الصفحة134
دنا منهم قلبَ تُرْسهُ (1) فقالوا مستأمن -طالب الأمان- حتى إذا عرفوه سلّم على
الإمام الحسين(ع) وقال:
جعلني اللَّه فداك يابن رسول اللَّه أنا صاحبُك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في
الطريق وجعجعت بك في هذا المكان، واللَّه الذي لا إله إلاّ هو ما ظننتُ أنّ القوم
يردّونَ عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، واني قد جئتك
تائباً ممّا كان مني إلى ربي ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك افترى لي توبة؟
قال الإمام(ع): نعم يتوب اللَّه عليك ويغفر لك فانزل قال: أنا لك فارساً خيرٌ مني
راجلاً أقاتلهم على فرسي ساعة والى النزول يصير آخر أمري قال(ع): فاصنع ما بدا لك.
ثمّ تقدّم أمام الأصحاب ثمّ قال: أيّها القوم أما تقبلون من الحسين(ع) هذه الخصال
التي عرض عليكم فيعافيكم اللَّه من حربه قالوا: كلّم الأمير عمر بن سعد فكلّمه فقال
عمر: قد حرصت ولو وجدت إلى ذلك سبيلاً فعلت، عندها التفت الحر إلى أهل الكوفة وقال:
يا أهل الكوفة لأمّكم الهبل والعَبر دعوتم ابن رسول اللَّه(ص) حتى إذا أتاكم
أسلمتموه؟ وزعمتم أنّكم قاتلوا أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه، امسكتم بنفسه
وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كلّ جانب لتمنعوه التوجّه في بلاد اللَّه العريضة حتى
يأمنَ ويأمن أهلُ بيته فأصبح في أيديكم كالأسير منعتموه ونساءَه وصبيَتَهُ وأصحابه
عن ماء الفرات الجاري الذي يشربه اليهودي والنصراني وتمرّغ فيه خنازير السواد
وكلابه فهاهم قد صرعهم العطش بئسما خَلَفْتُم
ــــــــــــــــــــ
(1) التُرْس - جمعة أتراس: صفحة من الفولاذ تحمل للوقاية من السّيف.
الصفحة135
محمد(ص) في ذريّته لا سقاكم اللَّهُ
يوم الظما إن لم تتوبوا وتنزعوا عمّا انتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه، فحملوا
عليه يرمونه بالسهام فأقبل حتى وقف أمام الإمام الحسين(ع) سيدي كنت أوّل خارج عليك
فأذن لي أن أكون أوّل قتيل بين يديك فأذن له الإمام فبرز وهو يقول:
إنـي أنا الحرُّ ومأوى iiالضيف أضـرب فـي أعناقكم iiبالسيفِ
عن خيرِ مَن حلّ بأرضِ الخَيف أضـربكم ولا أرى مـن iiحيفِ
فلم يزل يُقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً ثمّ عقروا فرسه وبقي يُقاتل راجلاً حتى قتل
أربعين فارساً وخمسة عشر راجلاً فتكاثروا عليه وقتلوه رضوان اللَّه تعالى عليه.
ولمّا قُتل مشى لمصرعه الحسين(ع) وجلس عند رأسه وهو يقول: أنت حرٌّ كما سمّتك أُمّك
حرٌّ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة، ورثاه عليّ بن الحسين(ع):
لـنعمَ الحرُّ حرُّ بني رياحِ صبورٌ عند مشتبك الرّماحِ
ونعم الحرُّ إذ واسى حسيناً وجاد بنفسه عند iiالصباحِ
ولسان الحال:
صـال وجـال بالعسكر iiبهمّه ودفـع العدو عن حسين iiهمّه
يـوسفه طـاح وتخضّب بدمّه ولفاه امن الخيم يبچي ابو اليمّه
الصفحة136
حسين ورفع راسه وگعد يمّه
مسح بيده جبينه وصاح باسمه
حر وما خطت من سمّته اُمّه
وعندما انتهت المعركة جاء الأعداء وفصلوا رؤوس الشهداء عن أجسادهم، وعندما وصلوا
إلى الحر قامت عشيرتهُ بنو رياح وقالوا: لا واللَّه لا يفصل رأس زعيمنا وفينا عِرق
يضرب فقال عمر بن سعد: دعوا لبني رياح زعيمهم فحملوه أمام أنظار بنات رسول اللَّه(ص)
ولسان الحال:
الحر للعدل خط رايه ولا ظل بحر الشمس لا كاسر ولا iiظل
العشيره شالته الجسمه ولا ظل الـماعدهم اهـل ظلّوا iiرمي
ويقول الآخر:
الـعشيره شـالته بحرّ الظهيره الـكل مـنهم عليه شالته iiالغيره
بـس ظـلّوا الـماعدهم عشيره عرايه اعله الثره من غير تغسي
* * *
جادوا بأنفسهم عن نفسِ سيّدهم
والجودُ بالنفس اقصى غاية الجود
لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين
الصفحة137
الليلة السابعة المجلس الثالث عشر
فضلُ أبي الفضل العباس(ع)
هـيهاتَ أن تجفو السُّهادَ جفونيii iiأو أنّ داعـيـةَ الأسى تجفوني
أنّى ويومُ الطفِّ أضرمَ في الحشاii iiجـذواتِ وجدٍ من لضى سجينِ
يـومٌ أبو الفضلِ استفزّت بأسَهُii iiفـتـيـاتُ فاطمَ من بني ياسينِ
فـي خـيرِ أنصارٍ براهم ربُّهُمْii iiلـلـدّيـنِ أوّلَ عـالَمِ التكوينِ
فـأغـاث صبيَته الظّما بمزادةٍii iiمـن ماءِ مرصودِ الوشيج معينِ
حـتـى إذا قطعوا عليه طريقَهُii iiبـسـدادِ جـيـشٍ بارزٍ وكمينِ
ودعـتُـه أسرارُ القضا لشهادةٍii iiرسـمـت له في لوحها المكنونِ
حـسموا يديه وهامَهُ ضربوه فيii iiعَـمـدِ الحديدِ فخرّ خيرَ طعينِ
ومـشـى إليه السبطُ ينعاه كسرii iiتَ الآن ظـهري ياأخي ومعيني
عـبـاسُ كبشَ كتيبتي وكنانتيii iiوسـريَّ قومي بل أعزَّ حصوني
يـاسـاعدي في كلِّ معتركٍ بهii iiأسـطـو وسيفَ حمايتي بيميني
لمن اللِوى أُعطي ومَن هو جامعٌii iiشـملي وفي ضنكِ الزّحام يقيني
عـبّاسُ تسمعُ زينباً تدعوك مَنii iiلـي ياحمايَ إذا العدى نهروني
أولـسـتَ تسمعُ ما تقول سكينةii عمَّاهُ يوم الأسر مَن يحميني (1) |
ــــــــــــــــــــ
(1) القصيدة من نظم المرحوم الشيخ حسن قفطان(ره).
قال السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء السابع ص106:
ولد في النجف الأشرف سنة 1199هـ ، وكان فاضلاً ناسكاً تقيّاً محبّاً للأئمة
الطاهرين، وأكثر
الصفحة138
كفوفة مگطوعات والراس iiانطبر وسـال دمع حسين يشبه iiللمطر
وصاح ياخوية الظهر منّي انكسر يـابدرنه شلون غطّاك iiالخسوف
* * *
رحت عني وانته لي سور iiالحديد فجعت گلبي والعدة صار إله عيد
شلون أظل بعدك يبو فاضل وحيد وتجمّعت كوفانها وصارت iiالوف
* * *
كـنت أعـذل ولوم اليون iiونه وصرت أنشد بيوت الحزن ونه
اويـلي شلون ونّه حسين iiونه عـلى العباس يوم أصبح iiرمية
* * *
من زيارةِ الإمام أبي عبداللَّه الصادق(ع) لعمّه أبي الفضل العباس(ع): (سلامُ اللَّهِ
وسلامُ ملائكَتِهِ المقرَّبينَ وأنبيائِهِ المُرسَلينَ وعبادِهِ الصّالحينَ وجميعِ
الشُهداءِ والصدّيقينَ والزاكياتُ الطيّباتُ فيما تغتدي وتَروحُ عليكَ يابنَ أمير
المؤمنينَ أشهدُ لكَ بالتسليمِ والتّصديقِ والوفاءِ والنّصيحةِ لِخَلَف النبيّ صلّى
اللَّه عليه وآله المُرسَل والسّبطِ المنتجبِ والدّليلِ العالِمْ والوصيِّ
المُبلِّغ والمظلومِ المهتضمِ فجزاكَ اللَّهُ عن رسولِهِ وعن أميرِ المؤمنينَ وعن
ــــــــــــــــــــ
شعره فيهم(ع)، درس الفقه على الشيخ علي بن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر
حتى نبغ فيه وعُدّ من الأعلام الأفاضل، واختصّ أخيراً بصاحب الجواهر وكان يعدّ من
أجلّ طلابه وأفاضلهم.
توفي(ره) سنة 1275هـ ودفن في الصحن العلوي الشريف عند الإيوان الكبير المتصل بمسجد
عمران.
الصفحة139
الحسنِ والحسينِ صلواتُ اللَّهِ عليهم أفضلَ الجزاءِ بما صَبرْتَ واحتسبتَ وأعَنْتَ
فَنعمَ عُقبى الدّار) (1).
بهذه الكلمات المضيئة والعبارات العالية التي تحملُ كلَّ معاني الفضل والتوقير
والتّبجيل والاحترام، يعلّم الإمام أبو عبداللَّه الصادق(ع) كافّة المؤمنين والمؤمنات
كيفيّة زيارة العبد الصالح أبي الفضل العباس(ع).
قوله(ع): سلام اللَّه وسلام ملائكته...الخ بيانٌ عن جليل مقام أبي الفضل(ع) عند اللَّه
تعالى بحيث صار موضعاً لنزول رحمته -سبحانه- ورحمة ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده
الصالحين وجميع الشُهداء والصدّيقين.
ثمّ عدّد الإمام الصادق(ع) بعض ما انطوت عليه ذاتهُ الإلهيّة من كمالات كانت سبباً
لسلام اللَّه وملائكته وأنبيائه وهي: اشهد لك بالتسليم والتصديق والنّصيحة لخلف
النبيّ(ص)، وهذه شهادة ثمينة جداً يعرف قيمتها أهل الفضل وقد قيل (لا يعرف الفضلَ
إلاّ أهلُهُ).
هذه كلمات قليلة أحببت أن تكون مقدّمةً ومفتاحاً ندخل بواسطته إلى رحاب أبي الفضل
باب الحوائج لنتعرّف أكثر على هذه الشخصيّة الإسلامية الكبيرة.
ولد(ع) في المدينة يوم الرابع من شعبان سنة ست وعشرين للهجرة فكان هو وأخوه الإمام
الحسين(ع) من مصاديق قوله تعالى في التأويل:
ــــــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان للمرحوم الشيخ عباس القمّي عن كامل الزيارات لابن قولويه
القمّي(ره).
الصفحة140
(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ
إِذَا تَلَاهَا) (1) فمولد الإمام الحسين يوم
الثالث من شعبان ومولد العباس(ع)
يوم الرابع منه، ولم يسبق أبوالفضل أخاه أبا عبداللَّه(ع) بقول استفاده منه أو بعملٍ
اتبعه فيه ولا بنفسيّة هي ظلّ نفسيّته، ولا بمنقبةٍ هي شعاعُ نوره الأقدس المنطبع
في مرآة غرائزه الصقيلة، وقد تابع إمامَه في كلّ أطواره حتى في بروز هيكله القدسي
إلى عالم الوجود (2).
أمّه السيّدة الجليلة والعالمة الفاضلة اُم البنين فاطمةُ بنتُ حَزام الكلابيّة
العامريّة، تزوّجها الإمام أمير المؤمنين(ع) بعد وفاة سيّدة نساء العالمين فاطمة
الزهراء(ع).
قال المحقّق المقرّم في (قمر بني هاشم) فولدت لأمير المؤمنين(ع) أربعةً وهم العبّاس
وعبداللَّه وجعفر وعثمان وعاشت بعده مدّة طويلة ولم تتزوّج من غيره، وكانت من
النساء الفاضلات العارفات بحقّ أهل البيت: مخلصةً في ولائهم ممحّضةً في مودّتهم
ولها عندهم الجاه الوجيه والمحل الرّفيع وقد زارتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة
تعزّيها بأولادها الأربعة كما كانت تزورها أيّام العيد.
وبلغ من عظمتها ومعرفتها وتبصّرها بمقام أهل البيت: أنّها لمّا أدخلت على أمير
المؤمنين(ع) وكان الحسنانِ مريضين أخذت تلاطف القول معهما وتلقي إليهما من طيب الكلام
ما يأخذ بمجامع القلوب (3).
ــــــــــــــــــــ
(1) الشمس / 1و2.
(2) قمر بني هاشم للمرحوم السيد عبدالرزاق المقرّم: ص17.
(3) المصدر السابق نفسه: ص16.
الصفحة141
أمُّ الـبـنـيـنَ طابت الأبناءُii iiمـنـك كـمـا قد طابت الآباءُ
بنت الأسودِ من بني عمرو العُلا iiأمُّ الـحُـمـاةِ والأبـاةِ الـنُّبلا
أمُّ أبـي الـفـضـل وأمُّ جعفر iiوأمُّ عـبـدالـلَّـه شبل حيدر
وأمُّ عـثـمـانَ الـذي سـمّاهُ بـاسـمِ بن مظعونَ الأبُ الأوّاهُ
الأنـجـبـين الطاهرين أنفساii iiالأكـرمـيـن الطيبينَ مغرسا
آجـركِ الـلَّـهُ وإيّـانـا فـما iiأمـلكُ لو شئتُ أعزّيك فما(1) |
وأمّا شأنه فمما لا شكّ فيه هو أن لنفسيّات الآباء ونزعاتهم وكميّاتهم من العلم
والخطر أو الإنحطاط والضّعة دخلاً تامّاً في نشأة الأولاد وتربيتهم، لذا تجدُ في
الغالب مشاكلةً بين الجيل الأوّل والثاني -الآباء والأبناء- في العادات والأهواء
والمعارف والعلوم، وعلى هذا النّاموس (2) يسعُنا أن نعرف مقدار ما عليه أبو الفضل(ع)
من العلم والمعرفة وحسن التربية بنشوئه في البيت العلوي فهو بيت العلم والعمل بيت
الجهاد والورع بيت الإيمان والمعرفة.
من هنا يعلم أنّ لم تكن كل البصائر في أبي الفضل(ع) اكتسابيّة بل كان الكثير منها
موروثاً من أبيه المفدّى الذي لو كشف له الغطاء ما ازداد يقيناً، فقبل ولادته
ووصوله إلى عالم الوجود كان(ع) معدن الذّكاء والفطنة واذن واعية للمعارف الإلهيّة،
دعاه أمير المؤمنين(ع) وهو صغير وأجلسه في حجره وقال له: قل واحد فقال واحد فقال له:
قل اثنين فامتنع وقال: انّي أستحي أن أقول اثنين بلسان قلت به واحد
(3).
ــــــــــــــــــــ
(1) المقبولة الحسينية للمرحوم الشيخ هادي كاشف الغطاء: ص99.
(2) النّاموس هو السرّ.
(3) أشار أبو الفضل العبّاس بهذه الكلمة الشريفة وذلك بقوله: واحد إلى التوحيد ولا
يليق بمن يقرّ بوحدانية اللَّه تعالى أن يجعل له شريكاً في ملكه، ولهذا امتنع أن
يقول اثنين بذلك اللسان الذي قال فيه واحد.
الصفحة142
إذا أمعنا النظر في هذه الكلمة وهو على عهد نعومةِ أظفاره فلا نجد بُداً من الاقرار
بأنّها من أشعّةِ تلك الاشراقات الإلهيّة، فما ظنّك اذن حينما يلتقي هذا الإستعداد
الرفيع مع المبادئ الفيّاضة من أبيه سيّد الوصيين واخويه سيّدي شباب أهل الجنّة
(1).
وبعد هذا كلّه فقد حوى أبو الفضل(ع) من صفاء النّفس والعنصر الزّاكي والإخلاص في
العمل، والمداومة على العبادات ما فتح له أبواباً من العلم وأوقفه على كنوز
المعرفة، وإذا كان الحديث ينصّ على أنّ من أخلص للَّه أربعين صباحاً انفجرت ينابيعُ
الحكمة من قلبه على لسانه، اذن فما ظنّك بمن أخلص للَّه طيلة عمره وهو متخلٍّ عن
كلّ رذيلة، ومتحلٍّ بكلِّ فضيلة (2).
ومن طريف الحديث انّ رجلاً من الأفاضل قد اغترّ بعلمه وبلغ من غروره في ذلك انّه
كان في مجلسٍ مع أصحابهِ وجرى ذكر أبي الفضل العباس(ع) وما حمله من المعارف والعلوم
الإلهيّة التي امتاز بها على سائر الشُهداء فقال الرجل علمي أكثر من علم العباس(ع)!!
فاستغرب الحاضرون هذه الجرأة وأنكروا عليه ولاموه على هذه البادرة وانتهى المجلس
والرجل على غروره لم يتراجع، ولمّا أصبح الصباح
ــــــــــــــــــــ
(1) قمر بني هاشم: ص38 بتصرّف.
(2) قمر بني هاشم: ص39 - 40 بتصرّف.
الصفحة143
ما كان للجماعة همٌّ إلاّ معرفة خبر
هذا الرّجل وانّه هل بقي على غيّه أو أنّ الهداية الإلهيّة شملتهُ فقصدوا داره
وطرقوا الباب فقيل لهم انه ذهب إلى حرم أبي الفضل العباس(ع)!! فأسرعوا إلى الحرم
لمعرفة الخبر فإذا الرجل قد ربط نفسه في الضريح الأقدس بحبل شدّ طرفه بعنقه والآخر
بالضريح وهو تائب نادم ممّا فرط فسألوه عن شأنه وخبره فقال:
لمّا نمتُ البارحة وأنا على الحال الذي فارقتكم عليه رأيت نفسي في مجتمع من أهل
الفضل وإذا رجل دخل وهو يقول: إنّ أبا الفضل العباس(ع) قادمٌ إليكم، فأخذ ذكرُهُ من
القلوب مأخذاً ثمّ دخل(ع) والنّور الإلهي يسطع من أسارير جبهته والجمالُ العلوي يزهو
في محيّاه فاستقرّ على كرسي في صدر المجلس، وقد دخلني من الرّهبة والخوف والقلق
شيءٌ كثير لما فرّطت في حقّ أبي الفضل(ع) ثمّ بدأ يسأل ويحيي واحداً واحداً حتى وصلت
النّوبة إليّ فقال لي: ماذا تقول أنت؟ فلم أستطع الكلام وبعد برهة كرّرت نفس الكلام
الذي قلته لكم أمس فقال(ع): أمّا أنا فقد درست عند أبي أمير المؤمنين وأخويّ الإمامين
الحسن والحسين عليهم الصلاة والسلام، وأنا على يقين من ديني بما تلقيّتُهُ من
مشايخي من الحقائق ونواميس الإسلام، وأنت شاكٌ بدينك شاكٌّ في إمامك أليس الأمر
هكذا؟ فلم أقدر انكار ذلك ثمّ قال(ع): وأمّا شيخك -اُستاذك- الذي قرأت عليه الدروس
وأخذت منه فهو أتعس منك حالاً، وما عسى أن يكون عندك من اُصول وقواعد مضروبة للجاهل
بالأحكام يعمل بها إذا أعوزه الوصول إلى الواقع، واني غير محتاج إليها لمعرفتي
بواقع الأحكام من مصدر الوحي
الصفحة144
الإلهي، ثمّ بد(ع) يعدّد بعض ما انطوت عليه ذاتُهُ
القدسيّة من كرم وصبر ومواساة وجهاد إلى غيرها، فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً
معترفاً بالتقصير، ولم أجد طريقة غير التوسّل به والإنابة إليه صلوات اللَّه عليه
وعلى آبائه الطاهرين (1).
ولقرب هذا العبد الصالح من ربّه تعالى، ولوجاهتِهِ الكبيرة عنده، صار احدى أهم
الوسائل المتقرّب بها إلى اللَّه تعالى لنيل القرب وقضاء الحوائج وشفاء الأسقام
ينقل المرحوم السيّد المقرّم في كتابه (العبّاس(ع)) هذه الكرامة عن الشيخ حسن
الجواهري وهو بدوره ينقل عن الحاج منيشد الذي شاهد الكرامة بنفسه قال: كان رجل من
عشيرة البراجعة اسمُهُ (مخيلف) مصاباً بمرضٍ في رجليه وطال ذلك حتى يبسَتا وصارتا
ضعيفتين لا يحملنهُ، وبقي على هذا ثلاث سنين وشاهده الكثير من أهل المحمّرة وكان
يحضر الأسواق ومجالس عزاء الإمام الحسين(ع) وهو يزحف على إليتيه ويديه على الأرض، وقد
عجز عن المُباشرة -العلاج- ويئس وكان للشيخ خزعل بن جابر الكعبي في المحمّرة
حسينيّة يُقيم فيها عزاء الإمام الحسين(ع) في العشرة الأولى من المحرّم ويحضر هناك
خلقٌ كثير حتى النساء يجلسنَ في الطابق الأعلى من الحسينيّة والعادة المعروفة في
تلك البلاد ونواحيها هي أنّ الخطيب النّائح إذا وصل في قراءته إلى الشهادة قام أهل
المجلس يلطمون بلهجات مختلفة وهكذا النّساء، في اليوم السابع من المحرّم كان
المتعارف ذكر مصيبة أبي الفضل العباس(ع)، وجاء هذا
ــــــــــــــــــــ
(1) العبّاس(ع) للمحقّق المقرّم: ص96.
الصفحة145
المُصاب مخيلف وجلس تحت
المنبر وحينما وصل الخطيب إلى ذكر المصيبة أخذت الحالة المعتادة مَن في المجلس
رجالاً ونساءاً وبيناهم على هذا الحال اذ يرون ذلك الرجل المُصاب بالزّمانة في
رجليه وهو مخيلف واقفاً معهم يلطم وهو يقول بلهجته (آنه مخيلف گيّمني العبّاس) وبعد
أن عرف الناس هذه الكرامة من أبي الفضل(ع) فتهافتوا عليه وخرّقوا ثيابه للتبّرك بها
وازدحموا عليه يقبّلون رأسه ويديه فأمر الشيخ خزعل غلمانه أن يرفعوه إلى احدى الغرف
ويمنعوا النّاس عنه وصار ذلك اليوم في المحمّرة أعظم من يوم العاشر من المحرّم
لكثرة البُكاء والعويل من الرجال والنساء، قال العلّامة الشيخ حسن: ثمّ أنّه سئل
مخيلف عمّا رآه وشاهده فقال: بينما الناس يلطمون على العبّاس(ع) أخذني النّوم وأنا
تحت المنبر فرأيت في المنام رجلاً جميلاً طويلاً على فرس أبيض عال في المجلس وهو
يقول لي: يا مخيلف لِمَ لا تلطم على العبّاس مع النّاس؟ قلت له: سيدي لاأقدر وأنا
بهذا الحال فقال: قُم والطُم على العباس مع الناس، قلت له: يامولاي أنا لا أقدر على
القيام على قدمي، قال قم والطم، قلت له: يا مولاي اعطني يدك لأقوم، فقال: أنا ما
عندي يدين، وإذا بيديه مقطوعتين، فقلت له: كيف أقوم؟ قال الزم الركاب وقم فقبضتُ
على ركاب الفرس وأخرجني من تحت المنبر وغاب عني(ع) (1).
أقول: لم يكن(ع) مقطوع الكفين فقط بل كانت السهام موزّعة على بدنه الشريف فسهمٌ أصاب
عينه، وسهمٌ أصاب قلبه، وسهمٌ أصاب القِربة فأُريق
ــــــــــــــــــــ
(1) العبّاس(ع) للمقرّم: ص144 - 145.
الصفحة146
ماؤها، وإذا بعمود الحديد يرضخ
هامَه الشريف فسقط على وجهه أي واعبّاساه واسيّداه وامظلوماه:
عمدُ الحديدِ بكربلا خسفَ القمر
فلتبكهِ السّاداتُ من عَليا مُضر
أوَما درتْ عن سرجِهِ العبّاسُ خَرْ
ومشى إليه السبطُ ينعاهُ كسرْ
تَ الآن ظهري يا أخي ومُعيني * *
*
يـخويه العلم گلي وين أوديه ينور العين دربي بيش iiأجدّيه
حنه ظهره يولي واشبك إيديه عليه وصاح خويه اللَّه وأكبر
* * *
يخويه انكسر ظهري ولا أگدر اگوم وصرت مركز يخويه الكل iiالهموم
يـخويه استوحدوني عگبك iiالگوم ولا واحــد عـليّ بـعد iiيـنغر
* * *
أأخـيَّ يُـهنيك النّعيمُ ولم iiأَخل تـرضى بأن أرزى وأنت منعّم
أأخـيَّ مَـن يحمي بناتِ iiمحمّدٍ إن صِرْنَ يسترحِمْنَ مَن لا يرحَمُ
لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين
الصفحة147
الليلة السابعة
المجلس الرابع عشر
أبو الفضل العباس(ع) الكنى والألقاب
إذا كان ساقي الحوض في الحشرِ حيدرٌ فـسـاقـي عَطاشى كربلاءَ أبوالفضلِ
عـلى أنّ ساقي النّاس في الحشرِ قلبُهُii iiمـريـعٌ وهـذا بـالـظّما قلبُهُ يَغلي
وقـفـتُ عـلى ماءِ الفراتِ ولم أزلii أقـولُ لـه والـقـولُ يـحسنُهُ مثلي
عـلامـك تـجـري لا جريتَ لواردٍii iiوأدركـتَ يـوماً بعضَ عارِكَ بالغسلِ
أمـا نـشـفـت أكـبـادُ آلِ مـحمّدٍii iiلـهـيـباً وما ابتلّت بعَلٍّ ولا نَهْلٍ(1)
مـن الـحـقِّ أن تذوي غصونُكَ ذبّلاًii iiأسـىً وحـيـاءاً مـن شفاهِهُمُ الذّبل
فـقـال استمع للقولِ إن كنت سامعاً ii iiوكـن قـابلاً عذري ولا تكثرن عذلي
بـرغـمـي أرى مـائي يَلذُّ سواهُمُ ii iiبـه وهُـمُ صرعى على عطشٍ حولي
جـزى الـلَّهُ عنهم في المواساةِ عمَّهمii أبـا iiالفضل خيراً لو شهدتَ أباالفضلِ
لـقـد كـان سـيـفـاً صاغَهُ بيمينهii عـليٌّ فلم يحتج شَباه(2) iiإلـى الصّقلِ
ولـم أرَ ظـامٍ حـولـه الـمـاءُ قبلَهُ iiولـم يَـروَ مـنه وهو ذو مهجةٍ تغلي
يـمـيـنـاً بـيـمناك القطيعةِ والتيii iiتـسـمّـى شمالاً وهي جامعةُ الشّملِ
بـصـبـرك دون ابـنِ النبيّ بكربلاii iiعـلـى الهولِ أمرٌ لا يحيطُ به عقلي
ووافـاكَ لا يـدري أفـقـدُكَ راعَـهُii iiأم الـكـونُ غالتهُ المقاديرُ بالشَّلِّ(3) |
ــــــــــــــــــــ
(1) بعَلٍ ولا نَهْلٍ قال في المنجد: عَلَلٌ بعد نَهَلْ
أي الشرب المتوالي بعد الشربةِ الأولى فالشربة الاُولى نَهل والشرب المتكرّر عَلْ.
(2) شَباه : حَدُّ كلّ شيء .
(3) الشَّلْ : يبوسة اليد .
|