( 1
)
المجالس الفاخرة
في مآتم العترة الطاهرة
وبضمنه
«المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة»
تأليف
الإمام عبد الحسين شرف الدين الموسوي قدس سره
مراجعة وتحقيق
محمود البدري
مؤسسة المعارف الاسلامية
( 2 )
( 3 )
بسم الله الرحمن الرحيم
( 4 )
( 5)
مقدمة الناشر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل صلواته وسلامه على خير من اصطفى محمد ،
وعلى وصيّه المرتضى عليّ ، وأبنائه البررة الأتقياء .
أمّا بعد :
كثيرة هي قضايانا الاسلامية التي حظيت بالأهمية البالغة في البحث
والكتابة عند الكتّاب والمؤرخين على مرّ العصور ، ومن تلك القضايا التي
تناولتها الأقلام بالدراسة والتحليل هي سيرة الرسول الأكرم وخليفته في
اُمّته وآل بيتهما عليهم السلام أجمعين ، وكذا المحن والابتلاءات التي
عانوا منها طوال حياتهم المقدسّة حتى قضوا جميعاً بين مسموم وقتيل .
وانّ قضيّة استشهاد الامام الحسين بن عليّ عليه السلام نالت القسط
الأكبر من ذلك الاهتمام ، كيف لا وقد كان له المنزلة الكبيرة عند الله
سبحانه وتعالى حيث جعل في زيارته عليه السلام من الثواب ما يعادل
العمرة المندوبة المتقبلة ، بل ورد في بعض الروايات : «إنّ الله ينظر
إلى زوّار قبر الحسين عليه السلام نظر
( 6 )
الرحمة في يوم عرفة قبل نظره إلى أهل عرفات»(1) .
وعلى هذا صار لزيارته عليه السلام آثاراً عظيمة لدى الناس وهم يثابون
كلّ حسب حاله وبمقدار معرفته وإخلاصه ، وصار التوسّل به عليه السلام
متنوّعاً ، وذلك إمّا من خلال زيارة مرقده الطاهر ، أو عقد مجالس
العزاء ، أو بذل الطعام باسمه ، ولن يكون ذلك متقبّلاً الا في تحقّق
عنصر الاخلاص .
والكتاب الذي بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ قد ضمّ بين دفتيه طائفة من
المجالس الفاخرة تناول فيها السيد المؤلّف قدّس سرّه سيرة وخصائص رسول
الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام ، وكذا ضمّنه سيرة
الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام من ولادته وحتى استشهاده تُتلى
صبيحة يوم العاشر من المحرّم بمجلس واحد أو تُتلى في مجالس متعدّدة في
سائر ايّام عاشوراء .
ومن دواعي السرور أن تأخذ مؤسّستنا مؤسّسة المعارف الاسلامية على
عاتقها طبع ونشر هذه التحفة النفيسة سائلين الباري تعالى أن يجعله في
حسناتنا وشاكرين للاستاذ المحقّق محمود البدري جهوده الرائعة في تحقيق
الكتاب ، سيّما وانّه قد ألحق المقدّمة الزاهرة في أوّل الكتاب والتي
كتبها السيد المؤلف قدّس سرّه وطبعت مستقلة . وآخر دعوانا ان الحمد لله
رب العالمين .
(1) ثواب الأعمال : 115 ح 27 ، معاني الأخبار : 291 ح 36 .
( 7 )
ترجمة المؤلّف
ولادته ونشأته :
هو السيد عبد الحسين بن السيد يوسف بن السيد جواد بن السيد إسماعيل ابن
محمد بن محمد جدّ الاسرتين «آل شرف الدين» و«آل الصدر» بن السيد
إبراهيم الملقّب بـ «شرف الدين» المنتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم
عليه السلام .
ولد السيد عبد الحسين في الكاظمية سنة 1290 هـ ـ في دار جدّه لاّمّه
السيد «هادي الصدر» ، وهو من أبوين علويين كريمين ، فأبوه العلامة
الحجّة يوسف بن الشريف جواد بن الشريف إسماعيل ، واُمّه العلوية
الجليلة «الزهراء» كريمة المرحوم السيد «الهادي» بن السيد محمد علي ،
الذي ينتهي نسبها إلى شرف الدين كذلك .
دراسته العلميّة :
في السنة الثامنة من عمره عاد به والده إلى «عاملة» ليؤدّي الأب فيها
واجبه الديني بعد أن نال رتبة الاجتهاد ، وشبّ السيد في كنف والده
ينتهل من نمير المعرفة في حدود علوم العربية والمنطق والبلاغة وسطوح
الفقه والأصول .
وعندما بلغ السيد السابعة عشر من عمره أرسله أبوه إلى العراق لاكمال
دراسته ، وكان له من ذكائه واجتهاده ما ساعده على المضي في الانتهال
العلمي
( 8 )
في مدرسة النجف العلمية وشقّ طريقه على يد اساتذة فطاحل شهد لهم بعلو
المقام ، فقد درس على يد فحول الحوزة العلمية في النجف وسامراء
كالمرحوم الملا كاظم الخراساني ، والمرحوم السيد كاظم الطباطبائي وشيخ
الشريعة الاصفهاني ، والشيخ محمد طه نجف ، والشيخ حسن الكربلائي والسيد
إسماعيل الصدر ، والسيد حسن الصدر ، وغيرهم من أعلام الدين وأئمة العلم
..
