( 29 )
قلت : أيّ عاقل يرغب عن مذهبنا في البكاء بعد ثبوته عن الأنبياء «ومن
يرغب عن ملّة إبراهيم إلا من سفه نفسه»(1) .
وأمّا ما جاء في الصحيحين(2) : من انّ الميّت يعذّب لبكاء أهله عليه .
وفي رواية : ببعض بكاء أهله عليه .
وفي رواية : ببكاء الحيّ .
وفي رواية : يعذب في قبره بما نيح عليه .
وفي رواية : من يبك عليه يعذّب . فانّه خطأ من الراوي بحكم العقل
والنقل .
قال الفاضل النووي : هذه الروايات كلّها من رواية عمر بن الخطّاب وابنه
عبد الله .(3)
قال : وأنكرت عائشة(4) عليهما ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه ،
واحتجّت
الرازي 5 : 238 .
(1) سورة البقرة : 130 .
(2) صحيح البخاري 1 : 155 ، صحيح مسلم 1 : 359 و4 : 257 ، سنن ابن ماجة
1 : 173 ، سنن النسائي 1 : 213 .
(3) صحيح مسلم 5 : 318 .
(4) هي زوج النبي صلى الله عليه وآله واُمّ المؤمنين ، تزوّجها النبي
صلى الله عليه وآله في السنة الثانية أ, الثالثة للهجرة وتوفّي عنها
وهي ابنة ثماني عشرة سنة على أشهر الأقوال .
ولقب ام المؤمنين هذا لا يختصّ بعائشة ، فهو يطلق على كلّ امرأة
تزوّجها الرسسول صلى الله عليه وآله ، فيُقال امّ المؤمنين خديجة ،
وامّ المؤمنين حفصة ... الخ .
وقد لعبت عائشة دوراً كبيراً في التاريخ الاسلامي ، فهي أوّل امرأة
تقود جيشاً كبيراً لمحاربة خليفة المسلمين ، انّها عصت أمر الله وأمر
رسوله لها بالذات وخرجت فقادت حرب
( 30 )
بقوله تعالى : «ولا تزر وازرة وزر اُخرى»(1) ... الخ .(2)
قلت : وأنكر هذه الروايات أيضا عبد الله بن عبّاس(3) واحتجّ على خطأ
الجمل المشؤومة التي انتهكت فيها المحارم ، وقتلت الأبرياء وخانت
العهد في الكتاب الذي كتبته مع عثمان بن حنيف وعندما جاؤوها بالرجال
مكتّفين أمرت بضرب أعناقهم صبراً ، وكأنّها لم تسمع قول النبي صلى الله
عليه وآله : «سباب المؤمن فوس وقتاله كفر» .
وقد سجّل لها التاريخ كُرهاً وبغضاً للإمام علي لم يعرف له مثيل وصل
بها إلى حدّ أنّها لا تطيق ذكر اسمه ولا تطيق رؤيته ، وعندما تسمع بأنّ
الناس قد بايعوه بالخلافة بعد قتل عثمان تقول : وددت لو أنّ السماء
انطبقت على الأرض قبل أن يليها ابن أبي طالب ، وتعمل كلّ جهودها
للإطاحة به ، وتقود ضدّه عسكراً جرّراراً لمحاربته ، وعندما ياتيها خبر
موته تسجد شكراً لله ! (انظر : صحيح البخاري 1 : 162 وج 3 : 135 وج 5 :
140) .
(1) سورة الأنعام : 164 ، سورة الاسراء : 15 ، سورة فاطر : 18 ، سورة
الزمر : 7 .
(2) أخرج النسائي ومسلم ومالك في الموطأ : انّ عائشة لمّا بلغها رواية
ابن عمر : انّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله ونحوه ، قالت : مرّ النبي صلى
الله عليه وآله وسلم على قبر فقال : إنّ صاحب القبر ليعذّب ، وانّ أهله
يبكون عليه ، وقرأت : «ولا تزر» الآية . أو قالت : انّه لم يكذب ، ولكن
نسي أو أخطأ ، انّما مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يهودية
يبكى عليها فقال : انّهم ليبكون عليها وانّها لتعذّب في قبرها . أو
قالت : انّه سمع شيئاً فلم يحفظ ، انّما مرّت على رسول الله صلى الله
عليه وآله جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال : أنتم تبكون عليه ، وانّه
ليعذّب . أو قالت : وهل انّما قال صلى الله عليه وآله وسلم : انّه
ليعذّب بخطيئته وبذنبه ، وانّ أهله ليبكون عليه الآن . أو قالت ـ لمّا
ذكر لها حديث من يبكي عليه يعذّب ـ : انّما كان اولئك اليهود . أو لمّا
بلغها قول عمر وابنه قالت : انكم لتحدّثون عن غير كاذبين ولا مكذّبين ،
ولكن السمع يخطئ .
انظر : سنن النسائي 1 : 213 ، صحيح مسلم 4 : 257 ، الموطأ 1 : 107 ،
والتردد في هذه الأقوال من الراوي .
(3) عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ، أبو العباس ،
حبر الاُمّة ، صحابي جليل ، ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوّة ، لازم
رسول الله صلى الله عليه وآله وروى عنه ، وشهد مع علي عليه السلام
الجمل وصفّين ، كفّ بصره في آخر عمره ، فسكن الطائف وتوفي
( 31 )
راويها ، والتفصيل في الصحيحين وشروحهما ، وما زالت عائشة وعمر في هذه
المسألة على طرفي نقيض حتى أخرج الطبري(1) في حوادث سنة 13 من تاريخه
بالإسناد إلى سعيد بن المسيب قال : لمّا توفّي أبو بكر أقامت عليه
عائشة النوح ، فأقبل عمر بن الخطاب حتى قام ببابها فنهاهن عن البكاء
على أبي بكر ، فأبين أن ينتهين ، فقال عمر لهشام بن الوليد : ادخل
فأخرج إليّ ابنة أبي قحافة . فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر :
انّي أحرج عليك بيتي . فقال عمر لهشام : ادخل فقد أذنت لك ، فدخل هشام
وأخرج امّ فروة اُخت أبي بكر إلى عمر فعلاها بالدرّة ، فضربها ضربات ،
فتفرّق النوح حين سمعوا ذلك .
