المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة

 
 

 ( 240 )

[المجلس الثاني عشر]

لمّا زحف القوم نحو الحسين عليه السلام وطلب العبّاس منهم تأجيل القتال إلى غدٍ ، أمر الحسين عليه السلام أصحابه أن يقرّبوا بيوتهم ، ويدخلوا الأطناب بعضها ببعض ، ويكونوا أمام البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد ، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وشمائلهم .

وقام الحسين عليه السلام وأصحابه الليل كلّه يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون ، وباتوا ولهم دوي كدوي النحل ، ما بين قائم وقاعد ، وراكع وساجد ، فعبر عليهم في تلك الليلة من عسكر ابن زياد اثنان وثلاثون رجلاً .

ولمّا ضيّقوا على الحسين عليه السلام ونال منه ومن أصحابه العطش قام واتّكأ على قائم سيفه ، ونادى بأعلى صوته فقال :

أنشدكم الله هل تعرفوني ؟ قالوا : نعم أنت ابن رسول الله وسبطه . قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن جدّي رسول الله ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن اُمّي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب ؟ قالوا : اللهم نعم .

( 241 )

قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن جدّتي بنت خويلد أوّل نساء هذه الامّة إسلاماً ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيّار في الجنّة عمّي ؟  قالوا : اللهم نعم .  قال : أنشدكم الله هل تعلمون انّ هذا سيف رسول الله أنا متقلّدة ؟  قالوا : اللهم نعم .  قال : أنشدكم [الله] هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول الله صلى الله عليه وآله أنا لابسها ؟  قالوا : اللهم نعم .  قال : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ عليّاً عليه السلام كان أول القوم إسلاماً ، وأعلمهم علماً ، وأعظمهم حلماً ، وانّه ولي كلّ مؤمن ومؤمنة ؟  قالوا : اللهم نعم .  قال : فبم تستحلون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء ، ولواء الحمد بيد أبي يوم القيامة .  قالوا : قد علمنا ذلك كلّه ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً .

فلمّا خطب هذه الخطبة وسمع بناته واُخته زينب كلامه بكين وندبن ولطمن الخدود وارتفعت أصواتهن ، فوجّه إليهن أخاه العباس عليه السلام وعليّاً ابنه وقال لهما : سكتاهنّ فلعمري ليكثر بكاؤهن .

فلمّا لم يبق معه سوى أهل بيته خرج علي بن الحسين(1) عليه السلام وكان

(1) علي بن الحسين الأكبر ، يكنّى أبا الحسن ، من سادات الطالبيين وشجعانهم ، امّه ليلى بنت أبي مرّة 

( 242 )

من أصبح الناس وجهاً ، وأحسنهم خلقاً ، فاستأذن أباه في القتال فأذن له ، ثم نظر إليه نظرة آيس منه ، وأرخى عينيه بالدموع وبكى ، ثم قال : اللهم اشهد فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه فصاح وقال : يا بن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ، فتقدّم نحو القوم وقاتل قتالاً شديداً وقتل جمعاً كثيراً ، ثم رجع إلى أبيه وقال : يا أبه العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل إلى شربة ماء من سبيل اتقوّى بها على الأعداء .

فبكى الحسين عليه السلام وقال : واغوثاه ، يا بني من أين آتي لك بالماء ؟ قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدّك محمدا صلى الله عليه وآله فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً .

فرجع إلى موقف النزال وقاتل أعظم قتال ، فرماه منقذ بن مرّة العبدي(1) بسهم فصرعه فنادى :

يا أبتاه عليك منّي السلام ، هذا جدّي يقرؤك السلام ويقول لك : عجّل

 (قرّة) بن عروة (عمرو) بن مسعود بن مغيث (معبد) الثقفي ، واُمّها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب ، كان له من العمر سبع وعشرون سنة ، وردت رواية أنّه كان متزوجاً من اُمّ ولد ، هو أوّل من قتل من بني هاشم ، طعنه مرّة بن منقذ النعمان العبدي وهو يحوم حول أبيه ويدافع عنه ويقيه ، وانهال أصحاب الحسين على مرّة فقطّعوه بأسيافهم ؛ قيل : مولده في خلافة عثمان ، وسمّاه المؤرخون الأكبر تمييزاً له عن أخيه زين العابدين علي الأصغر .

انظر : مقاتل الطالبيين : 80 ـ 81 ، الطبقات الكبرى 15 :156 ، ورجال الشيخ: 76 ، البداية والنهاية 8: 185 ، الأعلام 4 : 227 .

(1) كذا في الأصل وبعض المصادر ، ولكن في تاريخ الطبري 6 : 625 ، والكامل 4 : 30 ، والأخبار الطوال 254 ورد اسمه هكذا : مرّة بن منقذ بن النعمان العبدي ثمّ الليثي .

( 243 )

القدوم إلينا ، ثمّ شهق شهقة فمات .

فجاء الحسين عليه السلام حتى وقف عليه ووضع خدّه على خدّه وقال :

قتل الله قوماً قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا .

قال : وخرجت زينب بنت علي عليه السلام تنادي : يا حبيباه يا بن أخاه ، وجاءت فانكبت عليه ، فجاء الحسين عليه السلام فأخذها وردّها إلى النساء .

ثمّ جعل أهل بيته يخرج منهم الرجل بعد الرجل حتى قتل القوم منهم جماعة .

فصاح الحسين عليه السلام في تلك الحال : صبراً يا بني عمومتي ، صبراً يا أهل بيتي ، فوالله لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً .

قال : وخرج غلام كأنّ وجهه شقة قمر ، فجعل يقاتل فضربه ابن فضيل الأزدي(1) على رأسه ، ففلقه ، فوقع الغلام لوجهه وصاح : يا عمّاه !

فجلس الحسين عليه السلام كما يجلس الصقر(2) ، ثم شدّ شدّة ليثٍ أغضب ، فضرب ابن فضيل بالسيف ، فاتّقاها بالساعد ، فأطنّه من لدن المرفق ، فصاح صيحة سمعه أهل العسكر ، وحمل أهل الكوفة ليستنقذوه ، فوطأته الخيل حتى هلك .

[قال :] ثم قام الحسين على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين يقول : «بُعداً لقومٍ قتلوك ، ومَن خصمهم يوم القيامة فيك جدّك وأبوك» .

(1) في مقاتل الطالبيين : 88 ذكر اسمه : عمرو بن سعيد بن نفيل الأزدي .
(2) كذا في الأصل ، وفي المصادر : فجلى الحسين عليه السلام كما يجلي الصقر .

( 244 )

ثم قال: «عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك صوت ، والله كثر واتره وقلّ ناصره» .

ثمّ حمل عليه السلام الغلام على صدره حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته .

[قال :] ولمّا رأى الحسين عليه السلام مصارع فتيانه وأحبّته ، عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى :

هل من ذاب يذبّ عن حرم رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

هل من موحّدٍ يخاف الله فينا ؟

هل من مغيثٍ يرجو الله بإغاثتنا ؟

هل من معينٍ يرجو الله في إعانتنا ؟

فارتفعت أصوات النساء بالعويل ، فتقدّم إلى باب الخيمة وقال لزينب عليها السلام : «ناوليني ولدي الصغير(1) حتى اودّعه ، فأخذه وأومأ إليه ليقبّله فرماه حرملة ابن كاهل(2) بسهم فوقع في نحره فذبحه .

(1) هو عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، واُمّه الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس ، وفي اسم قاتله اختلاف ؛ فقيل : حرملة ؛ وقيل : عقبة بن بشر .
(2) وهو خبيث ملعون ، لمّا قُبض على حرملة ورآه المختار ، بكى المختار وقال : يا ويلك أما كفاك ما فعلت حتى قتلت طفلاً صغيراً وذبحته ، يا عدوّ الله ، أما علمت أنّه ولد النبي ، فأمر به فجعلوه مرمى ، فرمي بالنشاب حتى مات .

وقيل : إنّه لمّا نظر المختار إلى حرملة قال : الحمد لله الذي مكّنني منك يا عدوّ الله ، ثم أحضر الجزّار فقال له : اقطع يديه ورجليه ، فقطعهما ، ثم قال : عليّ بالنار ، فاحضرت بين يديه ، فأخذ قضيباً من حديد وجعله في النار حتى احمرّ ثم ابيضّ ، فوضعه على رقبته ، فصارت رقبته تجوش من النار وهو يستغيث حتى قطعت رقبته . انظر : حكاية المختار : 55 و59 .

( 245 )

فقال لزينب : خذيه ، ثم تلقّى الدم بكفّيه ، فلمّا امتلأت رمى بالدم نحو السماء ثم قال :

هون عليّ ما نزل بي ، انّه بعين الله تعالى .

