مقتل الحسين/ للمقرم

 
 

الصفحة (165)

به من بين العمّال ، وعندها تعتق أو تعود عبداً كما تعبد العبيد(1) فأمّا أنْ تحاربه أو تحمله إليَّ(2) .

سقتك دماً يا ابن عم iiالحسين      مـدامع  شـيعتك iiالـسافحة
ولا  برحت هاطلات iiالعيون      تـحـييك  غـادية iiرائـحة
لانـك لـم تـروِ من iiشربة      ثـناياك  فـيها غدت طائحة
رموك من القصر إذ iiاوثقوك      فهل  سَلِمَت فيك من iiجارحة
وسـحـباً تُـجَرُّ بـأسواقهم      ألـست  أمـيرهُمُ iiالـبارحة
أتـقضي  ولم تبكك الباكيات      أمـالك في المصر من نائحة
لئنْ تقضِ نحباً فكم في زرود      عليك العشية من iiصائحة
(3)

السّفر إلى العراق

لمّا بلغ الحسين إنّ يزيد انفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر ، وأمَّره على الحاج ، و ولاّه أمر المَوسم ، وأوصاه بالفتك بالحسين أينما وجد(4) ، عزم على الخروج من مكّة قبل إتمام الحج ، واقتصر على العمرة ؛ كراهية أنْ تستباح به حرمة البيت(5) .

____________________________
(1) مقتل العوالم / 66 ، وتاريخ ابن عساكر 4 / 332 .
(2) مقتل الخوارزمي 1 / 215 .
(3) للسيّد باقر الهندي رحمه الله . لا يخفى أنّ الأقوال في يوم شهادة مسلم ثلاثة ؛ الأول : يوم الثالث من ذي الحِجَّة ذكره في ( الأخبار الطوال ) ، ويظهر من ابن طاووس في ( اللهوف ) موافقته فإنّه قال : توجّه الحسين من مكّة لثلاث مضين من ذي الحِجَّة ثمّ قال بعد ذلك ، وكان خروجه من مكّة في اليوم الذي قتل فيه مسلم . الثاني : يوم الثامن من ذي الحِجَّة ، ذكره الوطواط في ( غرر الخصائص / 210 ) وهو الظاهر من ( تاريخ أبي الفدا 2 / 19 ) ، و (تذكرة الخواص / 139 ) قالا : قتل مسلم لثمان مضين من ذي الحِجَّة ( وتذكير العدد يراد منه الليلة ) . الثالث : يوم عرفة ، نصّ عيه المفيد في ( الارشاد ) ، والكفعمي في ( المصباح ) ، وهو الظاهر من ابن نما في ( مثير الأحزان ) ، و ( تاريخ الطبري 6 / 215 ) ، و ( مروج الذهب 2 / 90 ) قالوا : وكان ظهور مسلم بالكوفة يوم الثامن من ذي الحِجَّة ، وقد قتل ثاني يوم خروجه . ويحكي المسعودي في ( مروج الذهب ) قولاً بخروجه يوم التاسع من ذي الحِجَّة ، واذا كان قتله ثاني يوم خروجه تكون شهادته يوم الأضحى .
(4) المنتخب / 304 الليلة العاشرة .
(5) ابن نما / 89 ، وتاريخ الطبري 6 / 177 .

الصفحة (166)

خطبته (ع) في مكّة

وقبل أنْ يخرج قام خطيباً فقال : (( الحمد لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله وصلّى الله على رسوله ، خُطَّ الموت على ولد آدم مَخَطَّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيِّر لي مصرعٌ أنا لاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلاة بين النّواويس وكربلاء ، فيملأن منّي أكراشاً جوفا وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ويوفّينا اُجور الصابرين . لنْ تشذ عن رسول الله لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده . ألا مَن كان فينا باذلاً مهجته موطِّناً على لقاء الله نفسَه فليرحل معنا ، فإنّي راحل مصبحاً إنْ شاء الله تعالى ))(1) .

وكان خروجه (ع) من مكّة لثمان مضَين من ذي الحِجَّة ، ومعه أهل بيته ومواليه وشيعته من أهل الحجاز والبصرة والكوفة الذين انضمّوا إليه أيام إقامته بمكّة وأعطى كلّ واحد منهم عشرة دنانير وجملاً يحمل عليه زاده(2) .

محاولات لصرفه عن السّفر

وسأله جماعة من أهل بيته وغيرهم التريّث عن هذا السّفر حتّى يستبين له حال النّاس ؛ خوفاً من غدر الكوفيّين وانقلاب الأمر عليه ، ولكنّ ( أبي الضيم ) لمْ تسعه المصارحة بما عنده من العلم بمصير أمره لكلّ من قابله ؛ لأنّ الحقائق كما هي لا تفاض لأيّ متطلب بعد تفاوت المراتب واختلاف الأوعية سعةً وضيقاً ، فكان (عليه السّلام) يُجيب كلّ واحدٍ بما يسعه ظرفه وتتحمّله معرفته .

فيقول لابن الزبير : (( إنّ أبي حدّثني أنّ بمكّة كبشاً به تستحلّ حرمتها ، فما اُحبّ أنْ أكون ذلك الكبش ، ولَئن اُقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليَّ من أنْ اُقتل فيها(3) ، وأيمَ الله لَو كنتُ في ثقب هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم ، والله ليعتدنَّ عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت )) .

____________________________
(1) اللهوف / 33 ، وابن نما / 20 .
(2) نفس المهموم / 91 .
(3) في تاريخ مكة للازرقي 2 / 150 : قال ذلك لابن عبّاس .

الصفحة (167)

ولمّا خرج من عنده ابن الزبير قال الحسين (ع) لمَن حضر عنده : (( إنّ هذا ليس شيء من الدنيا أحبّ إليه من أنْ أخرج من الحجاز ، وقد عَلِمَ أنّ النّاس لا يعدلونه بي ، فودّ أنّي خرجتُ حتّى يخلو له))(1) .