قلت : كأنّه لم يعلم تقرير النبي صلى الله عليه وآله نساء الأنصار على
البكاء على موتاهنّ ، ولم يبلغه قوله صلى الله عليه وآله : «لكن حمزة
لا بواكي له» ، وقوله صلى الله عليه وآله : «على مثل جعفر فلتبك
البواكي» ، وقوله صلى الله عليه وآله : «إنّما يرحم الله من عباده
الرحماء» .
ولعله نسي نهي النبي صلى الله عليه وآله اياه عن ضرب البواكي يوم ماتت
رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، نسي نهيه إيّاه عن انتهارهن
في مقام آخر مرّ عليك آنفاً .(2)
ثمّ إذا كان البكاء على الميّت حراماً ، فلماذا أباح لنساء بني مخزوم
أن
بها سنة 68 هـ .
انظر : الإصابة ترجمة رقم (4772) ، صفة الصفوة 1 : 314 ، حلية الأولياء
1 : 314 ، نسب قريش : 26 ، الأعلام 4 : 95 .
(1) تاريخ الاُمم والملوك 2 : 49 (وفاة أبو بكر) .
(2) انظر مسند أحمد بن حنبل 1 : 335 و2 : 333 ، سنن ابن ماجة 1 : 247 ،
العقد الفريد 2 : 47 .
( 32 )
يبكين على خالد بن الوليد(1) حتى ذكر محمد بن سلام ـ كما في ترجمة خالد
من الاستيعاب(2) ـ انّه لم تبق امرأة من بني المغيرة الاوضعت لمّتها ـ
أي حلق رأسها ـ على قبر خالد ، وهذا حرام بلا ارتياب ، والله أعلم .(3)
(1) بل انّ عمر بكى وحزن على أخيه زيد ورثاه ، ففي الإصابة (1 : 565 و
6432) في ترجمة زيد بن الخطاب : انّه لمّا قُتل باليمامة حزن عليه عمر
حزناً شديداً .
وفي الاستيعاب (1 : 543) بسنده عن ابن جابر قال : قال لي عمر بن الخطاب
: ما هبّت الصبا الاوأنا أجد منها ريح زيد .
وقد بكى عمر أيضاً على النعمان بن مقرن حين قتل في فتح نهاوند واضعاً
يده على رأسه علامة على شدّة الحزن وعظيم المصاب . ففي الاستيعاب (3 :
547) في ترجمة النعمان : ولمّا جاء نعيه عمر بن الخطاب ، خرج فنعاه إلى
الناس على المنبر ، ووضع يده على رأسه يبكي !
(2) الاستيعاب ـ بهامش الاصابة ـ 3 : 397 . وانظر : صحيح البخاري 1 :
167 (باب ما يكره من النياحة) ، النهاية لابن الأثير 5 : 109 ، العقد
الفريد 2 : 76 .
(3) فقد روى البخاري في صحيحه (1 : 155 ، كتاب الجنائر) : إنّ النبي
صلى الله عليه وآله وسلم برئ من الحالقة ، وكذا روى النسائي في سننه (1
: 217) .
( 33 )
المطلب الثاني
في رثاء الميّت بالقريض
ويظهر من القسطلاني في شرح [صحيح] البخاري(1) انّ الجماعة يفصّلون
القول فيه ، فيحرمون ما اشتمل منه على مدح الميّت وذكر محاسنه ، الباعث
على تحريك الحزن وتهييج اللوعة ، ويبيحون ما عدا ذلك ، والحقّ اباحته
مطلقاً ، إذ لا دليل هنا يعدل بنا عن مقتضى الأصل ، والنواهي التي
يزعمونها انّما يستفاد منها الكراهة في موارد مخصوصة على انّها غير
صحيح بلا ارتياب .
وقد رثى آدم عليه السلام ولده هابيل ، واستمرت على ذلك ذرّيّته إلى
يومنا هذا بلا نكير .(2)
وأقرّ رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه عليه مع اكثارهم من تهييج
الحزن به ، وتفنّنهم بمدائح الموتى فيه ، وتلك مراثيهم منتشرة في كتب
الأخبار ،
(1) ارشاد الساري 3 : 298 (باب رثاء النبي سعد بن خولى) .
(2) قال الطبي في تاريخه (1 : 37) ما لفظه :
وذكر انّ قابيل لمّا قتل أخاه هابيل بكاه آدم فقال فيما حدّثنا ابن
حميد قال : ثنا سلمة ، عن غياث بن إبراهيم ، عن أبي إسحاق الهمداني قال
: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه : لمّا قتل ابن آدم أخاه بكاه
آدم فقال :
تغيّرت البلاد ومَن عليها فلون الأرض مغبّر قبيح
تغيّر كل ذي طعم ولون وقلّ بشاشة الوجه المليح
( 34 )
فراجع الاستيعاب إن أردت بعضها أحوال سيد الشهداء حمزة(1) ، وعثمان بن
مظعون(2) ، وسعد بن معاذ(3) ، وشمّاس بن عثمان بن الشريد(4) ، والوليد
بن الوليد
(1) الاستيعاب 1 : 325 .
(2) جاء في الاستيعاب (3 : 89) أنّه لمّا مات عثمان بن مظعون رثته
امرأته فقالت :
يـا عين جودي بدمع غير iiممنون عـلى رزيـة عثمان بن iiمظعون
على امرئ كان في رضوان خالقه طوبى له من فقيد الشخص iiمدفون
طـاب الـبقيع له سكنى iiوغرقده واشـرقت أرضـه من بعد iiتفتين
وأورث القلب حزناً لا انقطاع iiله حتى الممات وما ترقى له iiشوني
وقد أخرج ابن ماجة في سننه (1 : 329 ، باب ما جاء في تقبيل الميّت) ،
عن عائشة قالت : قبّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن
مظعون وهو ميّت ، فكأني انظر إلى دموعه تسيل على خدّيه .
وقال محمد بن عبد الهادي المعروف بالسندي في الحاشية : قوله : على
خدّيه ؛ أي خدّي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو خدّي عثمان ،
ويؤيّد الثاني ما جاء : حتى سالت دموع النبي صلى الله عليه وآله وسلم
على وجه عثمان ، والله تعالى أعلم .
(3) أورد ابن هشام في سيرته (4 : 296) ، عن ابن إسحاق قال : قال حسّان
بن ثابت يبكي سعد بن معاذ : لقد سجمت من دمع عيني عبرة وحُقّ لعينـي أن
تفيـض على سعد
لقد سجمت من دمع عيني iiعبرة وحُـقّ لعيني أن تفيض على iiسعد
قـتيل ثـوى في معرك فجعت iiبه عـيون ذواري الدمع دائمة iiالوجد
عـلى مـلّة الـرحمن وارث iiجنّةٍ مـع الـشهداء وفـدها أكرم iiالوفد
فـإن تـك قـد ودّعـتنا iiوتركتنا وأمـسيت في غبراء مظلمة اللحد
فـأنت الـذي يا سعد أبتّ iiبمشهد كـريم وأثـواب الـمكارم iiوالحمد
بـحكمك فـي حيّي قريظة iiبالذي قضى الله فيهم ما قضيت على عمد
(4) قالت نُعم تبكي زوجها شمّاس بن عثمان الذي اُصيب يوم اُحد :
يا عين جودي بفيض غير iiإبساس عـلى كـريم مـن الـفتيان لبّاس
صـعب الـبديهة مـيمون iiنقيبته حـمّال ألـوية رَكّـاب iiأفـراس
أقـول لـمّا أتى الناعي له iiجزعاً أودى الجواد وأودى المُطعم الكاسي
وقـلت لـمّا خـلت مـنه مجالسه لا يُـبعد الله عـنّا قـرب iiشمّاس
( 35 )
ابن المغيرة(1) ، وأبي خراش الهذلي(2) ، وأياس بن البكير الليثي(3) ،
وعاتكة بنت
فأجابها أخوها أبو الحكم بن سعيد بن يربوع فقال :
اقـني حياءك في ستر وفي iiكرم فـإنّما كـان شـمّاس من iiالناس
لا تـقتلي النفس إذ حانت منيته في طاعة الله يوم الروع iiوالباس
قد كان حمزة ليث الله فاصطبري فـذاق يـومئذٍ من كأس iiشمّاس
انظر : سيرة ابن هشام 168:3، الاصابة 97:2.
(1) قالت امّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله تبكي الوليد بن الوليد
بن المغيرة :
يـا عـين فابكي iiالولي د بـن الوليد بن iiالمغيرة
قـد كان غيثاً في السني ن ورحـمة فـينا iiوميرة
ضـخم الـدسيعة ماجداً يـسمو إلى طلب الوتيرة
مـثل الـوليد بن iiالولي د أبي الوليد كفى العشيرة
انظر : الاستيعاب 3 : 630 .
(2) هو خويلد بن مرّة أبو خرّاش الهذلي ، كان في الجاهلية من فتّاك
العرب ثم أسلم ، وكان يعدو على قدميه فيسبق الخيل ، قال وهو يرثي أخاه
أو ابن عمّه زهيراً الذي قتله جميل بن معمّر الجمحي أسيراً يوم حنين ؛
وقيل : قاله في أخيه عروة بن مرّة :
فـجع أضـيافي جميل بن iiمعمّر بـذي مـفخر تأوي إليه iiالأرامل
طـويل نجاد السيف ليس iiبحيدر إذا اهتزّ واسترخت عليه iiالحمائل
إلـى بيته يأوي الغريب إذا iiشتا ومـهتلك بـالي الدريسين iiعائل
تـكـاد يــداه تـسـلّما iiرداءه مـن الجود لما استقبلته iiالشمائل
فـأقسم لـو لاقـيته غير iiموثّق لآبـك بـالجزع الضياع iiالنواهل
وانّــك لـو واجـهته iiولـقيته فـنازلته وكـنت مـمّن iiيـنازل
لكنت جميل أسوأ الناس iiصرعة ولـكن أقـران الـظهور iiمقاتل
فـليس كـعهد الـدار يا اُمّ iiمالك ولـكن أحاطت بالرقاب iiالسلاسل
وعـاد الـفتى كالكهل ليس بقائل سوى الحق شيئاً فاستراح العواذل
انظر : الاستيعاب 4 : 184 .
(3) قال أياس بن البكير يرثي زيد بن الخطاب :
ألا يا ليت اُمّي لم
تلدني ولم أك في الغزاة لدى البقيع
( 36 )
زيد بن عمرو بن نفيل(1) ، وغيرهم(2) .
ولاحظ من الاصابة أحوال ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب(3) ، وأبي
ولم أر مصرع ابن الخير زيد
وهدّتـه هنالك من صريع
هو الرزء الذي عظمت وجلّت مصيبته على الحي الجميع
انظر : الاستيعاب 1 : 102 .
(1) وهي التي تزوجت بعدّة أزواج فقتلوا ؛ فقيل عنها : من أحبّ الشهادة
فليتزوج عاتكة ؟
قالت وهي ترثي زوجها عبد الله بن أبي بكر المقتول في وقعة الطائف :
رزئـت بـخير الـناس بعد iiنبيّهم وبـعد أبـي بـكر وما كان iiقصرا
فـآليت لا تـنفكّ عـيني iiحـزينة عـليك ولا يـنفكّ جـلدي أغـبرا
فـلله عـيناً مـن رأى مـثله iiفتى أكـرّ و احمى في الهياج iiواصبرا
إذا شـرعت فـيه الاسنة iiخاضها إلى الموت حتى يترك الرمح احمرا
انظر : الاستيعاب 4 : 365 .
(2) كمراثي الخنساء لأخويها صخر ومعاوية ، ورثاء متمّم بن نويرة وغيره
أخاه مالكاً الذي قتله خالد بن الوليد ، والمراثي التي قيلت في الإمام
الحسين عليه السلام من يوم شهادته عليه السلام إلى اليوم .
(3) الاصابة 1 : 237 .
قال حسّان بن ثابت الأنصاري يرثي جعفر بن أبي طالب وأصحاب مؤتة :
فـلا يُـبعدن الله قـتلى iiتتابعوا بـمؤتة منهم ذو الجناحين iiجعفر
فـطاعن حـتى مال غير iiموسّد بـمـعتركٍ فـيه قـنا iiمـتكسّر
فـصار مـع المستشهدين iiثوابه جـنان ومـلتفّ الحدائق أخضر
وكـنّا نـرى في جعفر من iiمحمد وفـاء وأمـراً حازماً حين iiيأمر
فما زال في الإسلام من آل هاشم دعـائم عـزّ ولا تـزول ومفخر
بـهاليل مـنهم جـعفر وابن iiاُمّه عـلي ومـنهم أحـمد iiالـمتخير
وحـمزة والـعبّاس مـنهم ومنهم عقيل وماء العود من حيث يُعصر
بـهم تُفرج اللأواء في كلّ مأزق عماسٍ إذا ما ضاق بالناس مصدر
هـم أولـياء الله أنـزل iiحـكمه عـليهم وفيهم ذا الكتاب iiالمطهّر
( 37 )
زُبَيد الطائي(1) ، وأبي سنان بن حريث المخزومي(2) ، والأشهب بن رميلـة
الدارمي(3) ، وزينب بنت العوام(4) ، وعبد الله بن عبد المدان
الحارثي(5) ، وجماعة
انظر : السيرة النبوية لابن هشام 4 : 384 ـ 385 .
(1) في الأصل : أبو زيد الطائي ، وهو تصحيف ، وما أثبتناه هو الصحيح .
وهو حرملة بن منذر ، ويقال : المنذر بن حرملة بن معد بن يكرب بن حنظلة
الطائي ، قال يرثي الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لما مات :
إنّ
الكرام علـى ما كان من خُلق رهط امرئ جامـع للدين مختار
حبّ بصير بـأصـناف الـرجـال
ولم يعدل بخيـر رسول الله أخيار
انظر : الاصابة ترجم رقم «9971» .
(2) قال أبو سنان بن حريث المخزومي وهو يرثي شمّاس بن عثمان وهو زوج
ابنته :
اقـني حيائك في ستر وفي iiخفر فـإنّما كـان عـثمان من iiالناس
لا تـقتلي النفس إذ حانت منيته في طاعة الله يوم الروع iiوالباس
قد كان حمزة ليث الله فاصطبري قد ذاق ما ذاق عثمان بن شمّاس
انظر : الاصابة 2 : 97 .
(3) قال الأشهب بن رميلة الدارمي يرثي أخاه رباب بن رميلة :
أعـيني قلت عبرة من iiأخيكما بأن تسهرا الليل التمام iiوتجزعا
وبـاكية تـبكي ربـاباً iiوقائل جزى الله خيراً ما أعفّ iiوأمنعا
فـلو كـان قلبي من حديد iiأذابه ولو كان من صمّ الصفا لتصدّعا
انظر : الاصابة 1 : 494 .
(4) هي زينب بن العوام بن خُويلد بن أسد القرشية الأسدية ، اُخت الزبير
بن العوام ، شاعرة صحابية ، أسلمت قديماً وبقيت وعاشت إلى أن قُتل
ابنها عبد الله بن حكيم يوم الجمل ، فرثته وذكرت حاله . انظر : الإصابة
ترجمة رقم «11249» ، أعلام النساء : 101 .
(5) قال ابن حجر في الاصابة (3 : 156) : كان عبيد الله بن العباس بن
عبد المطلب صاهر عبد الله بن عبد المدان ـ وهو من الصحابة ـ على ابنته
، فلمّا أمّره عليّ عليه السلام على اليمن ، وسار بسر بن أرطأة إليها
من قبل معاوية خرج عنها عبيد الله واستخلف عليها صهره هذا ، فقتله بسر
وابنه مالكاً وولدي عبيد الله ابني اُخت مالك ، فقال عبد الله بن جعفر
بن أبي طالب يرثي عبد الله بن المدان وابنه مالكاً وكانا صديقين له :
( 38 )
آخرين لا تحضرني أسماؤهم ، ودونك كتاب الدرة في التعازي والمراثي ، وهو
في أول الجزء الثاني من العقد الفريد(1) تجد فيه مراثي الصحابة ومن
بعدهم شيئاً كثيراً ، وليس شيء ممّا أشرنا إليه الا وقد اشتمل على ما
يهيج الحزن ويجيد اللوعة بمدح الميّت وذكر محاسنه .
