الصفحة (195)
مغرِّباً ، فوالله ما أشفقنا من قدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربّنا وإنّا
على نيّاتنا وبصائرنا نوالي مَن والاك ونعادي من عاداك(1)
.
بـأبي مَـنْ شروا لقاء
iiالحسين بـفـراق الـنفوس
iiوالأرواح
وقـفوا يـدرأون سمر
iiالعوالي عـنه والـنبل وقـفة
الأشباح
فوقوه بيض الظَّبى بالنحور
iiال بـيض والنبل بالوجوه
iiالصِباح
فـئة ان تـعاور الـنقع
iiلـيلا أطـلعوا في سماه شهب
iiالرماح
وإذا غَّـنت الـسّيوف وطافت أكؤُس
الموت وانتشى كل صاح
بـاعدوا بين قربهم والمواضي وجـسـوم
الأعـداء
iiوالأرواح
أدركـوا بـالحسين أكـبر
iiعيد فغدوا في منى الطفوف
iiأضاحي
لست أنسى من بعدهم طود
iiعزٍّ وأعـاديه مـثل سـيل
iiالبطاح
وهـو يحمي دين النبي
iiبعضب بـسناه لـظلمة الـشرك
iiماحي
فـتطير الـقلوب منه
iiارتياعاً كـلما شـدَّ راكـباً
ذا الـجناح
ثُـمَّ لما نال الظما منه
iiوالشمس ونـزف الـدِّما وثـقل
iiالسلاح
اوقـف الـطَّرف يستريح
iiقليلاً فـرماه الـقضا بـسهم
iiمـتاح
فـهوى العرش للثرى
iiوادلهمَّت بـرماد المصاب
منها
iiالنواحي
حَـرَّ قـلبي لـزينب إذ
iiرأته تـرب الـجسم مثخناً
iiبالجراح
أخـرسَ الخطبُ نطقَها
iiفدعته بـدموعٍ بـما تـجن
iiفِـصاح
يـا مـنار الظلال والليل
iiداجٍ وظلال الرميض واليوم
iiضاحي
كـنتَ لي يوم كنت كهفاً
iiمنيعاً سـجسج الـظل خافق الأرواح
أتـرى الـقوم إذ عليك
iiمررنا مـنعونا مـن الـبكا
iiوالـنياح
إن يـكن هـيناً عـليك
iiهواني واغترابي مع العِدى
iiوانتزاحي
ومـسيري أسـيرةً
iiلـلأعادي وركـوبي على النياق
iiالطلاح
فـبرغمي أنّـي أراك
iiمـقيماً بـين سمر القنا وبيض الصِفاح
لـك جسم على الرمال
iiورأس رفـعوه عـلى رؤوس الرماح
بـأبي الواردون حوض
iiالمنايا يـوم ذيدوا عن الفرات
iiالمباح
بـأبي الـلابسون حـمر
iiثياب طـرزتهُنَّ سافيات
iiالرياح(1)
____________________________
(1) مقتل العوالم / 76 .
(2) للعلامة الطاهر السيد رضا ابن آية الله
السيد محمّد الهندي (قدّس سرّه) .
الصفحة (196)
ثمّ إنّه (عليه السّلام) اشترى النّواحي التي فيها قبره من أهل نينوى
والغاضريّة بستّين ألف درهم وتصدّق بها عليهم ، واشترط عليهم أنْ يرشدوا
إلى قبره ويضيفوا مَن زاره ثلاثة أيام ، وكان حرم الحسين (ع) الذي اشتراه
أربعة أميال في أربعة أميال ، فهو حلال لولده ولمواليه وحرام على غيرهم
ممن خالفهم وفيه البركة ، وفي الحديث عن الصادق (ع) :
(( إنّهم لم يفوا بالشرط ))(1)
.
ولمّا نزل الحسين (ع) كربلاء كتب إلى ابن الحنفية وجماعة من بني هاشم
: (( أمّا بعد ، فكأنّ الدنيا لَم تكن وكأنّ الآخرة
لَم تزل ، والسّلام ))(2)
.
ابن زياد مع الحسين
وبعث الحرّ إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين في كربلاء فكتب ابن زياد
إلى الحسين : أمّا بعد ، يا حسين فقد بلغني نزولك كربلاء ، وقد كتب إليّ
أمير المؤمنين يزيد أنْ لا أتوسّد الوثير ، ولا أشبع من الخمير أو اُلحقك
باللطيف الخبير ، أو تنزل على حكمي وحكم يزيد ، والسّلام .