ومرّت عليه مرحلة كان ينتقل خلالها في رياض العلم والفضل والأدب حتى
إذا ما استوفى نصيبه من هذه المناهل العلمية والأدبية ، كان من اولئك
الأفراد الذين لمع نجمهم في الأوساط الدينية بمكانته العلمية .
وكان ـ رحمه الله ـ كثير السؤال والمذاكرة والاستفسار عن مشاكل المسائل
كلما اجتمع بعالم كبير يبرز منه الدقة وحب المناظرة والافادة .
قال رحمه الله في ترجمته من كتابه «بغية الراغبين» ما نصّه : «أمّا في
العلوم العربية فقد كان ممّن لا يجارى فيها ـ ويقصد بذلك جدّه آية الله
المرحوم السيد الهادي ـ ولا سيما في علمي المعاني والبيان ، إذ بان
شأنه فيهما ، كنت استصبح بضوئه فيما لم اعتد إليه من معضلات «المطول»
للمحقّق التفتازاني فيهديني إليها بنور بيانه وسطوع حجّته ، فإذا هي
كالشمس في ريعان الضحى ، وكم كنت أرجع إليه في مشكلات المنطق والعلوم
العربية فيثلج غلتي بما ينفيه عني من معتلج الريب ، ويميطه من حجاب
الشبهة ، وكان على جلالته وشيخوخته يقبل على مباحثتي بانبساطه ،
ويسترسل إلى مناظرتي بأنسه ...» .
عودته إلى جبل عامل :
عاد بعد ذلك إلى جبل عامل وهو في الثانية والثلاثين من عمره ،
واستقبلته مدينته استقبالاً رائعاً ، وحط فيها موفور الكرامة ، محترم
الجانب ، رفيع المقام
( 9 )
وأصبح مرجعاً وزعيماً دينياً تمكن من الاصلاح والهداية ونشر المعارف .
بما ان استقر به المقام حتى بدأ يعمل ويخطط لأمّته كأي مصلح عظيم ،
ويرعى الجانب العلمي ، كما دعم الجانب الاجتماعي والسياسي وكانت له
مواقف مشهودة سجلها التاريخ بكلّ اكبار وتقدير .
ففي الجانب العلمي : نظّم السيد ـ رحمه الله ـ في «صور» الدراسة
العلمية وهذّبها من كلّ ما يعرقل سيرها ، ثم كان على اتّصال مستمر
بالبحث والمطالعة والكتابة والمناظرة ، وكانت حصيلة تلك الجهود العلمية
مجموعة كبيرة من المؤلّفات القيّمة .
وقام كذلك بفتح مدارس علمية ليوفر عدد طلاب العلوم الدينية ويشجعهم على
الاستمرار العلمي ، ووضع نواة لكلية جعفرية ، تولى العناية بها من بعده
ولده العلامة السيد جعفر شرف الدين .
أمّا في الجانب السياسي والاجتماعي : فقد كان السيد ـ رحمه الله ـ مثال
القائد المصلح الذي يحاول أن يبني لاُمّته كياناً ، فكانت له مواقف
خالدة ضد الاستعمار الأجنبي في العهد التركي والعهد الفرنسي وذلك
لاقامة العدل ، ولصموده واستقامته حاولوا اغتياله بيد أحد المرتزقة
يعرف بـ «ابن الحلاج» ، ولكن الله تعالى كفّ أيديهم عنه لكن بقيت
مؤامراتهم متّصلة إلى أن أدّت إلى تشريد السيد بأهله وذويه نحو دمشق
وترك مكتبته العامرة تحترق بيد الجيش الفرنسي .
أسفاره :
ولم يدم بقاء السيد طويلاً في دمشق ، فقد ضاق الفرنسيون به ذرعاً ، إذ
( 10 )
عرفت فيه الشام عالماً وزعيماً ومجاهداً ، وكانت معركة «ميسلون» نهاية
بقائه في دمشق ، فلجأ إلى مصر سنة ألف وتسع وعشرين وثلاثمائة هجرية
واجتمع بعلمائها وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالك شيخ الأزهر في
عصره وانتجت اجتماعاته به ومراسلاته له كتاب «المراجعات» .
ولم يمكث طويلاً في مصر ، إذ قصد فلسطين ليكون من هناك على مقربة من
بلده يواصل منها جهاده الديني والوطني ، وعندما خرج الفرنسيون من لبنان
عاد السيد ـ رحمه الله ـ إلى بلاده منتصراً ظافراً ، وكان يوم عودته
مشهوداً ، وهو يحمل مشعل النصر .
وللسيد ـ رحمه الله ـ سفرات وزيارات اخرى إلى المدينة وفلسطين ومصر
والعراق وإيران .
مؤلّفاته :
وللسيد شرف الدين مؤلفات كثيرة تدلّ على علمه وسعة اطلاعه ، وفيما يلي
نذكر جملة منها :
1 ـ المراجعات : وهي آية من الآيات ، ومعجزة من المعجزات ببيانها ،
وقوّة برهانها ، وشرف هدفها ، طبعت مرّتين في حياة السيد والعديد من
المرّات بعد وفاته وترجمت إلى العديد من اللغات كالفارسية والانكليزية
والاوردية .
2 ـ الفصول المهمة في تأليف الأمة : وهو صرخه مدوية في سبيل جمع الكلمة
واتحاد الاُمّة .
3 ـ اجوبة مسائل موسى جار الله : وهي أجوبة عن عشرين سؤالاً تقدّم بها
موسى جار الله إلى أعلام الشيعة في البلاد الاسلامية وقد دلّت هذه
الاجوبة على
( 11 )
غزير علم واطلاع واسع يكتفي بها كلّ من كان رائده الحق .
4 ـ الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء .
5 ـ المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة (وهو هذا الكتاب) .
6 ـ أبو هريرة : وقد اقتفى السيد فيه أثر العلامة أبو ريّة المصري في
كتاب الفذّ «شيخ المضيرة» .
7 ـ النصّ والاجتهاد : وهو من أعمق الدراسات الاسلامية في العصر الحاضر
.
8 ـ بغية الراغبين : ضمنه تراجم أعلام آل الصدر وشرف الدين مع عرض
لتراجم أستاذتهم وتلامذتهم وصور عن عصرهم وهو من الكتب الجليلة التي
تعد في طليعة أدب التراجم .
9 ـ فلسفة الميثاق والولاية .
10 ـ ثبت الاثبات في سلسلة الرواة : عرض فيه إلى شيوخه من أعاظم أهل
المذاهب الاسلامية باسلوب فريد مفيد .
11 ـ مسائل فقهية : موضوع فقهي مقارن عميق البحث .
12 ـ إلى المجمع العلمي : حيث رد على بعض الشبهات المثارة حول الشيعة ،
ووجّه نصائحه إلى المجمع العلمي يحثّه على الوفاق ونبذ الافتراق .
13 ـ حول الرؤية : رسالة عقائدية تبحث مسألة الرؤية بحثاً علمياً
عميقاً يثبت به استحالة الرؤية بأدلّة مقنعة .
14 ـ زينب الكبرى : وهي خطبة خطبها في الصحن الزينبي المطهر تحدّث
( 12 )
فيها عن مقام الحوراء زينب عليها السلام ومواقفها الخالدة .
ومن جملة كتبه التي احترقت ولم تطبع :
15 ـ سبيل المؤمنين (في الإمامة) .
16 ـ النصوص الجليلة (في الإمامة) .
17 ـ تنزيل الآيات الباهرة (في الإمامة) .
18 ـ شرح التبصرة في الفقه .
19 ـ تعليقة على الاستصحاب .
20 ـ تحفة المحدّثين فيما أخرجت عن الستة المضعفين .
21 ـ الذريعة (ردّ على بديعة النبهاني) .
22 ـ تعليقة على صحيح البخاري .
23 ـ تعليقة على صحيح مسلم .
24 ـ الأساليب البديعة في رجحان مآتم الشيعة .
25 ـ المجالس الفاخرة (المجلدات الأربعة) .
26 ـ مؤلفو الشيعة في صدر الاسلام .
27 ـ زكاة الأخلاق .
وفاته ومدفنه :
توفي رحمه الله يوم الاثنين 8 من جمادي الثانية سنة 1377 هـ ، الموافق
30 كانون الأول سنة 1957 ، ودفن في النجف الأشرف بجوار جدّه الإمام علي
بن أبي طالب عليه السلام داخل الصحن العلوي في إحدى الغرف المحيطة
بالضريح .
تغمّد الله الفقيد العظيم برحمته ، ونفع الله الامّة بآثاره كما نفعها
بسيرته .
والحمد لله رب العالمين .
( 13 )
عملنا في الكتاب
الكتاب الذي بين يديك ـ قارئنا العزيز ـ هو عبارة عن بقايا أثر خالد من
آثار العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين ، وهو واحد من تلك السلسلة
القيّمة التي خلّفها للمكتبة الاسلامية والتي كان بها أكبر الأثر في
تركيز الجانب الفكري والعقائدي الشيعي في القرن الرابع عشر الهجري .
فقد وضع المؤلف كتاباً سمّاه «المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة»
، حيث وضعه في مقدّمة وأربعة أجزاء وكوّن بمجموعه أربعة مجلدات ، وهي
كما يلي :
المقدمة : اقتصر فيها على مطالب خمسة هي :
1 ـ البكاء على الموتى المؤمنين .
2 ـ جواز رثائهم .
3 ـ تلاوة مناقبهم ومآثرهم .
4 ـ إقامة المجالس العزائية حزناً عليهم .
5 ـ الانفاق عنهم في وجوه البر .
أمّا أجزاء الكتاب فهي :
المجلد الاول : تحدّث فيها عن سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله
وحياته المقدّسة .
المجلد الثاني : وتحدّث فيه عن الإمام علي وفاطمة الزهراء والإمام
الحسن عليهم السلام .
( 14 )
المجلد الثالث : وقد خصّه بحياة الإمام الحسين عليه السلام .
المجلد الرابع : وقد جمع فيه سيرة الأئمّة المعصومين التسعة عليهم
السلام .
وقد كان السيد رحمه الله قد قدم على طبع هذا الكتاب عام 1332 هـ ، وما
أن أتمّ طبع المقدّمة حتى اندلعت شرارة الحرب العالمية ، فمنعت من
الاستمرار بالطبع ، بل شاء الحظ العاثر أن تخسر المكتبة الاسلامية
العديد من آثار السيد الفقيد بعد أن أصدر الاستعمار الفرنسي أمراً بنهب
دار السيد وحرق مكتبته .
ومن جملة الكتب التي احترقت هوهذا الكتاب القيّم .
وبعد مرور مدّة طويلة حاول أحد أولاد عمّ المؤلّف وهو السيد الجليل علي
ابن إسماعيل أن يجمع «من أفواه قراء المآتم» بعض المجالس المحفوظة ،
ويعرضها على سماحة السيد ويقرأها من أولها حتى نهايتها ، فأقرّها وحبّذ
هذا العمل وباركه منه .
«كما ألقى نظرة على المقدّمة ، ورتبها بعض الترتيب وحورها» .
وقد طبعت مقدمة الكتاب في صيدا سنة 1332 هـ ، واطلق عليها اسم «المقدمة
الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة» ، ثم اُعيد طبعها في كربلاء المقدّسة
سنة 1378 هـ ، ثم أعيد طبعها في النجف الأشرف سنة 1386 بعد أن اُلحق
بها بعض المجالس المتفرقة والتي جمعها السيد علي بن إسماعيل .
وقد اعتمدنا في تحقيقنا لهذا الكتاب على النسخة المطبوعة لكتاب
المقدّمة الزاهرة والتي طبعت عام 1378 هـ ، وكذلك على نسخة المجالس
الفاخرة المطبوعة عام 1386 هـ في النجف الأشرف .
ونظراً لكون نسخة «المقدمة الزاهرة» المطبوعة بصورة مستقلة عن المجالس
الفاخرة أكثر تفصيلاً من المقدمة الموجودة ضمن كتاب المجالس
( 15 )
الفاخرة والمطبوع سنة 1386 هـ فقد جعلنا القسم الاول من كتابنا هذا هو
«المقدمة الزاهرة لكتاب المجالس الفاخرة» ، أمّا القسم الثاني فسيكون
كتاب المجالس الفاخرة بمقدّمته المقتضبة .
أمّا عملنا في الكتاب فكان كالآتي :
1 ـ ضبط النص قدر الوسع والامكان ، والاشارة إلى بعض الاختلافات مع
المصادر الأصلية .
2 ـ تخريج الروايات الواردة في المتن من المظان المعتمدة .
3 ـ تثبيت أقوال المؤلف في الهامش بعد كلمة «قال رحمه الله :» ، وتمييز
تعليقاتنا في الهامش بكلمة «أقول :» .
4 ـ تثبيت التخريجات التي أوردها المؤلف كما هي ، مع زيادة العديد من
التخريجات والتعليقات ضمن الهامش .
5 ـ كتبتُ تراجم مختصرة لأغلب الأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب .
6 ـ ما أضفناه من المصادر أو من عندنا وضعناه بين [ ] دون الاشارة إلى
المصدر .
7 ـ وضعت فهارس فنية في آخر الكتاب لكي تعين الباحث في عمله .
نسأل الله رب العالمين أن ينفع به ، وأن يجعله في صحائف أعمالنا يوم
القيامة «يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم» .
محمود البدري
3 / رجب / 1421 هـ . ق
ذكرى استشهاد الإمام علي الهادي عليه السلام
( 16 )
( 17 )
المقدمة الزاهرة
الكتاب المجالس الفاخرة
(18 )
( 19 )
مقدمة المؤلف
الحمد لله على جميل بلائه وجليل عزائه ، والصلاة والسلام على اُسوة
أنبيائه وعلى الأئمة المظلومين من أوصيائه ورحمة الله وبركاته ...
أمّا بعد ؛ فهذا كتاب «المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة» وضعته
تقرّباً إليهم في الدنيا ، وتوسّلاً بهم في الآخرة ، سائلاً من الله
سبحانه ان يكون خالصاً لوجهه الكريم ، انّه هو الرؤوف الرحيم ...
الأصل العملي(1) يقتضي إباحة البكاء على مطلق الموتى ، ورثائهم بالقريض
، وتلاوة مناقبهم ومصائبهم ، والجلوس حزناً عليهم ، والانفاق عنهم في
وجوه البر ، ولا دليل على خلاف هذا الاصل ، بل السيرة القطعية(2) ،
والأدلّة
(1) أي أنّ الحكم الشرعي في مرحلة العمل هكذا يقتضي ، وذلك استناداً
إلى قول كثير من الاصوليين الذين يرون بأن الأصل في المكلّف أن لا يكون
مسؤولاً عن التكاليف المشكوكة أو المجهولة ، ويرى هؤلاء انّ العقل هو
الذي يحكم بنفي المسؤولية ، لأنّه يدرك قبح العقاب من المولى على
مخالفة المكلّف للتكليف الذي لم يصل اليه ، ولأجل هذا يطلقون على الأصل
من وجهة نظرهم اسم «قاعدة قبح العقاب بلا بيان» أو «البراءة العقلية» .