ولمّا توفّي رسول الله صلى الله عليه وآله تنافست فضلاء الصحابة في
رثائه ، فرثته سيدة نساء العالمين عليها السلام بأبيات تهيج الأحزان ،
ذكر القسطلاني في ارشاد الساري(2) بيتين منها وهما قولها عليها السلام
:
ماذا على من شمّ تربة أحمدٍ أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا(3)
صُبّت عليَّ مصائب لو أنّها صُبّت على الأيّام صرن لياليا
ورثته أيضا بأبيات تثير لواعج الأشجان ذكر ابن عبد ربّه المالكي بيتين
منها في العقد الفريد وهما :
إنّا فقدناك فَقـدَ الأرض وابلها وغاب مُذ
غِبت عنّا الوحي والكتب
فليت قبلك كان الموت صادفنا لما نُعيـت وحالـت دونك الكُثب(4)
ولـولا أن تعنّفني iiقريش بكيت على بني عبد المدان
فـإنّهم أشـدّ الناس iiفجعاً وكـلّهم لبيت المجد iiباني
لـهم أبوان قد علمت iiيمان عـلى آبـائهم iiمـتقدّمان
(1) العقد الفريد 2 : 27 .
(2) صحيح البخاري 2 : 363 و 390 .
(3) الغوالي : جمع غالية ، وهي الطيب .
(4) العقد الفريد 3 : 194 .
وقال ابن الاثير في النهاية (3 : 156) : انّ فاطمة قالت بعد موت النبي
صلى الله عليه وآله :
( 39 )
ورثته عمّته صفية بنت عبد المطلب(1) بقصيدة يائية ، ذكر ابن عبد البر
في أحوال النبي صلى الله عليه وآله من استيعابه جملة منها .(2)
ورثاه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب(3) بقصيدة لامية ذكر بعضها
قد كان بعـدك أنباء وهنبثة لو كان شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها فاختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب
وقالت أيضا ترثيه صلى الله عليه وآله كما أورده أحمد بن زيني دحلان في
سيرته (3 : 392) :
إغـبرّ آفاق السماء iiوكُوّرت شمس النهار واظلم العصران
والأرض من بعد النبي iiكئيبة أسـفاً عـليه كثيرة iiالرجفان
فـليبكه شرق البلاد iiوغربها ولـيبكه مُـضرّ وكلّ iiيمان
(1) انظر ترجمتها في : اُسد الغابة 7 : 173 ، الطبقات الكبرى 2 : 330 .
(2) قالت صفيّة ترثي رسول الله صلى الله عليه وآله :
ألا يـا رسول الله كنت iiرجاءنا وكـنت بـنا برّاً ولم تك iiجافيا
وكـنت رحـيماً هـادياً iiومعلماً لـيبك عليك اليوم من كان iiباكيا
لـعمرك مـا أبكي النبيّ iiلفقده ولكن لما أخشى من الهرج iiآتيا
كـأنّ عـلى قـلبي لذكر iiمحمد وماخفت من بعد النبي iiالمكاويا
أفـاطم صـلى الله رب iiمحمد عـلى جدث أمسى بيثرب iiثاويا
فـداً لـرسول الله اُمّي iiوخالتي وعـمّي وآبـائي ونفسي iiوماليا
صـدقت وبلغت الرسالة iiصادقاً ومتّ صليب العود أبلج iiصافيا
فـلو انّ ربّ الناس أبقى iiنبيّنا سـعدنا ولكن أمره كان iiماضيا
عـليك مـن الله الـسلام iiتحية وأخلدت جنّات من العدن راضيا
أرى حـسناً يـتّمته iiوتـركته يـبكي ويـدعو جدّه اليوم iiنائيا
انظر : الاستيعاب ـ بهامش الاصابة ـ 4 : 312 .
(3) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، أسلم يوم الفتح وحسن اسلامه ،
فيقال انّه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حياء منه بعد
الذي وقف من رسول الله قبل اسلامه ، وشهد أبو سفيان حنيناً وأبلى فيها
بلاء حسناً ، وكان ممن ثبت ولم يفر يومئذ
( 40 )
صاحبا الاستيعاب والاصابة في ترجمة أبي سفيان المذكور .(1)
ورثاه أبو ذؤيب الهذلي(2) ـ كما يعلم من ترجمته في الاستيعاب والاصابة
ـ بقصيدة حائية .(3)
ورثاه أبو الهيثم(4) بن التيهان بقصيدة داليّة أشار إليها ابن حجر في
ترجمة
انظر ترجمته في الاستيعاب 4 : 84 ـ 85 ، الاصابة 4 : 90 .
(1) قال أبو سفيان بن الحارث يرثي رسول الله صلى الله عليه وآله :
أرّقـت فـبات ليلي لا iiيزول وليل أخي المصيبة فيه iiطول
فـاسعدني الـبكاء وذاك iiفيما اُصـيب الـمسلمون به iiقليل
لـقد عظمت مصيبتنا iiوجلت عشيّة قيل : قد قبض الرسول
وأضـحت ارضنا ممّا iiعراها تـكاد بـنا جـوانبها iiتـميل
فـقدنا الـوحي والتنزيل iiفينا يـروح بـه ويغدو iiجبرئيل
وذاك أحـقّ مـا سالت iiعليه نفوس الناس أو كادت iiتسيل
نـبيّ كـان يجلو الشكّ iiعنّا بـما يـوحى إليه وما iiيقول
ويـهدينا فـلا نخشى iiضلالاً عـلينا والـرسول لـنا iiدليل
أفـاطم إن جزعت فذاك iiعذر وإن لـم تجزعي ذاك iiالسبيل
فـقبر أبـيك سـيّد كلّ iiقبر وفـيه سـيّد الناس iiالرسول
انظر : الاستيعاب 4 : 134 .
(2) انظر ترجمته في الاستيعاب 4 : 97 .
(3) قال أبو ذؤيب الهذلي يرثي رسول الله صلى الله عليه وآله :
كسفت
لمصرعه النجوم وبدرها وتزعزعت آطام بطن الأبطح
وتزعزعـت أجبال يثرب كلّـها ونخيلها لحلـول خطب مفدح
انظر : الاستيعاب 4 : 98 .