قال الباقر عليه السلام : فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض .(1)

قال الراوي : واشتدّ العطش بالحسين عليه السلام فركب المسنّاة يريد الفرات والعبّاس أخوه بين يديه فاعترضته خيل ابن سعد ، فرمى رجل من بني دارم الحسين عليه السلام بسهم فأثبته في حنكه الشريف ، فانتزع السهم وبسط يديه تحت حنكه حتى امتلأت راحتاه من الدم ثم رمى به وقال :

اللهم انّي أشكوا إليك ما يفعل بابن بنت نبيّك ، ثم انهم اقتطعوا العباس عنه وأحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه قدس الله روحه ، فبكى الحسين لقتله بكاءً شديداً ، وفي ذلك يقول الشاعر(2) :

أحـقّ  الناس أن يُبكى iiعليه      فـتىً أبكى الحسين iiبكربلاء
أخـوه  وابـن والـده iiعليّ      أبو  الفضل المضرّج iiبالدماء
ومـن واسـاه لا يثنيه iiشيء      وجاد له على عطش بماء
(3)

ولما دخل بشير بن حذلم المدينة المنورة لينعى الحسين عليه السلام التقى باُم البنين(4) «وهي ام العباس» فقال لها :

(1) الملهوف : 169 ، كفاية الطالب : 284 ، إحقاق الحقّ : 454 .
(2) وهو : الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن أمير المؤمنين عليه السلام من أعلام القرن الثاني .
(3) الملهوف : 170 ، مقاتل الطالبيين : 84 ، الغدير 3 : 3 .
(4) هي فاطمة بنت حَزام بن خالد بن ربيعة بن عامر ، واُمّها ثمامة بنت سهيل بن عامر ، وتكنّى : «امّ البنين» قبل تزويجها الإمام علي عليه السلام لأنها من بيت (ام البنين العامريّة) التي قيل فيها :

( 246 )

عظّم الله لك الأجر بولدك عبد الله .

قالت له : أسألك عن سيدي ومولاي الحسين .

قال لها : عظّم الله الأجر بولدك جعفر .

قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين .

قال لها : عظم الله لك الأجر بولدك عثمان .

قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين .

قال لها : عظّم الله لك الأجر بولدك العباس .

قالت له : أسألك عن سيّدي ومولاي الحسين . فقال :

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها    قُتل الحسين فأدمعي مدرارُ

الجسم منه بكربلاء مضرّج     والرأس منه على القناة يدارُ

فصاحت ولطمت خدّها ، وشقّت جيبها ونادت : وا حسيناه وا سيّداه ، ثمّ أنشدت :

لا تـدعوني ويـك امّ الـبنين      تـذكريني  بـليوث iiالـعرين
كـانت بـنون لـي اُدعى بهم      والـيوم أصبحت ولا من iiبنين
أربـعة  مـثل نـسور iiالربى      قد واصلوا الموت بقطع الوتين
تـنازع  الـخرصان iiأشلاءهم      فـكلّهم أمـسى صريعاً iiطعين

وكانت من بيت كرم وشجاعة وفصاحة ومعرفة .

وقال الإمام علي عليه السلام ـ بعد وفاة الصديقة الزهراء عليها السلام ـ لأخيه عقيل ـ وكان نسّابة العرب وعرّافة بأحسابها وعاداتها ـ : «أبغني امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها فتلدني غلاماً فارساً» .

فقال له عقيل : أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابيّة ؟

انظر : تاريخ بغداد 12 : 136 ، عمدة الطالب : 324 .

( 247 )

يا ليت شعري أكما أخبروا     بأن عبّاساً قطيع اليمين(1)

ثم انّ الحسين عليه السلام دعا الناس إلى البراز فلم يزل يقتل كلّ من برز إليه حتى قتل مقتلة عظيمة وهو في ذلك يقول :

القتل أولى من ركوب العار     والعار أولى من ركوب النار

قال بعض الرواة : فو الله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه ، وان كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب ، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله .

قال الراوي : ولم يزل يقاتلهم حتى حالوا بينه وبين رحله فصاح :

ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم هذه ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون .

قال : فناداه شمر : ما تقول يا بن فاطمة ؟

فقال : أقول : انّي اُقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم وجهالكم وطغاتكم من التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً .

فقال شمر : لك ذلك يا بن فاطمة .

فقصدوه بالحرب فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه وهو في ذلك يطلب شربة من ماء فلا يجد ، حتى أصابه اثنتان وسبعون جراحة فوقف يستريح ساعة

(1) انظر : مقاتل الطالبيين : 85 ، ابصار العين : 36 .

( 248 )

وقد ضعف عن القتال ، فبينا هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته ، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن جبهته ، فأتاه سهم مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه فقال :

بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله .

ثم رفع رأسه وقال :

إلهي أنت تعلم انّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره ، ثم أخذ السهم فأخرجه من وراء ظهره فانبعث الدم كأنّه ميزاب فضعف عن القتال ووقف .

فكلّما أتاه رجل انصرف عنه كراهة أن يلقى الله بدمه ، حتى جاءه رجل من كندة يقال له مالك بن النسر فشتم الحسين عليه السلام وضربه على رأسه الشريف بالسيف ، فقطع البرنس ووصل السيف إلى رأسه فامتلأ البرنس دماً .

قال الراوي : فاستدعى الحسين بخرقة فشدّ بها رأسه ، واستدعى بقلنسوة فلبسها واعتمّ عليها ، فلبثوا هنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به .

فخرج عبد الله بن الحسن بن علي(1) وهو غلام لم يراهق من عند النساء يشتدّ حتى وقف إلى جنب الحسين عليه السلام فلحقته زينب بنت علي لتحبسه فأبى وامتنع امتناعاً شديداً فقال : لا والله لا اُفارق عمّي .

فأهوى بحر بن كعب(2) ؛ وقيل : حرملة بن كاهل إلى الحسين عليه السلام بالسيف ، فقال له الغلام : ويلك يا بن الخبيثة ، أتقتل عمّي ؟ فضربه بالسيف

(1) عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، واُمّه بنت السليل بن عبد الله أخي عبد الله بن جرير البجلي ؛ وقيل : اُمّه اُمّ ولد ؛ وقيل : الرباب بنت امرئ القيس ، كان عمره حين قتل إحدى عشرة سنة . انظر : الارشاد : 241 ، مقاتل الطالبيين : 89 ، رجال الشيخ : 76 .
(2) وقيل اسمه : أبجر بن كعب .

( 249 )

فاتّقاها الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة .

فنادى الغلام : يا عماه !

فأخذه الحسين عليه السلام وضمّه إليه وقال : يا بن أخي اصبر على ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير فان الله يلحقك بآبائك الصالحين .

قال الراوي : فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمّه الحسين عليه السلام .

قال الراوي : ولمّا اُثخن الحسين عليه السلام بالجراح وبقي كالقنفذ ، طعنه صالح بن وهب المري على خاصرته فسقط الحسين عليه السلام عن فرسه إلى الأرض على خدّه الأيمن وهو يقول : بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله .

وخرجت زينب من باب الفسطاط وهي تنادي : وا أخاه وا سيّداه وا أهل بيتاه ، ليت السماء اُطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل .

وكان ما كان ممّا لست أذكره .

يـا رسـول الله لو iiعاينتهم      وهـم  مـا بـين قتل وسبا
من رميض يمنع الظل iiومن      عـاطش  يسقى أنابيب القنا
جزروا جزر الأضاحي نسله      ثـم  ساقوا أهله سوق iiالاما
قـتلوه  بـعد عـلم iiمـنهم      انّـه  خامس أصحاب iiالكسا
لـيس  هـذا لرسول الله iiيا      اُمة الطغيان والكفر iiجز
ا(1)

(1) ديوان الرضي 1 : 44 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 386 .

( 250 )

( 251 )

الفصل الثاني

في هدي النبي صلى الله عليه وآله وسيرته وذكر خصائصه المقدّسة

( 252 )

( 253 )

[المجلس الثالث عشر]

إن رسول الله صلى الله عليه وآله ، قد اتسعت أعلام نبوّته ، وتواترت دلائل رسالته ، ونطقت له السماوات قبل بعثته .

نوّهت باسمه السماوات والأر    ض كما نوّهت بصبح ذكاها

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .

وهو أحمد الذي بشر به عيسى عليه السلام ، وهو المصطفى والمختار والمحمود ، والماحي الذي يمحو الله به الذنوب ، والعاقب والحاشر والمهيمن ، وكنيته : أبو القاسم ، وفي ذلك يقول الشاعر :

لله ممّن قـد بـرا صفـوة    وصفوة الخلق بنو هاشم

وصفوة الصفوة من هاشم      محمد النور أبو القـاسم

كان مولده المبارك عام الفيل وطير الأبابيل لسبع عشرة خلون من ربيع الأول ، وقيل : يوم الثاني عشر منه ، وقيل : لثمان خلون منه قبل الهجرة المباركة بثلاث وخمسين سنة .(1)

ولد صلى الله عليه وآله بمكّة المعظمة بدار ابن يوسف التي بنتها بعد ذلك

(1) قال رحمه الله : القول الأول هو المشهور وعليه أكثر علماء الإمامية ، والثاني رواه الكليني في الكافي وعليه أكثر علماء السنّة ، والثالث قال به بعض من شذّ من المخالفين .

( 254 )

الخيزران امّ الهادي والرشيد مسجداً ، وكان أبوه عبد الله غائباً بأرض الشام ، فانصرف مريضاً فقضى نحبه بالمدينة الطيّبة والنبي صلى الله عليه وآله حمل .

أمّا اُمّه صلى الله عليه وآله : فانّها آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب ... وفي السنة الاولى من مولده رفع إلى حليمة بنت عبد الله ابن الحارث ترضعه فكانت تقول وهي تلاعبه :

الحمـد لله الـذي أعطـاني     هذا الغلام الطيّب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان     أعيذه بالبيت ذي الأركان

فبقى في بني سعد إلى السنة الرابعة من مولده ، وفي تلك السنة أرجعته مرضعته حليمة إلى اُمّه آمنة في مستهل السادسة من عمره الشريف ، وبين ذلك وبين عام الفيل خمس سنين وشهران وعشرة أيّام .

وفي السنة السابعة من مولده خرجت به اُمّه إلى أخواله تزورهم فتـوفّيت بالأبواء(1) ، وقدمت به اُمّ أيمن إلى مكّة بعد خمسة أيّام من موت اُمّه .

وفي السنة الثامنة من مولده توفّي جدّه شيبة الحمد ـ أعني عبد المطلب ـ وضمّه عمّه أبو طالب إليه ، وكان في حجره يؤثره على ولده ونفسه .

وخرج مع عمّه إلى الشام وله ثلاث عشرة سنة ، ثم خرج في تجارة لخديجة بنت خويلد ومعه غلامها ميسرة وكان صلى الله عليه وآله ابن خمس وعشرين سنة ، فنظر تشطور الراهب وهو في صومعته إليه وقد ظلّلته الغمامة

(1) الأبواء ـ بالفتح ثمّ السكون وواو وألف ممدودة ـ : ... قال ثابت : سمّيت بذلك لتبوّء السيول بها ، وهي قرية من أعمال الفرع من المدينة ، بينها وبين الجُحفة كما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً ؛ وقيل : هي جبل بين مكة والمدينة . انظر معجم البلدان 1 : 79 .

( 255 )

فقال: هذا نبي وهو آخر الأنبياء وخاتم الرسل .(1)

وكان منه ما قد تواترت به الأخبار ، واشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار .

ولمّا هدمت الكعبة بالسيل بنتها قريش فرفعت سمكها ، وتأتي لها ما أرادت في بنيانها من الخشب الذي ابتاعوه من السفينة التي رمى بها البحر إلى ساحلهم ، وكان قد بعث بها ملك الروم من القلزم من بلاد مصر إلى الحبشة لتبنى هنالك له كنيسة ، وانتهت قريش إلى موضع الحجر الأسود وتنازعوا أيّهم يضعه ، فاتّفقوا على تحكيم الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وآله وكان يعرف عندهم جميعاً بالأمين ، وكانوا على اختلاف مشاربهم ونزعاتهم وضغائنهم ، واعجاب كلّ قبيلة من قبائلهم بنفسها مجمعين على حبّه وأمانته وعدالته في كلّ شؤونه ، فحكموه فيما تنازعوا فيه ، وانقادوا إلى قضائه .

فبسط رداءه وأخذ الحجر فوضعه في وسطه ، ثم قال لأربعة من زعماء قريش ، وأهل الرياسة فيها ـ وهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصي ، وأبو حذيفة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم ، وقيس بن عدى السهم ليأخذ كلّ واحد منكم بجنب من جنبات هذا الرداء ، فشالوه حتى ارتفع ودنا من موضعه فأخذه صلى الله عليه وآله ووضعه في مكانه وقريش كلّها حضور .

فقال قائل لمن حضر من قريش متعجّباً من فعلهم وانقيادهم إلى أصغرهم سنّاً : «واعجباً لقوم أهل شرف ورياسة كهولاً وشيوخاً عمدوا إلى أصغرهم سنّاً

(1) انظر قصّة ولادة الرسول صلى الله عليه وآله في : الفضائل لابن شاذان 20 ، تاريخ بغداد 3 : 3 ـ 21 ، بحار الأنوار 15 : 146 ح 8 ، وص 281 ح 17 ، وص 341 ح 13 .

( 256 )

فجعلوه عليهم رئيساً وحكماً ؟ أما واللات والعزّى ليقسمنّ بينهم حظوظاً وجدوداً ، وليكوننّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم» .

وكان أبو طالب حاضراً ، فلمّا سمع هذا الكلام انشأ يقول :

إنّ لنا أوّله وآخره     في الحكم العدل لن ينكره

قاتل الله أهـل العناد «فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين»(1) ، كذّبوه وانّهم ليعلمونه الصادق الأمين ، وأنكروا نبوّته ، وهم منها على يقين «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم»(2) ، ثم لم يألوا جهداً ، ولم يدخروا وسعاً في اطفاء نور الله من مشكاته «ويأبى الله الا أن يتمّ نوره ... ولو كره المشركون»(3) .

ظلموه وشتموه وأجلوه عن حرم الله عز وجل مسقط رأسه ، ومحل اُنسه ، ثم لم يكتفوا بما كان منهم في مكة المعظمة من فضائع وفجائع ، واُمور تستك منها المسامع ، حتى غزوه وهو في دار هجرته ، ومحل غربته ، فكانت حروب تشيب الأطفال ، وتميد بها الجبال ، لكنّها والحمد لله طحنتهم بكلكلها ، وقرّت الكلاب أشلاءهم ، «وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويّاً عزيزاً»(4) .

بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ، بأبي أنت واُمّي يا نبي الرحمة ، كم أسديت لهذه الاُمّة من نعمة ، وكم لك عليها من يد بيضاء تستوجب الشكر والثناء .

(1) سورة البقرة : 89 .
(2) سورة النمل : 14 .
(3) سورة التوبة : 32 ـ 33 .
(4) سورة الأحزاب : 25 .

( 257 )

وحين فتحت مكّة بعد أن أجلوك عنها ، وكان من أبي سفيان ما كان من التحريض على قتلك ومحاربتك ، فأمرت مناديك ينادي : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن .

ثم لم يتم على ولدك وسبطك وريحانتك ما تمّ .

مـلكنا  فـكان العفو منّا iiسجية      فـلمّا  مـلكتم سال بالدم iiأبطح
وحـللتم  قتل الاسارى iiوطالما      نمرّ على الأسرى نعفو ونصفح
وحـسبكم  هـذا التفاوت iiبيننا      وكـلّ  انـاءٍ بالذي فيه ينضح

قال عبد الله بن العبّاس رحمه الله : انّه لمّا اشتدّ برسول الله صلى الله عليه وآله مرضه الذي مات فيه وقد ضمّ الحسين إلى صدره يسيل من عرقه عليه وهو يجود بنفسه ويقول :

مالي وليزيد لا بارك الله فيه ، اللهم العن يزيد ، ثمّ غشي عليه طويلاً وأفاق وجعل يقبّل الحسين عليه السلام وعيناه تذرفان ويقول : أما أنّ لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله عزّ وجل .

وقال ابن عبّاس أيضاً : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله جالساً ، إذ أقبل الحسن عليه السلام ، فلمّا رآه يبكي وقال له : إليّ إليّ ، فأجلسه على فخذه اليمنى .

ثم أقبل الحسين عليه السلام ، فلمّا رآه بكى وقال له : إليّ إليّ ، فأجلسه على فخذه اليسرى .

ثم أقبلت فاطمة عليها السلام ، فلمّا رآها بكى فقال لها : إليّ إليّ ، فأجلسها بين يديه .

( 258 )

ثم أقبل علي عليه السلام فرآه وقال له : إليّ إليّ ، وأجلسه إلى جانبه الأيمن .

فقال له أصحابه : يا رسول الله ، ما ترى واحداً من هؤلاء الا وبكيت أوَ ما فيهم من تسرّ برؤيته ؟

فقال : والذي بعثني بالنبوّة على جميع البرية ما على وجه الأرض نسمة أحب إليَّ منهم ، وانّما بكيت لما يحل بهم بعدي وما يصنع بهذا ولدي الحسين كأنّي به ، وقد استجار بحرمي وقبري فلا يجار ثمّ يرتحل إلى أرض مقتله ومصرعه أرض كرب وبلاء تنصره عصابة من المسلمين ، اولئك سادة شهداء اُمّتي يوم القيامة ، فكأنّي انظر إليه وقد رمي بسهم فخرّ عن فرسه صريعاً ثمّ يذبح كما يذبح الكبش مظلوماً .

ثم انتحب صلى الله عليه وآله وسلم وبكى من حوله وارتفعت أصواتهم بالضجيج ثم قام وهو يقول :

اللهم انّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي .

والـمسلمون بـمنظرٍ وبـمسمعٍ      لا مـنـكر مـنهم ولا iiمـتفجّع
كـحلت  بمنظرك العيون iiعماية      وأصـم  رزؤك كـلّ اذن تسمع
أيـقظت  أجفاناً وكنت لها iiكرى      وأنمت عيناً لم تكن بك تهجع
(1)

(1) معجم الأدباء 10 : 110 .

( 259 )

[المجلس الرابع عشر]

ولد رسول الله صلى الله عليه وآله ـ أعلى الأنبياء قدراً ، وأرفع الرسل في الملأ الأعلى ذكراً الذي بشّرت الرسل بظهوره ، وخلقت الأنوار بعد نوره ـ يوم السابع عشر من ربيع الأوّل ؛ وقيل : يوم الثاني عشر منه ، بمكّة المشرّفة في شعب أبي طالب يوم الجمعة بعد الزوال أو عند الفجر عام الفيل وطير الأبابيل .

وهو أبو القاسم محمد المصطفى بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ....

واُمّه آمنة بنت وهب .

وأزواجه خمسة عشر ، وفي المبسوط : ثمانية عشر ، سبع من قريش ، وواحدة من حلفائهم ، وتسع من سائر القبائل ، وواحدة من بني إسرائيل من هارون بن عمران .

واتّخذ من الاماء ثلاثة عجميتين وعربية .

وله من الأولاد من خديجة : القاسم ، ورقيّة ، وزينب ، واُمّ كلثوم ـ وفي رقيّة وزينب خلاف ـ وبعد المبعث ولد من خديجة : الطيّب ، والطاهر ، وسيّدة نساء العالمين ، وله ولد أيضاً من مارية القبطيّة اسمه إبراهيم .

ونزل عليه الوحي صلى الله عليه وآله ، وتحمل أعباء الرسالة يوم السابع

 ( 260 )

والعشرون من رجب وهو ابن أربعين سنة ..... واصطفاه ربّه بالمدينة مسموماً يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة احدى عشر من الهجرة المباركة وله ثلاث وستّون سنة ، ودفن في حجرته المنورة .

ومات أبوه هو ابن شهرين ؛ وقيل : سنتان وأربع أشهر ؛ وقيل : مات وهو حمل ، وماتت اُمّه في الأبواء .

وكان صلى الله عليه وآله كما وصفه ولده باقر علوم الأوّلين والآخرين عليه السلام : أبيض اللون مشرّباً بحمرة ، أدعج العينين ، مقرون الحاجبين ، عظيم المنكين ، إذا التفت التفت جميعاً ، سائل الأطراف ، كأنّ عنقه ابريق فضّة ، وإذا تكفاً كأنّه إلى منحدر ، لم ير الراؤون مثل نبي الله قبله ولا بعده .

وأمّا معاجزه الباهرة ، وآياته الظاهرة ، فقد قصرت عن حصرها الحسّاب ، وكلّت عن سطرها الكتّاب ، كانشقاق القمر ، وتظليل الغمام ، وحنين الجذع ، وتسبيح الحصى ، وتكليم الموتى ، ومخاطبة البهائم ، واثمار يابس الشجر ، وغرس الأشجار وأثمارها على الفور ، وقصة الغزالة مع خشفيها ، وخروج الماء من بين أصابعه ، وانتقال النخلة بأمره ، واخبار الذراع له بالسم ، والنصر بالرعب ، ونوم عينيه دون قلبه ، وعدم طول قامة أحد على قامته ، واكثار اللبن من شاة اُمّ معبد ، ورؤيته من خلفه كما يرى من أمامه ، واطعامه من القليل الجم الغفير ، وطيّ البعيد له ، وشفاء الأرمد إن تفل في عينيه ، وقصة الأسد ، ونزول المطر بدعائه ، ودعائه على سراقة فساخت به الأرض ، وأخباره بالمغيبات ، كأنبائه عن العترة الطاهرة واحداً بعد واحد ، وما يجري عليهم من الأعداء في أرض كربلاء .

ففي البحار وغيره : لمّا ولدت فاطمة الحسين عليه السلام جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال :

( 261 )

هلمّي إليَّ بابني يا أسماء .

قالت : فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، ففعل به كما فعل بالحسن يوم ولادته وبكى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال :

إنّه سيكون لك حديث ، اللهم العن قاتله ، لا تعلمي فاطمة بذلك .

قالت أسماء : فلمّا كان يوم سابعه جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال : هلمي بابني فأتيته به ، ففعل به كما فعل بالحسن عليه السلام وعقّ عنه كبشاً أملحاً ، وحلق رأسه ، وتصدّق بوزن الشعر ورقاً ، ثمّ وضعه في حجره ، وخلق رأسه بالخلوق ، ثم قال : يا أبا عبد الله عزّ عليَّ ثمّ بكى . (1)

أقول : كأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله : ذكر حين خلق رأس الحسين عليه السلام بالخلوق أنّ هذا الرأس يهدى إلى يزيد لحّاه الله على رمح طويل من العراق إلى الشام مع سبعة عشر رأساً من العترة الطاهرة ، تشرق أنوارها على أطراف الرماح كأنّها الأقمار الزاهرة ، وجسومهم منبوذة بالعراء ، لا مغسّلين ولا مكفّنين ، ولا مدفونين ، تصهرهم الشمس ، وبالعزيز عليك يا رسول الله أن يبقى سبطك وريحانتك عاري اللباس .

قطيع الرأس منخمـد الأنفا    س في جندل كالجمر مضطرم

ثوى ثلاث ليال بالعراء بلا    غسل ولا كفـن لله من حكـم

وكريمتك يا رسول الله تناديك بصوت حزين ، وقلب كئيب :

يا رسول الله ، يا جدّاه ، صلى الله عليك مليك السماء ، هذا حسينك بالعراء ،

(1) انظر : ذخائر العقبى : 119 ، مقتل الحسين للخوارزمي 1 : 87 ، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ : 154 ، الخصائص الكبرى للسيوطي 2 : 125 .

( 262 )

تسفى عليه الصبا ، قتيل أولاد البغايا ، يا حزناه ، يا كرباه ، اليوم مات جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله ، يا أصحاب محمداه ، هذه ذرّية المصطفى ، يساقون سوق السبايا ، يا محمداه بناتك سبايا ، وذرّيّتك مقتّلة ، وهذا حسينك مقطوع الرأس من القفا .

نادت فقطعت القلوب بشجوها    لكنما انتظـم البيـان فـريدا

انسان عيني يا حسين اخيّ يا     أملي وعقد جماني المنضودا

( 263 )

[المجلس الخامس عشر]

روي عن الحسن سلام الله عليه ، قال : سألت خالي هند بن هالة وكان وصّافاً عن حُلية النبي صلى الله عليه وآله فقال :

كان رسول الله صلى الله عليه وآله فخماً مفخماً ، يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذّب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر ، أزهر اللون ، واسع الجبين ، أزج الحواجب ، بينهما عرق يدرّه الغضب ، أقنى العرنين ، له نور يعلوه ، يحسبه من يتأمّله أشم ، كثّ اللحية ، سهل الخدّين ، أدعج العينين ، ظليع الفم أشنب ، مفلج الأسنان ، دقبق المسربة ، كنّ عنقه جيدُ دمية في صفاء الفضّة ، معتدل الخلق ، بادناً متماسكاً ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس أنور ، موصول ما بين الصدر والسرّة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين والبطن ممّا سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، شئن الكفين القدمين(1) ، سائل الأطراف ، مسبح القدمين ، يخطو تكفئاً ، ويمشي هوينا ، سريع المشي إذا مشى كأنّما ينحط عن صبب ، وإذا التفت التفت جميعاً ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض ، يبدر من لقيه بالسلام ، وكان متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، لا يتكلّم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يتكلّم بجوامع الكلم ، ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وأن دقتّ ، ولا يذمّ منها شيئاً ، ولا يذمّ ذواقاً ولا يمدحه ، ولا

(1) قال رحمه الله : شئن وشئل بمعنى يقال : شئلت أصابعه أي : خشنت وغلظت . وقدم شئلة : غليظة اللحم .

( 264 )

تغضبه الدنيا ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفّه كلّها ، وإذا تعجّب قلبها ، وإذا حدّث أشار بها فضرب براحته اليمنى باطن ابهامه السيرى ، وإذا غضب أعرض ، وإذا فرح غضّ من طرفه ، جلّ ضحكه التبسّم ، ويفتر عن مثل حب الغمام .

صلى الله عليك يا رسول الله ، وعلى فرخك وشبل سبطك علي بن الحسين الأكبر الشهيد بن الشهيد ، والمظلوم بن المظلوم ، أشبه الناس بك خلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، ولقد يعزّ عليك حين برز إلى ثلاثين ألفاً وهو ابن تسع عشر سنة فرفع الحسين سبابته إلى السماء وقال :

اللهم أشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه .

اللهم امنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقاً ، ومزّقهم تمزيقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترض الولاة عنهم أبداً ، فانّهم دعونا لينصرونا ، ثم عدوا علينا يقاتلوننا.

ثم صاح عليه السلام : يا بن سعد ، ما لك ؟ قطع الله رحمك ، ولا بارك لك في أمرك ، وسلّط عليك من يذبحك على فراشك ، كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله .

ثم رفع صوته وتلى : « إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ«33» ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عليم»(1) .

ثم حمل علي بن الحسين على القوم وهو يقول :

(1) سورة آل عمران : 33 .
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةبحث