( 308 )
السماء ، فشحّت عليها نفوس قومٍ ، [وسَخت عنها نفوس قوم آخرين] ، ونِعم
الحَكمُ الله ، وما أصنع بفدكٍ وغير فدك ، والنفس مظانّها(1) في غدٍ
جَدث(2) ، تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها ، [وحفرة لو زيدَ في
فُسحتها ، وأوسعت يدا حافرها ، لاضغطها الحجر والمدر(3) ، وسدّ
فُرَجَها(4) التراب المتراكم ، وإنّما هي نفسي اُروضها بالتقوى لتأتي
آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلقِ(5) ،] ولو شئت
لاهتديت الطريق ، إلى مُصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا
القزّ ، و[لكن] هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة
ـ ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع
ـ أو أبيت مِبطاناً وحولي بُطون غرثى(6) ، وأكباد حرّى(7) ، أو أكون
كما قال القائل :
إنّا قد فقدناك فقد الأرض iiوابلها واختلّ قومك فاشهدهم ولا iiتغب
قـد كان جبريل بالآيات يؤنسنا فـغاب عنا فكلّ الخير iiمحتجب
وكـنت بدراً ونوراً يُستضاء iiبه عليك ينزل من ذي العزّة iiالكتب
تـجهّمتنا رجـال واستخف iiبنا إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب
فسوف نبكيك ما عشنا وما iiبقيت مـنا الـعيون بتهمال لها سكب
انظر : الاحتجاج للطبرسي : ج 1 ص 90 ـ 93 ، علل الشرائع للصدوق : ج 1 ص
192 ، ب 151 ح 1 ، تفسير القمّي : ج 2 ص 155 ـ 157 .
(1) المظان : جمع مظنة ، وهو المكان الذي يظنّ فيه وجود الشيء .
(2) جدث ـ بالتحريك ـ : قبر .
(3) المدر : جمع مدرة ، مثل قصب وقصبة وهو التراب المتلبد ، أو قطع
الطين .
(4) فُرجَها : جمع فُرجة ، مثال غُرف وغُرفة : كل منفرج بين شيئين .
(5) المزلق : موضع الزلل ، وهو المكان الذي يخشى فيه أن تزل القدمان ،
والمراد هنا الصراط .
(6) غرثى : جائعة .
(7) حرّى ـ مؤنث حرّان ـ : أي عطشان .
( 309 )
وحسبك عاراً(1) أن تبيت ببطنةٍ(2)
وحولك أكباد تحنّ إلى القِدّ(3)
أأطمع(4) أن يقال أمير المؤمنين ، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر ، وأكون
أسوةً لهم في خشونة(5) العيش ! فما خُلقت ليشغلني أكل الطيّبات ،
كالبهيمة المربوطة ، همُّها علفها ، أو المرسلة شُغُلُها تَقمُّمها(6)
، تكترش(7) من أعلافها ، وتلهو عمّا يراد بها ! وكأنّي بقائلكم يقول :
«إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ،
ومنازلة الشجعان» ، ألا وإنّ الشجرة البرّية(8) أصلب عوداً ، والرواتع
الخضرة(9) أرقّ جلوداً ، والنابتات العِذية(10) أقوى وقوداً ، [وأبطأ
خُموداً ،] وأنا من رسول الله صلى الله عليه وآله كالصنو من الصنو(11)
، والذراع من العَضُد ، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت
عنها .(12)
بأبي أنت وامي كم تظاهرت العرب على قتالك ، فظهرت عليها
«وَرَدّ
اللّهُ الّذِينَ
(1) كذا في الأصل ، وفي المصدر : داء .
(2) البطنة ـ بكسر الباء ـ : البطر والأشر .
(3) القِد ـ بالكسر ـ : سير من جلد غير مدبوغ .
(4) كذا في الأصل ، وفي المصدر : أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا .
(5) كذا في الأصل ، وفي المصدر : جشوبة .
(6) تقمّمها : التقاطها للقمامة ، أي الكناسة .
(7) تكترش : تملأ كرشها .
(8) الشجرة البرّية : التي تنبت في البر الذي لا ماء فيه .
(9) الرواتع الخضرة : الأشجار والأعشاب الغضّة الناعمة التي تنبت في
الأرض الندية .
(10) النابتات العذبة : التي تنبت عذباً ، والعذي ـ بسكون الذال ـ
الزرع الذي لا يسقيه إلا ماء المطر .
(11) كذا في الأصل ، وفي المصدر : كالضوء من الضوء .
(12) نهج البلاغة (شرح الدكتور صبحي الصالح) : 416 ـ 420 ، كتاب رقم
(45) ، كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عثمان بن حنيف عامله على
البصرة .
( 310 )
كَفَرُوا
بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ
الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً»(1)
بعلي أمير المؤمنين وسيد المجاهدين .
وهل الجهاد لأحد من الناس إلا له ؟ وهل قامت دعائم الدين ، أو رست
قواعد الشرع ، أو علت كلمة التوحيد إلا بجهاده ؟
وهل شهد التنزيل لغيره بأنّه شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ؟
وهل باهى الله عز وجل ملائكة السماء ليلة المبيت على فراش النبي صلى
الله عليه وآله بغيره ؟
وهل تولى خدمة النبي وجميع بني هاشم أيّام حصرهم في الشعب غيره ؟ وهل
قاسى الخطر ولاقى الأهوال في إيصال القوت إليهم يومئذ سواه ؟
وهل نصر الله نبيّه في جميع المواطن إلا به ؟ وهل قتل عمراً ومرحباً ،
وجندل عتبة وشيبة والوليد وغيره ؟
وهل أفنى بني عبد الدار وقتل بني سفيان بن عوف الأربعة يوم اُحد سواه ؟
وهل أذلّ عتاة الشرك وجبابرة الكفرة إلا صارم سطوته ؟
وهل فتح حصون خيبر ودحا بابها ، وقلع الصخرة عن فم القليب ، وسلب
العزّة من جبابرة اليمن ومهّد أمرها إلا ماضي عزمه ؟
وهل قاتل الناكثين والمارقين والقاسطين غيره ؟
وهل باهل باسم غيره جبرائيل :
لا سيف إلا ذو الفقار ولافتى إلا علي
ولقد ورث منه هذه الشجاعة شبله أبو الأئمّة ، وشفيع الامّة أبو عبد
الله
(1) الأحزاب : 25 .
( 311 )
الحسين عليه السلام حتى قال بعض الرواة :
والله ما رأيت مكثوراً قط قتل ولده ، وأهل بيته وأنصاره أربط جأشاً من
الحسين عليه السلام ، وان كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها فتنكشف
عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب ، ولقد كان يحمل فيهم وقد
تكمّلوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر ، ثم
يرجع إلى مركزه وهو يقول : لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم ،
حتى قتل منها الفاً وتسعمائة عدا المجروحين ، فناداهم ابن سعد لعنه
الله :
الويل لكم يا أهل الكوفة أتدرون لمن تقاتلون ؟ هذا ابن الأنزع البطين ،
هذا ابن قتّال العرب ، فاحملوا عليه من كلّ جانب ، وكانت الرماة أربعة
آلاف فرموه بالسهام ، حتى حالوا بينه وبين رحله ، فصاح بهم :
ويلكم يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون
المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم
عرباً كما تزعمون .
فناداه شمر لعنه الله : ما تقول يا بن فاطمة ؟
قال عليه السلام : أنا اُقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهنّ جناح ،
فامنعوا عتاتكم وجهّالكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حياً .
فقال الشمر لعنه الله : لك ذلك يا بن فاطمة ، ثم صاح : إليكم عن حرم
الرجل واقصدوه بنفسه فلعمري انّه كفؤ كريم .
فقصد القوم بالقتال وهو مع ذلك يطلب شربة من الماء ، وكلّما حمل بفرسه
على الفرات حملوا عليه حتى أجلوه عنه فنادى :
هل من مغيث فيغيثنا ؟
( 312 )
هل من ناصر فينصرنا ؟
ووقف على جثث أهل بيته وأصحابه فناداهم بأسمائهم ، فاضطربت أجسامهم
اضطراب السمكة في الماء : فناداهم :
قـومـوا عجـالاً فـما الـعرى
بدار ولا
هذا المقام مقام
فماجت على وجه الصعيد جسومهم
ولو أذن الله القيام لقاموا
( 313 )
[المجلس السادس والعشرون]
ومن كلام له عليه السلام :
والله لَأَن أبيتَ على حَسَك السعدان(1) مُسهّداً(2) ، أو اُجَرّ في
الأغلال مُصفّداً ، أحبّ إليَّ مِن أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة
ظالماً لبعض العباد ، وغاصِباً لشيء من الحُطام ، وكيف أظلم أحداً
لنفسٍ يُسرع إلى البِلى قفولها(3) ، ويطول في الثرى حلولها .
والله لقد رأيت عقيلاً(4) وقد أملق حتى أستماحني(5) مِن بُرّكم هذا
صاعاً . ورأيت صبيانه شُعث الشعور(6) ، غُبر الألوان من فقرهم(7)
كأنّما سُوّدَت وجوههم بالعِظلِم(8) ، وعاودني مؤكداً ، وكرّر عليَّ
القول مردّداً ، فأصغيت إليه سمعي ، فظنّ أنّي أبيعه ديني ، وأتّبع
قياده مُفارقاً طريقتي ، فأحميتُ له حديدة ثم أدنيتها من
(1) كأنّه يريد من «الحسك» الشوك . والسعدان : نبت ترعاه الابل له شوك
تشبه به حلمة الثدي .
(2) المسهّد ـ من سهّد ـ : إذا أسهره ، والمصفّد : المقيد .
(3) قفولها : رجوعها .
(4) عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي ، أبو يزيد ، أعلم
قريش بأيامها ومآثرها ومثالبها وأنسابها ، صحابي فصيح اللسان شديد
الجواب ، وهو أخو علي وجعفر لأبيهما ، وكان أسنّ منهما ، هاجر إلى
المدينة سنة 8 هـ ، عمي في أواخر أيّامه ، توفي أوّل أيام يزيد ؛ وقيل
: في خلافة معاوية .
انظر : الاصابة ترجمة رقم 5630 ، البيان والتبيين 1 : 174 ، الطبقات
الكبرى 4 : 28 .
(5) قال رحمه الله : أملق : افتقر اشدّ الفقر ، واستماحني : استعطاني .
(6) قال رحمه الله : الشعث : جمع أشعث ، وهو من الشعر المتلبّد بالوسخ
.
(7) قال رحمه الله : الغبر : جمع أغبر ، وهو متغيّر اللون شاحبة .
(8) قال رحمه الله : العظلم ـ كزبرج ـ سواد يصيغ به ؛ قيل : وهو النيلج
.
( 314 )
جسمه ليعبتر بها ، فضجّ ضجيج ذي دنف(1) مِن ألمها ، وكاد أن يحترق من
ميسمها(2) ، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ! أتئنّ من حديدة أحماها
انسانها للعبه ، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ؟ أتئنّ من
الأذى ولا أئنّ من لُظى ؟! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة(3) في
وعائها ، ومعجونة شَنِئتها(4) كأنّما عجنت بريق حيّةٍ أو قيئها ، فقلت
: أصلةٌ ، أم زكاةٌ ، أم صدقة ؟ فكلّ ذلك(5) محرّم علينا أهل البيت
!(6)
بأبي أنت وامي يا أمير المؤمنين كيف بك لو رأيت أطفالك وأيتام ولدك أبي
عبد الله وهم في أشر الذلّة ووثاق السبي ، يساقون عطاشى جياعاً مربطين
بالحبال ، وأهل الكوفة يتصدّقون عليهم وهم في المحامل مقرّنين بالأصفاد
، فجعلت صبيتكم لشدّة جوعهم يتناولون بعض الخبز والتمر والجوز ، فصاحت
خفرتك وعقيلتك امّ كلثوم :
ويلكم يا أهل الكوفة ، إنّ الصدقة علينا حرام ، وجعلت تأخذ ذلك من أيدي
الأطفال وترمي به إلى الأرض ، والناس يبكون على ما أصابهم ، فأطلعت
رأسها من المحمل وقالت لهم :
مه يا أهل الكوفة ، تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم ؟ فالحكم بيننا
وبينكم الله يوم فصل القضاء .
(1) الدنف ـ بالتحريك ـ المرض .
(2) الميسم ـ بكسر الميم وفتح السين ـ : المكواة .
(3) الملفوفة : نوع من الحلواء أهداها الأشعث بن قيس إلى علي عليه
السلام .
(4) شنئتها : كرهتها .
(5) كذا في الأصل ، وفي المصدر : فذلك .
(6) نهج البلاغة (شرح الدكتور صبحي الصالح) : 346 رقم (224) .
( 315 )
فبينا هي تخاطبهم إذا بضجّة قد ارتفعت ، وإذا هم بالرؤوس قد جاؤوا بها
على الرماح ، يقدمهم رأس الحسين عليه السلام ، وهو رأس زهري قمري ،
أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله ، ولحيته كسواد السبج ، قد
نصل منها الخضاب ، ووجهه دائرة قمر طالع ، والريح تلعب بكريمته الشريفة
يميناً وشمالاً ، فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم
المحمل حتى سال الدم من تحت قناعها ، وأومأت إليه بحرقة .
يا هلالاً
لمّا استتـمّ كمـالاً غاله خسفه فأبدى غروبا
ما توهّمت يا شقيق فؤادي كان هذا مقـدّراً مكتـوبا
( 316 )
[المجلس السابع والعشرون]
روي المنذر بن الجارودي(1) فيما حدّث به أبو حنيفة الفضل بن الحباب
الجمحي ، عن ابن عائشة ، عن معن بن عيسى ، عن المنذر بن الجارود قال :
لمّا قدم علي رضي الله عن البصرة دخل ممّا يلي الطف فأتى الزاوية فخرجت
انظر إليه ، فورد موكب نحو ألف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب ، عليه
قلنسوة وثياب بيض ، متقلّداً سيفاً ، معه راية وإذا تيجان القوم الأغلب
عليها البياض والصفرة ، مدجّجين في الحديد والسلاح ، فقلت : من هذا ؟
فقيل : أبو أيّوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وهؤلاء
الأنصار وغيرهم ، ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض
متقلّداً سيفاً ، متنكّب قوساً معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس
، فقلت : من هذا ؟
فقيل : هذا خزيمة بن ثابت الأنصاري(2) ذو الشهادتين .
(1) المنذر بن الجارود بن عمرو بن خنيس العبدي ، ولد في عهد النبي وشهد
الجمل مع علي عليه السلام ، وولاه علي إمرة اصطخَر ، ثمّ بلغه عنه ما
ساءه فكتب إليه كتاباً وعزله ، ولاه عبيد الله بن زياد ثغر الهند سنة
61 هـ ، فمات فيها آخر سنة 61 هـ .
انظر : الإصابة ترجمة رقم 8336 ، جمهرة الأنساب : 279 ، الأغاني 11 :
117 .
(2) خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين : من السابقين الذين رجعوا إلى أمير
المؤمنين عليه السلام ، وشهد بدراً وما بعدها ، جعل رسول الله صلى الله
عليه وآله شهادته شهادة رجلين ، شهد الجمل وصفين واستشهد فيها وهو
القائل يومئذ :
( 317 )
ثمّ مرّ بنا فارس آخر على فرس كميت معتم بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة
بيضاء ، وعليه قباء أبيض مصقول متقلّد سيفاً ، متنكّب قوساً في نحو ألف
فارس من الناس ومعه راية فقلت : من هذا ؟
فقيل لي : أبو قتادة بن ربعي(1) .
ثم مر بنا فارس آخر على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء وقد سدلها
بين يديه ومن خلفه ، شديد الأدمة ، عليه سكينة ووقار ، رافع صوته
بقراءة القرآن متقلّد سيفاً ، متنكّب قوساً معه راية بيضاء في ألف فارس
من الناس مختلفي التيجان ، وحوله مشيخة وكهول وشباب ، كأنّ قد اوقفوا
للحساب أثر السجود قد أثّر في جباههم ، فقلت : من هذا ؟
فقيل : عمّار بن ياسر(2) في عدّة من الصحابة من المهاجرين والأنصار
وأبنائهم .
ثم مر فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء ،
متنكّب قوساً متقلّد سيفاً ، تخطّ رجلاه في الأرض في ألف فارس من الناس
الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض معه رايات صفراء قلت : من هذا ؟
إذا نحـن بايعنا علياً فحسبنا أبو حسـن ممّا نخـاف من الفتن
وفيه الذي فيه من الخير كلّه وما فيهم بعض الذي فيه من حسن
انظر ترجمته في أسد الغابة 2 : 133 ، الاصابة 1 : 425 ـ 426 .
(1) أبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلدة (بلدمة) الخزرجي الأنصاري ، من
الموالين لأمير المؤمنين عليه السلام ، وشهد معه مشاهده كلّها توفي سنة
أربعين وكان بدرياً .
انظر : أسد الغابة 6 : 250 ، الاصابة 4 : 158 .
(2) أبو اليقظان عمار بن ياسر ، أحد الأركان ، وهو جلدة ما بين عين
وأنف رسول الله كما ورد في الحديث
انظر ترجمته في : الاصابة 2 : 512 ، أسد الغابة 4 : 130 ـ 135 .
( 318 )
قيل : هذا قيس بن سعد بن عبادة(1) في الأنصار وأبناؤهم وغيرهم من قحطان
.
ثم مر بنا فارس على فرس أشهل ما رأينا أحسن منه عليه ثياب بيض وعمامة
سوداء قد سدلها بين يديه بلواء ، قلت : من هذا ؟
قيل : هو عبد الله بن العباس في عدّة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وآله .
ثم تلا موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأوّلين ، قلت : من هذا ؟
قيل : قثم بن العباس(2) ، أو سعيد بن العاص(3) .
ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً واشتبكت الرماح .
ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفوا الرايات ،
في أوّله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنّما كسر وجبر .
(1) قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي : عظيم من
العظماء من كرام أصحاب رسول الله ، ومن كرماء العرب وأحد الدهاة ، من
الموالين لعلي عليه السلام ، واستمر بعد استشهاد أمير المؤمنين في
ولائه للامام الحسن ولم يبايع معاوية إلى أن قال له الحسن عليه السلام
: أنت في حلّ من بيعتي .
انظر : أسد الغابة 4 : 425 ، الاصابة 3 : 249 ، الاستيعاب 3 : 224 ـ
231 .
(2) قثم بن العباس بن عبد المطلب : استعمله أمير المؤمنين عليه السلام
على مكة .
أخرج الحاكم في المستدرك (2 : 136 ح 4633) بسنده الصحيح عن أبي إسحاق
قال : سألت قثم ابن العباس : كيف ورث عليَّ رسول الله صلى الله عليه
وآله دونكم ؟ قال : لأنّه كان أولنا به لحوقاً ، وأشدّنا به لزوقاً .
انظر : أسد الغابة 4 : 392 .
(3) هو سعيد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
المخزومي .
انظر : الاصابة 3 : 93 ترجمة رقم «3279» .
( 319 )
ـ قال ابن عائشة : وهذه صفة رجل شديد الساعدين نظره إلى الأرض أكثر من
نظره إلى فوق كذلك تخبر العرب في وصفها إذا اخبرت عن الرجل : أنّه كسر
وجبر ـ كأنّما على رؤوسهم الطير ، وعن ميسرتهم شاب حسن الوجه قلت : من
هؤلاء ؟
قيل : هذا علي بن أبي طالب عليه السلام ، وهذان الحسن والحسين عن يمينه
وشماله ، وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى ، وهذا الذي
خلفه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان
بني هاشم ، وهؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فساروا حتى
نزلوا الموضع المعروف بالزاوية ، فصلّى أربع ركعات ، وعفّر خدّيه على
التربة وقد خالط ذلك دموعه ثم رفع يديه يدعو : اللهم رب السماوات وما
أظلّت ، والأرضين وما أقلّت ، وربّ العرش العظيم .
هذه البصرة اسألك خيرها ، وأعوذ بك من شرّها . اللهم انزلنا فيها خير
منزل وأنت خير المنزلين .
اللهم هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي وبغوا عليَّ ، ونكثوا بيعتي . اللهم
احقن دماء المسلمين .
وبعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء ، وقال : على مَ تقاتلونني ؟
فأبوا إلا الحرب .
فبعث رجلاً من أصحابه يقال له : مسلم ، معه مصحف يدعو إلى الله فرموه
بسهم فقتلوه فحمل إلى علي ، وقالت اُمّه :
يا ربّ إنّ مسلمـاً أتاهم
يتلو كتاب الله لا يخشاهم
فخضبوا من دمه لحاهم واُمّه قـائمـة تـراهـم
( 320 )
وأمر علي عليه السلام أن يصافّوهم ولا يبدءوهم بقتال ، ولا يرموهم بسهم
، ولا يضربوهم ، ولا يطعنوهم برمح ، حتى جاء عبد الله بن بديل بن ورقاء
من الميمنة بأخ له مقتول ، وجاء قوم من الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل
.
فقال علي عليه السلام : اللهم اشهد .
تواتر عليه الرمي فقام عمّار بن ياسر فقال : ماذا تنظر يا أمير
المؤمنين ؟
فقام علي عليه السلام فقال :
أيها الناس ، إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيراً ،
ولا تتّبعوا مولّياً ، ولا تهتكوا ستراً ، ولا تمثّلوا بقتيل ، ولا
تقربوا من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع .(1)
ولقد يعزّ عليك يا أمير المؤمنين بما فعل القوم الظالمون يوم عاشوراء
من تسابقهم على نهب بيوت آل الرسول ، وقرّة عين الزهراء البتول ،
يسلبونهنّ وينتزعون الملاحف عن ظهورهنّ ثم يضرمون النار في خيامهنّ ،
فخرجن حواسر معوّلات ، حافيات باكيات ، ينادين : وا محمداه وا علياه ،
بناتك سبايا ، وذرّيتك مقتّلة ، تسفى عليهم ريح الصبا ، هذا حسينك
محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والردا ، بأبي العطشان حتى مضى ،
بأبي من جدّه المصطفى ، بأبي من أبوه علي المرتضى .
اعزيك فيهم انّهم
وردوا الردى بأفئـدة مـا بـلّ غلّتهـا قطـر
وثاوين في حرّ الهجيرة بالعرى عليهم سوافي الريح بالترب تنجر
(1) مروج الذهب 2 : 242 .
( 321 )
[المجلس الثامن والعشرون]
ومن خطبة له عليه السلام :
وكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون ، كان في الدنيا غذيّ ترف ،
وربيب سرف ، يتعلّل في السرور في ساعة حزنه ، ويفزع إلى السلوة انّ
مصيبة نزلت به ، ضنّاً بغضارة عيشه ، وشحّاً بلهوه ولعبه ، فبينا هو
يضحك إلى الدنيا ، وتضحك الدنيا إليه ، في ظلّ عيش غفول ، إذ وطأ الدهر
به حسكه ، ونقضت الأيّام قواه ، ونظرت إليه في الحتوف من كثب ، فخالطه
بثّ لا يعرفه ، ونجيّ هم ما كان يجده ، وتولّدت فيه فقرات علل ، آنس ما
كان بصحّته ، ففزع إلى ما كان عوّده الأطباء ، من تسكين الحرّ بالقارّ
، وتحريك البارد بالحار ، فلم يطفئ ببارد إلا ثورة حرارة ، ولا حرّك
بحار إلا هيّج برودة ، حتى فنر معلله ، وذهل ممرضه ، وتعايا أهله بصفة
دائه ، وخرسوا عن جواب السائلين عنه ، وتنازعوا دونه شجي خبر يكتمونه ،
فقائل : هو لما به ، وممّن لهم ايّاب عافيته ، ومصبّر لهم على فقده ،
يذكرهم أسى الماضين من قبله ، فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا ،
وترك الأحبّة ، إذ عرض له عارض من غصصه ، فتحيّرت نوافذ فطنته ، ويبست
رطوبة لسانه .
إلى أن قال عليه السلام : وإنّ للموت لغمرات ، هي أفضع من أن تستغرق
بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا .(1)
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11 : 152 .
( 322 )
وتالله لا يهوّن سكرات الموت إلا ولاء آل رسول الله صلى الله عليه وآله
، فانّ مواليهم ليبشّره ملك الموت ثمّ منكر ونكير بالجنّة ، وإنّ
الملائكة لتزفّ أرواح مواليهم إكراماً لهم حتى تدخلها عليهم كما تزفّ
العروس الى زوجها ، وأيم الله إنّ من تمام موالاتهم الحزن لحزنهم ،
والبكاء على ما أصابهم ، فحدّثوا أنفسكم بمصارع هاتيك العترة ،
وتأسّفوا على ما فاتكم من الفوز بتلك النصرة ، واذكروا واعية الحسين ،
وحاله وهو بين ثلاثين ألفاً وحيداً فريداً ، قد حال العطش بينه وبين
السماء كالدخان ، وقد نزف دمه ، والحجارة والسهام تأتيه من كلّ جانب ،
وأهل بيته وأصحابه كالأضاحي حوله ، ونساؤه نوائح ونوادب من خلفه ، وهو
تارة يصبّرهم ويعزّيهم ، وتارة يعظ القوم وينذرهم ، ومرّة ينعى أصحابه
ويرثيهم ، واُخرى يقف على جثثهم ويمسح الدماء عن وجوههم ...
ولمّا وقف على ولده علي الأكبر وهو ابن تسع عشرة سنة ، وكان أشبه الناس
برسول الله صلى الله عليه وآله خلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، فوجده مقطّعاً
إرباً إرباً ، نادى بأعلى صوته : قتل الله قوماً قتلوك يا بني ، ما
أجرأهم على الله ، وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفا
...
ولمّا وقف على ابن أخيه القاسم(1) وهو ابن ثلاث عشرة سنة ووجده يفحص
برجليه الأرض ، قال : عزّ على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا
يغني عنك .
ثمّ وضع خدّه على خدّ الغلام واحتمله ورجلاه يخطّان الأرض ، ففتح
الغلام عينيه ، وتبسّم في وجه عمّه ثمّ فاضت نفسه الزكية ، فوضعه بين
القتلى من
(1) هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، أخو أبي بكر بن الحسن
لأبيه واُمّه المقتول قبله . انظر : مقاتل الطالبيين : 50 .
( 323 )
أهل بيته ...
ولمّا وقف على أخيه العباس ، وهو كبش كتيبته ، وحامل لوائه ، وموضع
سرّه ، ووجده مرضوخ الهامة بعمود من حديد ، مقطوع الساعدين ، وضع يده
على خاصرته ونادى :
الآن انكسر ظهري ، الآن قلّت حيلتي وشمت بي عدوي .
هـوى عـليه مـا هـنالك قائلاً الآن بـان عـن اليمين iiحسامها
الآن آل إلـى الـتفرّق iiجـمعنا الآن حـلّ مـن الـبنود iiنظامها
الآن نـامت أعـين بـك لم iiتنم وتـسهّدت اُخـرى فـعزّ iiمنامها
أشقيق روحي هل تراك علمت إذ غـودرت وانـثالت عليك iiلئامها
مـن مـبلّغٌ أشـياخ مـكّة iiأنّه قـد قـلّ ناصرها وغاب iiهمامها
( 324 )
[المجلس التاسع والعشرون]
ومن خطبة له عليه السلام :
أمّا بعد : فانّي احذركم الدنيا ، فانّها حلوة خضرة ، حُفت بالشهوات ،
وتحببت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلّت بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ،
لا تدوم حبرتها(1) ، ولاتؤمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ،
نافذة بائدة ، أكّالة غوّالة ، لا تعدو إذا تناهت إلى اُمنية أهل
الرغبة والرضا بها ، أن تكون كما قال الله تعالى :
«كَمَاءٍ
أَنزَلْنَاهُ مِنَ السّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ
فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرّيَاحُ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلّ
شَيْءٍ مُقْتَدِراً»(2) لم يكن امرؤ منها في حبرة ، إلا أعقبته بعدها عبرة
، ولم يلق من سرائها بطناً ، إلا منحته من ضرّائها ضهراً ، ولم تطله
فيها ديمة رخاء ، إلا هتنت عليه مزنة بلاء ، وحريّ إذا أصبحت له منتصرة
، أن تمسي له متنكّرة ، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمرّ منها جانب
فأوبى(3) ، لا ينال امريء من غضارتها رغباً ، إلا أرهقته من نوائبه
تعباً ، ولا يمسي منها في جناح أمن ، إلا أصبح منها على قوادم خوف ،
غرّارة غرور ما فيها ، فانية فان من عليها ، لا خير في شيء من أزوادها
إلا التقوى ، من استقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه ، ومن استكثر منها
استكثر ممّا يوبقه ، وزال عمّا قليل عنه ، كم واثق منها فجعته ، وذوي
طمأنينة لها قد صرعته ، وذي ابهة قد جعلته حقيراً ،
(1) قال رحمه الله : حبرتها : يعني بهجتها وسرورها .
(2) سورة الكهف : 45 .
(3) قال رحمه الله : أي كثر فيه الوباء .
( 325 )
وذي نخوة قد ردّته ذليلاً ، سلطانها دول ، وعيشها رنق(1) ، وعذبها اجاج
، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ، حيّها بعرض موت ،
وصحيحها بعرض سقم ، ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب .(2)
هذه أنبياء الله وأصفياؤه تغلّبت عليهم الجبابرة ، وتحكّمت فيهم أعداء
الله حتى كان بنو اسرائيل ربّما يقتلون بين طلوعي الفجر والشمس سبعين
نبيّاً ، ثم يجلسون في أنديتهم كأنّهم لم يفعلوا شيئاً .
ولما بعث الله إسماعيل بن حزقيل الى قومه سلخوا جلده ووجهه وفروة رأسه
، فأتاه ملك من ربّه عزّ وجل يقرؤه السلام ويقول له : قد أمرني الله
بطاعتك ، فمرني بما شئت ، فقال عليه السلام : لي بالحسين اُسوة .
بأبي أنت واُمّي يا أبا عبد الله .
بأبي أنت وامي يا من تأسّت به أنبياء الله ، لئن سلخت جلدة وجه إسماعيل
وفروة رأسه في سبيل الله ، فلقد أصابك في إعلاء كلمة الله من ضرب
السيوف ووخز الأسنّة ، ورمي الأحجار ، ورشق النبال ، ووطيء الخيل ،
وعسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء ما هو أعظم من ذلك .
تأسّت بك أنبياء الله لكن لم يبلغوا شأوك ، ولا اُصيبوا بما اصبت ، وهل
مُني أحد من العالمين بما منيت به ؟ فررت بدمك من حرم جدّك صلى الله
عليه وآله إلى حرم الله عز وجل حيث يأمن الوحش والطير ، فلم تأمن فيه
على نفسك ،
(1) قال رحمه الله : الرنق : الكدر .
أقول : يقال : عيش رنق ـ بكسر النون ـ : أي كدر ، وماء رنق ـ بالتسكين
ـ : أي كدر ، والرنق ـ بفتح النون ـ : مصدر قولك : رنق الماء ـ بالكسر
ـ ورنقته أنا ترنيقاً أي كدرته .
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 : 226 .
|