وأتاه محمّد بن الحنفيّة في الليلة التي سار الحسين في صبيحتها إلى العراق وقال : عرفتَ غدر أهل الكوفة بأبيك وأخيك ، وإنّي أخاف أنْ يكون حالك حال من مضى ، فأقم هنا فإنّك أعزّ مَن في الحرم وأمنعه فقال الحسين (ع) : (( أخافُ أنْ يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي تُستباح به حرمة هذا البيت )) ، فأشار عليه ابن الحنفيّة بالذهاب إلى اليمن أو بعض نواحي البر ، فوعده أبو عبد الله في النّظر في هذا الرأي .

وفي سَحَر تلك الليلة ارتحل الحسين (ع) ، فأتاه ابن الحنفيّة وأخذ بزمام ناقته وقد ركبها وقال : ألمْ تعدني النّظر فيما سألتك ؟ قال : (( بلى ، ولكن بعد ما فارقتك أتاني رسول الله (ص) وقال : يا حسين اخرج ، فإنّ الله تعالى شاء أنْ يراك قتيلاً )) ، فاسترجع محمّد ، وحينما لَمْ يعرف الوجه في حمل العيال معه ، وهو على مثل هذا الحال قال له الحسين (ع) : (( قد شاء الله تعالى أنْ يراهنَّ سبايا ))(2) .

وكتب إليه عبد الله بن جعفر الطيّار مع ابنَيه عون ومحمّد : أمّا بعد ، فإنّي أسألك الله لمّا انصرفت حين تقرأ كتابي هذا ، فإنّي مُشفق عليك من هذا الوجه أنْ يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك ، إنْ هلكتَ اليوم ، اُطفئ نور الأرض ، فإنّك عَلَمُ المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسّير ، فإنّي في أثر كتابي ، والسّلام .

ثم أخذ عبد الله كتاباً من عامل يزيد على مكّة عمرو بن سعيد بن العاص فيه أمان للحسين وجاء به إلى الحسين ومعه يحيى بن سعيد بن العاص وجهد أنْ يصرف الحسين عن الوجه الذي أراده فلَم يقبل أبو عبد الله (ع) وعرَّفه أنّه رأى رسول الله في المنام وأمره بأمر لابدّ من انفاذه ، فسأله عن الرؤيا ، فقال : (( ما حدّثتُ بها أحداً ، وما أنا محدّث بها حتّى ألقى ربّي عزّ وجلّ ))(3) .

____________________________
(1) كامل ابن الأثير 4 / 16 .
(2) البحار 10 / 184 .
(3) تاريخ الطبري 6 / 219 ، وكامل ابن الأثير 4 / 17 ، والبداية لابن كثير 6 / 163 .

الصفحة (168)

وقال له ابن عبّاس : يابن العم ، إنّي أتصبَّر وما أصبرُ ، وأتخوَّفُ عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال . إنّ أهل العراق قوم غَدرٍ فلا تقربنَّهم . أقم في هذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز ، وأهل العراق إنْ كانوا يريدونك ـ كما زعموا ـ فلينفوا عاملهم وعدوّهم ثمّ اقدم عليهم ، فإنْ أبيتَ إلاّ أنْ تخرج ، فسِر إلى اليمن ، فإنّ بها حصوناً وشعاباً وهي أرض عريضة طويلة ، ولأبيك فيها شيعة وأنتَ عن النّاس في عزلة ، فتكتب إلى النّاس وترسل وتبثّ دعاتك ، فإنّي أرجو أنْ يأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية .

فقال الحسين (ع) : (( يابن العم ، إنّي والله لأعلم أنّك ناصح مشفق ، وقد أزمعتُ على المسير )) .

فقال ابن عبّاس : إنْ كنتَ سائراً فلا تسِر بنسائك وصبيتك ، فإنّي لخائف أنْ تُقتل وهم ينظرون إليك ، فقال الحسين : (( والله ، لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جَوفي ، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام المرأة ))(1) .

توجيه لدواعي السّفر

هذه غاية ما وصل إليه إدراك من رغب في تريّث الحسين (ع) عن السّفر إلى العراق ، وأبو عبد الله لَمْ تخفَ عليه نفسيّات الكوفيّين وما شيبت به من الغدر والنّفاق ، ولكن ماذا يصنع بعد إظهارهم الولاء والانقياد له والطاعة لأمره ؟ وهل يعذر أمام الاُمّة في ترك ما يطلبونه من الإرشاد والإنقاذ من مخالب الضلال وتوجيههم إلى الأصلح المرضي لربّ العالمين ؟ مع أنّه لَمْ يظهر منهم الشقاق

____________________________
(1) كامل ابن الأثير 4 / 16 ، وفي القاموس وتاج العروس : الفرام ككتاب دواء تضيق به المرأة المسلك او حب الزبيب تحتشي به لذلك ، وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج لما شكا منه أنس بن مالك : يابن المستفرمة بعجم الزبيب . وكانت في احراح ثقيف سعة يتضيقن بعجم الزبيب .
والفرامة ( ككتابة ) : هي الخرقة تحتشي بها المرأة عند الحيض كالفرام . وفيها يقول الشاعر :
وجدتك فيها كاُمّ الغلام      متى ما تجد فارماً تفترم
وفي مقاييس اللغة لابن فارس 4 / 496 : أظنها غير عربية ، وقال الخليل : ليست من كلام أهل البادية .

الصفحة (169)

والخلاف ، واعتذاره (ع) عن المصير إليهم بما جبلوا عليه من الخيانة كما فعلوا مع أبيه وأخيه يُسبّب إثارة اللوم من كلّ مَن يبصر ظواهر الأشياء ، والإمام المقيض لهداية البشر أجلّ من أنْ يعمل عملاً يكون للاُمّة الحُجّة عليه ، والبلاد التي أشار بها ابن عباس(1) وغيره لا منعة فيها ، وما جرى من بسر بن أرطاة مع أهل اليمن تؤكّد وهنهم في المقاومة والضعف عن ردّ الباغي .

____________________________
(1) هذا شيء يجب أن ننبه له وهو أن ابن عباس لم يكن بالمنزلة العالية ليكون محلاً لتقي العلوم الغريبة كحبيب بن مظاهر ورشيد الهجري وعمر وبن الحمق وحجر بن عدي وكميل بن زياد وميثم التمار، فانهم كانوا على جانب كبير من التبصر في الامور ووصلوا الى حق اليقين، فلم يعبأوا بكل ما يجري عليهم من الفوادح والتنكيل لذلك لم يعدموا من امير المؤمنين (ع) الحبوة بايقافهم على الحوادث والملاحم وما تملكه الجبابرة والعلوم الغريبة!! نلمس ذلك من المحاورة الدائرة بين حبيب بن مظاهر وميثم التمار من اخبار كل منهما الآخر بما يجري عليه من القتل ونصرة أهل البيت عليهم السلام، فكذبهما من لم يفقه الأسرار الالهية من بني اسد ولما جاء رشيد الهجري يسأل عنهما قيل له افترقا وكان من امرهما كذا وكذا فقال رحم الله ميثما لقد نسي انه يزداد في عطاء الذي يأتي برأس حبيب مئة درهم ثم ادبر! فقال القوم هذا والله اكذبهم، ولم تذهب الأيام حتى وقع كل ذلك! صلب ميثم بالقرب من دار عمرو بن حريث وقتل حبيب مع الحسين (ع) وقطع ابن زياد يدي رشيد الهجري ورجليه ولسانه كما أخبره أمير المؤمنين (ع) (راجع رجال الكشتئـ ص51 وما بعدها طبع الهند).
وعلى هذا فابن عباس وغيره أقل رتبة من هؤلاء الافذاذ ومن شهداء الطف، مهما نعترف له بالموالاة الصادقة لأمير المؤمنين وولده الاطهار. فان حديثه مع ميثم التمار يرشدنا الى عدم بلوغه تلكم المنازل العالية التي حواها ميثم وأمثاله... ففي رجال الكشي ص 54أن ابن عباس اجتمع مع ميثم بالمدنية، فقال ميثم سل يا ابن عباس ما شئت من تفسير القرآن فلقد قرأت تنزيله على امير المؤمنين (ع) فعلمني تأويله، فاخذ ابن عباس القرطاس ليكتب فقال له ميثم كيف بك لو رأيتني مصلوباً على خشبة تاسع تسعة أقربهم من المطهرة فتعجب ابن عباس من هذا العبد الاسدود المخبر عن الغيب، فرمى القرطاس وقال انك تكهن عليّ، فقال ميثم يا ابن عباس احتفظ بما سمعت مني فان يكن حقاً امسكته وان يكن باطلاً خرقته فكتب ابن عباس عن ميثم ما وعاه عن أمير المؤمنين من تفسير القرآن.
وعلى هذا فما يتحدث بن ابن الابار في تكملة الصلة ج2ص600طبع ثاني من أن ابن عباس كان يقول له فسرت (الحمد الله رب العالمين) على كنهم ما حملت ابل الأرض كتب تفسيرها لا نصيب له من الصحة وهو من موضوعات دعاة بني العباس، أرادوا به المقابلة لقول سيد الاوصياء المروي في احياء العلوم للغزالي ج1 ص 260 (فصل القرآن الباب الرابع) في التفسير بالرأي، وعلم القلوب لابي طالب المكي ص72 والاتقان للسيوطي ج2 ص186 النوع 28 فيما يرجع الى تفسير القرآن، والمحجة البيضاء للفيض الكاشاني ج1 ص251 في التفسير بالرأي: أن أمير المؤمنين قال لو شئت لا وقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب.
وفي سعد السعود لابن طاووس ص 286 نقلا عن العلم اللدني للغزالي: انه (ع) قال: لو اذن الله لي ورسوله لشرحت ألف الفاتحة حتى يبلغ أربعين جملاً! وحكاه في البحار ج9 ص277 وص463 طبع كمبني ولا غرابة ممن هو النقطة تحت باء البسملة! ففي مقدمة تفسير القرآن للشيخ محمد حسين الاصفهاني روى عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: كل ما في القرآن في الحمد وكل ما في الحمد في البسملة وما في البسملة في الباء وما في الباء في النقطة، وانا النقطة تحتها.. وفي العنايات الرضوية تكلم في شرحه ص119..

الصفحة (170)

وبهذا يصرّح الشيخ الشوشتري أعلى الله مقامه فإنّه قال : كان للحسين تكليفان واقعي وظاهري :
أ ـ أمّا الواقعي الذي دعاه للإقدام على الموت وتعريض عياله للأسر وأطفاله للذبح مع علمه بذلك ، فالوجه فيه : أنّ عتاة بني اُميّة قد اعتقدوا أنّهم على الحقّ وأنّ علياً وأولاده وشيعتهم على الباطل حتّى جعلوا سبّه من أجزاء صلاة الجمعة ، وبلغ الحال ببعضهم أنّه نَسِي اللعن في خطبة الجمعة فذكره وهو في السّفر فقضاه . وبنوا مسجداً سمّوه ( مسجد الذكر ) ، فلو بايع الحسين يزيد وسلّم الأمر إليه ، لمْ يبقَ من الحقّ أثر ، فإنّ كثيراً من النّاس يعتقد بأنّ المحالفة لبني اُميّة دليل استصواب رأيهم وحُسن سيرتهم ، وأمّا بعد محاربة الحسين لهم وتعريض نفسه المقدّسة وعياله وأطفاله للفوادح التي جرت عليهم ، فقد تبيّن لأهل زمانه والأجيال المتعاقبة أحقّيته بالأمر وضلال مَن بغى عليه .
ب ـ وأمّا التكليف الظاهري : فلأنّه (ع) سعى في حفظ نفسه وعياله بكلّ وجه ، فلم يتيسّر له وقد ضيّقوا عليه الأقطار حتّى كتب يزيد إلى عامله على المدينة أنْ يقتله فيها ، فخرج منها خائفاً يترقّب فلاذ بحرم الله الذي هو اَمنُ الخائف وكهف المستجير ، فجدّوا في إلقاء القبض عليه أو قتله غيلةً ولو وُجِد متعلِّقاً بأستار الكعبة ، فالتزم بأنْ يجعل احرامه عمرةً مفردةً وترك التمتّع بالحج ، فتوجّه إلى الكوفة ؛ لأنّهم كاتبوه وبايعوه وأكّدوا المصير إليهم ؛ لإنقاذهم من شرور الاُمويّين ، فألزمه التكليف بحسب ظاهر الحال إلى موافقتهم إتماماً للحُجّة عليهم ؛ لئلاّ يعتذروا يوم الحساب بأنّهم لجأوا إليه واستغاثوا به من ظلم الجائرين ، فاتّهمهم بالشقاق ولم يغثهم ، مع أنّه لَو لَم يرجع إليهم فإلى أينَ يتوجه وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت ؟ وهو معنى قوله (ع) لابن الحنفيّة : (( لَو دخلتُ في جُحر هامة من هذه الهوام ، لاستخرجوني حتّى يقتلوني )) . وقال (ع) لأبي هرّة الأسدي : (( إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت ))(1) .

____________________________
(1) الخصائص الحسينية / 32 ط تبريز .

الصفحة (171)

ولمْ يبق بمكّة أحد إلاّ حزن لمسيره ، ولمّا أكثروا القول عليه أنشد أبيات أخي الأوس لمّا حذره ابن عمّه من الجهاد مع رسول الله (ص) .

سأمضي فما بالموت عار على الفتى      إذا  مـا نـوى حـقاً وجاهد iiمسلما
وواسـى الـرجال الصالحين بنفسه      وفـارق  مـثبوراً وخـالف مجرما

ثم قرأ : ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا )(1)(2) .

وسـامته  أن يـنقاد لـلسلم iiضارعا      لـديها ويـأبى العّز أن يضرع iiالحرُّ
فـقال ردي يا نفس من سورة iiالرَّدى      فـعند ورود الـضَّيم يـستعذب iiالمرُّ
وحـفت بـه مـن آلـه خـير iiفتية      لـها يـنتمي الـمجد المؤثل iiوالفخر
إذا هي سارت في دجي الليل أزهرت      وباهت  سواري النجم اوجهها iiالزهر
بـكل  كـميٍّ فـوق اجـردَ iiسـابح      يـتيه بـه فـي مـشيه الدلُّ iiوالكبر
إذا  خـفَّ فـي الـهيجاء وقْر iiبمتنه      بـنجدة بـأس فـاطمأنَّ لـه iiظـهر
ويـلطم  خـدَّ الأرض لـكنّ iiوجهها      بـنضح  دم الأعـداء لا اللطم iiيحمرُّ
هـمُ  الـقوم مـن عليا لويِّ iiوغالب      بـهم تـكشف الجلى ويستدفع iiالضرُّ
يـحيون  هـنديَّ الـسيوف بـاوجه      وحـدُّ  الـمواضي بـاسم الغر iiيفتر
يـلـفون آحــاد الالـوف iiبـمثلها      تـهلِّل  مـن لـئلاء طـلعتها iiالبشر
بـيومٍ بـه وجـه الـمنون iiمُـقطَّبٌ      إذا  حـل مـن مـعقود راياتها iiنشر
إذا اسـودَّ يـوم الـنقع اشرقنَ iiبابها      لـهم اوجـه والـشوس ألوانها صفر
ومـا  وقـفوا في الحرب إلا ليعبروا       إلى الموت والخطيِّ من دونه iiجسر
يـكرون  والأبـطال نكصاً iiتقاعست      مـن الـخوف والآسـاد شيمتها الكرُّ
الـى أن ثَـووْا تحت العجاج iiبمعرك      هـو الحشر لا بل دون موقفه iiالحشر
ومـاتوا كـراماً تـشهد الحرب iiانَّهم      أُبـاة  إذا ألـوى بـهم حـادث iiنكر
عـلهيم  مـن الهنديِّ بيض iiعصائب      تـروق  ومـن وشي الدّما حلل حمر
وعـاد أبـيُّ الـضَّيم بـين iiعـداته      ونـاصـره  الـبتّار والارن الـمهر
فـغبَّر  فـي يـوم الـكفاح iiبـاوجه      الـكتائب  والآفـاق شـاحبة iiغـبر

____________________________
(1) سورة الأحزاب / 38
(2) تذكرة الخواص / 137 : وأنشدها لمّا حذّره الحر من مخالفة بني اُمية .

الصفحة (172)

إذا نـظـمت حَــبَّ الـقـلوب iiقـناتهُ      فـلـلسيف  فـي أعـناق أعـدائه نـثر
فـلا  الـوتر وتـر حـين تقترع iiالظبى      ولا الـشفع شـفع حـين تـشتبك iiالسمر
ولـو  شـاء أن يـفني الاعـادي iiلزلزل      الـوجـود  بـهم لـكنما قـضي iiالأمـر
وآثـر أن يـسعى إلى الـموت iiصابرا      ونـفس أبـيِّ الـضيم شـيمتها iiالـصبر
فـأضحى  عـلى الرمضاء شلواً iiتناهبت      حـشـاه الـعـوالي والـمـهندة iiالـبتر
قـضى بـين أطـراف الأسَّـنة iiظـامياً      بِـحَرِّ حـشى مـن دون غـلتها الـجمر
فـلـهفي عـليه فـوق صـالية iiالـثرى      عـلى  جـسمه تـجري المسومة iiالضمر
أبــا  حـسـن شـكوى الـيك iiوانـها      لـواعجُ أشـجان يـجيش بـها iiالـصدر
أتـدري بـما لاقـت مـن الكرب iiوالبلا      ومـا واجـهت بـالطفَّ أبـناؤك iiالـغر
أُعـزيـك فـيـهم انـهم وردوا الـردى      بـأفـئدة  مــا بــل غـلَّـتها iiقـطر
وثـاويـنَ فـي حـر الـهجيرة iiبـالعرا      عـليهم  سـوافي الـريح بـالترب تنجرُّ
مـتـى  أيـها الـموتور تـبعث iiغـارة      تـعيد  الـعدى والـبر مـن دمـهم iiبحر
أتـغضي  وأنـت الـمدرك الثار عن iiدم      بـرغم الـهدى أضـحى ولـيس له iiوتر
وتـلـك بـجنب الـطَّف فـتيان هـاشم      ثَـوَتْ تـحت أطـراف الـقنا دمها iiهدر
فــلا صـبر حتّى تـرفعوها iiذوابـلا      مـن الـخطِّ لا يـلوي بـخرصانها iiكسر
وتـقـتـدحوها  بـالـصوارم iiجــذوة      من الحرب يصلى جمرها الجحفحل المجر
وتـبـتعثوها فــي الـمغار iiصـوأهلا      مـن الـخيل مـقروناً بـأعرافها iiالنصر
فـكـم نـكـأت مـنـكم أمـية iiقـرحة      إلى الـحشر لا يأتي على جرحها iiالسبر
فـمِـنْ صـبـية قـد ارضـعتها iiأمـية      ضــروع  الـمـنايا والـدماء لـها iiدرُّ
فـها هـي صـرعى والـسهام iiعواطف      حـنـواً  عـليها والـرمال لـها iiحـجر
ومـن  حُـرَّة بـعد الـمقاصير iiأصبحت      بـمـقفرة  كـالـجمر يـوقـدها iiالـحرُّ
وزاكـية لـم تـلف فـي الـنوح iiمسعداً      سـوى انـها بـالسوط يـزجرها زجـر
ومـذعـورة أضـحـت وخـفاق قـلبها      تـكـاد شـظـاياه يـطير بـها iiالـذعر
ومـذهولة  مـن دهـشة الـخيل ابرزت      عـشـيَّة  لا كـهـف لـديها ولا iiخـدر
تـجـاذبها  أيــدي الـعـدو iiخـمارها      فـتـستر بـالايـدي اذا أعـوز iiالـسِّتر
ســرت  تـتـراماها الـعداة iiسـوافراً      يـروح  بـها مـصر ويـغدو بها iiمصر
ربـيـبات  خـدر أيـن مـنهنَّ iiخـطّة      الـموامي  ولا يـدرينَ ما السهل iiوالوعر


الصفحة (173)

تـطوف بـها الأعـداء فـي كـل iiمَهمَهٍ     فـيـجذبها  قـفـر ويـقـذفها قـفر(1)

التنعيم

وسار الحسين من مكّة ومرّ بالتنعيم(2) ، فلقى عيراً عليها وَرَس وحلل أرسلها إلى يزيد بن معاوية واليه على اليمن ، بحير بن يسار الحميري ، فأخذها الحسين (ع) وقال لأصحاب الإبل : (( مَن أحبّ منكم أنْ ينصرف معنا إلى العراق أوفينا كراءه وأحسنّا صحبته ، ومَن أحبّ المفارقة أعطيناه من الكراء على ما قطع من الأرض )) ، ففارقه بعضهم ومضى مَن أحبّ صحبته(3) .

وكان الحسين (ع) يرى أنّ هذا ماله الذي جعله الله تعالى له يتصرّف فيه كيف شاء ؛ لأنّه إمام على الاُمّة منصوب من المهيمن سبحانه ، وقد اغتصب يزيد وأبوه حقّه وحقّ المسلمين ، فكان من الواجب عليه أنْ يحتوي على فَيء المسلمين لينعش المحاويج منهم ، وقد أفاض على الأعراب الذين صحبوه في الطريق ورفعوا إليه ما مسّهم من مضض الفقر ، غير أنّ محتوم القضاء لَم يمكّن سيّد شباب أهل الجنّة من استرداد ما اغتصبه الجائرون من أموال اُمّة النّبي الأعظم (ص) وإنْ ارتفعت بتضحيته المقدّسة عن البصائر حجب التمويه ، وعرفوا ضلال المستعدين على الخلافة الإلهيّة .

____________________________
(1) للحجة السيد محمّد حسين الكيشوان ، طبِعت في مثير الأحزان للعلامة الشيخ شريف الجواهري .
(2) في معجم البلدان 2 / 416 : التنعيم ( بالفتح ثم السكون وكسر العين المهملة وياء ساكنة وميم موضع ) : بمكة في الحل على فرسخين من مكة ؛ وسمى به لأنّ عن يمينه جبل اسمه نعيم ، وآخر عن شماله اسمه ناعم ، والوادي نعيمان وبه مساجد .
وفي العقد الثمين في فضائل البلد الأمين لأحمد بن محمّد الخضراوي /60 ، الفصل الثالث ، الطبعة الثانية : التنعيم يبعد عن مكة ثلاثة أو أربعة أميال .
(3) تاريخ الطبري 6 / 218 ، ومقتل الخوارزمي 1 / 220 ، والبداية 8 / 166 ، والارشاد للشيخ المفيد ، ومثير الاحزان لابن نما / 21 .
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 327 الطبعة الاُولى بمصر : وإنّ هذا المال الذي أخذه الحسين حمل إلى معاوية بن أبي سفيان وإنّ الحسين كتب إلى معاوية : (( أنّ عيراً مرّت بنا من اليمن تحمل مالاً وحللاً وعنبراً إليك لتودعه في خزائن دمشق وتعل بها بعد النهل بني أبيك ، وإنّي احتجت إليها فأخذتها )) . فكتب إليه معاوية وفيه : إنّك أخذت المال ولَم تكن جديراً به بعد أن نسبته إليّ ؛ لأنّ الوالي أحق بالمال ، ثمّ عليه الخرج . وأيم الله لو ترك ذلك حتّى صار إليّ لم أبخسك حظّك منه ، ولكن في رأسك نزوة ، وبودّي أن يكون ذلك في زماني فأعرف قدرك وأتجاوز عنك ، ولكنّي والله لأتخوّف أن تبلى بمن لا ينظرك فواق ناقة .

الصفحة (174)

الصفاح

وفي الصفاح لَقِي الحسين (ع) الفرزدق بن غالب الشاعر ، فسأله عن خبر النّاس خلفه ، فقال الفرزدق : قلوبهم معك والسيوف مع بني اُميّة ، والقضاء ينزل من السماء . فقال أبو عبد الله (ع) : (( صدقت لله الأمر ، والله يفعل ما يشاء ، وكلّ يوم ربّنا في شأن ، إنْ نزل القضاء بما نحبّ فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر ، وان حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد مَن كان الحقّ نيّته والتقوى سريرته )) ، ثمّ سأله الفرزدق عن نذور ومناسك ، وافترقا(1) .

ويروى عن الفرزدق أنّه قال : خرجت من البصرة اُريد العمرة فرأيتُ عسكراً في البرية ، فقلتُ : عسكر من ؟ قالوا عسكر حسين بن علي ، فقلتُ : لأقضينّ حقّ رسول الله (ص) فأتيته وسلّمت عليه ، فقال : (( مَن الرجل ؟ )) قلت : الفرزدق بن غالب ، فقال : هذا نسب قصير ، قلت : أنت أقصر منّي نسباً أنت ابن بنت رسول الله(2) .

ذات عرق

وسار أبو عبد الله (ع) لا يلوي على أحد ، فلقي في ذات عرق(3) بُشْرَ

____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 218 ، وكامل ابن الأثير 4 / 16 ، والارشاد للمفيد .
وفي تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 338 : كانت ملاقاة الفرزدق معه بذات عرق .
وفي معجم البلدان : الصفاح : بين حنين وانصاب الحرم بسرة الداخل إلى مكة .
(2) أنوار الربيع للسيد علي خان ، باب التكرار / 703 .
(3) في البحر الرائق لابن نجيم الحنفي 2 / 317 : بين ذات عرق ومكة مرحلتان .
وفي الفروع لابن مفلح 2 / 216 : بينهما ليلتان ، وسمي بجبل صغير فيه ، كما في تاج العروس 7 / 8 ، وذات عرق عند أهل السنة ميقات أهل الشرق ومنه العراق وخراسان ، و روايات الإمامية تحكي توقيت رسول الله للعراقيين العقيق ، واستحسنه الشافعي في الام 2 / 118 ؛ لاعتقاده أنّ ذات عرق غير منصوص عليه ، وإنّما وقّته عمر ، كما في البخاري عن ابن عمر ، وفي المغني لابن قدامة 3 / 257 : عن ابن عبد البر الاحرام من العقيق أولى ، وإنْ كان ذات عرق ميقات أهل الشرق أجمع ، وفي فتح الباري 3 / 250 : قطع الغزالي والرافعي والنووي والمدونة لمالك : أنّ ذات عرق غير منصوص ، وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية أنّه منصوص .
وفي معجم البلدان 6 / 199 : يقع العقيق ببطن وادي ذي الحليفة ، وهو أقرب منها إلى مكّة ، واحتاط فقهاء الإماميّة بترك الاحرام من ذات عرق ، وهو آخر العقيق .

الصفحة (175)

ابن غالب وسأله عن أهل الكوفة قال : السيوف مع بني اُميّة والقلوب معك قال (ع) : (( صدقت ))(1) .

وحدّث الرياشي عمَّن اجتمع مع الحسين (ع) في أثناء الطريق إلى الكوفة يقول الراوي : بعد أنْ حججتُ انطلقتُ أتعسّف الطريق وحدي ، فبينا أسير إذ رفعتُ طرفي إلى أخبية وفساطيط فانطلقتُ نحوها فقلتُ : لِمَن هذه الأخبية ؟ قالوا : للحسين بن علي ، وابن فاطمة (عليهم السّلام) وانطلقتُ نحوه فإذا هو متّكئ على باب الفسطاط يقرأ كتاباً بين يدَيه فقلتُ : يابن رسول الله (ص) بأبي أنت واُمّي ، ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة ؟ قال (عليه السّلام) : (( إنّ هؤلاء أخافوني ، وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتلي ، فإذا فعلوا ذلك ولَم يدعوا لله محرماً إلاّ انتهكوه ، بعث الله إليهم من يقتلهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام الأمة ))(2) .

الحاجر

ولمّا بلغ الحاجر(3) من بطن الرمة كتب إلى أهل الكوفة جواب كتاب مسلم ابن عقيل وبعثه مع قيس بن مسهّر الصيداوي(4) وفيه : (( أمّا بعد ، فقد ورد عليَّ

____________________________
(1) مثير الأحزان لابن نما / 21 .
(2) وفي البداية 8 / 169 : (( حتّى يكونوا أذلّ من قرم الأمة )) وفسّر القرم بالمقنعة ، ولم أجد هذا التفسير في اللغة ، والصحيح كما تقدّم ( فرام الأمة ) بالفاء الموحّدة : وهو عجم الزبيب ، تضيّق به المرآة مسلكها .
(3) في معجم البلدان : الحاجز ما يمسك الماء من شفة الوادي وفيه 4 / 290 : بطن الرمة منزل لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة ، وفيه تجتمع أهل الكوفة والبصرة ، وفي تاج العروس 3 / 136 : الحاجر مكان بطريق مكّة ، وفي تاريخ الأدب العربي لعمر فروخ 1 / 195 ، بترجمة زهير بن أبي سلمى قال : الحاجر جنوب الرياض اليوم من أرض نجد . وفي معجم البلدان 2 / 219 : بطن الرمة ( بتشديد الميم والراء ) وادٍ معروف بعالية نجد. ونقل رضا كحالة في هامش كتاب جغرافية شبه جزيرة العرب ص274 عن ابن دريد ان الرمة قاع عظيم بنجد تنصب فيه أوديه وعن ابن الاعرابي: الرمة طويلة عريضة تكون مسيرة يوم تنزل أعاليها بنو كلاب ثم تنحدر فتنزل عبس وغيرهم من غطفان ثم تنحدر فتنزل بنو اسد. وقال الاصمعي بطن الرمة واد عظيم يدفع عن يمين فلجع والدثينة حتى يمر بين أبانين الابيض والاسود وبينهما ثلاثة أميال ثم قال: الرمة تحييء من الغور والحجاز فأعلى الرمة لاهل المدينة وبني سليم ووسطها لبني كلاب وغطفان واسفلها لبني أسد وعبس ثم يقع في رمل العيون..
(4) في روضة الواعظين لعلي بن محمّد الفتال النيسابوري / 152 : يقال بعثه مع عبد الله بن يقطر ، ويجوز أنّه أرسل اليهم كتابين أحدهما مع عبد الله بن يقطر والآخر مع قيس بن مسهر . وفي الاصابة 3 / 492 بعد أنْ ذكر نسب قيس قال : وكان مع الحسين لمّا قتل بالطف ، وهو اشتباه ؛ فإنّ ابن زياد قتله بالكوفة .

الصفحة (176)

كتاب مسلم بن عقيل يخبرني باجتماعكم على نصرنا والطلب بحقّنا ، فسألتُ الله أنْ يُحسن لنا الصنع ويثيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحِجّة ، فإذا قدم عليكم رسولي ، فانكمشوا في أمركم ، فإنّي قادم في أيّامي هذه )) .

بعض العيون

وسار من الحاجر ، وكان لا يمرّ بماء من مياه العرب إلاّ اتبعوه(1) ، فانتهى إلى ماء من مياه العرب عليه عبد الله بن مطيع العدوي ، ولمّا عرف أنّ الحسين قاصد للعراق قال له : اُذكّرك الله يابن رسول الله وحرمة الإسلام أنْ تنتهك ، اُنشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لئن طلبتَ ما في أيدي بني اُميّة ليقتلوك ، ولئن قتلوك لا يهابوا أحداً بعدك . فأبى الحسين إلاّ أنْ يمضي(2) .

الخزيمية

وأقام (عليه السّلام) في الخزيمية(3) يوماً وليلة فلمّا أصبح أقبلتْ إليه اُخته زينب (عليها السّلام) وقالت : إنّي سمعتُ هاتفاً يقول :

ألا يـا عـينُ فاحتفلي iiبجهد      فمن يبكي على الشهداء بعدي
عـلى قـوم تـسوقهُمُ المنايا      بـمقدارٍ  إلى انـجاز iiوعدِ

____________________________
(1) البداية لابن كثير ج8 ص168 .
(2) ارشاد المفيد .
(3) بضم اوله وفتح ثانيه نسبة إلى خزيمة بن حازم تقع بعد زرود للذاهب من الكوفة إلى مكة وما نذكره من ترتيب المنازل اخذناه من ((معجم البلدان)) .
(4) ابن نما ص23 .

الصفحة (177)

زرود

ولمّا نزل الحسين في زرود(1) نزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي(2) ، وكان غير مشايع له ، ويكره النّزول معه ، لكنّ الماء جمعهم في المكان . وبينا زهير وجماعة على طعام صنع لهم إذ أقبل رسول الحسين يدعو زهيراً إلى سيّده أبي عبد الله (ع) ، فتوقّف زهير عن الإجابة غير أنّ امرأته دلهم بنت عمرو حثّته على المسير إليه وسماع كلامه(3) .

فمشى زهير إلى الحسين (ع) ، وما أسرع أن عاد إلى أصحابه فرحاً قد أسفر وجهه وأمر بفسطاطه وثقله فحوِّل إلى جهة سيّد شباب أهل الجنّة ، وقال لامرأته : الحقي بأهلك ، فإنّي لا اُحبّ أنْ يصيبك بسببي إلاّ خير . ثمّ قال لمَن معه : مَن أحبّ منكم نصرة ابن الرسول (ص) وإلاّ فهو آخر العهد .

ثمّ حدّثهم بما أوعز به سلمان الفارسي من هذه الواقعة فقال : غزونا بَلَنجَر(4) ففتحنا وأصبنا الغنائم ، وفرحنا بذلك ، ولمّا رأى سلمان الفارسي(5) ما نحن فيه من السرور قال : إذا أدركتم سيّد شباب آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) فكونوا

____________________________
(1) في المعجم ممّا استعجم 2 / 696 : ( بفتح أوله وبالدال المهملة في آخره ) وفي معجم البلدان 4 / 327 : إنها رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة ، وهي دون الخزيمية بميل وفيها بركة وحوض ، وفيها وقعة يقال لها يوم زرود .
(2) وفي جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 365 ، عند ذكر قبائل بجيلة قال : زهير بن القين بن الحارث بن عامر بن سعد بن مالك بن زهير بن عمرو بن يشكر بن علي بن مالك بن سعد بن تُزَين بن قسر بن عبقر بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ . وفي صفحة 310 قال : سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان .
(3) اللهوف / 40 .
(4) في معجم البلدان والمعجم ممّا استعجم : ( بالباء واللام المفتوحتين والنون الساكنة والجيم المفتوحة والراء المهملة ) مدينة الخزر عند باب الأبواب فتحت سنة 33 على يد سلمان بن ربيعة الباهلي ، ولم أجد فيهما ولا في غيرهما مدينة اُخرى تسمّى بلنجر إلاّ أنّ ابن حجر في الاصابة 3 / 274 ، القسم الثالث ، ترجمة قيس بن فروة بن زرارة بن الأرقم قال : شهد فتوح العراق واستشهد في بلنجر من أرض العراق ـ ثمّ ذكر ضبطها كما تقدّم ـ قال : وكان أمير الوقعة سلمان بن ربيعة .
(5) نصّ عليه الشيخ المفيد في الارشاد ، والفتال في روضة الواعظين /  153 ، وابن نما في مثير الأحزان / 23 ، والخوارزمي في المقتل 1 / 225 الفصل الحادي عشر ، وابن الأثير في الكامل 4 / 17 ، والبكري في المعجم ممّا استعجم 1 / 376 ، ويؤيّده ما في تاريخ الطبري 5 / 77 ، وابن الأثير في الكامل 3 / 50 من وجود سلمان الفارسي في هذه الغزوة .

الصفحة (178)

أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم من الغنائم . فأمّا أنا فأستودعكم الله(1) .

فقالت زوجته : خار الله لك وأسألك أنْ تذكرني يوم القيامة عند جدّ الحسين (عليه السّلام)(2) .

وفي زرود اُخبر بقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة ، فاسترجع كثيراً وترحم عليهما مراراً(3) وبكى ، وبكى معه الهاشميّون وكثر صراخ النّساء حتّى ارتجّ الموضع لقتل مسلم بن عقيل وسالت الدموع كلّ مسيل(4) .

فقال له عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديّان : ننشدك الله يابن رسول الله ألاّ انصرفت من مكانك هذا ؛ فإنّه ليس لك بالكوفة ناصر .

فقام آل عقيل وقالوا : لا نبرح حتّى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا ، فنظر إليهم الحسين وقال : (( لا خير في العيش بعد هؤلاء ))(5) .

فـيا ابن عقيل فدتك iiالنفو      س لـعظم رزيتك iiالفادحة
لِـنَبْكِ لـها بـمذاب iiالقلو      ب  فما قدر ادمعنا iiالمالحة
وكـم  طفلة لك قد iiاعولت      وجمرتها  في الحشا iiقادحة
يـعززها السبط في حجره      لتغدو  في قربه iiفارحة
(6)
تقول : مضى عمُّ مني أبي      فـمن لـيتيمته النائحة
(7)
ثـكول  تبيت بليل iiاللسيع      تـعجُّ  وعن دارها iiنازحة
وكـم  مـن كميٍّ iiبأحشائه      تـركت زناد الاسى iiقادحه

____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 224 ، ومقتل الخوارزمي 1 / 222 .
(2) مثير الأحزان لابن نما / 23 ، واللهوف / 40 ، و ورد في تاريخ الطبري 6 / 224 الطبعة الاُولى : إنّ زهيراً قال لزوجته : أنت طالق ، ألحقي بأهلك ، فإنّي لا اُحبّ أنْ يلحقك بسببي إلا خيرا هـ . ولا أعرف الغاية المقصودة له من هذا الطلاق ؟ هل أراد طردها من الميراث ؟ أو أنّه أباح لها التزويج بعد انتهاء ثلاثة أشهر ؟ أو أنّه لا يرغب في أن تكون زوجة له في الآخرة ؟ كما طلّق أمير المؤمنين (ع) بعض نساء النبي (ص) وطلّق الإمام الرضا (ع) اُم فروة : زوجة الكاظم (ع) ؟ مع إنّ هذه الحرّة لها فضل عليه بإرشاده إلى طريق السّعادة بالشهادة ، والذي يهون الأمر أن مصدر الحديث (السّدي) .
(3) تاريخ الطبري 6 / 995 ، وفي البداية لابن كثير 8 / 168 : استرجع مراراً
(4) اللهوف / 41 : ولمْ أقف على مصدر وثيق ينصّ على أنّ الحسين أخذ بنت مسلم المسمّاة حميدة ومسح على رأسها فأحسّت بالشرّ ، إلى آخره .
(5) كامل ابن الأثير 4 / 17 ، وسِيَر أعلام النبلاء للذهبي 2 / 208 .
(6) من أبيات للشيخ قاسم الملا الحلّي ذُكرت في كتاب الشهيد مسلم / 210 .

الصفحة (179)

دربت  ابن عمك يوم الطفو      ف نـعاك باسرته الناصحة
تـحفُّ  بـه مـنهُمُ iiفـتية      صـباح واحسابهم iiواضحة
بكاك بماضي الشّبا iiوالوغى      وجـوه  الـمنايا بها iiكالحة
أقـام  بضرب الطلى iiمأتماً      عليك  وبيض الظبى iiنائحة
ونـادى عشيرتك iiالاقربين      خذي  الثأر يا اسرة iiالفاتحة
وخاض بهم في غمار الحتو      ف ولـكنَّها بالظبى iiطائحة
وقـال  لها: يا نزار النزال      فحربك في جِدِّها مازحة
(1)

الثعلبية

وفي الثعلبيّة أتاه رجل وسأله عن قوله تعالى : ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ )(2) فقال (عليه السّلام) : (( إمام دعا إلى هدى فأجابوا إليه ، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوا إليها ، هؤلاء في الجنّة وهؤلاء في النّار ، وهو قوله تعالى : ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ )(3) ))(4) .

وفي هذا المكان اجتمع به رجل من أهل الكوفة فقال له الحسين : (( أما والله ، لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل في دارنا ونزوله بالوحي على جدّي . يا أخا أهل الكوفة ، من عندنا مستقى العلم ، أفَعَلِموا وجهلنا ؟! هذا ممّا لا يكون ))(4) .

وحديث بجير من أهل الثعلبية ، قال مرّ الحسين بنا وأنا غلام فقال له أخي : يابن بنت رسول الله أراك في قلّة من النّاس ، فأشار بالسّوط إلى حقيبة لرجل وقال : (( هذه مملوءة كتباً ))(5) .

____________________________
(1) للشيخ محمّد رضا الخزاعي ، راجع كتابنا الشهيد مسلم .
(2) سورة الاسراء / 71 .
(3) سورة الشورى / 7 .
(4) أمالي الصدوق / 93 : الثعلبية ( بفتح أوله ) سمي باسم رجل اسمه ثعلبة من بني أسد نزل الموضع واستنبط عيناً، وهي بعد الشقوق للذاهب من الكوفة إلى مكة، معجم البلدان .
وفي وفاء الوفاء للسمهودي 2 / 35: حمّى فيه ماء يقال له الثعلبية . وفي البلدان لليعقوبي / 311 ملحق بالاعلاق النفسيّة لابن رسته ، بالافست : الثعلبية مدينة عليها سور .
(5) بصائر الدرجات للصفار / 3 ، واُصول الكافي باب مستقى العلم من بيت آل محمّد .
(6) سِيَر أعلام النبلاء للذهبي 3 / 205 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث