( 141 )
فقال أبو بكر : والله ما دعوته ، ولا غدرته ، ثمّ قال متمّم :
لنعم حشو
الدرع كان وحاسراً ولنعم مأوى الطارق المتنوّر
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه حلـو شمائله عفيف المأزر
وبكي حتى انحط عن سية قوسه .
قالوا : فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء ، فما أنكر عليه في بكائه
، ولا في رثائه منكر ، مع ما في بكائه ورثائه من المغازي السياسية ، بل
قال له عمر : لوددت انّك رثيت زيداً أخي بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك ،
فرثي متمّم بعدها زيداً فما أجاد .
فعاتبه عمر بقوله : لِمَ لَم ترث أخي كما رثيت اخاك ؟
فقال : إنّه والله ليحرّكني لأخي ما لا يحرّكني لأخيك .
واستحسن الصحابة والتابعين ومن بعدهم مراثيه في مالك ، فكانوا يتمثّلون
بها إذا اقتضى الأمر ذلك ، كما فعلته عائشة إذ وقفت على قبر أخيها عبد
الرحمن فبكت عليه وتمثّلت بقول متمّم :
وكنا كندماني جذيمة حقبة من
الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلمّـا تفرّقنا كأنّي ومالكاً لطـول اجتماع لم نبت ليلة معا
وما زال الرثاء فاشياً بين المسلمين في كل عصر ومصر لا يتناكرونه .
وحسبنا دليلاً على استحبابه في مآتمنا ما رواه أصحابنا عن زيد الشحّام
قال : كنّا عند أبي عبد الله الصادق عليه السلام نحن وجماعة من
الكوفيين ، فدخل جعفر بن عفّان فقرّبه الإمام وأدناه ، ثم قال : يا
جعفر بلغني انّك تقول الشعر في الحسين وتجيد .
( 142 )
قال : نعم جعلت فداك .
قال : قل ، فأنشدته :
لـيبك على الإسلام من كان iiباكياً فـقد ضـيعت أحـكامه iiواستحلّت
غـداة حـسين لـلرماح iiدريـئة وقـد نـهلت منه السيوف iiوعلّت
وغـودر في الصحراء شلواً iiمبدداً عـليه عـتاق الطير باتت iiوظلّت
فـما نـصرته اُمّـة السوء إذ iiدعا لـقد طـاشت الأحلام منهم iiوظلّت
وما حفظت قرب النبي ولا iiرعت وزلّـت بـها أقـدامها iiواستزلّت
أذاقـته حـرّ الـقتل امّـة جـدّه فـتبّت أكـف الـظالمين iiوشـلّت
فـلا قـدّس الـرحمن امّـة iiجده وإن هـي صـامت للإله iiوصلّت
كـما فـجعت بنت الرسول iiبنسلها وكانوا كماة(1)الحرب حين استقلّت
فبكي الصادق عليه السلام ومن حوله حتى صارت الدموع على وجهه ولحيته ثمّ
قال : يا جعفر والله لقد شهدك الملائكة المقرّبون ، وأنّهم لهاهنا
يسمعون قولك في الحسين ، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر ، وقد أوجب الله
تعالى لك يا جعفر في ساعتك الجنّة وغفر لك .
ثم قال عليه السلام : ألا ازيدك ؟
قال : نعم يا سيّدي .
قال عليه السلام : ما من أحد قال في الحسين شعراً ، فبكى وأبكى الا
أوجب الله له الجنّة وغفر له .
وقد نسج جعفر بن عفّان في هذا الرثاء على روي سليمان بن قتّة
(1) كذا في الأصل ، وفي المصدر : حماة .
( 143 )
العدوي(1) ، إذ مرّ بكربلاء لثلاث بعد قتل الحسين وأصحابه ، فنظر إلى
مصارعهم ومضاربهم ، فأنشأ يقول ويبكي :
مـررت عـلى أبـيات آل محمد فـلم أرهـا أمثالها(2) حين iiحلّت
فـلا يـبعد الله الـديار وأهـلها وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت
وانّ قـتيل الـطفّ من آل iiهاشم أذلّ رقــاب الـمسلمين iiفـذلّت
وكـانوا غـياثاً ثم أضحوا رزية ألا عـظمت تـلك الرزايا iiوجلّت
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة لـقتل حـسين والـبلاد iiاقشعرّت
وقـد أعـولت تبكي السماء iiلفقده وأنـجمها ناحت عليه iiوصلّت(3)
(1) في القاموس : قتّة : كضبّة ، اسم (امُ سليمان) بن حبيب المحاربي
(التابعي) المشهور يعرف بابن قتّة ، وهو القائل في رثاء الحسين عليه
السلام : وانّ قتيل الطف من آل هاشم أذلّ رقاب المسلمين فذلّت
وهو مولى بني تيم بن مرّة ، توفّي بدمشق سنة 126 هـ ، وينبغي أن يكون
أوّل من رثى الحسين عليه السلام ، لأنّه مرّ بكربلاء بعد قتل الحسين
عليه السلام بثلاث ليال ، فنظر إلى مضاربهم ، واتّكأ على قوس له عربية
وأنشأ يقول : مررت ....
