المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة

 
 

( 51 )

المطلب الخامس

في الانفاق عن الميّت في وجوه البر والاحسان

ويكفي في استحبابه عموم ما دلّ على استحباب المبرّات والخيرات على انّ فعل النبي صلى الله عليه وآله وقوله ، دالان على الاستحباب في خصوص المقام ، وحسبك من فعله ، ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما(1) بطرق متعدّدة عن عائشة : ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وآله ما غرت على خـديجة(2) وما رأيتها ، ولكن كان النبي صلى الله عليه وآله يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ، ثمّ يقطعها أعضاء ، ثمّ يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأن لم يكن في الدنيا الا خديجة ، فيقول : انّما كانت وكان لي منها ولد .(3)

(1) البخاري باب تزويج النبي خديجة ، مسلم : باب فضائل خديجة .
(2) خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى ، من قريش ، زوج رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكانت أسنّ منه بخمس عشرة سنة ، ولدت بمكة ، كانت ذا مال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام ، تستأجر الرجال ، فلمّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله الخامسة والعشرين من عمره خرج في تجارة لها فعاد رابحاً ، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله قبل النبوّة ، دعاها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الإسلام ، فكانت أول نساء هذه الامة إسلاماً ، وكانت تصلّي مع النبي صلى الله عليه وآله سرّاً ، توفيت خديجة بمكّة لثلاث سنين قبل الهجرة .
انظر : الطبقات الكبرى 8 : 7 ـ 11 ، صفة الصفوة 2 : 2 ، تاريخ الخميس 1 : 301 ، الأعلام 2 : 302 .
(3) صحيح البخاري 4 : 231 باب تزويج النبي صلى الله عليه وآله خديجة ، وج 6 : 157 باب الغيرة .

( 52 )

قلت : وهذا يدلّ على استحباب صلة أصدقاء الميّت ، وأوليائه في الله عزّ وجل بالخصوص .

ويكفيك من قوله صلى الله عليه وآله ، ما أخرجه مسلم في باب وصول ثواب الصدقة عن الميّت إليه ، من كتاب الزكاة ، في الجزء الأول من صحيحه بطرق متعدّدة ، عن عائشة : أنّ رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إنّ اُمّي افتلتت(1) نفسها ولم توص ، [وأظنّها لو تكلّمت تصدّقت] ، أفلها أجر إن تصدّقت عنها ؟

قال : نعم(2) .

ومثله : ما أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن عباس في ص 333 من الجزء الأول من مسنده ، من انّ سعد بن عبادة قال : انّ ابن بكر أخا بني ساعدة توفّيت أمّه وهو غائب عنها ، فقال : يا رسول الله انّ اُمّي توفّيت ، وأن غائب عنها ، فهل ينفعها إن تصدّقت بشيء عنها ؟

قال : نعم .

قال : فإنّي أشهدك انّ حائط المخرف صدقة عليها(3) .

والأخبار في ذلك متضافرة ، ولا سيّما من طريق العترة الطاهرة .(4)

(1) افتلتت ـ بالفاء ـ ، ونفسها ـ بالضم ـ نائب فاعل ، أو ـ بالنصب ـ مفعول به ؛ أي : ماتت فجأة .
(2) شرح النووي لصحيح مسلم ـ بهامش ارشاد الساري ـ 4 : 377 .
(3) مسند أحمد 1 : 33 .
(4) قال رحمه الله : وربّما كان المنكر عليه فيما تفعله من المبرات عن الحسين عليه السلام ، لا ، يقنع بأقوال النبي صلى الله عليه وآله ولا بأفعاله ، وانّما تقنعه أفعال سلفه وأفعالهم ، وحينئذ نحتجّ

( 53 )

فصل

كلّ من وقف على ما سلف من هذه المقدّمة ، يعلم أنّه لا وجه للانكار علينا في مآتمنا المخصّة بسيد الشهداء عليه السلام ، ضرورة انّه لا تشتمل الافي تلك المطالب الخمسة ، وقد عرفت اباحتها بالنسبة إلى مطلق الموتى من كافة المؤمنين وما أدري ، كيف يستنكرون مآتم انعقدت لمواساة النبي صلى الله عليه وآله وأسّست على الحزن لحزنه ؟ أيبكي بأبي هو واُمّي قبل الفاجعة ، ونحن لا نبكي بعدها ؟ ما هذا شأن المتأسّي بنبيّه ، والمقتصّ لأثره ، إنّ هذا الاخروج عن قواعد المتأسّين ، بل عدول عن سنن النبيّين .

