الصفحة 180
وصـلت لعدقاسم او منها الگلب مهموم صـاحت يـيمّه ياشباب المات iiمحروم
مرمي على الرّمض او متخضّب بالدموم لـبكي عـلى فرگاك كل صبح iiومسيه
* * *
يـبني مـا ذكـرت أُمّـك iiوحنيت تركتني امن انطبگ ظهري وحنيت
يـقاسم خـضّبت شـيبي iiوحنيت بـدمـك يـاشـباب الـغـاضريّة
* * *
بنيّ في لوعةٍ خلّفت والدةً
ترعى نجومالدّجى فيالليل بالسهرِ
لاحول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين
الصفحة 181
الليلة الثامنة المجلس السابع عشر
شهادة القاسم بن الحسن(ع)
قـسَـمَ الإلـهُ الرّزءَ بين أعاظِمِii iiلا رزءَ أعـظمُ من مصابِ القاسمِ
حـسـنـيُّ خُلْقٍ من نِجارِ محمّدٍii iiمـضـريُّ عرقٍ من سلالةِ هاشمِ
غـصنٌ نضيرٌ من أصولِ مفاخِرٍii iiثـمـرٌ جـنيٌّ من فروعِ مكارِمِ
قـتّـالُ أبـطـالٍ مـبيدُ كتائبٍii iiفـتّـاكُ آسـادٍ هَـزَبْـرُ ملاحِمِ
هـزمَ الـكـمـاةَ بـقوّةٍ علويّةٍii iiوأبـادهـم طُـرّاً بـبطشٍ هاشمِ
لـلَّـهِ يـومٌ خرَّ فيه إلى الثرىii متكسّرَ الأضلاعِ تحت مناسِمِ (1)
نـادى حـسـيـناً عمَّهُ متشكّياًii iiبُـعـدَ الوصالِ وقربَ هجرٍ دائمِ
ويـلـوكُ كالحوتِ التريبِ لسانَهii iiلـوكاً ويفحَصُ كالقطا بقوادمِ(2) |
* * *
ولسان حال امّه رمله:
ربـيتك يـيمّة واسـهرت iiبـرباك اشلون اصبر يروحي من بعد عيناك
عسن سيف اليصيبك صابني iiوياك اولا شـوفك خـضيب الراس iiبالدم
* * *
وحيّد وعز عندي امن iiالعذيبي او ردتـك ضـخر لأيام iiشيبي
مـظنيت بـيك يـشح iiنصيبي وابگه اسحن صبر فرگاك والهم
ــــــــــــــــــــ
(1) المناسِمْ: للإبل كالظفر للإنسان أو طرف خف البعير والنعامة.
(2) معالي السّبطين للمازندراني رحمه اللَّه تعالى: ج 1 ص282.
الصفحة 182
(جاء في زيارته(ع): السَّلامُ عليكَ ياابنَ حبيبِ اللَّه، السَّلامُ عليكَ ياابنَ
ريحانةِ رسول اللَّه، السَّلامُ عليكَ من حبيبٍ لم يقضِ من الدّنيا وطَراً، ولم
يشفِ من أعداءِ اللَّهِ صدراً، حتَى عاجلَهُ الأجل، وفاتَه الأمل، السَّلامُ على
القاسمِ بنِ الحسنِ بنِ علي ورحمة اللَّه وبركاتُه) (1).
أبناء الإمام الحسن المجتبى(ع) الذين قاتَلوا مع عمِّهم الإمام الحسين(ع) في كربلاء
بمعركة الطف خمسة وهم: القاسم - والمجلس مخصّص لذكره - والحسن المثنّى، وأبو بكر،
وعبداللَّه، وعمرو، وقد نال الشّهادةَ منهم ثلاثة وهم (2): أبو بكر، عبداللَّه،
والقاسم، وبقي منهم اثنان:
الأول: هو الحسن المثنى: وقد كان له من العمر اثنان وعشرون سنة
(3)، وقاتلَ قتالاً
شديداً وقد قتلَ من الأعداء سبعةَ عشرَ رجلاً كما في بعض المقاتل، وأصابته ثمانية
عشر جراحة فوقع أرضاً وبه رمق من الحياة، فلمّا انتهت المعركة جاءه أسماءُ بن خارجة
فانتزعه من بين الأسرى وقال: لا يُوصَل إلى ابن خولَة أبداً، فقال عمر بن سعد: دعوا
لأبي حسّان ابنَ أخته (4)، فجاء به إلى الكوفة وهو جريح فداواه عنده وبقي في
الكوفة ثمانية أشهرٍ أو سنة ثمّ عاد إلى المدينة.