وقيل : إن هذه المرثيّة لأبي الرميح (الزميج) الخزاعي .
انظر : سير أعلام النبلاء 4 : 596 (وذكر انّ قتّة اسم امّه) ، الجرح
والتعديل 4 : 136 ، المعجم الأوسط 2 : 457 ، طبقات القرّاء 1 : 314 ،
تهذيب الكمال 6 : 477 .
(2) في بعض المصادر : كعهدها ، وقد صحّفت في مصادر اخرى ، فقد وردت في
تهذيب الكمال وأنساب الأشراف : «فألفيتها أمثالها ...» وهذا التصحيف
متعمّد من أشياع آل أبي سفيان لعنهم الله .
(3) قال رحمه الله : أنشد هذه الأبيات أبو تمام في الحماسة ، والمبرد
في الكامل لسليمان بن قتّة ، ونسبها ابن الأثير في آخر وقعة الطف من
كامله الى التيمي تيم مرّة قال : وكان منقطعاً إلى بني هاشم ، والظاهر
أنّه أراد سليمان بن قتّة لأنّه تيمي بالولاء .
وقال الخطيب التبريزي في شرح الحماسة : رواها البرقي لأبي زميج الخزاعي
، وأوردها ابن عبد البر في ترجمة الحسين من الاستيعاب ، فنسبها إلى
سليمان بن قتّة
( 144 )
ورحم الله الحسين بن الضحاك(1) إذ نسج على هذا الروي والقافية ، فقال :
مـررت عـلى أبـيات آل محمد فـلم أرهـا أمثالها(2) حين iiحلّت
فـلا يـبعد الله الـديار وأهـلها وإن أصبحت منهم برغمي تخلّت
وانّ قـتيل الـطفّ من آل iiهاشم أذلّ رقــاب الـمسلمين iiفـذلّت
وكـانوا غـياثاً ثم أضحوا رزية ألا عـظمت تـلك الرزايا iiوجلّت
ألم تر أن الشمس أضحت مريضة لـقتل حـسين والـبلاد iiاقشعرّت
وقـد أعـولت تبكي السماء iiلفقده وأنـجمها ناحت عليه iiوصلّت(3)
ولله درّ عواطف الامام محمد بن إدريس الشافعي(5) حيث يقول من أبيات له
في رثاء الحسين عليه السلام :(6)
تـزلـزلت الـدنيا لآل iiمـحمد وكـادت لـهم صمّ الجبال iiتذوب
فـمن مـبلغ عنّي الحسين iiرسالة وان كـرهـتها أنـفس iiوقـلوب
قـتيل بـلا جـرم كـأن قميصه صبيغ بماء الأرجوان خضيب(7)
الخزاعي ، وقيل : انّها لأبي الزميج الخزاعي .
(1) هو أبو علي الحسين بن الضحاك بن ياسر الباهلي المعروف بالخليع أو
الخالع ، ولد سنة 162 ومات سنة 250 فيكون عمره 88 سنة ؛ وقيل : بل عمّر
أكثر من مائة سنة ، وكانت ولادته بالبصرة . انظر : أدب الطف 1 : 310 .
(2) في أدب الطف : وأوكف .
(3) في أدب الطف : بغبطة .
(4) الدرّ النضيد : 126 .
(5) هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ، ولد سنة 150 هـ
وتوفي سنة 204 بمصر ، وهو أحد أئمة المذاهب الأربعة السنّية .
(6) انظر : ينابيع المودّة 2 ك 356 ، بحار الانوار 45 : 274 ، فرائد
السمطين 2 : 266 .
(7) قال رحمه الله : هذا الرثاء نقله عن الإمام الشافعي جمال الدين
الحافظ الزرندي المدني كما في كتاب معارج الأصول ، ونقله الفاضل البلخي
في ينابيعه.
( 145 )
وروى الصدوق في أماليه وفي ثواب الأعمال ؛ وابن قولويه في كامله
بالإسناد إلى أبي عمارة قال : دخلت على أبي عبد الله الصادق عليه
السلام فقال : أنشد في الحسين ، فأنشدته فبكى ، ثمّ أنشدته فبكى ، قال
: فوالله ما زلت أنشده وهو يبكي حتى سمعت البكاء من الدار .
فقال : يا أبا عمارة من أنشد في الحسين فأبكى فله الجنّة ، ومن أنشد في
الحسين فتباكى فله الجنّة ....