ألم يرو الامام أحمد بن حنبل من حديث عليّ عليه السلام ، في ص 85 من الجزء الأول من مسنده بالاسناد إلى عبد الله بن نجا، عن أبيه انّه سار مع عليّ عليه السلام ، فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين نادى : صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله بشطّ الفرات .

قال : قلت : وما ذاك ؟

قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم وعيناه تفيضان ، قلت : يا نبي الله ، اغضبك أحد ، ما شأن عينيك تفيضان ؟

عليه بما فعله الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي ، إذ مات لبيد بن ربيعة العامري الشاعر ، فبعث الوليد إلى منزله عشرين جزوراً ، فنحرت عنه ، كما نصّ عليه ابن عبد البر ، في ترجمة لبيد من الاستيعاب .

( 54 )

قال : قام من عندي جبرئيل قبل ، فحدّثني إنّ الحسين يقتل بشط الفرات .

قال : فقال : هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟

قال : قلت : نعم ، فمدّ يده ، فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها ، فلم أملك عيني إن فاضتا(1) .

وأخرج ابن سعد ، كما في الفصل الثالث من الباب الحادي عشر من الصواعق المحرقة لابن حجر ، عن الشعبي قال : مرّ عليّ رضي الله عنه بكربلاء(2) عند مسيره إلى صفّين وحاذى نينوى ، فوقف وسال عن اسم الأرض ؛ فقيل : كربلاء ، فبكى حتى بلّ الأرض من دموعه .

ثم قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي فقلت : ما يبكيك (بأبي أنت وأمي) ؟

قال : كان عندي جبرئيل آنفاً ، وأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطئ الفرات ، بموضع يقال له : كربلاء ...(3) . الحديث .

وأخرج الملأ (كما في الصواعق أيضاً) انّ علياً مرّ بموضع قبر الحسين عليه السلام فقال : ها هنا مناخ ركابهم ، وها هنا موضع رحالهم ، وها هنا مهراق دمائهم ، فتية من آل محمد ، يقتلون بهذه العرصة ، تبكي عليهم السماء

(1) مسند أحمد 4 : 242 .
(2) كربلاء ـ بالمدّ ـ : الموضع الذي قتل فيه الحسين عليه السلام في طرف البرية عند الكوفة .
روي : أنّه عليه السلام اشترى النواحي التي فهيا قبره من أهل نينوى والغاضرية بستّين ألف درهم ، وتصدّق بها عليهم ، وشرط عليهم أن يرشدوا إلى قبره ويضيّفوا من زاره ثلاثة أيام . انظر : معجم البلدان 4 : 249 ، مجمع البحرين 5 : 641 ـ 642 .
(3) الصواعق المحرقة : 193 .

( 55 )

والأرض(1) . انتهى .

ومن حديث امّ سلمة(2) قالت : كان عندي النبي صلى الله عليه وآله ومعي الحسين ، فدنا من النبي صلى الله عليه وآله فأخذته ، فبكى فتركته ، فدنا منه ، فأخذته فبكى فتركته ، فقال له جبرئيل : أتحبّه يا محمد ؟!

قال : نعم .

قال : أما إنّ اُمّتك ، ستقتله وان شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها ، [فبسط جناحيه ، فأراه منها ،] فبكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم(3) .

وروى الماوردي الشافعي ، في باب انذار النبي صلى الله عليه وآله بما سيحدث بعده ، من كتابه (أعلام النبوّة) عن عروة ، عن عائشة ، قالت : دخل الحسين بن علي على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يوحى إليه ، فقال

(1) قال رحمه الله : وهذا الحديث رواه أصحابنا ، بكيفية مشجية ، عن الباقر عليه الصلاة والسلام ، ورووه عن هرثمة ، وعن ابن عباس ، وان أردت الوقوف عليه ، فدونك ص 108 وما بعدها إلى ص 112 من الخصائص الحسينية .
(2) قال رحمه الله : كما نص عليه ابن عبد ربّه المالكي ، حيث ذكر مقتل الحسين في الجزء الثاني من العقد الفريد .
(3) العقد الفريد 5 : 132 .

وللاطّلاع أكثر على روايات امّ سلمة في هذا الموضوع انظر : مجمع الزوائد 9 : 190 ، الخصائص الكبرى 2 : 124 ، الصراط السوي للشيخاني المدني : 91 ، جوهرة الكلام : 118 ، ذخائر العقبى : 147 ، طرح التثريب للحافظ العراقي 1 : 42 ، المواهب اللدنية 2 : 195 ، نظم الدرر : 215 . مسند أحمد 3 : 242 و265 ، دلائل النبوة لأبي نعيم 3 : 202 ، مختصر التذكرة للقرطبي : 119 ، الصواعق المحرقة : 115 ، ضوء الشمس 1 : 97 ، كنز العمّال 6 : 221 ، جوهرة الكلام : 117 ، شرح بهجة المحافل لعماد الدين العامري 2 : 236 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1 : 162 .

( 56 )

جبرئيل : انّ اُمّتك ستفتتن بعدك وتقتل ابنك هذا من بعدك ، ومدّ يده فأتاه بتربة بيضاء ، وقال في هذه يقتل ابنك اسمها الطف ، قال : فلمّا ذهب جبرئيل ، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه والتربة بيده ، وفيهم : أبو بكر ، وعمر ، وعليّ ، وحذيفة (1) ، وعثمان (2)، وأبو ذر ، وهو يبكي فقالوا : ما يبكيـك يا رسول الله ؟!

فقال : أخبرني جبرئيل : إنّ ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف ، وجاءني بهذه التربة ، فأخبرني إنّ فيها مضجعه .(3)

(1) حذيفة بن اليمان ، من أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله ، وكان من المنقطعين إلى أمير المؤمنين عليه السلام والعارفين بحقّه .
روى الحاكم في المستدرك (3 : 428 ح 5626) ... قال : لمّا حضر حذيفة الموت وكان قد عاش بعد عثمان أربعين ليلة قال لنا : أوصيكم بتقوى الله والطاعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام .
(2) في المصدر : وعمّار .
(3) أعلام النبوّة : 83 ، وانظر : كامل الزيارات : 61 ، أمالي الطوسي 1 : 321 ـ 324 ، المنتخب للطريحي : 63 و88 ، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ـ ترجمة الإمام الحسين ـ : 167 و183 ، تاريخ أبي الفداء 2 : 48 ، أخبار النحويين للسيرافي : 89 ـ 93 ، الكامل لابن الأثير 5 : 364 ، تاريخ ابن كثير 11 : 29 ـ 30 ، تذكرة الحفّاظ للذهبي 2 : 164 .

أقول : ولا بدّ أن يكون الصحابة لمّا رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله يبكي لقتل ولده وتربته بيده ، وأخبرهم بما أخبره به جبرئيل من قتله ، وأراهم تربته التي جاء بها جبرئيل ، أخذتهم الرقّة الشديدة ، فبكوا لبكائه ، وواسوه في الحزن على ولده ، فإنّ ذلك ممّا يبعث على أشد الحزن والبكاء لو كانت هذه الواقعة مع غير النبي صلى الله عليه وآله والصحابة فكيف بهم معه ؟! والظاهر انّ هذا أول مأتم أقيم على الحسين عليه السلام يشبه مآتمنا التي تقام عليه ، وكان الذاكر فيه للمصيبة رسول الله صلى الله عليه وآله ، والمستمعون أصحابه .

( 57 )

أخرج الترمذي(1) ـ كما في الصواعق وغيرها : ـ إنّ امّ سلمة رأت النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فيما يراه النائم) باكياً ، وبرأسه ولحيته التراب فسألته ، فقال : قتل الحسين آنفاً .

قال في الصواعق : وكذلك رآه ابن عباس نصف النهار ، أشعث أغبر ، بيده قارورة ، فيها دم يلتقطه فسأله ، فقال : دم الحسين وأصحابه ، لم أزل أتتّعه منذ اليوم .

قال : فنظروا فوجدوه قد قتل في ذلك اليوم .(2)

وأمّا صحاحنا فإنّها متواترة في بكائه صلى الله عليه وآله ، على الحسين عليه السلام في مقامات عديدة ، يوم ولادته وقبلها (3) ، ويوم السابع من مولده(4) ، وبعده في بيت فاطمة(5) ، وفي حجرته(6) ، وعلى منبره(7) ، وفي بعض أسفاره(8) ، تارة يبكيه وحده يقبّله في نحره ، ويبكي ، ويقبّله في شفتيه