ولمّا قرأ الحسين الكتاب رماه من يده وقال :
(( لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق ! )) . وطالبه
الرسول بالجواب ، فقال : (( ما له عندي جواب ؛ لأنّه
حقّت عليه كلمة العذاب )) .
وسامته يركب إحدى اثنتين
وقد صرّت الحرب أَسنانها
____________________________
(1) كشكول الشيخ البهائي 2 / 91 ، طبعة
مصر : نقلاً عن كتاب الزيارات لمحمّد بن أحمد بن داود القمي ، وحكاه
عنه السيد ابن طاووس في مصباح الزائر . والعجب من صاحب مفتاح الكرامة في
كتاب المتاجر / 245 : أنّه أنكر شراء الحسين أربعة أميال من جهات قبره
الشريف ، مدّعياً عدم وقوفه على ذلك في الأخبار وعلى كلمات العلماء . كما
أنّ أمير المؤمنين اشترى من الدهاقين ما بين الخورنق إلى الحيرة وإلى الكوفة
بأربعين ألف درهم وقال لِمَن اعترض عليه بأنّها أرض لا تنبت :
(( إنّي سمعت رسول الله يقول : كوفان يرد أولها
على آخرها ، يحشر من ظهرها سبعون ألفاً يدخلون الجنّة بغير حساب ، واشتهيت
أنْ يحشروا في ملكي )) فرحة الغري لابن طاووس / 29 ، الباب الثاني
، المطبعة الحيدرية في النجف .
(2) كامل الزيارات / 75 الباب الثالث والعشرون
، وذكر أبو الفرج في الأغاني 8 / 151 طبعة ساسي : أنّ الحسن البصري كتب
إلى عمر بن عبد العزيز بذلك لمّا ولّي الخلافة ، وفي مروج الذهب : أخبار
عمر بن عبد العزيز أنّه كتب إلى أبي حازم المدني الأعرج : اوصني واوجز
، فكتب إليه بذلك . وفي موضوعات على القاري أول حرف الكاف ، قال السيوطي
: لَم أقف عليه مرفوعاً وأخرجه أبو نعيم عن عمر بن عبد العزيز .
الصفحة (197)
فـإما يُـرى مذعناً او
iiتموت نـفس أبـيّ الـعزُّ إذعـانها
فـقال لـها اعتصمي
iiبالابا فـنفس الأبـي ومـا
iiزانـها
إذا لـم تجد غير لبس
iiالهوان فـبالموت تـنزع
iiجـثمانها
يرى القتل صبراً شعار الكرام وفـخراً يـزين
لـها شـأنها
فـشمَّر لـلحرب عن
iiمعرك بـه عَـركَ الموتُ
iiفرسانها
وأضـرمها لـعنان الـسَّماء حـمـراء
تـلـفح
iiنـيرانها
ركـين وللأرض تحت
iiالكماة رجـيف يـزلزل
iiثهلانها(1)
وأخبر الرسول ابن زياد بما قاله أبو عبد الله (ع) فاشتدّ غضبه(2)
، وأمر عمر بن سعد بالخروج إلى كربلاء ، وكان معسكِراً (بحمام أعين) في
أربعة آلاف ليسير بهم إلى دستبى ؛ لأنّ الديلم قد غلبوا عليها(3)
، وكتب له ابن زياد عهداً بولاية الري وثغر دستبى والديلم(4)
فاستعفاه ابن سعد ، ولمّا استردّ منه العهد استمهله ليلته ، وجمع عمر بن
سعد نصحاءه فنهوه عن المسير لحرب الحسين ، وقال له ابن اُخته حمزة بن المغيرة
بن شعبة : اُنشدك الله أنْ لا تسير لحرب الحسين ، فتقطع رحمك وتأثم بربّك
، فوالله لئن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّه لو كان لك لكان خيراً
لك من أنْ تلقى الله بدم الحسين(5)
.
فقال ابن سعد : أفعل إنْ شاء الله . وبات ليلته مفكّراً في أمره وسُمع
يقول :
أأترك ملك الري والري
iiرغبتي أم أرجـع مـذموماً بقتل
iiحسين
وفـي قتله النار التي ليس
iiدونها حجاب وملك الري قرة عيني(6)
____________________________
(1) للسيد حيدر الحلي رحمه الله .
(2) البحار 10 / 189 ، ومقتل العوالم / 76 .
(3) في تجريد الاغاني 1 / 277 القسم الأول ،
لابن واصل الحموي المتوفّى سنة 697ﻫـ في أول أخبار حنين قال : عرف هذا
الحمام بأعين حاجب بشر بن مروان بن الحكم . وفي معجم البلدان 3 / 334 :
مادة حمام أعين بالكوفة منسوب إلى أعين مولى سعد بن أبي وقاص .