وروى الصدوق في ثواب الأعمال ، وابن قولويه في كامله بالإسناد إلى أبي
هارون المكفوف قال : دخلت على أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، فقال
: يا
أقول : وأورد هذه الأبيات ابن شهراشوب في مناقب آل أبي طالب :
تـأوّب غـمّي والـفؤاد كـئيب وأرّق نـومي فـالرقاد iiغـريب
ومـمّا نـفي نومي وشيّب iiلمّتي تـصاريف ايّـام لـهنّ iiخطوب
فـمن مـبلّغ عنّي الحسين iiرسالة وإن كـرهـتها أنـفس iiوقـلوب
قـتيل بـلا جـرم كـأنّ iiقميصه صـبيغ بـماء الأرجوان خضيب
ولـلسيف أعـوال ولـلرمح iiرنّة ولـلخيل من بعد الصهيل iiنحيب
تـزلـزلت الـدنـيا لآل مـحمّد وكـادت لـهم صمّ الجبال iiتذوب
وغـارت نجوم واقشعرت كواكب وهـتك أسـتار وشـقّ iiجـيوب
يصلّى على المبعوث من آل هاشم ويـغـزى بـنوه إنّ ذا iiلـعجيب
لـئن كـان ذنبي حبّ آل iiمحمد فـذلك ذنـب لـست عنه iiأتوب
هـم شفعائي يوم حشري iiوموقفي إذا مـا بـدت للناظرين iiخطوب
وقال الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودّة : قال الحافظ
جمال الدين المدني في كتابه (معراج الاصول) انّ الامام الشافعي أنشد :
تـأوّه قـلبي والـفؤاد كئيب وأرّق نـومي فالسهاد iiعجيب
فمن مبلّغ عني الحسين iiرسالة وإن كـرهتها أنـفس iiوقلوب
ذبـيح ، بلا جرم كأنّ iiقميصه صيبغ بماء الارجوان خضيب
الأبيات ....
( 146 )
أبا هارون ، انشدني في الحسين ، فأنشدته ـ فلم يعجبه الانشاد لخلوّه من
الرقّة المشجية وكأنّه تركها حياء من الإمام عليه السلام ـ .
فقال : لا ، ـ يعني لا تنشد بهذه الطريقة ـ ، بل كما تنشدون ، وكما
ترثيه عند قبره .
قال : فأنشدته(1) حينئذ :
أمرر على جدث الحسين فـقل لاعـظمه iiالزكيّة
يـا أعظماً لا زلت iiمن وطـفاء ساكبة iiرويّة(2)
وإذا مــررت iiبـقبره فـأطل به وقف iiالمطيّة
وابـك الـمطهّر للمطهّ ر والـمـطهّرة iiالـتقيّة
كـبكاء مـعولة iiأتـت يـوماً لـواحدها iiالمنيّة
قال : فبكى ، ثم قال : زدني ، فأنشدته القصيدة الاخرى :
يا مريم قومي
واندبي مولاك وعلى الحسين اسعدي ببكاك
قال : فبكى الصادق وتهايج النساء من خلف الستر ، فلمّا أن سكتن قال :
يا أبا هارون ، مَن أنشد في الحسين فبكى وأبكى عشرة كتبت لهم الجنّة ـ
إلى أن قال : ـ ومن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينه مقدار جناح ذبابة
كان ثوابه على الله ولم يرض له بدون الجنّة .
ودخل عبد الله بن غالب على الإمام الصادق عليه السلام فأنشده مرثيّته
في الحسين عليه السلام ، فلمّا انتهى إلى قوله : لبلية ... البيت ،
صاحت باكية من وراء
(1) قال رحمه الله : أنشد أبو هارون هذه الأبيات وهي للسيد إسماعيل
الحميري .
(2) وطفاء ـ كحمراء ـ : منهمرة ، من قولهم : وطف المطر : انهمر ؛ ويقال
: سحابة وطفآء ، أي : مسترخية لكثرة مائها .
( 147 )
الستر : يا أبتاه .(1)
وللإمام الثامن الضامن عليه السلام مع دعبل الخزاعي قضية مشهورة
(2) ؛
(1) انظر : كامل الزيارات : 105 ح 3 .
(2) قال رحمه الله : أشار إليها الفاضل العباسي في أحوال دعبل من معاهد
التنصيص في شرح شواهد التلخيص في اوّل ص 373 ، وذكرها الصدوق في عيون
أخبار الرضا ، والعلامة الأربلي في كشف الغمّة ، والمجلسي في بحار
الأنوار ، وأبو الفرج الأصفهاني في أغانيه ، وغير واحد من المحدّثين
والمؤرخين . أقول : وقد ذكرنا القصّة مفصّلة في الهامش أثناء
تعليقناعلى ذكرها في المقدّمة الزاهرة .
أما أبيات القصيدة التي أنشدها دعبل فمنها :
مـدارس آيـات خلت من iiتلاوة ومـنزل وحـي مقفر iiالعرصات
لآل رسول الله من خيف من منى وبـالبيت والتعريف iiوالجمرات
ديـار عـلي والـحسين iiوجعفر وحـمزة والـسجاد ذي iiالثفنات
مـنازل كـانت لـلصلاة وللتقى ولـلصوم والـتطهير iiوالحسنات
إذا لـم نـناج الله فـي iiصلواتنا بـأسمائهم لـم يـقبل iiالصلوات
فيا ربّ زدني في هواي iiبصيرة وزد حـبهم يا ربّ في iiحسناتي
سـأبكيهم مـا حـجّ لـله راكب ومـا ناخ قمريّ على iiالشجرات
سـقى الله قـبراً بـالمدينة iiغيثه فـقد حـلّ فيه الأمن iiوالبركات
قبور ببطن النهر من جنب iiكربلا مـعرسهم مـنها بـشط iiفـرات
تـوفّوا عـطاشا بالفرات iiفليتني تـوفّيت فـيهم قبل حين iiوفاتي
الـى الله أشكو لوعةً عند iiذكرهم سـقتني بكأس الثكل iiوالفظعات
أفـاطم لـو خلت الحسين iiمجدّلاً وقـد مـات عطشاناً بشطّ iiفرات
اذاً لـلطمت الـخدّ فـاطم عنده وأجريت دمع العين في iiالوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير iiواندبي نـجوم سـماوات بـأرض فلاة
ديـار رسـول الله أصبحن iiبلقعاً وآل زيـاد تـسكن iiالـحجرات
وآل زيـاد في القصور iiمصونة وآل رسـول الله فـي iiالـفلوات
( 148 )
وذلك لما وفد عليه بعبقريته التائية تلك القصيدة التاريخية الرنّانة ،
التي تجاذبت بها أندية الأدب ، وانتشرت في أقطار العرب ، وقامت
بتلاوتها في دار الرضا قيامة الأحزان ، وقرعت ساحته الشريفة بنوح دعبل
بها الأشجان ، فبكى الإمام أحرّ بكاء ، وعلا من وراء الستر صراخ النساء
، وكان لأطفاله رنين ومأق ورغاء(1) حتى استولي عليه الاغماء ، واشترك
في البكاء معه جنّة الأرض وملائكة السماء .
وقد علم الناس أنّ الإمام زين العابدين عليه السلام قد أمر بشراً(2)
برثاء سيد الشهداء حيث قال :
يا بشر ، رحم الله أباك لقد كان شاعراً ، فهل تقدر على شيء منه ؟
قال : نعم يا بن رسول الله .
قال عليه السلام : ادخل المدينة وأنع أبا عبد الله .
قال بشر بن حذلم : فركبت فرسي ، وركضت حتى دخلت المدينة ، فلمّا بلغت
مسجد النبي صلى الله عليه وآله رفعت صوتي بالبكاء ، وأنشأت : يا أهل
يثرب لا مقام لكم بها قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ
الجسم منه بكربلاء مضرّجُ والرأس منه على القناء يدار(3)
(1) قال رحمه الله : المأق : ما يأخذ الصبي بعد البكاء من الشهيق
الشبيه بالفواق ، ورغاء الصبي : هو أشد ما يكون من بكائه .
(2) وهو بشر بن حذلم ؛ وقيل أيضاً : ان اسمه بشير بن جذلم ، وهو من
أصحاب الإمام السجاد عليه السلام ، رافق عيال الإمام الحسين عليه
السلام عند عودتهم من الشام إلى المدينة .
انظر : الملهوف : 226 .
(3) حياة الإمام الحسين 2 : 423 ، الملهوف : 227 .
( 149 )
المجلس الثالث : في تلاوة الأحاديث
لا ريب في رجحان تلاوة الأحاديث المشتملة على مناقب الموتى من المؤمنين
ومصائبهم ، إذ تكون كذكرى لحياتهم ، تنتفع الامّة بها على قدر مكانتهم
في محامد الصفات ، ومكارم الأخلاق ، ومحاسن الأفعال .
وانّ امّته تهتم بتاريخ عظمائها الممتازين في دينهم ودنياهم ، لتعد
حافظة مجدها ، ناصحة لمن بعدها ، وقد جرت سيرة الخلف والسلف على ذكر
مناقب الموتى ومصائبهم ، كتابة وخطابة ، نظماً ونثراً . والعقل والنقل
يحكمان بحسن ذلك ، وقواعد المدنية تقتضيه ، واصول الترقّي في المعارف
والفضائل توجبه ، إذ به تحفظ الآثار النافعة ، وتخلّد الأرواح الشريفة
، وبالتنافس فيه تعرج أبطال المنابر إلى أوج البلاغة ، وتستوي رجال
المحابر ببراعتها على عرش البراعة .
وما أحوج الامّة إلى ذكرى ما أصاب سلفها من النوائب أيّام بؤسهم ، وما
اكتسبوه من المآثر والمناقب أيّام عزّهم «إنّ في ذلك لذكرى لأولي
الألباب»(1) .
وهذا كتاب الله عز وجل وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله يمثّلان مناقب
الأنبياء ومصائبهم بأجلى مظاهر التمثيل ، ويصوّران مثالب أعداء الله
وأعداء أنبيائه بأوضح التصوير ، ولولا الكتاب والسنّة ، ما عرفنا فضائل
أنبياء الله ، ولا رذائل أعدائه ، وأنّى لنا ـ لولا الكتاب والسنّة ـ
بالوقوف على نصح الأنبياء لله تعالى ولعباده ، والصبر على الأذى الذي
نالهم في سبيل الحق من النماردة
(1) سورة الزمر : 21 .
( 150 )
والفراعنة والعمالقة ، وأصحاب الرسّ والأخدود وغيرهم .
فالقول بتحريم تلاوة مناقب أهل المناقب من الموتى ومصائبهم يستلزم
تحريم تلاوة الكتاب والسنّة ، وقراءة التاريخ وعلم الرجال ، ومن يرضى
لنفسه هذا الحمق ! ويختار لبصيرته هذا العمي ! نعوذ بالله من سفه
الجاهلين .
وقف أمير المؤمنين عليه السلام على قبر خباب بن الأرت في ظهر الكوفة ،
وهو أوّل من دفن هناك فقال عليه السلام ـ في تأبينه ـ :
رحم الله خباباً ، لقد أسلم راغباً ، وهاجر طائعاً ، وعاش مجاهداً ،
وابتلي في جسمه أحوالاً ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً .
ووقف الإمام زين العابدين على قبر جدّه أمير المؤمنين عليهما السلام
فقال :
أشهد انّك جاهدت في الله حقّ جهاده ، وعملت بكتابه ، واتّبعت سنن نبيّه
صلى الله عليه وآله ، حتى دعاك الله إلى جواره ، فقبضك إليه باختياره ،
لك كريم ثوابه ، وألزم أعداءك الحجّة في ظلمهم ايّاك مع ما لك من الحجج
البالغة .
ووقف الإمام الصادق عليه السلام على قبر جدّه الإمام الحسين عليه
السلام فقال :
أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة ، وأمرت بالمعروف ، ونهيت عن
المنكر ، وأطعت الله ورسوله ، وعبدته مخلصاً ، وجاهدت في سبيله صابراً
محتسباً حتى أتاك اليقين ، فلعن الله امّة قتلتك ، ولعن الله امّة
ظلمتك ، ولعن الله امّة سمعت بذلك فرضيت به .(1)
(1) العقد الفريد 2 : 147 .
( 151 )
ووقف الحسين على قبر أخيه الحسن عليهما السلام فقال :
أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي وخـدّك مـعفور وأنت iiتريب
ولـيس حريباً من اُصيب iiبماله ولـكن مـن وارى أخاه حريب
غريب وأطراف البيوت تحوطه ألا كلّ من تحت التراب iiغريب
بـكائي طويل والدموع iiغزيرة وأنـت بعيد والمزار iiقريب(1)
ووقف محمد بن أمير المؤمنين ـ المعروف بابن الحنفيّة ـ على قبر اخيه ،
وخليفة أبيه أبي محمد الحسن الزكي المجتبى عليه السلام فخنقته العبرة
فقال :
يرحمك الله أبا محمد ، فلئن عزّت حياتك فقد هدّت وفاتك ، ولنعم الروح
روح ضمّه بدنك ، ولنعم البدن بدن ضمّه كفنك ، وكيف لا تكون كذلك وأنت
بقيّة ولد الأنبياء ، وسليل الهدى ، وخامس أصحاب الكساء ، غذّتك أكفّ
الحقّ ، وربّيت في حجر الإسلام ، فطبت حيّاً وطبت ميّتاً ، وإن كانت
أنفسنا غير طيّبة
(1) قال محمد بن أبي طالب في تسلية المُجالس وزينة المَجالس ، ولمّا
وضع الحسن عليه السلام في قبره أنشأ سيّدنا ومولانا أبا عبد الله
الحسين عليه السلام : أأدهـنُ رأسـي أم اُطيـّب مجـالسي ورأسـك معفـور
وأنـت سليـب
أأدهـنُ رأسـي أم اُطيّب iiمجالسي ورأسـك مـعفور وأنـت iiسـليب
أو اسـتمتع الـدنيا بـشيء iiاُحبّه ألا كـلّ مـا أدنـى إلـيك حبيب
فـلا زلـت أبكي ما تغنّت iiحمامة عـليك ومـا هـبّت صبا iiوجنوب
ومـا هملت عيني من الدمع iiقطرة وما اخضرّ في دوح الحجاز قضيب
بـكائي طـويل والـدموع iiغزيرة وأنــت بـعيد والـمزار قـريب
غـريب وأطراف البيوت iiتحوطه ألا كـلّ مـن تحت التراب iiغريب
فلا يفرح الباقي خلاف الذي iiمضى فـكل فـتى لـلموت فـيه iiنصيب
ولـيس حـريباً مـن اُصيب iiبماله ولـكنّ مـن وارى أخـاه iiحريب
نـسيبك مـن أمسى يناجيك iiطرفه ولـيس لـمن تحت التراب iiنسيب
انظر : مناقب ابن شهراشوب 4 : 45 ، تسلية المُجالس وزينة المَجالس 2 :
65 ، بحار الأنوار 44 : 160 ذ ح 29 .
( 152 )
بفراقك ، ولا شاكّة في الخيار لك .
ثمّ بكى بكاءاً شديداً وبكى الحاضرون حتى علا نشيجهم وفيهم الحسين
واخوته وابن عبّاس وسائر الهاشميين .(1)
ولمّا توفّي أمير المؤمنين عليه السلام قام الخلف من بعده أبو محمد
الحسن الزكي عليهما السلام فقال :
لقد قتلتم الليلة رجلاً والله ما سبقه أحد كان قبله ، ولا يدركه أحد
يكون بعده ، [والله] إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليبعثه
في السرية ، وجبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، [والله] ما ترك
بيضاء ولا صفراء ... إلى آخر كلامه .(2)
ووقف أمير المؤمنين عليه السلام على الضريح الأقدس ، ضريح النبي صلى
الله عليه وآله ساعة دفنه فقال :
إن الصبر لجميل الاعنك ، وان الجزع لقبيح الاعليك ، وانّ المصاب بك
لجليل ، وانّه بعدك لقليل .(3)
وعن أنس بن مالك قال : لمّا فرغنا من دفن رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم أقبلت فاطمة عليها السلام فقالت :
[يا أنس ،] كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم التراب ؟
(1) تاريخ الاُمم والملوك (حوادث سنة 40) ، العقد الفريد 2 : 78 .
(2) تاريخ الاُمم والملوك 5 : 157 .
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 194 ، العقد الفريد 2 : 102 .
( 153 )
ثم بكت ونادت : يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه ، يا أبتاه مِن ربّه ما أدناه
، يا أبتاه من ربّه ناداه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه جنّة
الفردوس مأواه ، يا أبتاه لست بعد اليوم أراه .(1)
وكأنّي بها وقد أصلى ضلعها الخطب ، ولاع قلبها الكرب ، ولجّ فؤادها
الحزن ، واستوقد صدرها الغبن ، حين ذهبت كاظمة ، ورجعت راغمة ، ثمّ
انكفأت إلى قبر أبيها باكية شاكية قائلة :
قـد كـان بـعدك أنـباء iiوهنبثة لـو كان شاهدها لم تكثر iiالخطب
إنّـا فـقدناك فـقد الأرض iiوابلها فاختلّ قومك فاشهدهم فقد iiنكبوا(2)
فـليت بـعدك كان الموت iiصادفنا لمّا قضيت وحالت دونك الكثب(3)
ولم تزل ـ: بأبي هي واُمّي ـ بعد أبيها صلى الله عليه وآله ذات غصّة لا
تساغ ، ودموع تترى من مقلة عبرى ، قد استسلمت للوجد ، واخلدت في بيت
أحزانها إلى الشجون ، حتى لحقت بأبيها صلى الله عليه وآله معصّبة الرأس
، قد ضاقت عليها الأرض برحبها .
فلمّا فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من دفنها في ظلام الليل ، ورهقه
من الحزن عليها ما عيل به صبره ، وضاق به صدره ، استقبل بوجهه ضريح
رسول الله صلى الله عليه وآله يشكو إليه بثّه وحزنه ، وقد جاشت في صدره
غصص الهموم ،
(1) المصنف لعبد الرزاق 3 : 553 ح 6673 ، الطبقات الكبرى 2 : 311 ،
صحيح البخاري 6 : 18 ، سنن ابن ماجة 1 : 522 ح 1630 ، سنن النسائي 4 :
13 ، العقد الفريد 3 : 230 ، المستدرك على الصحيحين 1 : 382 .
(2) قال رحمه الله : الموجود في شرح النهج ، واختلّ قومك فاشهدهم ولا
تغب ، لكنّ الصحيح ما أثبتناه ، وهو المأثور عندنا ، ومعنى نكبوا :
عدلوا .
(3) العقد الفريد 3 : 194 ، النهاية لابن الأثير 3 : 156 .
( 154 )
واعتلجت فيه حزازات الغموم ، فقال وهو يجرض بريقه ، ويميد به شجوه ،
وقد انحلّت عقود دموعه ، وتناثرت لآلئ جفونه :
السلام عليك يا رسول الله ، وعلى ابنتك النازلة في جوارك ، والسريعة
اللحاق بك ، قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ، ورقّ عنها تجلّدي ، ألا
أن لي في التأسي بعظيم فرقتك ، وفادح مصيبتك موضع تعزٍ ، فلقد وسّدتك
في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، فإنّا لله وإنّا إليه
راجعون ، فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ، وأمّا حزني فسرمد ،
وأمّا ليلي فمسهّد ، أو يحتار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ،
وستنبؤك ابنتك بتظافر اُمّتك على هضمها ، فأحفّها السؤال ، واستخبرها
الحال ، هذا ولم يطل العهد ، ولم يخلق منك الذكر .(1)
فـلأي الأمـور
تـدفـن سـرّاً بضعة المصطفى ويعفى ثراها
فمضت وهي أعظم الناس شجواً في فم الدهر غصّة من جواها
وكأنّي بأمير المؤمنين عليه السلام واقفاً على قبرها وهو شجي بغصصه ،
لا يملك دمعه ولا قلبه ، وكأنّي به ينشد :
لـكل اجتماع من خليلين iiفُرقة وكـلّ الذي دون الممات iiقليل
وإنّ افـتقادي واحداً بعد iiواحدٍ دليل على أن لا يدوم خليل(2)
(1) قال رحمه الله : هذا الكلام من الثابت عنه عليه السلام المأثور في
كتاب نهج البلاغة .
(2) العقد الفريد 3 : 198 .
( 155 )
المجلس الرابع : في الجلوس حزناً على الموتى
لا ريب في أنّ النبي صلى الله عليه وآله حزن حزناً شديداً على شيخ
الأباطح وبيضة البلد ، عمّه وكافله أبي طالب ، وعلى صدّيقته الكبرى امّ
المؤمنين ، وقد ماتا في عام واحد ، فسماه النبي صلى الله عليه وآله
«عام الحزن» ، ولزم بيته(1) وأقلّ من الخروج حزناً عليهما ، وكان إذا
تهجّمت عليه قريش يندب عمّه فيقول : «يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك»(2) .
وصحّ جلوسه في المسجد حزناً على ابن عمّه جعفر وصاحبيه زيد وابن رواحة
.(3)
وصحّ أيضاً أنه حزن حزناً شديداً ، لم ير أشدّ منه حين قتل القرّاء من
أصحابه وقنت شهراً يستغفر لهم ، ويدعو على قاتليهم في قنوته .
والعقل يحكم برجحان الجلوس حزناً على فقد المصلحين من أهل الحفائظ
والأيادي المشكورة ، لأنّ تمييزهم بذلك يكون سبباً في تنشيط أمثالهم ،
وأداء حقّهم بعد موتهم ، ويكون داعياً إلى كثرة الناسجين على منوالهم .
(1) انظر : السيرة النبويّة 1 : 108 ، الكامل في التاريخ 1 : 462 ،
السيرة الحلبية 1 : 462 باب وفاة أبي طالب وخديجة .
(2) السيرة النبويّة 1 : 108 .
(3) قال رحمه الله : والحديث هذا ثابت في باب من جلس عند المصيبة يعرف
فيه الحزن ص 154 من الجزء الأوّل من صحيح البخاري ، وفي باب التشديد في
النياحة ص 345 من الجزء الأوّل من صحيح مسلم ، وثابت في صحيح أبي داود
أيضاً .
( 156 )
أمّا الجلوس لذكرى ما أصاب الأئمّة في سبيل مصالح الاُمّة ، فيبعث فيها
روح الايمان والهدى ، ويأخذ بقلوبها إليهم ، وان بعُد العهد وطال المدى
.
وقـول اللائميـن : بأنّه لا يحسن الجلوس حزناً على الميّت إذا تقادم
العهد بموته(1) لا يتمّ في فجائعنا بأهل البيت ، حيث لا يتلاشى الحزن
عليهم مهما تقادم العهد بهم ، بل لا تخبو زفرة تلك الفجائع ، ولا تخمد
لوعة هاتيك القوارع ، ما بقي الزمان ، وكر الجديدان ، فقربُ العهد بها
وبعده عنها سيان ، وما أولى هذا اللائم ، بقول بعض الأعاظم :
خـلي اُمـيمة عن ملا مك ما المعزّي كالثكول
ما الراقد الوسنان iiمث ل معذب القلب iiالعليل
سـهران مـن ألم iiوه ذا نـائم الليل الطويل
ذوقـي اُمـيمة ما iiأذو ق وبعده ما شئت iiقولي
ورحم الله القائل :
ويل قلبي الشجي ممّا يعاني من ملام الخلي طعناً
ووخزا
ولو علم اللائم الأحمق بما في حزننا على أهل البيت من النصرة لهم ،
والحرب الطاحنة لأعدائهم ، لخشع أمام حزننا الطويل ، ولأكبر الحكمة
المقصودة من هذا النوح والعويل ، ولأذعن للأسرار في استمرارنا على ذلك
في كل جيل ،
(1) قال رحمه الله : أخرج الإمام أحمد في ص 201 من الجزء الأول من
مسنده من حديث الحسين عليه السلام عن جدّه رسول الله صلى الله عليه
وآله : ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وان طال عهدها فيحدث
لذلك استرجاعاً الاجدّد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم اُصيب
بها .
وروى ابن ماجة وأبو يعلى عنه هذا الحديث أيضاً كما في ترجمته عليه
السلام من الاصابة .
( 157 )
وما أولاه وإيّانا بقول القائل :
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت
أجهل ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتـي فعـذلتني وعلمت أنّك جاهل فعـذرتكا
على أنّ الأوامر المتواترة عن أئمّة العترة الطاهرة تستوجب التعبّد
بترتيب آثار الحزن على الدوام ، ولو ثبتت هذه الأوامر عن أئمّة المذاهب
الأربعة لعمل اللائمون بها ، فلماذا إذن يلوموننا بعد ثبوتها عن أئمّة
العترة ، وسفينة نجاة الامّة ، وباب حطّة ، وأمان أهل الأرض ، وأعدل
كتاب الله ، وعيبة رسوله ، لو كانـوا ينصفون ؟؟
ولِمَ يلومنا اللائمون في حزننا ، مع تقادم العهد بمصيبتنا ، ويحبّذون
استمرار أهل المدينة على ندب حمزة كلّما ناحوا على ميّت منهم ؟
فإن كان بكاؤهم على حمزة مواساة لرسول الله صلى الله عليه وآله بمصيبته
في عمّه ، وأداء لواجب قوله صلى الله عليه وآله : «لكن حمزة لا بواكي
له» ، فانّ بكاؤنا انّما هو مواساة له في مصيبته بريحانته من الدنيا ،
وقرّة عينه ، واداء لواجب بكائه عليه .
أيبكي رسول الله صلى الله عليه وآله على الحسين ـ بأبي هو واُمّي ـ قبل
الفاجعة ونحن لا نبكيه بعدها ؟؟
ما هذا شأن المتأسّي بنبيه ، والمواسي له !؟
ألم يرو الإمام أحمد : انّ عليّاً لما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفّين
نادى : صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله بشطّ الفرات ، فسئل عن
ذلك فقال :
دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم وهو يبكي ، فسألته
( 158 )
فقال : قام من عندي جبرئيل فحدّثني إنّ الحسين يقتل بشط الفرات .
قال : فقال : هل لك إلى أن أشمّك من تربته ؟
قال : قلت : نعم ، فمدّ يده ، فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها .
وأخرج ابن سعد ، عن الشعبي قال : مرّ عليّ رضي الله عنه بكربلاء عند
مسيره إلى صفّين ، فوقف وسأل عن اسم الأرض ؛ فقيل : كربلاء ، فبكى حتى
بلّ الأرض من دموعه .
ثم قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي فقـلت : ما
يبكيـك ؟
قال : كان عندي جبرئيل آنفاً ، وأخبرني أنّ ولدي الحسين يقتل بشاطئ
الفرات ، بموضع يقال له : كربلاء ... .
وأخرج الملأ : انّ علياً مرّ بموضع قبر الحسين عليه السلام فقال : ها
هنا مناخ ركابهم ، وهاهنا موضع رحالهم ، وها هنا مهراق دمائهم ، فتية
من آل محمد ، يقتلون بهذه العرصة ، تبكي عليه السماء والأرض ... .
ومن حديث امّ سلمة قالت : كان عندي النبي صلى الله عليه وآله ومعي
الحسين ، فدنا من النبي صلى الله عليه وآله فأخذته ، فبكى فتركته ،
فدنا منه ، فأخذته ، فبكى فتركته ، فقال له جبرئيل : أتحبّه يا محمد ؟!
قال : نعم .
قال : أما إنّ اُمّتك ستقتله ، وان شئت أريتك الأرض التي يقتل بها ،
فبكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وروى الماوردي الشافعي ، عن عائشة ، قالت : دخل الحسين بن علي |