الثاني: هو عمرو بن الحسن: وكان مع الأسراء، وقد دخل معهم على
ــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار: ج 101 ص243.
(2) الإرشاد للشيخ المفيد(ره): ص179.
(3) وفي أعيان الشيعة: المجلّد الخامس ص44، أنّ المظنون كون عمره 17 عاماً.
(4) الإرشاد للمفيد(ره): ص196.
الصفحة 183
يزيد في الشام فقال
له يزيد: أتصارعُ ابني هذا؟ وقصد ابنه خالد فقال: ما فيّ قوّة على الصّراع ولكن
أعطني سكّيناً وأعطِهِ سكيناً فإمّا أن يقتلني فألحق بجدّي رسول اللَّه(ص) وأبي أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) وإمّا أن أقتُلَهُ فألحقَهُ بجدّه أبي سفيان وأبيه
معاوية، فتأمّل يزيد قليلاً ثمّ قال: شِنشِنَةٌ أعرفها من أخزم هل تلدُ الحيّةُ
إلاّ حَيّة (1).
أراد اللعين يزيد من تمثّله بهذا المثل هو أنّ طبيعة أهل البيت وسجيّتهم الشجاعة
يتوارثونها كما يتوارثون بقية السجايا والخصال الحميدة، وأنت ياعمرو بن الحسن ورقةٌ
من تلك الشجرة حيث جدّك أمير المؤمنين وأبوك المجتبى سيّد شباب أهل الجنّة، ولم
يَلِدوا إلاّ الأبطال الشجعان.
ومن المناسب هنا ذكر موقف النبيّ(ص) يوم فتح مكّة المكرّمة في السّنة الثامنة للهجرة
وقوله: لو ولد أبو طالب النّاس كلّهم لكانوا شجعاناً (2).
أمّا الشهداء الثلاثة فهم:
أبو بكر بن الحسن(ع): وهو أخو القاسم لأبيه وأمّه، ذكر أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل
الطالبيّين): أنّ أبا بكر قُتل قبل أخيه القاسم (3).
وعبداللَّه بن الحسن(ع): قال الشيخ المفيد(ره) في (الإرشاد): لمّا ضرب مالكُ بن النّسر
الكندي بالسيف رأس الإمام الحسين(ع) بعد ما شتمه ألقى الإمام الحسين(ع)
ــــــــــــــــــــ
(1) الشّنشنة: هي العادة والطّبيعة، الأخزم هو الذّكر من الحيّات.
(2) شجرة طوبى: ص305.
(3) نفس المهموم: ص325 عن مقاتل الطالبيين.
الصفحة 184
قلنسوتَهُ ودعا
بخرقة وقلنسوة فشدّ رأسَهُ بالخرقة ولبس القلنسوة واعتمّ عليها، فرجع عنه الشمر
ومَن معه إلى مواضعهم، فمكث هنيئة ثمّ عاد الشّمر وعادوا إليه وأحاطوا به، فخرج
عبداللَّه بن الحسن من عند النّساء وهو غلامٌ لم يراهق، فشدّ حتى وقف إلى جنبِ عمّه
الحسين(ع) فلحقته زينب(ع) لتحبسَهُ فأبى عليها فقال لها الإمام الحسين(ع): احبسيه ياأخيّة
فامتنع امتناعاً شديداً وقال: واللَّه لا أفارق عمّي، وأهوى بحرُ بنُ كعب إلى
الحسين بالسّيف فقال له الغلام: ويلك ياابن الخبيثة أتقتلُ عمّي؟ فضربه بحرُ بالسيف
فاتّقاه الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة، فنادى الغلام ياأمّاه فأخذه
الحسين(ع) وضمّه إليه وقال له: ياابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير
فإنّ اللَّهَ يلحقُكَ بآبائك الصّالحين ثمّ رفع الإمام(ع) رأسه إلى السماء وقال:
اللهمّ امسك عليهم قطرَ السّماء، وامنعهم بركاتِ الأرض، اللهمّ فإن متّعتهُم إلى
حين ففرّقهم بدداً واجعلهم طرائقَ قدداً، ولا ترضي الولاةَ عنهم أبداً، فإنّهم
دعونا لينصرونا فعدوا علينا فقتلونا. وروى أبو الفرج الأصفهاني أنّ الذي قتله هو
حرملةُ بن كاهل الأسدي (1).
والقاسم بن الحسن(ع): قال المرحوم الشيخ عبّاس القمّي في (نفس المهموم): قيل لمّا نظر
الإمام الحسين(ع) إلى القاسم وقد برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غُشي عليهما ثمّ استأذن
عمّه الحسين(ع) في المبارزة فأبى(ع) أن يأذن له، فلم يزل القاسم يقبّل يديه ورجليه حتى
أذن له فخرج
ــــــــــــــــــــ
(1) ابصار العين: ص38 عن الإرشاد.
الصفحة 185
ودموعُهُ تسيل على خدّيه وهو يقول:
إن تـنكروني فأنا نجلُ iiالحسن سبطِ النبيِّ المصطفى iiوالمؤتمن
هـذا حـسينٌ كالأسير iiالمرتهَن بين أُناسٍ لا سُقوا صوب المزُن
فقاتل قتالاً شديداً حتّى قَتَلَ على صغره خمسة وثلاثين رجلاً.
وقال ابن شهرآشوب(ره) في المناقب: إنّ القاسم أنشأ يقول:
إنّي أنا القاسمُ من نسل علي
نحنُ وبيتِ اللَّهِ أولى بالنّبي
من شمر ذي الجوشنِ أو ابنِ الدّعي
(1)
وروى الشيخ المفيد(ره) عن حميد بن مسلم قال: خرج إلينا غلام كأنّ وجَههُ شقّهُ قمرٍ
وفي يده سيف وعليه قميصٌ وإزار وفي رجليه نعلان قد انقطع شِسعٌ إحداهما
(2) ما أنسى
أنها اليسرى فوقف ليشدّها فقال عمرو
بن سعد بن نُفيل الأزدي - لعنه اللَّه - : واللَّهِ لأشُدنّ عليه فقلت له: وما تريد
بذلك يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من كلّ جانب قال: واللَّه لأشدنّ عليه،
فشدّ عليه فما ولّى وجهَهُ حتّى ضربَ رأسه بالسيف فوقع الغلامُ لوجهِهِ فقال:
ياعمّاه قال: فجلى الحسين(ع) كما يجلو الصّقر ثمّ شدّ شدّةَ
ــــــــــــــــــــ
(1) نفس المهموم: ص322.
(2) وفي ذلك يقول المرحوم الشيخ محمّد السماوي:
أتـراهُ حـين أقامَ يُصلحُ iiنعلَهُ بين العدى كي لا يروهُ بمحتفي
غـلبت عـليه شهامةٌ iiحسنيّةٌ أم كان بالأعداءِ ليس iiبمحتفي
الصفحة 186
ليثٍ أغضب وضرب عمراً
فاتّقاه بالساعد فأطنّها من لدن المرفق، فصاح صيحةً سمعها أهلُ العسكر ثمّ تنحّى
عنه الحسين(ع)، وحملت خيلُ أهل الكوفة ليستنقذوا عمراً من الحسين(ع) فلمّا حملت الخيل
استقبلته بصدورها وجالت فوطأته حتى مات لعنه اللَّه وأخزاه، وانجلت الغبرة وإذا
بالحسين(ع) قائمٌ على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والإمام(ع) يقول: بُعداً لقومٍ قتلوك
ومَن خصمُهُم يوم القيامةِ جدُّك. ثمّ قال: عزّ واللَّه على عمّك أن تدعوه فلا
يجيبُك أو يجيبُك فلا ينفعُك، هذا يومٌ كثُرَ واللَّهِ واترُهُ وقلّ ناصرُه ولسان
الحال:
بـكه ونـاداه يـاقاسام شبيدي يريت السيف گبلك حز وريدي
هـان الـكم تخلّوني iiوحيدي عـلى خيمّي يعمّي الخيل تفتر
* * *
يعمّي شگالت امن الطبر روحك يـعمّي مـا تراويني iiجروحك
لـون أبقى يعمّي كنت iiانوحك
بگلب مثل الجمر وبدمع iiمحمر
ثمّ حمله على صدره ورجلاه تخطّان في الأرض، وجاء به حتّى ألقاه مع ابنه عليّ الأكبر
ولسان الحال:
جـابه ومـدّده ما بين iiاخوته بـكى عدهم يويلي وهم موته
بس ما سمعن النسوان iiصوته اجت زينب تصيح اللَّه واكبر
* * *
الصفحة 187
مبارك بين سبعين الف جابوك بـدال الشّمع بالنشاب iiزفوك
عـن الحنه بدم الراس iiحنّوك عـلى راسك ملبس نبل iiينثر
وجاءت عندها العروس ولسان الحال:
يـقاسم گوم ريت البيك iiبيّه يقاسم گوم ريت الموت iiليّه
صدگ رايح يقاسم هاي هيّه او تخلّيني أون الليل iiواسهر
* * *
عسى بعيد البلا خدّك على الگاع يقاسم موش وقت الموت هلساع
قـاسم يـبن عـمّي لون iiتنباع بـماي العين كنت اشريك iiياحر
ثمّ التفتت إلى قاتل القاسم وصاحت بلسان الحال:
عساهي برگبتك كل الخطيّه تـخلّيني غـريبة واجنبيّة
يـاقاسم عرس اكشر iiعليّه عـرّيس ويـزفّونك iiمطبر
* * *
خضبوا وما شابوا وكان خضابهم
بدمٍ من الأوداج لا الحنّاءِ
لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين
الصفحة 188
الليلة التاسعة المجلس الثامن عشر
برُّ الوالدين
جرى دمعي لمصرعِ شبل طه وتـاهَ الفكرُ في الحزنِ الشّديدِ
فـمـا أدري أعزّي أم أُهَنّي iiعـليَّ المرتضى بابنِ الشَّهيدِ
فـطـوراً لـلوصيِّ به أُهنّي iiوأنـظـمُ مـدحَهُ نظمَ العقودِ
عـلـيٌّ بالطّفوفِ أقامَ حرباًii iiكـحـربكَ ياعليُّ مع اليهودِ
وقـاتـلَ بكرَهم كقتالِ عمروٍ وجـدّلـه على وجهِ الصّعيد
وصـيّـرَ كربلا بدراً وأُحداًii ونـادى ياحروبَ الجدِّ عودي
وطـوراً يـاعليُّ أُعزّي فيهii iiوتـبـكي العينُ للعقدِ الفريدِ
كـأنّي بالحسينِ غدى يناديii iiعـلينا ياليالي الوصلِ عودي
رجـوتُكَ ياعليُّ تعيشَ بعديii iiلـتـوسِدَ جثّتي رمسَ اللحودِ
وتمشي باكياً من خلف نعشي iiكـما يبكي الوليدُ على الفقيدِ
ولـم أنسَ النساءَ غداة فرّتii iiإلـى نعشِ الشَّهيد ابن الشَّهيدِ
فـهـذي قـبّلت كفّاً خضيباًii iiوشمّت تلك ورداً في الخدودِ
وزيـنـبُ قابلت ليلى وقالتii أعـيدي النّوحَ ياليلى أعيدي
عـلـى حلوِ الشّباب وبدرِ تمٍّ iiشـبيهِ محمّدٍ خيرِ الجدودِ(1) |
ــــــــــــــــــــ
(1) هذه القصيدة العصماء للمرحوم الشيخ جعفر الهر الكربلائي(ره).
قال المرحوم السيد جواد شبر في الجزء التاسع من موسوعته (أدب الطف):
الشيخ جعفر ابن الشيخ صادق بن أحمد الحائري الشهير بالهر، أحد أعلام كربلاء
الصفحة 189
ولسان حال اُمّه ليلى:
لـمّن للأكبر اجت iiليلى گعـدت وگامت iiتشتكيله
تگلّه ودمعها عليه iiتسيله برضاك أظل بعدك ذليله
والظعن لو رادوا iiرحيله يـاهو المحملي iiيباريله
مـن بعد عينك iiياكفيله وبيمن بعد راسي iiأشيله
* * *
قال اللَّه تعالى في القرآن الكريم: (وَقَضَى رَبُّكَ إلاّ
تَعْبُدُوا إلاّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ
عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا
وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)
(1).
ــــــــــــــــــــ
المقدسة وأفاضلها، ولد سنة 1267هـ وتوفي سنة 1347هـ بكربلاء ودفن فيها في الرواق
الشريف الحسيني قريباً من قبر صاحب الرياض وعمره ثمانون عاماً.
درس على الشيخ زين العابدين المازندراني، ولمّا نال الحظوة الكافية من العلم انفرد
بالتدريس وتخرّج على يده جماعة.
قال صاحب (الطليعة): كان فاضلاً مشاركاً في العلوم أديباً شاعراً هو اليوم مدرّس
بكربلاء وإمام جماعة تقام به الصلاة في حرم أبي الفضل العباس(ع) ومن شعره قوله
مشطّراً البيتين المنسوبين إلى قيس العامري:
مـرُّ على الديارِ ديارِ ليلى ونارُ الوجدِ تستعرُ iiاستعارا
أشـمُّ ترابَها طوراً iiوطوراً أقبّلُ ذا الجدارَ وذا iiالجدارا
وما حبُّ الديارِ شغفنَ iiقلبي ولا أضرمْنَ في جنبيَّ نارا
ولا ربـعِ الغويرِ iiوساكنيه ولكنْ حبُّ مَن سكنَ الديارا
(1) سورة الإسراء أو بني إسرائيل: الآية 23 و24.
الصفحة 190
قال المرحوم الشيخ الطبرسي(ره) في (مجمع البيان): (وقضى ربُّكَ) أي أمرَ أمراً باتّاً
(أن لا تعبدوا إلاّ إيّاه) أي أن تعبدوه ولا تعبدوا غيرَه (وبالوالدَين إحسان) أي
وقضى اللَّهُ بالوالدين احساناً أو أوصى بالوالدين إحساناً (1)، أقول: من هنا
يتّضحُ لنا جليلُ حقِّ الأبوين بحيث أنّ اللَّهَ تعالى أوجب حقّهما بعد وجوب توحيده
وعبادته ونفي عبادةِ مَن سواه، وقد حفلت أحاديث العترة الطاهرة بالكثير من الوصايا
الخالدة في هذا المقام منها:
ما روى الشيخ الكليني(ره) في أصول الكافي بسنده إلى منصور بن حازم عن أبي عبداللَّه
الصادق(ع) قال: قلتُ له: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاةُ لوقتها وبِرُّ الوالدين،
والجهاد في سبيل اللَّه عزّوجلّ (2).
ومنها: عن الإمام الصادق(ع) قال: ما يمنع الرّجلَ منكم أن يبرَّ والديه حيَّين
وميّتين، يصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحجّ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صَنَعَ
لهما، وله مثلُ ذلك فيزيده اللَّه عزّوجلّ ببرِّهِ وصِلَتِهِ خيراً كثيراً
(3).
ومنها: عن معمّر بن خلّاد قال: قلت لأبي الحسن الرّضا(ع): أدعو لوالديَّ إذا كانا لا
يعرفان الحق (4)؟ قال:
ادعُ لهما، وتصدّق عنهما، وإن كانا
ــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البيان: ج 2 ص409.
(2) أصول الكافي: ج 2 ص158.
(3) أصول الكافي: ج 2 ص159.
(4) لا يعرفان الحق: أي لا يعرفان شيئاً من أمر أهل البيت: في الإمامةِ وولاية
الأمر بعد رسول اللَّه(ص).
الصفحة 191
حيّينِ لا يعرفان الحقّ فدارهما فإنّ رسول
اللَّه(ص) قال: (إنّ اللَّه بعثني بالرّحمةِ لا بالعقوق) (1).
(إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا) قال في (مجمع
البيان): يعني به الكبر في السنّ والمعنى إن عاشا عندك أيّها الإنسانُ المخاطب حتى
يكبُرا، أو عاش أحدُهما حتّى يكبر وخصَّ حال الكبر وإن كان من الواجب طاعة الوالدين
على كلّ حال لأنّ الحاجةَ أكثر في تلك الحال إلى التعهّد والخدمة
(فَلا تَقُلْ
لَهُمَا أُفٍّ) روي عن الإمام أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا(ع) عن أبيه عن جدّه
أبي اللَّه(ع) قال: لو علم اللَّه لفظةً أوجزَ في تركِ عقوقِ الوالدين من أفٍّ لأتى
بها، وفي رواية أخرى عنه(ع) قال: أدنى العقوق أف ولو علم اللَّهُ شيئاً أيسرَ منه
وأهون منه لنهى عنه، وفي خبر آخر: فليعمل العاق ما يشاء أن يعمل فلن يدخل الجنّة،
فالمعنى لا تؤذيهما بقليل ولا كثير.
روى الشيخ الصدوق(ره) في (الخصال) عن الإمام الباقر(ع) قال: في كتاب عليٍّ(ع) ثلاثُ خصالٍ
لا يموت صاحبُهنّ حتى يرى وبالَهنّ: البغي، وقطيعة الرّحم، واليمين الكاذبة
(2).
يحكى أنّ رجلاً غضب على أبيه - وهو عنده في الدّار - فأخذ يضربه ويضربه والأب ساكت
لا يتكلّم ولا يعترض حتى وضع الابنُ الحبلَ في عنقِ والدِهِ وسحبه على الأرض حتى
أوصله إلى باب الدّار ثمّ فتح الباب
ــــــــــــــــــــ
(1) أصول الكافي: ج 2 ص159.
(2) الخصال: ج 1 ص124 ح 119.
الصفحة 192
ليلقي أباه خارج الدّار، فوضع الأب العاجز يده
على الحبل وقال لابنه: إلى هنا يكفي فإني عندما كنت نشيطاً مثلك ضربت والدي ووضعت
الحبلَ في عنقِهِ وسحبته على الأرض ولكن لم ألقه خارج الدّار، فكفَّ عنه ابنه،
أقول: فسبحان اللَّه العادل الذي لا يفوتُه ظلمُ ظالمٍ أبداً:
لا تَـظـلمنّ إذا ما كنتَ مقتدراًii iiفـالـظّلمُ مرتعُهُ يُفضي إلى النّدم
تـنـامُ عـيـنُك والمظلومُ منتبهٌii يدعو عليك وعينُ اللَّهِ لم تنمِ (1) |
(وَلا تَنْهَرْهُمَا) أي لا تزجرهما بإغلاظٍ وصياح
(وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً
كَرِيمًا) أي وخاطبهما بقولٍ رقيقٍ لطيف حسن جميل بعيد عن اللغو والقبح يكون فيه
كرامةٌ لهما، ويدلّ على كرامةِ المقول له على القائل (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ
الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) أي وبالغ في التواضع والخضوع لهما فعلاً وقولاً برّاً
بهما وشفقةً عليهما، والمراد بالذّل هنا اللين والتواضع دون الهوان من خَفَضَ
الطّائر جناحَه إذا ضمَّ فرخَه إليه، فكأنه سبحانه قال: ضمّ أبويك إلى نفسِك كما
كانا يفعلان بك وأنت صغير، وإذا وصفت العرب إنساناً بالسهولةِ قالوا هو خافضُ
الجناح، وقال أبو عبداللَّه الصادق(ع): معناه لا تملأ عينيك من النّظر إليهما إلاّ
برأفةٍ ورحمة ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما ولا يديك فوق أيديهما ولا تتقدّم قدّامهما
(وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) معناه ادع لهما بالمغفرةِ
والرّحمة في حياتهما وبعد مماتهما جزاءً لتربيتهما إيّاك في صباك، وفي هذا دلالة
على أنّ دعاء الولد لوالده الميّت مسموع وإلا لم يكن للأمر به معنى، وقيل: إنّ
اللَّه تعالى أوصى الأبناء بالوالدين لقصور شفقتهم ولم يوصِ الوالدين بالأبناء
لوفور شفقتهم
ــــــــــــــــــــ
(1) من الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع): ص120.
|