(4) الطبري 6 / 232 .
(5) الأخبار الطوال / 251 ، وفي معجم البلدان
4 / 58 : دستبى ( بفتح أوّله وسكون ثانيه وفتح التاء المثناة من فوق والباء
الموحدة المقصورة ) : كورة كبيرة بين همدان والري ، فقسم يقال له دستبى
الرازي وقسم دستبى همدان ، وبسعي أبي مالك حنظلة بن خالد التميمي اُضيفت
إلى قزوين .
(6) في أحسن التقاسيم للمقدسي / 385 : قال : وهذه المدينة أهلكت عمر بن
سعد الشقي حتّى قتل الحسين بن علي ، ثمّ اختارها مع النّار حيث يقول أخزاه
الله ( وذكر البيتين ) كما هنا إلاّ قوله ( والري رغبتي ) .
الصفحة (198)
وعند الصباح أتى ابن زياد وقال : إنّك ولّيتني هذا العمل وسمع به النّاس
، فأنفذني له وابعث إلى الحسين مَن لستُ أغنى في الحرب منه . وسمّى له
اُناساً من أشراف الكوفة .
فقال ابن زياد : لستُ استأمرك فيمن أُريد أن أبعث ، فإن سرت بجندنا
، وإلاّ فابعث إلينا عهدنا ، فلمّا رآه ملحّاً قال : إنّي سائر(1)
، فأقبل في أربعة آلاف وانضمّ إليه الحرّ فيمن معه . ودعا عمر بن سعد عزرة
بن قيس الأحمسي ، وأمره أن يلقى الحسين ويسأله عمّا جاء به فاستحيا عزرة
؛ لأنّه ممَّن كاتبه ، فسأل مَن معه من الرؤساء أنْ يلقوه فأبوا ؛ لأنهم
كاتبوه .
فقام كُثَير بن عبد الله الشعبي وكان جريئاً فاتكاً وقال : أنا له ،
وإنْ شئت أنْ أفتك به لفعلت . قال : لا ، ولكن سله ما الذي جاء به ؟ فأقبل
كُثَير وعرفه أبو ثمامة الصائدي فقام في وجهه ، وقال : ضع سَيفك وادخل
على الحسين ، فأبى واستأبى ثمّ انصرف .
فدعا عمر بن سعد قرّة بن قيس الحنظلي ليسأل الحسين ، ولمّا أبلغه رسالة
ابن سعد : قال أبو عبد الله (( إنّ أهل مصركم كتبوا
إليَّ أنْ اقدم علينا ، فأمّا إذا كرهتموني انصرفتُ عنكم )) .
فرجع بذلك إلى ابن سعد ، وكتب إلى ابن زياد بما يقول الحسين ، فأتاه
جوابه : أمّا بعد ، فاعرض على الحسين وأصحابه البيعة ليزيد ، فإنْ فعل
رأينا رأينا(2)
.
خطبة ابن زياد
وجمع ابن زياد النّاس في جامع الكوفة فقال : أيّها النّاس إنّكم بلوتم
آل أبي
____________________________
(1) ابن الأثير 4 / 22 : أقول جاء المثل
مَن عافاك أغناك ، يتحدّث ابن الجوزي في صفوة الصفوة 3 / 161 : إنّ رجلا
بالبصرة من قوّاد ابن زياد سقط من السطح فتكسّرت رجلاه فعاده أبو قلابة
وقال : أرجو أن يكون هذا خيراً لك فتحقق قوله حين حمله ابن زياد على الخروج
إلى حرب الحسين (ع) ، فقال للرسول : انظر ما أنا فيه . وبعد سبعة أيام
أتاه الخبر بقتل الحسين (ع) ، فحمد الله على العافية .
(2) الطبري 6 / 233 و234 .
الصفحة (199)
سفيان فوجدتموهم كما تحبّون ، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه ،
حسن السّيرة ، محمود الطريقة محسناً إلى الرعيّة ، يعطي العطاء في حقّه
، وقد أمنت السّبل على عهده وكذلك كان أبوه معاوية في عصره ، وهذا ابنه
يزيد يُكرم العباد ويغنيهم بالأموال ، وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة ،
وأمرني أنْ أوفرها عليكم ، وأخرجكم إلى حرب عدوّه الحسين ، فاسمعوا له
وأطيعوا .