(2) وتعني الأمر المتداول عند عموم المسلمين المتشرعين ، بشرط أن لا
يكون هذا الأمر أمراً مستحدثاً أو عادة من العادات المحلية ، بل لا بدّ
أن يرتبط بعصر المعصوم ، وهو ما يطلق عليه علماء الاُصول بـ «سيرة
المتشرعة» على أساس أنّ المتشرعة حينما يسلكون سلوكاً بوصفهم
( 20 )
اللفظية حاكمان بمقتضاه ، بل يستفاد من بعضها استحباب هذه الاُمور إذا
كان الميّت من أهل المزايا الفاضلة ، والآثار النافعة ، وفقاً لقواعد
المدنية ، وعملاً باُصول العمران ، لأنّ تمييز المصلحين يكون سبباً في
تنشيط أمثالهم ، وأداء حقوقهم يكون داعياً إلى كثرة الناسجين على
منوالهم ، وتلاوة أخبارهم ترشد العاملين إلى اقتفاء آثارهم ، وهنا
مطالب :
متشرعة ، يجب أن يكونوا متلقين ذلك من المعصوم عليه السلام ، وقد
وصفت هذه السيرة بالقطعية ، لأنّه بواسطتها سوف يحصل لنا القطع باذن
الشارع في مورده .
( 21 )
المطلب الأول
في البكاء
ولنا على ما اخترناه فيه (مضافاً إلى السيرة القطعية) فعل النبي صلى
الله عليه وآله وسلّم وقوله وتقريره ؛ أمّا الأول متواتر عنه في موارد
عديدة :
منها : يوم اُحد ، إذ علم الناس كافة بكائه يومئذ على عمّه أسد الله
واسد رسوله حتى قال ابن عبد البر في ترجمة حمزة(1) من استيعابه لمّا
رأى النبي صلى الله عليه وآله حمزة قتيلاً بكى ، فلمّا رأى ما مثّل به
شهق .(2)
وذكر الواقدي (كما في أوائل الجزء الخامس عشر من نهج البلاغة(3)
للعلامة المعتزلي) ، انّ النبي صلى الله عليه وآله كان يومئذ إذا بكت
صفيّة يبكي ، وإذا نشجت ينشج(4) قال : وجعلت فاطمة تبكي ، فلمّا [بكت]
بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .(5)
(1) حمزة بن عبد المطلب بن هاشم أبو عمارة ، سيد الشهداء ، استشهد سنة
3 هـ ، عم النبي صلى الله عليه وآله ، أحد صناديد قريش وسادتهم في
الجاهلية والاسلام ، هاجر مع النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة ،
حضر وقعة بدر وغيرها ، استشهد يوم اُحد ودفن في المدينة .
انظر : تاريخ الاسلام 1 : 99 ، صفوة الصفوة 1 : 144 ، الأعلام 2 : 278
.
(2) الاستيعاب 1 : 325 .
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 387 .
(4) نشج الباكي ينشج نشيجاً : غُص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب .
القاموس المحيط 1 : 219 .
(5) قال رحمه الله : قد اشتمل هذا الحديث على فعل النبي صلى الله عليه
وآله وتقريره ، فهو حجّة من
( 22 )
ومنها : يوم نعى زيداً وذا الجناحين وابن رواحة ، فيما أخرجه البخاري
في الصفحة الثالثة من أبواب الجنائز من صحيحه(1) .
وذكر ابن عبد البر في ترجمة زيد من استيعابه(2) انّ النبي صلى الله
عليه وآله بكى على جعفر(3) وزيد وقال : أخواي ومؤنّساي ومحدّثاي .
ومنها : يوم مات ولـده ابـراهيم ، إذ بكى عليه فقال له عبد الرحمن بن
عوف (كما في صفحة 148 من الجزء الأول من صحيح البخاري) وأنـت يا رسـول
الله !(4)
جهتين ، على انّ بكاء سيدة النساء عليها السلام كاف كما لا يخفى .
أقول : لانّ فعل الزهراء عليها السلام يكفي للاستدلال باعتباره حجّة في
مثل هذا المقام ، إذ انّها معصومة ، وهي من الذين أذهب الله عنهم الرجس
وطهّرهم تطهيراً ، وانظر ما كتبه رحمه الله حول الزهراء في رسالته
القيّمة (الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء عليها السلام) .
(1) صحيح البخاري 2 : 384 ، صحيح مسلم 5 : 317 ، وانظر : مسند أحمد 2 :
40 .
(2) الاستيعاب 2 : 65 .
(3) جعفر بن أبي طالب عليه السلام ، يكنّى أبا عبد الله ، صحابي هاشمي
من شجعانهم ، أوّل قتيل من الطالبيين في الاسلام ، ويكنّى أبا المساكين
أيضاً ، وجعفر هو الثالث من ولد أبيه بعد طالب وعقيل ، وبعد جعفر علي
عليه السلام ، وامّهم فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف ، استشهد سنة
8 هـ ، حضر وقعة مؤتة ، فنزل عن فرسه وقاتل ، ثم حمل الراية وتقدّم
صفوف المسلمين ، فقطعت يمناه ، فحمل الراية باليسرى ، فقطعت ايضا ،
فاحتضن الراية إلى صدره وصبر حتى وقع شهيداً وفي جمسه نحو تسعين طعنة
ورمية .
انظر : الإصابة 1 : 237 ، البداية والنهاية 4 : 255 ، تهذيب التهذيب 2
: 98 ، أسد الغابة 1 : 286 ، الطبقات الكبرى 4 : 22 ، حلية الأولياء 1
: 114 .
(4) قال القسطلاني : أي اتبع الدمعة الاولى بدمعه اخرى أو اتّبع الكلمة
الاولى المجملة وهو قوله : «انّها رحمة» بكلمة اخرى مفصّلة ، فقال :
انّ العين تدمع ... الخ . انظر : ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري 2 :
398 .
( 23 )
قال : يا ابن عوف ، انّها رحمة(1) ثم اتبعها ـ يعني عبرته ـ باخرى ،
فقال : انّ العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول(2) الاما يرضي ربّنا ،
وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون .(3)
ومنها : يوم ماتت إحدى بناته صلى الله عليه وآله ، إذ جلس على قبرها
(كما في صفحة 146 من الجزء الأول من صحيح البخاري) وعيناه تدمعان .(4)
ومنها : يوم مات صبي لإحدى بناته ، إذ فاضت عيناه يومئذ (كما في
الصحيحين وغيرهما) فقال له سعد : ما هذا ، يا رسول الله ؟
(1) قال رحمه الله : لا يخفى ما في تسميتها رحمة من الدلالة على حسن
البكاء في مثل المقام .
أقول : قوله صلى الله عليه وآله : انّها رحمة ؛ أي والرحمة نعم الفعل ،
ونعمت الصفة ، وليس سخطاً لقضاء الله حتى تكون مذمومة ، وما كان ينبغي
أن يقال لرسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ، وهو القدوة في أقواله
وأفعاله وسكوته ومقاله ، والله تعالى يقول : «وما آتاكم الرسول فخذوه
وما نهاكم عنه فانتهوا» [سورة الحشر : 7] .
(2) قال رحمه الله : أراد بهذا انّ الملامة والاثم في المقام انّما
يكونان بالقول الذي يسخط الرب عزّ وعلا ، كالاعتراض عليه والسخط لقضائه
لا بمجرّد دمع العين وحزن القلب .
(3) صحيح البخاري 2 : 105 .
وروي بأسانيد وألفاظ متفاوتة ، انظر : التعازي للمدائني : 14 ، سنن ابن
ماجة 1 : 506 ح 1589 ، الكامل للمبرّد 3 : 263 ، العقد الفريد 3 : 234
، دعائم الاسلام 1 : 228 ح 792 ، تحف العقول : 37 ، بحار الانوار 82 :
91 و100 و101 .
(4) قال القسطلاني (ارشاد الساري 2 : 425) : هي امّ كلثوم زوج عثمان .
وأخرج النسائي في سننه (1 : 262) عن ابن عباس قال : لمّا حضرت بنت
لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صغيرة فأخذها فضمّها الى صدره ثم
وضع يده عليها ، فقضت وهي بين يديه ، فبكت امّ أيمن فقال لها رسول الله
صلى الله عليه وآله ، يا اُمّ أيمن ، أتبكين ورسول الله صلى الله عليه
وآله عندك ؟
فقالت : ما لي لا أبكي ورسول الله صلى الله عليه وآله يبكي .
فقال : انّي لست أبكي ، ولكنّها رحمة .
(24 )
قال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب [من يشاء من] عباده ،« وإنّما يرحم
الله من عباده الرحماء»(1) .(2)
ومنها : ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين ، عن ابن عمر قال : اشتكى
سعد فعاده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع جماعة من أصحابه فوجده
في غشية فبكي .
[قال :] فلمّا رأى القوم بكاءه بكوا ... الحديث(3) .(4)
والأخبار في ذلك لا تحضى ولا تستقصى(5) .
(1) قال رحمه الله : دلالة قوله : «وانّما يرحم الله من عباده الرحماء»
على استحباب البكاء في غاية الوضوح كما لا يخفى .
(2) صحيح البخاري 2 : 100 ، صحيح مسلم 2 : 635 ح 923 ، سنن أبي داود 3
: 193 ح 3125 ، سنن ابن ماجة 1 : 506 ح 1588 ، سنن النسائي 4 : 22 ،
دعائم الاسلام 1 : 228 ح 794 ، مجمع الزوائد 3 : 18 ، بحار الأنوار 82
: 91 .
(3) قال رحمه الله : لا يخفى اشتماله على كل من فعل النبي صلى الله
عليه وآله وسلم تقريره ، فهو حجّة من جهتين .
أقول : ولكن عندما نقرأ بقية الحديث نجده حجّة من ثلاث جهات ؛ فعل
النبي صلى الله عليه وآله وقوله وتقريره .
(4) أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال : اشتكى سعد بن
عبادة شكوى له ، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده مع عبد
الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وعبد الله بن مسعود ، فلمّا دخل عليه
فوجده في غاشية من أهله فقال : قد قضى ؟ فقالوا : لا يا رسول الله ،
فبكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلمّا رأى القوم بكاء النبي صلى
الله عليه وآله وسلم بكوا ، فقال : ألا تسمعون انّ الله لا يعذّب بدمع
العين ولا بحزن القلب ، ولكن يعذّب بهذا ـ وأشار إلى لسانه ـ أو يرحم .
(منه رحمه الله) .
(5) انظر : سنن ابن ماجة 1 : 506 ح 1589 ، الكامل للمبرّد 3 : 263 ،
العقد الفريد 3 : 234 ، التعازي للمدائني : 14 .
( 25 )
وأمّا قوله وتقريره فمستفيضان مواردهما كثيرة فمنها ما ذكره ابن عبد
البر في ترجمة جعفر من استيعابه(1) قال :
لما جاء النبي صلى الله عليه وآله نعي جعفر(2) أتى امرأته أسماء بنت
عميس فعزّاها .
[قال :] ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول : واعماه ، فقال رسول الله صلى
الله عليه وآله : على مثل جعفر فلتبك(3) البواكي .
ومنها : ما ذكره ابن جرير(4) وابن الأثير(5) وصاحب العقد الفريد(6)
وجميع أهل السير(7) ، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل من حديث ابن عمر في
صفحة
(1) الاستيعاب 1 : 312 .
(2) قال رحمه الله : هذا الحديث مشتمل على تقريره صلى الله عليه وآله
على البكاء وأمره به على انّ مجرّد صدوره من سيّدة النساء عليها السلام
حجّة كما لا يخفى .
(3) قال رحمه الله : هذا أمر منه صلى الله عليه وآله بالبكاء ندباً على
أمثال جعفر من رجال الاُمّة وحسبك به حجّة على الاستحباب .
(4) تاريخ الطبري 3 : 27 .
(5) الكامل في التاريخ : 2 : 132 .
(6) العقد الفريد 2 : 86 .
(7) قال علي بن برهان الدين الحلبي في السيرة الحلبيّة 1 : 462 : وسمع
رسول الله صلى الله عليه وآله نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ
وأبنائهنّ وإخوانهنّ فقال : حمزة لا بواكي له ، وبكى صلى الله عليه
وآله ـ ولعلّه لم يكن له بالمدينة زوجة ولا بنت ـ فأمر سعد بن معاذ
نساءه ونساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله يبكين
حمزة بين المغرب والعشاء ، وكذلك اُسيد بن خضير أمر نساءه ونساء قومه
أن يذهبن إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وآله يبكين حمزة ـ إلى أن
قال ـ : فلمّا رجع صلى الله عليه وآله من المسجد من صلاة المغرب سمع
البكاء فقال : ما هذا ؟ فقال : نساء الأنصار يبكين حمزة ، فقال : رضي
الله عنكنّ وعن أولادكنّ ، وأمر أن ترد النساء إلى منازلهنّ ـ إلى أن
قال ـ : وفي
( 26 )
(40) من الجزء الثاني من مسنده قال :
[لمّا] رجع رسول الله صلى الله عليه وآله [من اُحد فجعلت نساء الأنصار
يبكين على مَن قُتِل من أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :]
ولكن حمزة لا بواكي له .
[قال :] ثمّ نام فاستنبه وهن يبكين .
[قال :] فهنّ اليوم إذا بكين يبد أن(1) بحمزة .(2)
رواية : فلمّا ذهب ثلث الليل نادى بلال : الصلاة يا رسول الله ، فقام
من نومه ، وخرج وهنّ على باب المسجد يبكين حمزة فقال لهن : ارجعن
رحمكنّ الله ، لقد واسيتن معي ، رحم الله الأنصار ، فإن المواساة فيهم
كما عملت قديماً ـ إلى أن قال ـ : وصارت الواحدة من نساء الأنصار بعد
لا تبكي على ميّتها الابدأت بالبكاء على حمزة ثمّ بكت على ميّتها .
وأخرج كذلك عن ابن مسعود : ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله
باكياً أشدّ من بكائه على حمزة ، وضعه في القبلة ، ثم وقف على جنازته
وانتحب حتى نشق ـ أي شهق حتى بلغ الغشى ـ يقول : يا عمّ رسول الله ،
وأسد الله ، وأسد رسول الله ، يا حمزة ، يا فاعل الخيرات ، يا حمزة ،
يا كاشف الكربات ، يا ذابّ ، يا مانع عن وجه رسول الله .
(انظر : السيرة الحلبية 1 : 461 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 :
387) .
أقول : هذا حال رسول الله صلى الله عليه وآله عندما رأى حمزة شهيداً ،
فكيف به صلوات الله عليه لو نظر إلى ما صنع بولده الحسين وأهل بيته
عليهم السلام لكان ذلك المنظر أوجع لقلبه من منظر حمزة ويكون حاله كما
قال القائل :
لـو أنّ رسـول الله يبعث iiنظرة لـردّت إلـى انسان عين iiمؤرّق
وهـان عـليه يـوم حمزة iiعمّه بـيوم حسين وهو أعظم ما iiلقي
ونال شجى من زينب لم ينله iiمن صـفيّة إذ جـاءت بدمع مرقرق
فكم بين من للخدر عادت مصونة ومـن سيّروها في السبايا iiبحلّق
(1) كذا في الأصل ، والظاهر هو الصحيح ، وفي المصدر : يندبن .
(2) مسند أحمد بن حنبل 3 : 261 .
( 27 )
وفي ترجمة حمزة من الاستيعاب ، نقلاً عن الواقدي قال : لم تبك امرأة من
الأنصار على ميّت بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله : «لكن حمزة لا
بواكي له» إلى اليوم الابدأت(1) بالبكاء على حمزة [ثمّ بكت ميّتها]
.(2)
وحسبك تلك السيرة في رجحان البكاء على من هو كحمزة وان بعُد العهد
بموته.
ولا تنس ما في قوله صلى الله عليه وآله : «لكن حمزة لا بواكي له» من
البعث على البكاء والملامة لهن على تركه ، وحسبك به وبقوله : «على مثل
جعفر فلتبك البواكي» دليلاً على الاستصحاب .
وأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عبّاس في صفحة (335) من الجزء الأول من
مسنده من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله
وبكاء النساء عليها ، قال : فجعل عمر يضربهنّ بسوطه ، فقال النبي صلى
الله عليه وآله : دعهن يبكين .
ثم قال : مهما يكن من القلب والعين فمن الله والرحمة (ـ إلى أن قال ـ
:] ، وقعد على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي ، فجعل النبي صلى الله
عليه وآله يمسح عين فاطمة بثوبه رحمة لها .(3)
وأخرج أحمد أيضاً من حديث أبي هريرة جاء فيه : انّه مرّ على رسول الله
صلى الله عليه وآله جنازة معها بواك ، فنهرهنّ عمر ، فقال له رسول الله
صلى الله
(1) كذا في المصدر ، وفي الأصل : لا بدأن ، وهو تصحيف .
(2) الاستيعاب 1 : 275 .
(3) مسند أحمد 1 : 335 ، مشكاة المصابيح 1 : 548 ح 1748 ، مجمع الزوائد
3 : 17 ، كنز العمّال 15 : 621 ح 42476 .
( 28 )
عليه وآله : دعهنّ ، فإنّ النفس مصابة ، والعين دامعة ، [والعهد قريب]
.(1)
إلى غير ذلك ممّا لا يسعنا استيفاؤه .
وقد بكى يعقوب ، إذ غيّب الله ولده : «وقال يا أسفا على يوسف وابيضّت
عيناه من الحزن فهو كظيم»(2) ، حتى قيل ـ كما في تفسير هذه الآية من
«الكشاف» ـ : ما جفّت عيناه من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين
عاماً ، وما على وجه الأرض أكرم على الله منه . وعن رسول الله صلى الله عليه وآله ـ كما في تفسير هذه الآية من
«الكشاف» أيضاً ـ : أنّه سئل جبرئيل عليه السلام : ما بلغ من وجد يعقوب
على يوسف ؟
قال : وجد سبعين ثكلى .
قال : فما كان له من الأجر ؟
قال : أجر مائة شهيد(3) ، وما ساء ظنّه بالله ساعة قطّ(4) .
(1) مسند أحمد 2 : 333 ، وانظر : سنن ابن ماجة 1 : 247 ، سنن النسائي 1
: 263 .
أقول : قوله : «والعهد قريب» لا يدل ّعلى عدم الجواز مع بعد العهد ،
فإنّه بمنزلة التعليل لصعوبة الصبر مع قرب العهد ؛ أي لو كان العهد
بعيداً لهان عليهنّ ترك البكاء ، وان كان جائزاً أيضاً ، فلا يدل ّعلى
اختصاص الجواز بقرب العهد ، مع انّ مثل مصيبة الحسين عليه السلام وما
اشتملت عليه من الفظاعة التي لم يسبق لها مثيل كلّما بعُد عهدها فهو
قريب ، وكما قال القائل :
وفجائع الأيّام تبقى مدّة
وتزول وهي إلى
القيامة باقية
(2) سورة يوسف : 84 .
(3) قال رحمه الله : هذا كالصريح في استحباب البكاء ، إذ ليس المستحب
الا ما يترتب الثواب على فعله كما هو واضح .
(4) الكشاف 2 : 450 ، تفسير الطبري 13 : 32 ، غرائب القرآن ـ بهامش
تفسير الطبري ـ 13 : 42 ، تفسير
|