(1) سنن الترمذي 13 : 193 .
(2) الصواعق المحرقة : 193 .
(3) انظر : ذخائر العقبى : 119 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1 : 87 ، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ : 154 ، الخصائص الكبرى للسيوطي 2 : 125 .
(4) انظر : المستدرك الصحيح 3 : 176 ، دلائل النبوة 1 : 213 ، الصواعق المحرقة : 115 ، الخصائص الكبرى 2 : 125 ، الفصول المهمّة 154 ، كنز العمّال 6 : 223 .
(5) انظر : مقتل الخوارزمي 1 : 163 ، ذخائر العقبى 149 ، الصراط السوي للشيخاني المدني : 93 .
(6) انظر : مجمع الزوائد 9 : 190 ، الخصائص الكبرى 2 : 124 ، الصراط السوي للشيخاني المدني : 91 ، جوهرة الكلام : 118 .
(7) انظر : مسند احمد 3 : 242 ، و265 ، دلائل النبوة لأبي نعيم 3 : 202 ، طرح التثريب 1 : 41 ، مجمع الزوائد 9 : 187 و190 .
(8) انظر : مختصر التذكرة للقرطبي : 119 ، الصواعق المحرقة : 115 ، نظم الدرر : 217 ، ضوء الشمس 1 :

( 58 )

ويبكي ، وإذا رآه فرحاً يبكي ، وإذا رآه حزناً يبكي ، بل صحّ انّه قد بكاه آدم ، ونوح ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، وموسى ، وعيسى ، وزكريا ، ويحيى ، والخضر ، وسليمان عليهم السلام ، وتفصيل ذلك كلّه موكول إلى مظانه من كتب الحديث .

وأمّا أئمّة العترة الطاهرة الذين هم كسفينة نوح(1) ، وباب حطّة(2) ، وأمان أهل الأرض(3) ، وأحد الثقلين(4) اللذين لا يضلّ من تمسّك بهما ، ولا يهتدي

 97 ، المواهب للحافظ القسطلاني 2 : 195 ، الخصائص الكبرى 2 : 125 ، كنز العمّال 6 : 221 ، جوهرة الكلام : 117 ، شرح بهجة المحافل لعماد الدين العامري 2 : 236 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1 : 162 .

(1) مجمع الزوائد 9 : 168 ، الصواعق المحرقة : 152 ، تلخيص المستدرك للذهبي : 235 ، ينابيع المودّة : 30 ، الصواعق المحرقة : 184 و234 ، اسعاف الراغبين : 109 ، فرائد السمطين 2 : 246 ح 519 ، كفاية الطالب : 378 ، المعجم الصغير 2 : 22 ، حلية الأولياء 4 : 306 ، ذخائر العقبى : 20 .
(2) صحيح مسلم 2 : 261 ، مجمع الزوائد 9 : 168 ، الصواعق المحرقة : 152 ، نظم الدرر : 232 ، ذخائر العقبى : 17 ، الاصابة 2 : 152 .
(3) الصواعق المحرقة : 91 ، منتخب كنز العمّال ـ بهامش مسند أحمد ـ 5 : 93 ، ينابيع المودّة : 298 ، جواهر البحار 1 : 361 ، ذخائر العقبى : 17 ، نظم الدرر : 112 ، الجامع الصغير 2 : 161 ، الفتح الكبير 3 : 267 ، اسعاف الراغبين : 128 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 451 .
(4) حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة وقد أخرجه علماء السنّة في كتبهم من الصحاح والسنن منها : مسند أحمد بن حنبل 3 : 14 و17 وج 4 : 26 و59 وج 5 : 182 و189 ، صحيح مسلم 4 : 1874 ح 37 ، سنن الترمذي 2 : 307 ، خصائص النسائي : 30 ، ينابيع المودة : ب 4 ص 30 ، فرائد السمطين 2 : 142 ح 436 ـ 441 ، الصواعق المحرقة لابن حجر : 149 و228 ، مصابيح السنّة 2 : 278 ، نظم الدرر : 231 ، تفسير الخازن 1 : 40 ، تفسير ابن كثير 4 : 113 ، مشكاة المصابيح 3 : 255 ، اسعاف الراغبين : 100 ، السيرة النبويّة لأحمد زيني دحلان المطبوع بهامش السيرة الحلبيّة 3 : 330 ، مناقب الإمام علي لابن المغازلي : 236 ح 284 ، الاتحاف بحبّ الأشراف : 6 ، ذخائر العقبى : 16 ، كفاية الطالب : 53 ، بحار الأنوار للمجلسي 23 : 108 ح 11 و12 وص 134 ح 72 ، وص 147 ح 109 .

( 59 )

إلى الله من صدّ عنهما فقد استمرت سيرتهم على الندوب والعويل ، وأمروا أوليائهم بإقامة مآتم الحزن ، جيلاً بعد جيل ، فعن الصادق عليه السلام (فيما رواه ابن قولويه في الكامل ، وابن شهراشوب في المناقب وغيرهما) انّ عليّ بن الحسين عليهما السلام ، بكى على أبيه مدّة حياته ، وما وضع بين يديه طعام الابكى ، ولا اُتي بشراب الابكى ، حتى قال له أحد مواليه : جعلت فداك ، يا ابن رسول الله إنّي أخاف أن تكون من الهالكين ، قال عليه السلام : «إنّما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون»(1) [إنّي لم اذكر مصرع بني فاطمة الاخنقتني العبرة] .(2)

وروى ابن قولويه ، وابن شهراشوب ايضاً ، وغيرهما أنّه لمّا كثر بكاؤه ، قال له مولاه : أما آن لحزنك أن ينقضي ؟

فقال له : ويحك ، إنّ يعقوب النبي عليه السلام كان له اثنا عشر ولداً ، فغيّب الله واحداً منهم ، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه ، واحدودب ظهره من الغمّ ، وابنه حي في الدنيا ، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمومتي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي ، فكيف ينقضي حزني ؟!(3)

وعن الباقر عليه السلام قال : كان أبي (علي بن الحسين صلوات الله عليه) يقول : أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي عليه السلام دمعة حتى تسيل على خدّه ، بوّأه الله [بها] في الجنّة غرفاً يسكنها أحقاباً .

(1) سورة يوسف : 86 .
(2) كامل الزيارات : 107 ح 1 ، المناقب لابن شهراشوب 4 : 60 .
(3) كامل الزيارات : 107 ح 1 ، المناقب لابن شهراشوب 4 : 62 ، بحار الأنوار 45 : 227 .

( 60 )

وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فينا ، لأذى مسّنا من عدوّنا في الدنيا بوّأه الله في الجنّة مبوأ صدق .

وأيّما مؤمن مسّه أذى فينا ، فدمعت عيناه حتى تسيل على خده ، صرف الله عن وجهه الأذى ، وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار .(1)

وقال الرضا (وهو الثامن من أئمة الهدى ، صلوات الله وسلامه عليهم) :

إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال ، فاستحلّت فيه دماؤنا ، وهتكت فيه حرمتنا ، وسبيت فيه ذرارينا ونساؤنا ، واُضرمت فيه النار في مضاربنا ، وانتهب ما فيها من ثَقلنا(2) ، ولم ترع لرسول الله صلى الله عليه وآله حرمة في أمرنا .

انّ يوم الحسين أقرح جفوننا ، وأسبل دموعنا ، وأذلّ عزيزنا [بأرض كرب وبلاء ، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ،] فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإنّ البكاء عليه يحطّ الذنوب العظام .

ثم قال عليه السلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تغلب عليه [حتى تمضي عشرة أيّام منه ،] فإذا كان يوم العاشر ان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، [ويقول : هو اليوم الذي قُتل فيه الحسين عليه السلام] .(3)

(1) تفسير القمي 2 : 291 ، كامل الزيارات : 100 ح 1 ، ثواب الأعمال : 108 ح 1 .
(2) الثقل : متاع السفر ، وكلّ شيء نفيس مصون .
(3) أمالي الصدوق : 111 ح 2 ، بحار الأنوار 44 : 283 ح 17 .

( 61 )

وقال عليه السلام : من تذكّر مصابنا وبكى لما ارتكب منّا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ، ومن ذكر مصابنا فبكى وأبكى ، لم تبك عينه يوم تبكي العيون ، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب(1) .

وعن الريّان بن شبيب (فيما أخرجه الشيخ الصدوق في العيون) قال : دخلت على الرضا عليه السلام في اول يوم من المحرّم ، فقال لي : يا ابن شبيب ، إنّ المحرّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرّمون فيه الظلم والقتال لحرمته ، فما عرفت هذه الاُمّة حرمة شهرها ، ولا حرمة نبيّها صلى الله عليه وآله ، إذ قتلوا في هذا الشهر ذرّيّته ، وسبوا نساءه ، وانتهبوا ثقله ، [فلا غفر الله لهم ذلك أبداً] .

يا ابن شبيب ، إن كنت باكياً لشيء ، فابك للحسين عليه السلام ، فإنّه ذبح كما يذبح الكبش(2) ، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً(3) ما

(1) عيون الأخبار 1 : 229 ح 48 ، أمالي الطوسي 1 : 117 .
(2) قال رحمه الله : انّ التعبير ـ كهذا ـ ممّا يدلّك على غاية همجية القوم وشقائهم وبعدهم عن العطف الانساني ، بالإضافة على قتلهم ريحانة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وهتكهم حرمته في سبطه روحي فداه .
وقد أجمل الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام لما أدّى عن الفاجعة وأهميته بهذا الكلام القصير ، وأشار به إلى معنى جسيم يدركه الباحث المتعمّق بعد التحليل والاختبار ، ويندهش ـ ا لمجموع البشري ـ لمثل هذه الرزية عندما علم انّه لم يوجد بين تلك الجموع المحتشدة في كربلاء من يردعهم عن موقفهم البغيض ، ولا أقل من تسائل بعضهم ، لماذا نقاتل الحسين ، وبأي عمل استحقّ ذلك منّا ؟ أو هل كان دم الحسين عليه السلام مباحاً إلى حد اباحة دم الكبش ؟! او يذبح ـ بأبي هو واُمّي ـ بلا ملامة لائم ، ومن دون خشية محاسب !!
(3) أقول : لقد كثر اختلاف المؤرخين وأرباب المقاتل في تحديد عدد شهداء الطف من أهل البيت عليهم

( 62 )

لهم في الأرض شبيه ، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله ـ إلى أن قال ـ :

يا ابن شبيب ، ان سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى [من الجنان] ،

السلام ـ كاختلافهم الكثير في تحديد شهداء الأصحاب أيضاً ـ فبين مقلّ إلى حدّ الثلاثة عشر ، كالمسعودي في مروجه (3 : 71) ، وبين مُكثر إلى حدّ الثلاثين كالأمين في أعيانه (4 ق 1 : 250) . وفي البحار (45 : 63) رواية عبد الله بن سنان تؤيّد ذلك ، وبين هذين القولين من جانبي القلّة والكثرة أقوال اُخرى .

فالمشهور بين المؤرّخين وأرباب المقاتل : انّهم (17 شهيداً) غير الحسين عليه السلام ، كما ورد تعداد أسمائهم في زيارة الناحية المقدسة ، وقد أوردها المجلسي بنصّها عن الإقبال في بحاره (45 : 65) ، ويؤيّده قول محمد بن الحنفيّة ـ من حديث له ـ : «ولقد قتل مع الحسين سبعة عشر ممّن ارتكضوا في رَحِم فاطمة» ويعني : فاطمة بنت أسد اُمّ علي وجعفر وعقيل ، فإنّ شهداء الطف من أهل البيت ينتمون إلى هؤلاء الثلاثة أولاداً أو أحفاداً ـ ، ذكر ذلك الطبراني في معجمه (1 : 140) ، والمقريزي في خططه (2 : 286) ، وابن حجر في تهذيبه (1 : 156) .

وقال الدميري في حياة الحيوان (1 : 60) انّهم (18 رجلاً) ، وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي (255) انّهم (19 رجلاً) ، ، ويضيف إليهم اثنين برواية المدائني فيكون المجموع (21 قتيلاً) .

وفي تاريخ الطبري (5 : 382) انّهم : (21 رجلاً) ، وهذا القول يلتقي مع قول ابن الجوزي برواية المدائني ، ويقترب من قول أبي الفرج في مقاتله (67) حيث يقول : «فجميع من قُتِل يوم الطف من ولد أبي طالب سوى من يختلف في أمره اثنان وعشرون رجلاً» .

ويكاد يتّفق الخوارزمي في مقتله (2 : 47) وابن شهراشوب في مناقبه (4 : 112) ـ وكلاهما من أبناء القرن السادس الهجري ـ في النسبة إلى الأكثر بأن مجموع القتلى من أهل البيت عليهم السلام لا يتجاوز السبعة والعشرين .

وأخيرا ، فالذي يرجح عندنا ـ بعد أن استعرضنا الكثير من المصادر المعتبرة ـ هو القول الوسط ـ وهو النيف والعشرون ، بل الاثنان والعشرون بالضبط ـ باستثناء الحسين عليه السلام ـ إذ القولان المتطرّفان في القلّة والكثرة لا يساعد عليهما الاعتبار وعامّة النصوص التاريخية المعتبرة .

( 63 )

فاحزن لحزننا ، وأفرح لفرحنا ، وعليك بولايتنا ...(1) ، الحديث .

وقال عليه السلام ـ فيما أخرجه الصدوق في أماليه ـ : من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه ، جعل الله عز وجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره ، وقرّت بنا في الجنان عينه ...(2) . الحديث .

وبكى صلوات الله عليه إذ أنشده دعبل بن علي الخزاعي(3) قصيدته التائية السائرة حتى اُغمي عليه في أثنائها مرّتين ، كما نصّ عليه الفاضل العباسي في ترجمة دعبل من معاهد التنصيص(4) وغيره من أهل الأخبار .