ثمّ نزل و وفّر العطاء ، وخرج إلى النخيلة(1)
وعسكر فيها . وبعث على الحصين بن نمير التميمي ، وحجّار بن أبجر ، وشمر
بن ذي الجوشن ، وشبث بن ربعي وأمرهم بمعاونة ابن سعد . فاعتلّ شبث بالمرض(2)
، فأرسل إليه : أن رسولي يخبرني بتمارضك وأخاف أنْ تكون من الذين إذا لقوا
الذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما
نحن مستهزؤن ، فإنْ كنت في طاعتنا فأقبل مسرعاً ، فأتاه بعد العشاء ؛ لئلا
ينظر إلى وجهه فلم يجد عليه أثر العلّة ، و وافقه على ما يريد(3)
.
وجعل عبيد الله بن زياد زجر بن قيس الجعفي على مسلحة في خمسمئة فارس
، وأمره أنْ يقيم بجسر الصراة يمنع مَن يخرج من الكوفة يريد الحسين (ع)
، فمرّ به عامر بن أبي سلامة بن عبد الله بن عرار الدالاني فقال له زجر
: قد عرفتُ حيث تريد فارجع ، فحمل عليه وعلى أصحابه فهزمهم ومضى ، وليس
أحد منهم يطمع في الدنوّ منه ، فوصل كربلاء ولحق بالحسين (عليه السّلام)
حتّى قُتل معه ، وكان قد شَهد المشاهد مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
(عليه السّلام)(4)
.
الحسين عند الكوفيين
ولم تزل الكراهية ظاهرة على الناس في قتال الحسين لانه ابن الرسول
____________________________
(1) هي العباسية في كلام ابن نما ، وتعرف
اليوم بالعباسيات ، وموقعها قريب من ذي الكفل ، وفي اليقين لرضي الدين
ابن طاووس / 147 باب 146 : إنّ النخيلة تبعد عن الكوفة فرسخين .
(2) الأخبار الطوال / 253 .
(3) البحار عن مقتل محمّد بن أبي طالب .
(4) الاكليل للهمداني 10 / 87 و 101 : ودالان
بطن من همدان منهم بنو عرار بضمّ العين وهو عرار ابن رؤاس بن دالان بن
جييش بن ماشبح بن وادعه . وفي جمهرة أنساب العرب لابن حزم / 321 ذكر نسب
وادعة .
الصفحة (200)
الأقدس وسيّد شباب أهل الجنّة ولَم تغب عن أذهانهم مصارحات النّبي (ص)
وأبيه الوصي فيه وفي أخيه المجتبى ، وقد عرفوا فضله يوم أجدبت الكوفة وقحط
النّاس ، ففزعوا إلى أبي الحسن ، فأخرج السّبط الشهيد للاستسقاء ، وببركات
نفسه القدسيّة ونوره المتكوّن من الحقيقة المحمّد يّة استجاب الله تعالى
له وأرسل المطر حتّى أعشبت الأرض بعد جدبها . وهو الذي ملك المشرعة يوم
صفين فسقى المسلمين بعد أنْ جهدهم العطش(1)
، ولنبأ سقيه الحرّ وألف فارس معه في تلك الأرض القاحلة حتّى أرواهم وخيولهم
، دوي في أرجاء الكوفة .
فهل يستطيع أحد ـ والحالة هذه ـ على مقابلته ومحاربته ؟! لولا غلبة
الهوى والتناهي في الطغيان وضعف النّفوس ؛ ولذلك كان الجمع الكثير يتسلّل
إذا وصل كربلاء ، ولَم يبقَ إلاّ القليل ، فلمّا عرف ابن زياد ذلك بعث
سويد بن عبد الرحمن المنقري في خيل وأمره أنْ يطوف في سكك الكوفة وأحياء
العرب ويعلن بالخروج إلى حرب الحسين ، ومَن تخلّف جاء به إليه، فوجد رجلاً
من أهل الشام قدم الكوفة في طلب ميراث له فقبض عليه وجاء به إلى ابن زياد
فأمر بضرب عنقه، فلمّا رأى النّاس الشرّ منه خرجوا جميعاً(2)
.
الجيوش
فخرج الشمر(3)
في أربعة آلاف ، ويزيد بن الركاب في ألفين ، والحصين بن نمير التميمي في
أربعة آلاف ، وشبث بن ربعي في ألف ، وكعب بن طلحة في ثلاثة آلاف ، وحجّار
بن أبجر في ألف ، ومضاير بن رهينة المازني في ثلاثة آلاف ، ونصر بن حرشة
في ألفين(4) ،
فتكامل عند ابن سعد لستٍ خلون من المحرم عشرون ألفاً(5)
، ولَم يزل ابن زياد يرسل العساكر إلى ابن سعد حتّى تكامل عنده ثلاثون
ألفاً .
____________________________
(1) مقتل العوالم / 15 و 45.
(2) الأخبار الطوال / 253 .
(3) في البدء والتاريخ 6 / 10 : سمّاه بشر بن
ذي الجوشن . وفي عجالة المبتدي في النّسب تأليف الحافظ أبي بكر محمّد بن
أبي عثمان الحازمي الهمداني المتوفّى سنة 584 : اسمه شور بن ذي الجوشن
، ولأبيه صحبة ورواية ، روى عنه ابنه شور .
(4) ابن شهر آشوب 2 / 215 .
(5) ابن نما واللهوف .
الصفحة (201)
روى أبو عبد الله الصادق (عليه السّلام) : ((
إنّ الحسين دخل على أخيه الحسن في مرضه الذي استشهد فيه فلمّا رأى ما به
بكى ، فقال له الحسن : ما يبكيك يا أبا عبد الله ؟ قال : أبكي لما صنع
بك ، فقال الحسن (عليه السّلام) : إنّ الذي اُوتي إليَّ سمّ اُقتل به ،
ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله وقد ازدلف إليك ثلاثون ألفاً يدَّعون
أنّهم من اُمّة جدّنا محمّد وينتحلون دين الإسلام فيجتمعون على قتلك وسفك
دمك وانتهاك حرمتك وسبي ذراريك ونسائك وانتهاب ثقلك ، فعندها تحلّ ببني
اُميّة اللعنة ، وتمطر السّماء رماداً ودماً ، ويبكي عليك كلّ شيء
حتّى الوحوش في الفلوات والحيتان في البحار ))(1)
.
وكتب ابن زياد إلى ابن سعد : إنّي لَم أجعل لك علّة في كثرة الخيل والرجال
، فانظر لا تمسي ولا تصبح إلاّ وخبرك عندي غدوة وعشية . وكان يستحثّه على
الحرب لست خلون من المحرم(2)
.
حشدت كتائبها على ابن
iiمحمّد بـالطَّف حيث
تذكَّرت آباءها
الله أكـبر يـا رواسي هذه الأ رض البسيطة
زايلي
iiارجاءها
يلقى ابن منتجع الصلاح كتائباً عقد ابن
منتجع السّفاح
iiلواءها
ما كان أوقحها صبيحة
iiقابلت بـالبيض جبهته تريق
iiدماءها
المشرعة
مـا بـلَّ أوجـهها الحيا ولو
iiأنّه قـطع الـصفا بلَّ الحيا
iiملساءها
مـن أيـن تـنجل أوجـهٌ
iiاُمويّةٌ سـكبت بـلذّات
الفجور
iiحياءها
قهرت بني الزهراء في
iiسلطانها واسـتأصلت بـصفاحها
iiامراءها
مـلكت عليها الأمر حتّى
iiحرَّمت في الأرض مطرح جنبها وثواءها
____________________________
(1) أمالي الصدوق / 71 المجلس الثلاثون
، وفي مطالب السؤول : إنّهم عشرون ألفاً . وفي هامش تذكرة الخواص : أنّهم
مئة ألف . وفي تحفة الأزهار لابن شدقم : ثمانون ألفاً . وفي أسرار الشهادة
/ 237 : سنة آلاف فارس وألف ألف راجل . ولم يذكر أبو الفدا في تأريخه 2
/ 190 : غير خروج ابن سعد في أربعة آلاف والحر في ألفين . وفي عمدة القارئ
للعيني 7 / 656 : كتاب المناقب كان جيش ابن زياد ألف فارس رئيسهم الحر
، وعلى مقدمتهم الحصين بن نمير .
(2) تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 101 ،
ومقتل محمّد بن أبي طالب .
الصفحة (202)
ضـاقت بـها الدنيا فحيث
iiتوجَّهت رأت الـحتوف امـامها
iiووراءهـا
فـاستوطأت ظـهر الحِمام
iiوحوَّلت لـلعزِّ عـن ظـهر الهوان
iiوطاءها
طـلعت ثـنيّات الـحتوف
iiبعصبة كـان الـسيوف قضاءها
ومضاءها
لـقلبوبها امـتحن الإلـه
iiبـموقف مـحضته فـيهِ صـبرها
iiوبـلاءها
كـانت سـواعد آل بـيت
iiمحمّد وسـيوف نـجدتها
على من
iiساءها
كـره الـحمام لـقاءها فـي
iiضنكه لـكـنْ أحــبَّ الله فـيه
iiلـقاءها
فـثوت بـأفئدة صـواد لـم تـجد ريـاً
يـبلُّ سـوى الردى
iiأحشاءها
وأراك تـنشىء يا غمام على
iiالورى ظـلا وتـروي مـن حياك
iiظماءها
وقـلـوب أبـناء الـنبي
iiتـفطَّرت عـطشاً بـقفر ارمـضت
iiأشلاءها
وامضّ ما جرعت من الغصص التي قـدحت
بـجانحة الـهدى
iiايراءها
هـتك الـطغاة عـلى بـنات
iiمحمّد حـجب الـنبوة خـدرها
وخـباءها
فـتنازعت احـشاءها حرق الجوى وتـجاذبت
أيـدي الـعدوُّ
iiرداءهـا
عـجـباً لـحلم الله وهـي
iiبـعينه بـرزت تـطيل عـويلها وبـكاءها
ويـرى مـن الـزفرات تجمع
iiقلبها بـيـد وتـدفع فـي يـد اعـداءها
مـا كـان اوجـعها لمهجة
ii( أحمد) وامـضَّ في كبد ( البتولة)
iiداءها(1)
وأنزل ابن سعد الخيل على الفرات فحموا الماء وحالوا بينه وبين سيّد
الشهداء ، ولَم يجد أصحاب الحسين طريقاً إلى الماء حتّى أضرّ بهم العطش
، فأخذ الحسين فأساً وخطا وراء خيمة النّساء تسع عشرة خطوة نحو القبلة
وحفر فنبعت له عين ماء عذب ، فشربوا ثمّ غارت العين ولَم يرَ لها أثر ،
فأرسل ابن زياد إلى ابن سعد : بلغني أنّ الحسين يحفر الآبار ويصيب الماء
فيشرب هو وأصحابه فانظر إذا ورد عليك كتابي ، فامنعهم من حفر الآبار ما
استطعت وضيّق عليهم غاية التضيّيق . فبعث في الوقت عمرو بن الحجّاج في
خمسمئة فارس ونزلوا على الشريعة(2)
، وذلك قبل مقتل الحسين بثلاثة أيّام(3)
.
____________________________
(1) من قصيدة للسيّد حيدر الحلّي رضوان
الله عليه .
(2) نفس المهموم للمحدث القمي / 116 ، ومقتل
الخوارزمي 1 / 244 ، ومقتل العوالم / 78 .
(3) الطبري 6 / 234 ، وإرشاد المفيد ، ومقتل
الخوارزمي الجزء الأول ، وكامل ابن الأثير 4 / 22 .
الصفحة (203)
اليوم السّابع
وفي اليوم السّابع اشتدّ الحصار على سيّد الشهداء ومَن معه ، وسُدّ
عنهم باب الورود ونفد ما عندهم من الماء ، فعاد كلّ واحد يعالج لهب العطش
. وبطبع الحال كان العيال بين أنة وحنة وتضور ونشيج ومتطلّب للماء إلى
متحر له بما يبلّ غلّته وكلّ ذلك بعين أبي علي والغيارى من آله والأكارم
من صحبه ، وماعسى أنْ يجدوا لهم شيئاً وبينهم وبين الماء رماح مشرعة وسيوف
مرهفة ، لكن ساقي العطاشى لَم يتطامن على تحملّ تلك الحالة .
أو تشتكي العطش الفواطم
iiعنده وبـصدر صعدته الفرات
iiالمفعم
ولَـو استقى نهر المجرّة لارتقى وطـويـل
ذابـله إلـيها
iiسُـلَّم
لَـو سدَّ ذو القرنين دون
iiوروده نـسَفَته هـمَّته
بـما هو
iiأعظم
فـي كـفِّه اليسرى السّقاء
iiيقلّه وبـكفّه الـيُمنى
الحسام المخذم
مـثل الـسّحابة للفواطم
iiصوبه فيصيب حاصبه العدو فيرجم(1)
هنا قيض أخاه العبّاس لهذه المهمّة ، في حين أنّ نفسه الكريمة تنازعه
إليه قبل المطلب ، فأمره أنْ يستقي للحرائر والصبية ، وضمّ إليه عشرين
راجلاً مع عشرين قربة ، وقصدوا الفرات بالليل غير مبالين بمَن وُكِّل بحفظ
الشريعة ؛ لأنّهم محتفون بأسد آل محمّد وتقدّم نافع بن هلال الجملي باللواء
، فصاح عمرو بن الحَجّاج : مَن الرجل ؟ قال : جئنا لنشرب من هذا الماء
الذي حلأتمونا عنه . فقال : اشرب هنيئاً ولا تحمل إلى الحسين منه . قال
نافع : لا والله ، لا أشرب منه قطرة والحسين ومَن معه من آله وصحبه عطاشى
. وصاح نافع بأصحابه : املأوا أسقيتكم . فشدّ عليهم أصحاب ابن الحَجّاج
فكان بعض القوم يملأ القرب وبعض يقاتل وحاميهم ابن بجدتها المتربّي في
حجر البسالة الحيدريّة أبو الفضل ، فجاؤا بالماء . وليس في أعدائهم من
تحدثه
____________________________
(1) من قصيدة للسيّد جعفر الحلّي نوّر الله
ضريحه .
الصفحة (204)
نفسه بالدنوّ منهم فرقاً من ذلك البطل المغوار ، فبلت غلة الحرائر والصبية
الطيّبة من ذلك الماء(1)
.
ولكن لا يفوتنا أنّ تلك الكميّة القليلة من الماء ما عسى أن تجدي اُولئك
الجمع الذي هو أكثر من مئة وخمسين رجالاً ونساءً وأطفالاً أو أنّهم ينيفون
على المئتين ، ومن المقطوع به أنّه لَم ترو أكبادهم إلاّ مرّة واحدة فسرعان
أنْ عاد إليهم الظما ، وإلى الله ورسوله المشتكى .
إذا كان ساقي الحوض في الحشر حيدر
فـساقي عـطاشي كربلاء أبو الفضل
عـلى أنّ الـناس فـي الـحشر
iiقلبه مـريع وهـذا بـالظلما قـلبه
iiيـغلي
وقـفتُ عـلى مـاء الفرات ولَم
iiأزل أقـول لـه والـقول يـحسنه
مـثلي
عـلامك تـجري لا جـريت
iiلـوارد وأدركـت يـوماً بعض عارك
iiبالغسل
أمــا نـشـفت أكـبـاد آل
iiمحمّد لـهـيباً ولا ابـتلَّت
بـعلٍّ ولا
iiنـهل
مـن الـحقّ أنْ تـذوي غصونك
iiذبّلا أسـىً وحـياء مـن شـفاههِمُ
الـذُبل
فـقال اسـتمع للقول إنْ كنت
iiسامعاً وكـنْ قـابلا عذري ولا
تكثرنْ
iiعذلي
ألا إنّ ذا دمـعي الـذي أنـت نـاظر غـداى
جـعلت الـنوح بعدهُمُ
iiشغلي
بـرغـمي أرى مـائي يـلذ
iiسـواهمُ بـه وهـم صرعي على عطش
iiحولي
جـزى الله عـنهم في المواساة
iiعمَّهم أبـا الفضل خيراً لو شهدت
iiأبا الفضل
لـقـد كـان سـيفاً صـاغه
iiبـيمينه عـليّ فـلم يـحتج شباه
إلى
iiالصقل
إذا عــدَّ ابـنـاء الـنـبيِّ محـمّد
رآه أخـاهـم مـن رآه بـلا فـضل
ولـم أرَ ظـامٍ(2)
حـوله الـماء قبله ولَـم يـرو مـنه وهو
ذو مهجة
iiتغلي
ومـا خـطبه إلاّ الـوفاء وقـلَّ
iiمـا يـرى هـكذا خـلا وفـيّاً مـع
iiالخلِّ
يـمـيناً بـيـمناك الـقطيعة
iiوالـتي تـسمى شـمالاً وهـي
جامعة
iiالشمل
بـصبرك دون ابـن الـنبيِّ
iiبـكربلا عـلى الـهَول امر
لا يحيط به
iiعقلي
و وافــاك لا يـدري افـقدك
iiراعـه أم الـعرش غـالته
الـمقادير
iiبـالثل
____________________________
(1) مقتل محمّد بن أبي طالب . وعلى هذه
الرواية يكون طلبهم للماء في السابع ، ولعلّه هو المنشأ في تخصيص ذكر العبّاس
بيوم السابع . وفي أمالي الصدوق / 95 ، المجلس الثالث : أرسل الحسين بن
علي ولده علياً الأكبر في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ليستقوا الماء .
(2) كذا ورد في ديوان الشاعر أبي الحب .
الصفحة (205)
أخي كنتَ لي درعاً ونصلا كلاهما
فقدتُ فلا درعي لديَّ ولا نصلي(1)
غرور ابن سعد
وأرسل الحسين عمرو بن قرظة الأنصاري إلى ابن سعد يطلب الاجتماع معه
ليلاً بين المعسكرين ، فخرج كلّ منهما في عشرين فارساً ، وأمر الحسين مَن
معه أنْ يتأخّر إلاّ العبّاس وابنه علياً الأكبر ، وفعل ابن سعد كذلك وبقي
معه ابنه حفص وغلامه .
فقال الحسين : (( يابن سعد أتقاتلني ؟ أما تتقي
الله الذي إليه معادك ؟! فأنا ابن مَن قد علمتَ ! ألا تكون معي وتدع هؤلاء
فإنّه أقرب إلى الله تعالى ؟ )) قال عمر : أخاف أنْ تهدم داري .
قال الحسين : (( أنا أبنيها لك )) . فقال
: أخاف أنْ تؤخذ ضيعتي . قال (عليه السّلام) : ((
أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز ))(2)
، ويروى أنّه قال لعمر : (( أعطيك البغيبغة ))
، وكانت عظيمة فيها نخل وزرع كثير ، دفع معاوية فيها ألف ألف دينار فلَم
يبعها منه(3)
. فقال ابن سعد : إنّ لي بالكوفة عيالاً وأخاف عليهم من ابن زياد القتل
. ولما أيس منه الحسين قام وهو يقول : (( مالك ،
ذبحك الله على فراشك عاجلاً ، ولا غفر لك يوم حشرك ، فوالله إنّي لأرجو
أنْ لا تأكل من بَرّ العراق إلا يسيراً )) . قال ابن سعد مستهزءاً
: في الشعير كفاية(4)
.
وأول ما شاهده من غضب الله عليه ذهاب ولاية الري ، فإنّه لمّا رجع من
كربلاء طالبه ابن زياد بالكتاب الذي كتبه بولاية الري ، فادّعى ابن سعد
ضياعه ، فشدّد عليه باحضاره ، فقال له ابن سعد : تركته يقرأ على عجائز
قريش اعتذاراً منهن ، أما والله لقد نصحتك بالحسين نصيحة لَو نصحتها أبي
سعداً كنت قد أديت حقّه . فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله : صدق ، وددتُ
أنّ في أنف كلّ
____________________________
(1) للشيخ محسن أبو الحب الحائري رحمه الله
.
(2) مقتل العوالم / 78 .
(3) تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 103 .
(4) تظلّم الزهراء (عليها السّلام) / 103 ،
ومقتل الخوارزمي 1 / 245 .
الصفحة (206)
رجل من بني زياد خزامة إلى يوم القيامة وإنّ الحسين لَم يُقتل(1)
.
وكان من صنع المختار معه أنّه لمّا أعطاه الأمان ، استأجر نساء يبكين
على الحسين ويجلسن على باب دار عمر بن سعد ، وكان هذا الفعل يلفت نظر المارّة
إلى أنّ صاحب هذا الدار قاتل سيّد شباب أهل الجنّة ، فضجر ابن سعد من ذلك
وكلّم المختار في رفعهن عن باب داره ، فقال المختار : ألا يستحقّ الحسين
البكاء عليه(2)
.
ولمّا أراد أهل الكوفة أنْ يؤمّروا عليهم عمر بن سعد بعد موت يزيد بن
معاوية ؛ لينظروا في أمرهم ، جاءت نساء همدان وربيعة ، إلى الجامع الأعظم
صارخات يقلن : ما رضي ابن سعد بقتل الحسين حتّى أراد أنْ يتأمّر . فبكى
النّاس وأعرضوا عنه(3)
.
افتراء ابن سعد
وافتعل ابن سعد علي أبي الضيم ما لَم يقله ، وكتب إلى ابن زياد زعماً
منه أنّ فيه صلاح الاُمّة وجمال النظام فقال في كتابه : أمّا بعد فإنّ
الله أطفأ النّائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الاُمّة ، وهذا حسين أعطاني
أنْ يرجع إلى المكان الذي منه أتى ، أو أنْ يسير إلى ثغر من الثغور ، فيكون
رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، أو أنْ يأتي أمير المؤمنين
يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه ، وفي هذا رضىً لكم وللاُمّة
صلاح(4) .
وهيهات أنْ يكون ذلك الأبي ومَن علَّم النّاس الصبر على المكاره وملاقاة
الحتوف ـ طوع ابن مرجانة ومنقاداً لابن آكلة الأكباد ! أليس هو القائل
لأخيه الأطرف : (( والله لا أعطي الدنيّة من نفسي
)) . ويقول لابن الحنفيّة : (( لَو لَم يكن
ملجأ لما بايعت يزيد )) . وقال لزرارة بن صالح :
(( إنّي أعلم علماً يقيناً أنّ هناك مصرعي ومصارع
أصحابي ، ولا ينجو منهم إلاّ ولدي علي )) . وقال لجعفر بن
____________________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 268 .
(2) العقد الفريد ، باب نهضة المختار .
(3) مروج الذهب 2 / 105 ، في أخبار يزيد .
(4) الاتحاف بحبّ الأشراف / 15 ، وتهذيب التهذيب
2 / 253 .
|