(4) هو مالك بن التيهان أبو الهثيم الأنصاري : من السابقين ، وكان أحد
الستّة الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأوّل ما لقيه الأنصار
، وألأول من بايعه ليلة العقبة ، شهد صفين واستشهد فيها .
وقيل : هو عبيد بن التيهان ؛ وقيل : عتيك بن التيهان الأنصاري ، شهد
بدر واُحد ، وقيل : قتل في اُحد قتله عكرمة بن أبي جهل ، وقيل : بل قتل
بصفين مع علي عليه السلام .
( 41 )
أبي الهيثم من اصابته .(1)
ورثته اُمّ رعلة القشيرية(2) في قصيدة أشار إليها العسقلاني في ترجمه
أم رعلة من اصابته .(3)
ورثاه عامر بن الطفيل بن الحرث الأزدي(4) لقصيدة جيميّة أشار إليها ابن
حجر في ترجمة عامر من الاصابة .(5)
ومن استوعب الاستيعاب ، وتصفّح الأصابة ، واسد الغابة ، ومارس كتب
الأخبار ، يجد مراثيهم المشتملة على تهييج الحزن بذكر محاسن الموتى
شيئاً يتجاوز حد الأحصاء(6) .
انظر : أسد الغابة 5 : 14 ـ 16 ، الاصابة 3 : 341 و534 و574 .
(1) قال أبو الهيثم بن التيهان يرثي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله
:
لقد جدعت آذاننا وانوفنا غداة فجعنا بالنبي محمد
انظر الاصابة 4 : 186 .
(2) انظر ترجمتها في الاصابة 4 : 275 .
(3) قالت امّ رعلة القشيرية ترثي رسول الله صلى الله عليه وآله :
يا
دار فاطمة المعمور ساحتها هيّجت لي حزناً حييث من دار
انظر : الاصابة 4 : 276 .
(4) انظر ترجمته في الاصابة 3 : 53 .
(5) قال عامر بن الطفيل يرثي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله :
بكت
الأرض والسماء على النو ر الذي كـان للعبـاد سراجا
من هدينا بـه الـى سبل الحـ ـقّ وكنّا لا نعرف المنهاجا
انظر : الاصابة 3 : 54 .
(6) للاطّلاع أكثر يمكن مراجعة الكتاب القيّم (إقناع اللائم على إقامة
المآتم) والذي ألّفه الإمام محسن الأمين العاملي قدس سره ففيه المزيد
من هذه الأخبار ، وهو من تحقيقنا ونشر مؤسسة المعارف الاسلامية في قم .
( 42 )
وقد أكثرت الخنساء(1) وهي صحابية من رثاء أخويها صخر ومعاوية ـ وهما
كافران ـ ، وأبدعت في مدائح صخر ، وأهاجت عليه لواعج الحزن فما أنكر
عليها منكر .(2)
وأكثر أيضاً مُتمّم بن نُويرة من تهييج الحزن على أخيه السائرة حتى وقف
مرّة في المسجد هو غاص بالصحابة أمام أبي بكر بعد صلاة الصبح واتّكأ
على سيّة قوسه فأنشد : نِعم القتيل ـ إذا الرياح تناوحت(3) خلف البيوت
ـ قتلت يا ابن الأزور(4)
(1) انظر ترجمتها في : الاصابة 4 : 286 .
(2) قال أبو عمر : قدمت (الخنساء) على النبي صلى الله عليه وآله مع
قومها من بني سليم فأسلمت معهم ، فذكروا انّ رسول الله صلى الله عليه
وآله كان يستنشدها ويعجبه شعرها ، وكانت تنشده وهو يقول : هيّه يا خناس
، ويومئ بيده .
ومن قولها في صخر :
أعـينيّ جودا ولا iiتجمدا ألا تبكيان لصخر الندى ؟
ألا تبكيان الجري iiالجميل ألا تـبكيان الفتى iiالسيّدا؟
طويل النجاد عظيم الرماد وسـاد عـشيرته iiأمردا
وقالت كذلك :
ألا يا صخر إن أبكيت عيني فـقد أضحكتني دهراً iiطويلاً
ذكـرتك في نساء iiمعولات وكنت أحقّ من أبدي iiالعويلا
دفعت بك الجليل وأنت iiحيّ فمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قـبّح الـبكاء على iiقتيل رأيت بكاءك الحسن iiالجميلا
انظر : الاصابة 4 : 286 .
(3) تناوحت : تقابلت .
(4) هو : ضرار بن الأزور الأسدي ، من بني كرز ، وهو الذي قتل مالك بن
نويرة بأمر خالد بن الوليد . انظر : الأغاني 14 : 66 ـ 73 .
( 43 )
ثمّ أومأ إلى أبي بكر ـ كما في ترجمة وثيمة بن موسى بن الفرات من وفيات
ابن خلكان ـ فقال مخاطبا له :
أدعوته بالله ثمّ غدرته(1) لو هو دعاك
بذمّة لم يغدر
فقال أبو بكر : والله ما دعوته ، ولا غدرته . ثم قال :
ولنعم حشو الدرع
كـان وحاسراً ولنعم مأوى الطارق المتنوّر
لا يمسك(2) الفحشاء تحت ثيابه حلو شمائله عفـيف المئزر
وبكى حتى انحطّ عن سيّة قوسه ، قالوا : فما زال يبكي حتى دمعت عينه
العوراء ، فما أنكر عليه في بكائه ولا رثائه منكر ، بل قال له عمر ـ
كما في ترجمة وثيمة من الوفيات ـ : لوددت أنّك رثيت زيداً أخي بمثل ما
رثيت به مالكاً أخاك ، فرثى متمم بعدها زيد بن الخطّاب فما أجاد ، فقال
له عمر : لِم لَم ترث زيداً كما رثيت مالكاً ؟
فقال : انّه والله ليحرّكني لمالك ما لا يحرّكني لزيد(3) .
واستحسن الصحابة ومن تأخر عنهم مراثيه في مالك ، وكانوا يتمثّلون بها
كما اتّفق ذلك من عائشة ، إذ وقفت على قبر اخيها عبد الرحمن ـ كما في
ترجمته من الاستيعاب(4) ـ فبكت عليه وتمثّلت :
وكُنّا كَنَدماني جَذيمة
حِقبةً من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
(1) في المصادر : قتلته .
(2) في العقد الفريد : لا يُمسك .
(3) وانظر : الكامل للمبرّد 3 : 162 .
(4) الاستيعاب 2 : 497 .
( 44 )
فلمّا تفرّقنا كأنّي ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلةً معا(1)
وما زال الرثاء فاشياً بين المسلمين وغيرهم في كلّ عصر ومصر لا
يتناكرونه مطلقاً .
(1) تعتبر هذه القصيدة من أشهر قصائد متمّم التي يرثي بها أخاه مالكاً
، وتسمى اُمّ المراثي . انظر العقد الفريد 3 : 220 .
( 45 )
المطلب الثالث
في تلاوة الأحاديث المشتملة على
مناقب الميّت ومصائبه
كما كانت عليه سيرة السلف وفعلته عائشة ، إذ وقفت على قبر أبيها باكية
، فقالت : كنت للدنيا مذلاً بإدبارك عنها ، وكنت للآخرة معزّاً باقبالك
عليها ، وكان أجل الحوادث بعد رسول الله رزؤك ، وأعظم المصائب بعده
فقدك .(1)
وفعله محمد بن الحنفية(2) ، إذ وقف على قبر أخيه المجتبى عليه السلام
فخنقته العبرة ـ كما في أوائل الجزء الثاني من العقد الفريد ـ ثم نطق
فقال : يرحمك الله أبا محمد ، فلئن عزّت حياتك فقد هدّت وفاتك ، ولنعم
الروح روح ضمّه بدنك ، ولنعم البدن بدن ضمّه كفنك ، وكيف لا تكون كذلك
وأنت بقيّة ولد الانبياء ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، غذّتك
أكفّ الحقّ ، وربّيت في حجر الإسلام ، فطبت حيّاً وطبت ميّتاً ، وإن
كانت انفسنا غير طيّبـة بفراقك ، ولا شاكّـة في الخيـار لك(3) .
ثمّ بكى بكاءاً شديداً وبكى الحاضرون حتى [علا] نشيجهم .
(1) العقد الفريد 2 : 37 .
(2) أبو القاسم محمد الأكبر بن علي بن أبي طالب ، والحنفية لقب اُمّه
خولة بنت جعفر ، كان كثير العلم والورع ، شديد القوة ، توفي سنة 80 هـ
؛ وقيل : 81 هـ . انظر : تنقيح المقال 3 : 115 ، وفيات الأعيان 5 : 91
.
(3) العقد الفريد 2 : 78 .
( 46 )
ووقف أميـر المؤمنين عليه السلام على قبر خباب بن الأرت(1) في ظهـر
الكـوفة(2) ، وهو أوّل من دفن هناك ـ كما نصّ عليه ابن الأثير في آخر
تتمة صفّين ـ فقال عليه السلام :
رحم الله خباباً ، قد أسلم راغباً ، وهاجر طائعاً ، وعاش مجاهداً ،
وابتلي في جسمه أحوالاً ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً .(3)
ولمّا توفّي أمير المؤمنين قام الخلف من بعد أبو محمد الحسن الزكي
عليهما السلام خطيباً فقال ـ كما في حوادث سنة 40 من تاريخ ابن جرير
وابن الأثير وغيرهما ـ فقال :
لقد قتلتم الليلة رجلا والله ما سبقه أحد كان قبله ، ولا يدركه أحد
يكون بعده ، والله إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليبعثه في
السرية ، وجبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، [والله] ما ترك صفراء
ولا بيضاء ... الخ .(4)
ووقف الإمام زين العابدين على قبر جدّه أمير المؤمنين عليهما السلام
فقال :
(1) خباب بن الأرت ـ بتشديد المثناة ـ بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب
بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم التميمي ، ويقال : الخزاعي .
روى الباوردي أنّه أسلم سادس ستّة ، وهو أوّل من أظهر اسلامه وعُذّب
عذاباً شديداً لأجل ذلك ، شهد بدراً وما بعدها ، ونزل الكوفة ومات بها
سنة سبع وثلاثين . انظر : الإصابة 1 : 416 ترجمة رقم «2215» ، أسد
الغابة 2 : 114 ـ 117 .
(2) الكوفة ـ بالضم ـ : المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق ؛ قيل
: سمّيت الكوفة لاستدارتها . معجم البلدان 4 : 222 .
(3) الكامل في التاريخ 3 : 215 ، وقعة صفّين : 283 ، العقد الفريد 2 :
66 .
(4) تاريخ الاُمم والملوك 5 : 157 ، الكامل في التاريخ .
( 47 )
أشهد أنّك جاهدت في الله حقّ جهاده ، وعملت بكتابه ، واتّبعت سنن نبيّه
صلى الله عليه وآله ، حتى دعاك الله إلى جواره ، فقبضك إليه باختياره ،
لك كريم ثوابه ، وألزم أعداءك الحجّة [في قتلهم ايّاك] مع ما لك من
الحجج البالغة على جميـع خلقه .(1)
وعن أنس بن مالك ـ كما في العقد الفريد وغيره ـ قال : لمّا فرغنا من
دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [أقبلت عليّ فاطمة فقالت : يا
أنس ، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم التراب ؟ ثمّ بكت ونادت : يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه ، يا أبتاه
مِن ربّه ما أدناه ، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه ، يا أبتاه جنّة
الفردوس مأواه .(2)
ولو أردنا أن نستوفي ما كان من هذا القبيل لخرجنا عن الغرض المقصود ،
وحاصله أن تأبين الموتى من أهل الآثار النافعة بنشر مناقبهم ، وذكر
مصائبهم ، ممّا حكم بحسنه العقل والنقل ، واستمرت عليه سيرة السلف
والخلف ، وأوجبته قواعد المدنية ، واقتضته اصول الترقي في المعارف ، إذ
به تحفظ الآثار النافعة ، وبالتنافس فيه تعرج الخطباء إلى أوج البلاغة
، والقول بتحريمه يستلزم تحريم قراءة التاريخ وعلم الرجال ، بل يستوجب
المنع من تلاوة الكتاب والسنّة لاشتمالها على جملة من مناقب الأنبياء
ومصائبهم ، ومن يرضى لنفسه هذا الحمق ، أو يختار لها هذا العمى ، نعوذ
بالله من سفه الجاهلين .
(1) العقد الفريد 2 : 71 .
(2) العقد الفريد 3 : 23 ، وانظر مسند أحمد 3 : 197 .
( 48 )
المطلب الرابع
في الجلوس حزناً على الموتى
من أهل الحفائظ والأيادي المشكورة
وحسبك في رجحان ذلك ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله من الحزن
الشديد على عمّه أبي طالب وزوجته الصدّيقة الكبرى ام المؤمنين عليهما
السلام ، وقد ماتا في عام واحد فسمّي «عام الحزن» وهذا معلوم بالضرورة
من اخبار الماضين .
وأخرج البخاري ـ في باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن من الجزء
الأول من صحيحه ـ بالاسناد عن عائشة قالت : لمّا جاء النبي صلى الله
عليه وآله قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس ـ أي في المسجد كما
في رواية أبي داود(1) ـ يعرف فيه الحزن .
وأخرج البخاري في الباب المذكور أيضا عن أنس قال : قنت(2) رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم شهراً حين قتل القرّاء(3) فما رأيت رسول الله
صلى الله عليه وآله حزن حزناً قطّ أشد منه .(4) الحديث .
(1) ارشاد الساري 2 : 393 .
(2) القنوت : الإمساك عن الكلام ؛ وقيل : الدعاء في الصلاة ، لسان
العرب 2 : 73 .
(3) والقُراء : هم الذين كانوا يتعلّمون القرآن في صفة المسجد أرسلهم
النبي صلى الله عليه وآله الى أهل نجد فقتلوا في الطريق .
(4) ارشاد الساري 2 : 396 .
( 49 )
والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى او تستقصى .
والقول بأنّه انّما يحسن ترتيب آثار الحزن إذا لم يتقدّم العهد
بالمصيبة مدفوع بانّ من الفجائع ما لا تخبو زفراتها ولا تخمد لوعتها ،
فقرب العهد بها وبعده عنها سواء .
نعم ، يتمّ قول هؤلاء اللائمين إذا تلاشى الحزن بمرور الأزمنة ولم يكن
دليل ولا مصلحة يوجبان التعبّد بترتيب آثاره ، وما أحسن قول القائل في
هذا المقام :
خـلي اُمـيمة عن ملا مك ما المعزّي كالثكول
مـا لراقد الوسنان مث ل معذّب القلب iiالعليل
سـهران مـن ألم iiوه ذا نـائم الليل الطويل
ذوقـي اُمـيمة ما iiأذو ق وبعده ما شئت iiقولي
على انّ في ترتيب آثار الحزن بما أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله عن
تلك الفجائع ، وحلّ بساحته من هاتيك القوارع حكماً توجب التعبّد بترتيب
آثار الحزن بسببها على كلّ حال ، والأدلة على ترتيب تلك الآثار في جميع
الأعصار متوفّرة وستسمع اليسير منها ان شاء الله تعالى .
وقد علمت سيرة أهل المدينة الطيبة(1) واستمرارها على ندب حمزة وبكائه
مع بعد العهد بمصيبته فلم ينكر عليهم في ذلك أحد حتى بلغني انّهم لا
يزالون إلى
(1) مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهي يثرب ، مساحتها نصف مكة
، وهي في حرّة سبخة الأرض ، ولها نخيل كثيرة ومياه ، والمسجد في نحو
وسطها ، وقبر النبي في شرقي المسجد وللمدينة أسماء كثيرة ، منها : طيبة
ويثرب والمباركة . انظر : معجم البلدان 5 : 82 .
( 50 )
الآن إذا ناحوا على ميّت بدأوا بالنياحة عليه ، وما ذاك الامواساة
لرسول الله صلى الله عليه وآله بمصيبته في عمّه ، وأداءاً لحقّ تلك
الكلمة التي قالها في البعث على البكاء عليه وهي قوله : «لكنّ حمزة لا
بواكي له» .
وكان الأولى لهم ولسائر المسلمين مواساته في الحزن على أهل بيته
والاقتداء به في البكاء عليهم ، وقد لام بعض أهل البيت عليهم السلام من
لم يواسيهم في ذلك ، فقال : يا لله لقلب لا ينصدع لتذكار تلك الاُمور ،
ويا عجباً من غفلة أهل الدهور ، وما عذر أهل الاسلام والايمان في اضاعة
أقسام الأحزان ، ألم يعلموا أنّ محمدا صلى الله عليه وآله موتور وجيع ،
وحبيبه مقهور صريع .
قال وقد أصبح لحمه صلوات الله عليه مجرّداً على الرمال ، ودمه الشريف
مسفوكاً بسيوف أهل الضلال : فياليت لفاطمة وأبيها عيناً تنظر إلى
بناتها وبنيها ، وهم ما بين مسلوب وجريح ، ومسحوب وذبيح ... إلى آخر
كلامه .
ومن وقف على كلام أئمة أهل البيت عليهم السلام في هذا الشأن ، لا
يتوقّف في ترتيب آثار الحزن عليهم مدى الدوران ، لكنّا منينا بقوم لا
ينصفون ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون . |