسكت حتّى اُكلّم هذا ،
والتفت إلى يزيد وقال : هذا الرسول العزيز الكريم جدّك أم جدّي ؟ فإنْ قلتَ جدّك علم
الحاضرون والنّاس كلّهم إنّك كاذب ، وإنْ قلتَ جدّي فلِمَ قتلتَ أبي ظلماً وعدواناً وانتهبت
ماله وسبَيت نساءه ، فويلٌ لك يوم القيامة إذا كان جدّي خصمك )) .
فصاح يزيد بالمؤذِّن : أقم للصلاة . فوقع بين النّاس همهمة وصلّى بعضهم ، وتفرّق الآخر(1) .
____________________________
(1) نفَس المفهوم / 242 ، والخطبة طويلة في مقتل الخوارزمي 2
/ 69 .
الصفحة (354)
الرأس الأطهر
ودعا يزيد برأس الحسين (ع) ووضعه أمامه في طست من ذهب(1)
، وكان النّساء خلفه ، فقامت
سكينة وفاطمة يتطاولان للنّظر إليه ، ويزيد يستره عنهما ، فلمّا رأينه صرخن بالبكاء(2)
.
ثمّ أذِن للنّاس أنْ يدخلوا(3)
. وأخذ يزيد القضيب وجعل ينكت ثغر الحسين(4)
ويقول : يوم بيوم بدر(5) . وأنشد
قول الحصين بن الحمام :
أبى قومنا أنْ ينصفونا iiفأنصفت قـواضب في أيماننا تقطر الدما
نُـفلِّق هـاماً مـن رجال iiأعزَّة علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما(6)
فقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص ، أخو مروان ، وكان جالساً عنده :
لَهامٍ بجنب الطفِّ أدنى قرابة من ابن زيـاد الـعبد ذي الـحسب iiوالوغل
سـميّة أمـسى نسلها عدد iiالحصى وليس لآل المصطفى اليوم من iiنسل
____________________________
(1) مرآة الجنان لليافعي 1 / 135 .
(2) كامل ابن الأثير 4 / 35 ، ومجمع الزوائد 9 / 195 ، والفصول المهمّة لابن الصباغ
/ 205
.
(3) كامل ابن الأثير 4 / 35 .
(4) تاريخ الطبري 6 / 267 ، وكامل ابن الأثير 4 / 35 ، وتذكرة الخواص
/ 148 ، والصواعق
المحرقة / 116 ، والفروع لابن مفلح الحنبلي في فقه الحنابلة 3 / 549 ، ومجمع الزوائد
لابن حجر 9 / 195 ، والفصول المهمّة لابن الصباغ / 205 ، والخطط المقريزية 3 / 289
، والبداية لابن كثير 8 / 192 ، وشرح مقامات الحريري للشريشي 1 / 193 ، آخر المقامة
العاشرة ، وأيّام العرب في الإسلام / 435 ، تأليف محمّد أبي الفضل وعلي محمّد البجاوي و
مناقب ابن شهر آشوب 2 / 225 .
وفي الاتحاف بحبّ الأشراف / 23 : صار يزيد يضرب ثناياه
بالقضيب . وكذ في الآثار الباقية للبيروني / 331 ، طبعة الاُوفست : ( والنكت ) كما في
صحاح الجوهري : الضرب .
وفي المغرب للمطرزي 2 / 227 : نكتت خدّها بإصابعها : أي نقرته
وضربته .
وفي مقاييس اللغة لابن فارس 5 / 475 : نكت في الأرض بقضيبه ، ينكت : إذا أثّر فيها
.
(5) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 226 .
(6) كامل ابن الأثير 4 / 35 ، والفصول المهمّة لابن الصباغ
/ 205 : والبيت الأول عند اليافعي في مرآة الجنان 1 / 135 .
صبرنا فكان الصبر منّا عزيمةً
وأسيافنا يقطعن كفّا ومعصما
ورواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص / 148 ، مع تغيير في بعض ألفاظه .
وجماعة من
المؤرخين اقتصروا على البيت الثاني ، منهم الشريشي في شرح مقامات الحريري 1 / 193
، والأندلسي في العقد الفريد 2 / 313 وابن كثير في البداية 8 / 197 ، والشيخ المفيد في
الإرشاد ، وابن جرير الطبري في التاريخ 6 ص267 ، وقال : البيت للحصين بن الحمام المري .
الصفحة (355)
فضربه يزيد على صدره وقال : اسكت لا اُمّ لك(1) .
وقال أبو برزة الأسلمي : أشهد لقد رأيت النّبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن (ع)
ويقول : (( أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة ، قَتل الله قاتلكما
، ولعنه وأعدّ له جهنّم وساءت
مصيراً )) . فغضب يزيد منه وأمر به فاُخرج سحباً(2) .
والتفت رسول قيصر إلى يزيد وقال : إنّ عندنا في بعض الجزائر حافر حمار عيسى ، ونحن نحجّ
إليه في كلّ عام من الأقطار ونهدي إليه النّذور ونعظّمه كما تعظّمون كتبكم ، فأشهد
إنّكم
على باطل(3) . فأغضب يزيد هذا القول وأمر بقتله
، فقام
إلى الرأس وقبَّله ، وتشهّد
الشهادتين ، وعند قتله سمع أهل المجلس من الرأس الشريف صوتاً عالياً فصيحاً
(( لا حول
ولا قوّة إلاّ بالله ))(4) .
ثمّ اُخرج الرأس من المجلس وصُلب على باب القصر ثلاثة أيّام(5)
، فلمّا رأت هند بنت عمرو
بن سهيل ، زوجة يزيد ، الرأس على باب دارها(6) والنّور الإلهي يسطع منه ودمه طري لَم يجفّ
ويُشمّ منه رائحةً طيّبةً(7) دخلت المجلس مهتوكة الحجاب وهي تقول : رأس ابن بنت رسول
الله على باب دارنا ؟! فقام إليها
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 265 ، وكامل ابن الأثير 4 / 37 . وعجز البيت الثاني في مجمع
الزوائد لابن حجر 9 / 198 ، و مناقب ابن شهر آشوب 2 / 226 : ( وبنت رسول الله ليس لها
نسل ) وفي البداية لابن كثير 8 / 193 : كان الحصين ينشد وذكر البيت الثاني موافقاً
لمجمع الزوائد .
وفي مثير الأحزان لابن نما / 54 : روى أنّ الحسن بن الحسن ـ وهو المثنّى
ـ لمّا رأى يزيد يضرب رأس الحسين (ع) بالقضيب قال واذلاّه !
سميّة أمسى نسلها عدد الحصى
وبنت
رسول الله ليس لها نسل
وفي تذكرة الخواص / 149 : لمّا بلغ الحسن البصري فعلة يزيد بالرأس ، تمثّل بالبيت الثاني
.
وفي الأغاني 12 / 71 : نسبهما إلى عبد الرحمن بن الحكم مع بيت ثالث .
وفي مقتل
الخوارزمي 2 / 56 : نسبهما إلى عبد الرحمن ابن الحكم أخي مروان .
(2) اللهوف / 102 ، واختصر الحديث في الفصول المهمّة / 205
، وتاريخ الطبري 6 / 267 ، و
مناقب ابن شهر آشوب 2 / 26 .
(3) الصواعق المحرقة / 119 .
(4) مقتل العوالم / 151 ، ومثير الأحزان لابن نما .
وفي مقتل الخوارزمي 2 / 72 ، ذكر
محاورة النّصراني مع يزيد وقتْله ولَم يذكر كلام الرأس الأطهر .
(5) الخطط المقريزيّة 2 / 289 ، والاتحاف بحبّ الأشراف / 23
، ومقتل الخوارزمي 2 / 75
، والبداية لابن كثير 8 / 204 ، وسِيَر أعلام النّبلاء 3 / 216 .
(6) مقتل العوالم / 151 ، وتقدّم في المقدّمة من هذا الكتاب تعريف أبيها وعند مَن
كانت .
(7) الخطط المقريزيّة 2 / 284 .
الصفحة (356)
يزيد وغطّاها وقال لها : اعولي عليه يا هند ، فإنّه صريخة بني هاشم عجّل عليه ابن زياد(1)
.
وأمر يزيد بالرؤوس أنْ تُصلب على أبواب البلد والجامع الاُموي ، ففعلوا بها ذلك(2) .
وفرح مروان بقتل الحسين (ع) فقال :
ضربت دوسر فيهم ضربة
أثبتت أوتاد مُلكٍ فاستقر
ثمّ جعل ينكت بالقضيب في وجهه ويقول :
يـا حبّذا بردك في iiاليدَين ولونك الأحمر في iiالخدَّين
كـأنَّـه بـات بـعسجدين شفيت منك النّفس يا حسين
الشامي مع فاطمة
قال الرواة : نظر رجال شامي إلى فاطمة بنت علي(3) فطلب من يزيد
أنْ يهبها له لتخدمه
، ففزعت ابنة أمير المؤمنين وتعلّقت باُختها العقيلة زينب وقالت : كيف
____________________________
(1) المقتل للخوارزمي 2 / 74 .
(2) نفَس المهموم / 247 .
(3) تاريخ الطبري الجزء السادس ، والبداية لابن كثير 8 / 194
، وأمالي الشيخ الصدوق / 100 المجلس الواحد والثلاثون .
ويروي ابن نما في مثير الأحزان / 54 ، والخوارزمي في المقتل 2 / 62 : إنّها فاطمة بنت
الحسين (ع) .
الصفحة (357)
أخدم ؟ قالت العقيلة لا عليكِ إنّه لَن يكون
أبداً . فقال يزيد : لَو أردتُ لفعلتُ . فقالت
له : إلاّ أنْ تخرج عن ديننا . فردّ عليها : إنّما خرج عن الدِّين أبوكِ وأخوكِ . قالت زينب :
بدين الله ودين جدّي وأبي وأخي اهتديت أنت وأبوك إنْ كنت مسلماً . قال : كذبتِ يا عدوّة
الله . فرقّت (عليها السّلام) وقالت : أنت أمير مسلّط تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك(1)
.
وعاود الشامي الطلب ، فزبره يزيد ونهره وقال له : وهب الله لك حتفاً قاضياً(2) .
خطبة زينب (عليها السّلام)
قال ابن نما وابن طاووس(3) : لمّا سمعت زينب بنت علي
(عليهما السّلام)(4) يزيد يتمثّل
بأبيات ابن الزبعري(5) .
لـيت أشـياخي ببدرٍ iiشهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهـلّـوا واسـتهلّوا فـرحاً ثـمّ قـالوا يا يزيد لا iiتشل
قـد قـتلنا القرم من iiساداتهم وعـدلـناه بـبدرٍ فـاعتدل
لـعبت هـاشم بـالملك iiفلا خـبر جـاء ولا وحي iiنزل
لـستُ من خندف إنْ لَم iiأنتقم مـن بـني أحمد ما كان فعل
قالت (عليها السّلام) : الحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله
____________________________
(1) ابن الاثير 4 / 35 .
(2) تاريخ الطبري 6 / 265 .
(3) ذُكرت هذه الخطبة في ( بلاغات النّساء / 21 طبعة النّجف )
، ومقتل الخوارزمي 2 / 64 .
(4) عرفها الخوارزمي في مقتل الحسين (ع) : أنّ اُمّها فاطمة بنت رسول الله (ص) .
(5) هذه الأبيات نسبها السيّد ابن طاووس في اللهوف / 102
طبعة صيدا :
إلى ابن الزبعري
وليست كلّها له ، فإنّ الخوارزمي في مقتل الحسين (ع) 2 / 66 ، وابن أبي الحديد في شرح النّهج
3 / 383 الطبعة المصرية الاُولى ، وابن هشام في السّيرة في واقعة اُحد : ذكروا ستّة عشر بيتاً وليس فيها
ممّا ذكره ابن طاووس إلاّ الأول والثالث ، وكان عجز الثالث في روايتهم ( وعدلنا مَيل بدرٍ
فاعتدل ) . وفي رواية أبي علي القالي في الأمالي 1 / 142 ، والبكري في شرحه 1 / 378 : ( وأقمنا
مَيل بدرٍ فاعتدل ) . وفي رسالة الجاحظ في بني اُميّة ضمن مجموعة رسائله : ابن الزبعري قال :
لَيت أشياخي إلى آخر ثلاثة أبيات كما في اللهوف مع تغيير يسير .
وذكرها البيروني في الآثار الباقية / 331 طبعة الاُوفست : عدا البيت الرابع .
الصفحة (358)
سبحانه حيث يقول : ( ثُمّ
كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُوا السّوءى أَن كَذّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ
وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ )(1) .
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض ، وآفاق السّماء ،
فأصبحنا نُساق كما تُساق الاُسارى أنّ بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة ، وإنّ ذلك
لعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفك ، نظرت في عطفك ، جذلان مسروراً ، حين رأيت الدنيا لك
مستوسقة ، والاُمور متّسقة ، وحين صفا لك مُلكنا وسلطاننا ، فمهلاً مهلاً ، أنسيت قول الله
تعالى : ( وَلاَ
يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا
نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )(2)
؟!
أمن العدل يابن الطلقاء ، تخديرك حرائرك وإماءك ، وسَوقك بنات رسول الله سبايا ،
قد هُتكت ستورهنَّ ، واُبديت وجوههنَّ ، تحدو بهنَّ الأعداء من بلد إلى بلد ،
ويستشرفهنَّ أهل المناهل والمعاقل ، ويتصفح وجوههنَّ القريب والبعيد والدني
والشريف ، ليس معهنَّ من حماتهنَّ حمي ولا من رجالهنَّ ولي ، وكيف يرتجي مراقبة مَن
لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء ؟! وكيف يستبطأ في بغضنا أهل
البيت مَن نظر إلينا بالشنف والشنآن ، والاحن والاضغان ؟! ثمّ تقول غير متأثم ولا مستعظم
:
لأهلّوا واستهلَّوا فرحاً ثمّ قالوا يا يزيد لا تُشل
منحياً على ثنايا أبي عبد الله سيّد شباب أهل الجنّة تنكتها بمخصرتك ، وكيف لا تقول ذلك
، وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة ، بإراقتك دماء ذريّة محمّد (صلّى الله عليه وآله)
ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب ، وتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم فلتردنّ وشيكاً مَوردهم
، ولتودنّ أنّك شللت وبكمت ولَم تكن قلتَ ما قلت وفعلتَ ما فعلت .
اللهمّ خُذ لنا بحقّنا ، وأنتقم ممَّن ظلمنا ، واحلل غضبك بمَن سفك دماءنا وقتل حماتنا .
فوالله ما فريتَ إلاّ جلدك ، ولا حززت إلاّ لحمك ، ولتردنّ على رسول الله (صلّى الله
عليه وآله) بما تحمّلت من سفك دماء ذريّته ، وانتهكتَ من حرمته في عترته ولحمته ، حيث
يجمع الله شملهم ، ويلمّ شعثهم ، ويأخذ بحقّهم ، ( وَلاَ
تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ
رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ )(3)
.
____________________________
(1) سورة الروم / 10 .
(2) سورة آل عمران / 178 .
(3) سورة آل عمران / 169 .
الصفحة (359)
وحسبك بالله حاكماً ، وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله) خصيماً ، وبجبرئيل ظهيراً ، وسيعلم
مَن سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلاً ! وأيّكم شرٌّ مكاناً وأضعف جنداً
.
ولئن جرّت عليَّ الدواهي مخاطبتك ، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك ، وأستكثر توبيخك
، لكن العيون عبرى ، والصدور حرّى .
ألا فالعجب كلّ العجب ، لقتل حزب الله النّجباء ، بحزب الشيطان الطلقاء ! فهذه الأيدي
تنطف من دمائنا ، والأفواه تتحلّب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها
العواسل ، وتعفّرها اُمّهات الفراعل ، ولئن اتخذتنا مغنماً ، لتجدنا وشيكاً مغرما ، حين لا
تجد إلاّ ما قدّمت يداك ، وما ربّك بظلّام للعبيد ، وإلى الله المشتكى وعليه المعوّل .
فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصبْ جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تُميت وحينا ، ولا
يرحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فند وأيّامك إلاّ عدد ، وجمعك الا بدد ؟ يوم ينادي
المنادي : ألا لعنة الله على الظالمين .
والحمد لله ربّ العالمين ، الذي ختم لأولنا بالسّعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة
والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ويُحسن علينا الخلافة ،
إنّه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
فقال يزيد :
يا صيحة تحمد من صوائح ما أهون النّوح على النوائح
ومن جهْل يزيد وغيِّه وضلاله قوله بملء فمه غير متأثّم ولا مستعظم يُخاطب مَن حضر عنده
من ذؤبان أهل الشام : أتدرون من أين أتى ابن فاطمة ، وما الحامل له على ما فعل ، والذي
أوقعه فيما وقع ؟ قالوا : لا ، قال : يزعم أنّ أباه خير من أبي ، واُمَّه فاطمة بنت
رسول الله خير من اُميِّ ، وجدَّه خيرٌ من جَدِّي ، وإنّه خيرٌ منِّي وأحقّ بهذا الأمر منِّي
، فأمّا قوله أبوه خيرٌ من أبي فقد حاجَّ أبي أباه إلى الله عزَّ وجلَّ وعلم النّاس
أيّهما حكم له ، وأمّا قوله اُمّه خيرٌ من اُمّي فلَعمري إنّ فاطمة بنت رسول الله خيرٌ من
اُمِّي ، وأمّا قوله جدّه خيرٌ من جدِّي ، فلَعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر وهو
يرى أنّ لرسول الله فينا عدلاً ولا نِدّاً ، ولكنّه
الصفحة (360)
إنّما اُتي من قلَّة فقهه ولَم يقرأ :
( قُلْ
اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ
مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ
)(1) وقوله تعالى : (... وَاللّهُ
يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ...)(2)(3) .
الخربة
ولقد أحدثت هذه الخطبة هزّة في مجلس يزيد ، وراح الرجل يحدّث جليسه بالضلال الذي غمرهم
وإنّهم في أي وادٍ يعمهون ، فلم يرَ يزيد مناصاً إلاّ أن يُخرج الحرم من المجلس إلى
خربة لا تكنّهم من حرٍّ ولا برد ، فأقاموا فيها ينوحون على الحسين (عليه السّلام)(4) ثلاثة
أيّام(5) .
وفي بعض الأيّام خرج الإمام السّجاد (ع) منها يتروّح ، فلقيه المنهال بن عمر وقال له : كيف
أمسيت يابن رسول الله ؟ قال (ع) : (( أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون
، يذبّحون
أبناءهم ويستحيون نساءهم ، أمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً منها ، وأمست
قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمّداً منها ، وأمسينا معشر أهل بيته مقتولين مشرّدين
، فإنّا لله وإنّا اليه راجعون ))(6) .
قال المنهال : وبينا يكلّمني إذ امرأة خرجت خلفه تقول له : إلى أين يا نِعم الخلَف ؟
فتركني وأسرع إليها ، فسألتُ عنها قيل : هذه عمّته زينب(7) .
إلى المدينة
لقد سرَّ يزيدَ قتلُ الحسين (ع) ومَن معه وسَبي حريم رسول الله (صلّى الله عليه
وآله)(8)
____________________________
(1) سورة آل عمران / 26 .
(2) سورة البقرة / 247 .
(3) تاريخ الطبري 6 / 266 ، والبداية لابن كثير 8 / 195 .
(4) اللهوف / 207 ، وأمالي الصدوق / 101 المجلس الواحد والثلاثون .
(5) مقتل الخوارزمي 2 / 34 . وهذه الخربة ـ أو فقل المحبس ـ كما جاء في ذيل مرآة الزمان
لليونيني 4 / 146 ، حوادث ( سنة 681ﻫـ) قال : في ليلة الأحد ، عاشر شهر رمضان
، احترقت سوق
اللبادين بدمشق بكمالها وجسر الكتبيين ، والفوارة وسوق القماش المعروف بسوق عسا الله
وسقاية جيرون ، ووصلت النّار إلى درب العجم وسط جيرون وجدار المسجد العمري الذي على
درج بدرب الجامع الملاصق لسجن زين العابدين ... .
(6) مثير الأحزان لابن نما / 58 ، ومقتل الخوارزمي 2 / 72 .
(7) الأنوار النّعمانيّة / 340 .
(8) تاريخ الخلفاء للسيوطي / 139 .
الصفحة (361)
وظهر عليه السّرور في مجلسه ، فلَم يبال بإلحاده وكفره حين تمثّل بشعر ابن الزبعري
، وحتّى أنكر الوحي على رسول الله محمّد (ص) ، ولكنّه لمّا كثرت اللائمة عليه ووضح
له الفشل والخطأ في فعلته التي لَم يرتكبها حتّى مَن لم ينتحل دين الإسلام وعرف
المغزى من وصيّة معاوية إيّاه حيث قال له : إنّ أهل العراق لن يدَعوا الحسين حتّى
يخرجوه ، فإذا خرج عليك فاصفح عنه ؛ فإنّ له رحماً ماسة وحقّاً عظيماً(1)
.
وعاب عليه خاصّته وأهل بيته ونساؤه ، وكان بمرأى منه ومسمع كلام الرأس الأطهر لمّا
أمر بقتل رسول ملك الروم
( لا حول ولا قوة إلا بالله )(2) ولحديث
الأندية عمّا ارتكبه من هذه الجريمة الشائنة والقسوة الشديدة دوي في أرجاء دمشق ،
لَم يجد مناصاً من القاء التبعة على عاتق ابن زياد تبعيداً للسبَّة عنه ، ولكن
الثابت لا يزول .
ولمّا خشى الفتنة وانقلاب الأمر عليه ، عجّل بإخراج الإمام السّجاد (ع) والعيال من
الشام إلى وطنهم ومقرّهم ، ومكَّنهم ممّا يريدون ، وأمر النّعمان بن بشير وجماعة
معه أنْ يسيروا معهم إلى المدينة مع الرفق(3) .
فلمّا وصلوا العراق قالوا للدليل : مُر بنا على طريق كربلاء ، فوصلوا إلى مصرع
الحسين (ع) فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل
رسول الله ـ قد وردوا لزيارة قبر الحسين (ع) ـ فتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ،
وأقاموا في كربلاء ينوحون على الحسين(ع)(4) ثلاثة
أيّام(5) .
ووقف جابر الأنصاري على القبر فأجهش بالبكاء وقال : يا حسين ( ثلاثاً ) ثم قال :
حبيب لا يجيب حبيبه ! وأنّى لك بالجواب وقد شحطت أوداجك على
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 180 .
(2) مقتل العوالم / 150 .
(3) إرشاد المفيد .
(4) اللهوف / 112 ، ومثير الاحزان لابن نما / 79 الطبعة الحجريّة .
(5) رياض الأحزان / 157 .
الصفحة (362)
أثباجك ، وفرّق بين رأسك وبدنك ، فأشهد أنَّك ابن خاتم النبيين ، وابن سيّد المؤمنين
، وابن حليف التقوى ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، وابن سيّد النقباء ، وابن
فاطمة الزهراء سيّدة النساء ، وما لَك لا تكون كذلك وقد غذَّتك كفّ سيّد المرسلين ،
وربيت في حجر المتّقين ، ورضعت من ثدى الإيمان ، وفطمت بالإسلام ؟! فطبت حيّاً وطبت
ميّتاً غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة بفراقك ، ولا شاكة في الخيرة لك ، فعليك سلام
الله ورضوانه ، وأشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريّا .
ثم أجال بصره حول القبر وقال : السّلام عليكم أيّتها الأروح التي حلّت بفناء الحسين
(ع) وأناخت برحله ، أشهد أنّكم أقمتم الصلاة ، وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ، ونهيتم عن
المنكر ، وجاهدتم الملحدين ، وعبدتم الله حتّى أتاكم اليقين .
والذي بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله) بالحقّ نبيّاً ، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه
.
فقال له عطيّة العوفي : كيف ولَم نهبط وادياً ولَم نعلُ جبلاً ولَم نضرب بسيف ، والقوم قد
فُرّق بين رؤوسهم وأبدانهم واُوتمت أولادهم واُرملت الأزواج ؟
فقال له : إني سمعت حبيبي رسول الله يقول : (( مَن أحبّ قوماً
، كان معهم . ومَن أحبّ عمل قوم
اُشرك في عملهم )) . والذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً إنّ نيّتي ونيّة أصحابي على ما مضى عليه
الحسين (ع) وأصحابه(1) .
الرأس مع الجسد
لمّا عرف زين العابدين (ع) الموافقة من يزيد ، طلب منه الرؤوس كلّها ليدفنها في محلّها
، فلَم
يتباعد يزيد عن رغبته ، فدفع اليه رأس الحسين (ع) مع رؤوس أهل بيته وصحبه ، فألحقها
بالأبدان .
نصّ على مجيئه بالرؤوس إلى كربلاء في حبيب السير كما في نفَس المهموم
/ 253 ، ورياض الأحزان / 155 .
____________________________
(1) بشارة المصطفى / 89 ، المطبعة الحيدريّة ، مؤلّفه ـ كما في روضات الجنّات
ـ أبو جعفر
محمّد بن أبي القاسم بن محمّد بن علي الطبري الآملي ، من علماء القرن الخامس ، قرأ على
ابن الشيخ الطوسي .
|