وفي البحار ، وغيره : انّه عليه السلام أمر قبل انشادها بستر ، فضرب دون عقائله فجلسن خلفه يسمعن الرثاء ، ويبكين على جدهن سيّد الشهداء وانّه قال يومئذ : يا دعبل من بكى ، أو أبكى على مصابنا ولو واحداً كان أجره على الله .

يا دعبل ، من ذرفت عيناه على مصابنا حشره الله معنا .(5)

(1) أمالي الصدوق : 112 ح 5 ، عيون الأخبار 1 : 233 .
(2) أمالي الصدوق : 112 ح 4 ، زينة المجالس : 554 ، بحار الأنوار 44 : 284 ح 18 .
(3) دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، من قبيلة خزاعة القحطانية الأصل ، ولد سنة 158 هـ واستشهد سنة 245 هـ في أيّام المتوكّل العباسي ، كان من الشعراء المجيدين والمتفانين في ولاء أهل البيت عليهم السلام ، يقول الشعر كثيراً في مدائح أهل البيت عليهم السلام وفي طعن أعدائهم على غرار التولّي والتبرّي ، وذكر له المؤرّخون أسماء كثيرة ، ولكنه اشتهر بلقب (دعبل) بكسر الدال .
راجع ترجمته في الأغاني 15 : 100 و18 : 20 ، مجالس المؤمنين : 451 .
(4) معاهد التنصيص على شواهد التلخيص للشيخ عبد الرحيم بن أحمد العباسي 2 : 190 .
(5) روى الصدوق في عيون الأخبار الرضا بسنده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال : دخل دعبل بن

( 64 )

وحدّث محمد بن سهل (كما في ترجمة الكميت ، من معاهد التنصيص(1))

علي الخزاعي رحمه الله على أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو ، فقال له : يا ابن رسول الله أنّي قد قلت فيكم قصيدة ، وآليت على نفسي أن لا انشدها أحداً قبلك .

فقال عليه السلام : هاتها ، فأنشده :

مدارس آيات خلت من تلاوة     ومنزل وحي مقفر العرصات

فلما بلغ إلى قوله :

أرى فيأهم في غيرهم متقسّماً     وايديهم من فيئهم صفرات

بكى أبو الحسن الرضا عليه السلام وقال له : صدقت يا خزاعي .

فلمّا بلغ إلى قوله :

إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم    أكفّاً عن الأوتار منقبضاب

جعل أبو الحسن يقلّب كفّيه ويقول : أجل والله منقبضات .

فلمّا بلغ إلى قوله :

لقد خفت في الدنيا وأيّام سعيها     وإنّي لأرجو الأمن بعد وفاتي

قال الرضا عليه السلام : آمنك الله يوم الفزع الأكبر .

فلمّا انتهى إلى قوله :

وقبر ببغداد لنفسٍ زكيّة     تضمنّها الرحمن في الغرفات

قال له الرضا عليه السلام : أفلا اُلحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك ؟

قال : بلى يا ابن رسول الله .

فقال عليه السلام :

وقبر بطوس يا لها من مصيـبة      ألحّت على الأحشاء بالزفرات

إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً      يفـرّج عنـّا الهـمّ والكربات

فقال دعبل : يا ابن رسول الله ، هذا القبر الذي بطوس قبر من هو ؟

فقال الرضا عليه السلام : قبري ... الحديث .

انظر : عيون أخبار الرضا 2 : 271 ، مقتل الحسين للخوارزمي 2 : 129 ، الحدائق الورديّة 2 : 206 ، كشف الغمّة 3 : 108 ، مجالس المؤمنين 451 ، معجم الأدباء 12 : 203 ، ديوان دعبل للدجيلي : 8 .

(1) معاهد التنصيص 3 : 93 .

( 65 )

قال : دخلت مع الكميت(1) على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في أيّام التشريق(2) فقال له : جعلت فداك ، ألا أنشدك ؟

قال عليه السلام : انّها أيّام عظام !

قال : انّها فيكم .

قال عليه السلام : هات ، وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله ، فقرب فأنشده (في رثاء الحسين عليه السلام) ، فكثر البكاء حتى أتى على هذا البيت :

يصيب به الرامون عن قوس غيرهم    فيا آخراً أسدى له الغي أوّل

قال : فرفع أبو عبد الله عليه السلام يديه فقال : اللهم اغفر للكميت ما قدّم

(1) هو أبو المستهل الكميت بن زيد الأسدي (60 ـ 126) من شعراء أهل البيت عليهم السلام ، قال عنه أبو الفرج في الأغاني : انّه شاعر مقدّم عالم بلغات العرب ، خبير بأيّامها وألسنتها ، وكان معروفاً بالتشيّع لبني هاشم . (الأغاني 15 : 123) .
(2) أقول : وفي رواية أخرى أنّ الكميت رحمه الله دخل على الإمام الباقر عليه السلام في ايّام محرّم فأنشده قصيدته الميميّة التي يقول في مطلعها :
من لقلبٍ مُتيّم مُسهام    غير ما صبوة ولا أحلام
فلمّا بلغ قوله :
وقـتيل بالطف غودر iiمنهم      بـين  غـوغاء أمّة iiوطُغام
وأبـو  الـفضل إنّ iiذكرهم      الحلو شفاء النفوس iiوالأسقام
قُـتِل  الأدعـياء إذ iiقـتلوه      أكرم الشاربين صوب الغمام

بكى أبو جعفر عليه السلام بكاء شديدا ، ثم قال : يا كميت ، لو كان عندنا مال لأعطيناك ، ولكن لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسّان بن ثابت : لا زلت مؤيّداً بروح القدس ما ذببتَ عنّا أهل البيت ، ثم رفع يديه بالدعاء وقال : اللهم اغفر للكميت ، اللهم اغفر للكميت . انظر : الأغاني 15 : 123 ، مقاتل الطالبيين : 84 ، مروج الذهب 3 : 243 ، رجال الكشي : 136 ، اعلام الورى : 158 .

( 66 )

وما أخّر ، وما أسرّ وما أعلن حتى يرضى .(1)

(1) قال رحمه الله : بخ بخ ، هنيئاً لمن نال من أئمة الهدى بعض ذلك ، وأنت تعلم انّه عليه السلام لم يبتهل بالدعاء للكميت هذا الابتهال الالما دلّ عليه بيته هذا من معرفته بحقيقة الحال ، وقد أكثر الشعراء من نظم هذا المعنى ، فنظمه المهيار في قصيدته اللامية ، وقبل ذلك نظمه الشريف الرضي فقال :
بنى لهم الماضـون أسـاس هذه     فعلوا على أسا تلك القواعد إلى آخر ما قال

وكأنّ سيدة نساء عصرها (زينب) عليها السلام أشارت إلى هذا المعنى بقولها مخاطبة يزيد : وسيعلم من سوّل لك ، ومكّنك من رقاب المسلمين .

بل أشار إليه معاوية ، إذ كتب إليه محمد بن أبي بكر يلومه في تمرده على أمير المؤمنين عليه السلام ، ويذكر له فضله وسابقته فكتب له معاوية في الجواب ما يتضمّن الإشارة إلى المعنى الذي نظمها لكميت ، فراجع ذلك الجواب في كتاب «صفّين» لنصر بن مزاحم أو «شرح النهج» الحديدي أو «مروج الذهب» للمسعودي .

وقد اعترف بذلك المعنى يزيد بن معاوية ، إذ كتب إليه ابن عمر يلومه على قتل الحسين فأجابه : أمّا بعد : ، فانّا أقبلنا على فرش ممهّدة ، ونمارق منضّدة ... إلى آخر الكتاب ، وقد نقله البلاذري وغيره من أهلالسير والأخبار ، وفي كتابنا سبيل المؤمنين من هذا شيء كثير ، فحقيق بالباحثين أن يقفوا عليه .

أقول : ولكي يطّلع القارئ على مضمون هذه الرسائل نذكرها هنا ، فالرسالة التي كتبها محمد بن أبي بكر فيها حقائق دامغة لكلّ باحث عن الحقيقة ، فه يتصف معاوية بأنّه ضال مضل ، وأنّه لعين ابن لعين ، وأنّه يعمل كل ما في وسعه لإطفاء نور الله ويبذل الأموال لتحريف الدين ويبغي لدين الله الغوائل ، وأنّه عدو لله ولرسوله ...

والذي يهمّا هنا هو ردّ معاوية بن أبي سفيان على هذه الرسالة ، لتعرف ـ أيها الباحث ـ حقيقة وخفايا ودسائس التاريخ ، وتكشف من خلالها خيوط المؤامرة التي أبعدت الخلافة عن صاحبها الشرعي وتسببت في انحراف الامّة ، فاليك الرسالة والردّ عليها :

كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية

من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر :

سلام على أهل طاعة الله ، ممّن هو سلم لأهل ولاية الله ، أمّا بعد :

 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث