المجالس الحسنة

 
 

الصفحة 193

 وفي الحديث عن النبيّ(ص) قال: رغم أنفه رغمَ أنفه رغمَ أنفه (ثلاث) قالوا: مَن يارسول اللَّه؟ قال: مَن أدرك أبويه عند الكبرِ أحدهما أو كلاهما ولم يدخل الجنّة، وروى أبو أُسَيْد الأنصاري قال: بينما نحن عند رسول اللَّه(ص) إذ جاءه رجلٌ من بني سلمة فقال: يارسول اللَّه هل بقي من بِرّ والديّ شي‏ءٌ أبرّهما به بعد موتهما قال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وانفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلةِ الرّحم التي لا توصل إلاّ بهما (1).

واعلم أنه لا شي‏ء عند الأبوين أغلى وأثمن من برّ الابن بهما، على الرّغم من أنه وفاءٌ لبعضِ مالهما من ديون، انّهما يسعدان بهذا البرّ سعادة الغارس بثمرات غرسِهِ، وبهذه السعادة يشعر الابن البار إذا تأكّد من سعادةِ أبويه به، ورضاهما عنه (2).

وجاء في‏رسالة الحقوق للإمام أبي الحسن عليّ بن الحسين(ع): (وحقّ أبيك أن تعلمَ أنّه أصلُك، وأنّه لولاه لم تكن فمهما رأيت في نفسِكَ ما يعجبُك فاعلم أنّ أباك أصلُ النّعمةِ عليك فيه. فاحمد اللَّه واشكره على قدر ذلك. ولا قوّة إلاّ باللَّه).

روي انّ رجلاً شيخاً أتى النبيَّ(ص) فقال: إنّ‏ابني هذا له مالٌ كثير، وأنّه لا ينفق عليَّ من مالِهِ، فنزل جبرئيل فقال: يارسول اللَّه إنّ هذا الشيخ قد أنشأ أبياتاً فاستنشدها منه، فاستنشده النبيّ(ص): فقال الشيخ يعتب على ابنه:

ــــــــــــــــــــ

(1) مجمع البيان: ج 3 ص410.
(2) شرح رسالة الحقوق للسيد حسن القبانجي: ج 1 ص568.

الصفحة 194

غـذوتُـكَ  مولوداً وقد كنتَ يافعاًii      iiتَـعِـلُّ بـمـا أحني عليك وتنهَلُ
إذا  لـيـلةٌ ضافتك بالسّقم لم أبتii      iiلـسـقـمـكَ إلاّ سـاهراً أتململُ
كـأنّـي أنا المطروقُ دونَك بالذي ii      iiطُـرِقـتَ بـه دوني فعينيَ تهملُ
تـخـافُ الرّدى نفسي عليكَ وإنّهاii      iiلـتـعـلَمُ  أنّ الموتَ وقتٌ مؤَجّلُ
فـلـمّـا بلغتَ السنَّ والغايةَ التيii      iiإلـيـهـا مدى ما فيكَ كنتُ أؤمّلُ
جـعـلتَ جزائي غلظةً وفضاضةًii      iiكـأنـك  أنـت الـمنعمُ المتفضلُ
فـلـيـتـكَ إذ لم تَرعَ حقَّ أبوّتيii      فعلتَ  كما الجارُ المجاورُ يفعَلُ 
(1)

فلمّا سمع النبيّ(ص) قال للولد: أنت ومالُكَ لأبيك (2).

وجاء في رسالة الحقوق المروية عن الإمام أبي الحسن عليّ بن الحسين(ع):

(وحقُّ أمّكَ أن تعلم أنّها حملتكَ حيثُ لا يحتملُ أحَدٌ أحداً، وأعطتك من ثمرةِ قلبها ما لا يعطي أحدٌ أحداً، ووقتك بجميع جوارحها ولم تبالِ أن تجوعَ وتطعمُكَ، وتعطشَ وتسقيك، وتَعرى وتكسوك، وتهجُرُ النّومَ لأجلك، ووقَتْكَ الحرَّ والبرد لتكونَ لها، فإنّكَ لا تُطيقُ شكرها إلاّ بعونِ اللَّه عزّوجلّ) (3).

شكى رجلٌ إلى رسول اللَّه(ص) سوءَ خُلُقِ أُمِّه فقال: إنّها لم تكن سيّئةَ

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح رسالة الحقوق: ج 1 ص569.
(2) الإمام زين العابدين للمحقّق المقرّم: ص127.
(3) الإمام زين العابدين(ع): ص126.

الصفحة 195

الخُلق حين حملتك تسعةَ أشهر، وحين أرضعتك حولين، وحين سهرت ليلَها وأظمأت نهارَها فقال الرجل: إنّي جازيتُها وحججتُ بها على متني فقال النبيّ(ص): ما جازيتها ولا طلقة واحدة (1).

لأُمِّـكَ حـقٌّ لـو عـلمتَ iiكبيرُ      كـثـيرُكَ يـاهذا لـديه iiيـسيرُ

فـكم لـيلةٍ بـاتت بثقلك iiتشتكي      لـهـا أنّـةٌ مـمّا بـها iiوزفـيرُ

وفي الوضع لو تدري عليها مشقّةٌ      فـمن غُـصَصٍ كادَ الفؤادُ iiيطيرُ

وكـم  غَسَلتْ عنك الأذى iiبيمينها      ومـا حـجرُها إلاّ لـديك iiسريرُ

وتَـفديكَ  مـمّا تـشتكيهِ iiبنفسها      ومـن ثـديها شِـربٌ لديكَ iiنميرُ

وكـم مرّةٍ جاعت وأعطتك iiقوتَها      حُـنوّاً  وإشـفاقاً وأنـت iiصغيرُ

فـآهاً لـذي عـقلٍ فيتّبعُ iiالهوى      وآهـاً  لأعمى القلبِ وهو iiبصيرُ

فـدونك فارغب في عميمِ iiدعائها      فـأنت لـما تـدعو بـه iiلـفقيرُ

وفي الرواية عن النبيّ(ص) أنه قال: دعاء الوالدة أسرع إجابةً من الوالد قيل: لِمَ يارسول اللَّه قال: لأنّها أرحم (2).

من هنا قال الإمام أبو عبداللَّه الحسين(ع) لزوجته ليلى - كما هو المشهور عند أهل المنبر - ادخلي الخيمة وادعي لولدك، وذلك عندما برز بكرُ ابنُ غانم مبارزاً لعليّ الأكبر(ع)، فدخلت خيمتها - كأني بها - جرّدت

ــــــــــــــــــــ

(1) شرح رسالة الحقوق: ج 1 ص548.
(2) المصدر السابق نفسه: ص550.

الصفحة 196

خمارها نثرت شعرها، رفعت يديها إلى اللَّه تعالى وأقسمت عليه بقسمٍ عظيم، يقولون قالت: إلهي بغربةِ أبي عبداللَّه، إلهي بعطشِ أبي عبداللَّه يارادّ يوسف إلى يعقوب ردّ إليّ ولدي علي ولسان الحال:

دخـلت  الخيمتها iiالغريبه      تـبكي وعلى ابنيها بريبه

وتـوسلت لـلَّه iiبـحبيبه      بالحسين وشما بيه مصيبه

يـاراد  يوسف من iiمغيبه      الـيعگوب ومسكّن iiنحيبه

أريدك علي سالم تجيبه

فاستجاب تعالى دعاءها، وعاد الأكبر وبيده رأسُ بكر بن غانم وهو يقول:

صيدُ الملوكِ أرانبٌ وثعالبُ         وإذا برزتُ فصيدي الأبطالُ

يقولون: فقال له الإمام الحسين(ع) أسرع إلى خيمةِ أُمّك، فجاء الأكبر مسرعاً فرأى أُمّه مغمىً عليها ناداها فلم تجبه ثمّ ناداها فلم تجبه فوضع رأسها في حجره وأخذ يبكي على حال أمّه، فقطّر دمُعُه الشريف على وجهها ففتحت عينيها وإذا بابنها الأكبر معها سالماً معافى، فضمّته إلى صدرها ولسان الحال:

يـابني  عـلي ياماي iiعيناي      رديـت  روحي بجيّتك iiهاي

يـاسلوتي  ويـاطيب iiدنياي      يابني امن‏أسمعك تطلب الماي

والـماي تدري حاطته iiعداي      يـنصدع گلـبي وتعم iiبلواي


الصفحة 197

أقول: هذا حالها وعليّ الأكبر إلى جنبها، ليت شعري ما حالها وقد حمله الهاشميون وهو مقطّعٌ بالسيوفِ إرْباً إرْباً ولسان الحال:

يـاعلي يـبني النوب iiذلّيت      والـموت  يـاخذني iiتمنيت

عمود  الوسط ياشايل iiالبيت      يـبني بـعد عندي iiشخلّيت

انه بيش اجيت وبيش ردّيت      بـعدك عـساني لا iiبـقيت

*  *  *

بـكل وادي لهيم عليك iiواسلاك      يـبني ولا تظن أنساك iiواسلاك

گطّع من فؤادي هروش واسلاك      يـيمّه مـن هويت اعله الوطية

*  *  *

ياكوكباً ما كان أقصر عمرَه        وكذا تكون كواكبُ الأسحار

*  *  *

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحة 198

الليلة التاسعة                                                                                                           المجلس التاسع عشر

شهادة علي الأكبر(ع)

حَجْرٌ  على عيني يمرُّ بها الكرى      مـن بـعدِ نـازلةٍ بـعترةِ أحمد

أقـمارُ  تـمٍّ غالها خسفُ iiالرّدى      واغتالها  بصروفِهِ الزّمنُ iiالرّدي

شـتّى  مـصائبُهم فـبين iiمكابدٍ      سُـمّاً  ومـنحورٍ وبـين iiمصفّدِ

سـل كربلا كم من حشىً iiلمحمّدٍ      نُـهبت  بها وكم استجذّت من iiيدِ

ولَـكَمْ دمٍ زاكٍ أريـق بـها iiوكم      جـثمانِ قـدسٍ بـالسيوفِ iiمبدّدِ

وبها على صدرِ الحسين ترقرقت      عـبراتُهُ  حـزناً لأكـرمِ iiسـيّدِ

أفـديـه مـن ريـحانةٍ iiريّـانةٍ      جـفّت  بـحرِّ ظـماً وحرِّ iiمهنّدِ

بكرَ  الذّبولُ على نضارةِ iiغصنِهِ      إنّ الـذّبولَ لآفـةُ الغصنِ iiالنّدِي

مـاءُ الـصِّبا ودمُ الوريدِ iiتجاريا      فـيه ولاهِـبُ قـلبِهِ لـم iiيَخمُدِ

ومـحى الرّدى ياقاتلَ اللَّهُ الرّدى      مـنه هـلالَ دجـىً وغرّةَ iiفرقَدِ

يـانجعةَ  الـحيّينِ هاشمَ iiوالنّدى      وحـمى الذّمارينِ العلى iiوالسؤدَدِ

   فلتذهب الدّنيا على الدّنيا iiالعفى       ما بـعدَ يومِكَ من زمانٍ iiأرغدِ (1)

ــــــــــــــــــــ

(1) القصيدة من نظم المرحوم المقدّس آية اللَّه الشيخ عبدالحسين آل صادق العاملي(ره).
قال السيد جواد شبّر في (أدب الطف) الجزء 9، ص229:
الشيخ عبدالحسين ابن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ صادق العاملي، ولد في النجف الأشرف في حدود سنة 1282 وفيها نشأ، ثمّ خرج إلى جبل عامل وعاد إلى النجف الأشرف بعد وفاة أبيه فأخذ عن علمائها مثل الشيخ ميرزا حسين ابن ميرزا خليل، وهو في الطبقة الأولى

الصفحة 199

ولسان حال الإمام الحسين(ع):

يـبويه گول واسرع ردّ iiالجواب      يبويه بياكتر مض بيك iiالصواب

يبويه العيش بعدك لا حله وطاب      ردتـك تـرد وحـشة iiالـغيّاب

وذخـرتك  تـهيل عليّه iiالتراب      دمـعي عـلى فـرگاك سـكّاب

شـيفيد الـدّمع لو صار iiخنياب      مـاي وتـبدّه طـولك iiوغـاب

*  *  *

قال الشاعرُ يمدح سيّدَنا عليّ الأكبر(ع):

لـم  تـرَ عـينٌ نـظرت iiمثلَهُ      مـن مـحتفٍ يمشي ومن iiناعلِ

أعني ابنَ ليلى ذا السّرى والنّدى      أعني  ابنَ بنتِ الحسبِ iiالفاضلِ

لا  يـؤثرُ الـدّنيا عـلى ديـنه      ولا  يـبـيعُ الـحقَّ iiبـالباطل

ولد سيّدُنا عليُّ الأكبر(ع) في الحادي عشر من شهر شعبان سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة وذلك قبل مقتل عثمان بسنتين (قتلَهُ المسلمون سنة خمس وثلاثين)، فيكون عمرُ علي الأكبر(ع) يوم الطف ما يقارب

ــــــــــــــــــــ

من الشعراء، وشهد له العالمان الكبيران الملا كاظم الآخوند صاحب الكفاية والحاج الشيخ ميرزا حسين ابن ميرزا خليل بالاجتهاد.
قال المرحوم الشيخ محمد السماوي في (الطليعة): رأيته يتفجّر فضلاً، ويتوقّد ذكاءً إلى أخلاقٍ كريمة.
توفي في أوائل ذي الحجة سنة 1361هـ في النبطية جنوب لبنان ودفن هناك.

الصفحة 200

 سبعاً وعشرين سنة، ويؤيّده اتفاق المؤرّخين وأرباب النّسب على أنّه أكبر من الإمام السجّاد(ع) الذي له يوم الطفّ ثلاث وعشرون سنة (1).

ومن العلماء الذين اختاروا هذا القول المرجع الدّيني المرحوم السيّد النّجفي المرعشي(ره) حيث قال: ومن فوائد هذا السِّفر الجليل - كتاب علي الأكبر للمحقّق المقرّم - أنّه أثبت كون عليّ الأكبر(ع) شهيد الطّف أكبر سنّاً من الإمام زين العابدين(ع) وهو الحقّ الحقيق بالقبول كيف لا فقد صرّح به فحلُ الفقهاء والنسّابين شيخنا الشيخ محمّد بن إدريس الحِلي في تعاليقه على مزار كتاب السّرائر قال ما محصّله:

إنّ الأصحّ والأشهر بين علماء التأريخ والنّسب كون علي الأكبر أكبرُ سنّاً من الإمام سيّد السّاجدين(ع) (2).

واللقب الذي عرف به عليّ بن الحسين(ع) الشهيد بكربلا هو (الأكبر)، وذلك لكونه أكبر أبناء الإمام الحسين(ع) قال المحقّق المقرّم في كتابه (علي الأكبر): وقد صرّح بذلك الإمام السجّاد(ع) حين قال له عبيداللَّه ابن زياد: أليس قد قتل اللَّهُ عليّاً؟ فقال الإمام(ع): كان لي أخٌ أكبرُ منّي يسمّى عليّاً فقتلتموه (3).

ولقد وصف الإمام السجّاد(ع) بالأصغر والشّهيد بالأكبر جماعةٌ من

ــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق نفسه: ص12.
(2) من مقدّمة كتبها المرجع المرحوم السيّد النجفي المرعشي(ره) على كتاب (علي الأكبر) للمرحوم المقرّم.
(3) علي الأكبر: ص16.

الصفحة 201

المؤرّخين منهم: ابن جرير الطّبري وابن قتيبة الدينوري واليعقوبي وغيرهم (1).

وأمّا كنيتُهُ فهي (أبو الحسن) كما جاء في زيارته المرويّة عن أبي حمزة الثمالي أنّ الإمام أبا عبداللَّه الصّادق(ع) قال له: ضع خدّك على القبر وقل:

صلّى اللَّه عليك ياأبا الحسن ثلاثاً، بأبي أنت وأمّي أتيتُك زائراً... الخ (2).

وأمّا أمُّه النّجيبة فهي السيّدة ليلى بنت أبي مرّة بن مسعود الثقفي.

وكان عليّ الأكبر(ع) أشبه النّاس برسول اللَّه(ص)، ولم ينصّ المؤرّخون على مشابهة آل النبيّ(ص) له في جميع الصّفات إلاّ ولده عليّ الأكبر(ع)، فعلى سبيل المثال يحدّث السّروي عن جابر بن عبداللَّه الأنصاري أن السيّدة فاطمة الزهراء(ع) تشبه أباها في المِشية فإنها تميل على الجانب الأيمن مرّةً وعلى الأيسر أخرى.

وفي رواية الشيخ الصّدوق(ره) في الخصال تشهد بأنّ الحسن(ع) شابهَ جدّه رسول اللَّه(ص) في الهيبة والسؤدد والحسين(ع) شابهَهه في الجود والشجاعة.

وأخرج الحاكم النيسابوري عن أمير المؤمنين(ع) انه قال: إنّ رسول اللَّه(ص) قال لجعفر الطيّار أشبهت خَلقي وخُلقي.

ــــــــــــــــــــ

(1) وللمزيد راجع كتاب (علي الأكبر) للمحقّق المقرّم: ص16 - 19.
(2) كامل الزيارات لابن قولويه القمّي(ره) باب 97: ص240.

الصفحة 202

ويحدّث الشيخ الجليل الشيخ فخر الدين الطّريحي في (المنتخب) إنّ الإمام الحسين(ع) قال في حقّ الرّضيع: (اللهمّ أنت الشاهدُ على قومٍ قتلوا أشبهَ النّاس برسولك محمّد(ص)).

وهذه الشواهد كلّها لا تدلّ على مشابهة العترة الطاهرة للرسول(ص) في جميع الصفات الكريمة، لكنّ كلمة الإمام الحسين(ع) الذّهبيّة في حق ولده علي الأكبر(ع): اللهمّ اشهد أنه برز إليهم أشبهُ النّاس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولِك وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه.

ترشدُنا هذه الكلمةُ الشريفة إلى أن فقيد البيت الهاشمي كان في وقته‏مرآة الجمال النبوي(ص)، ومثالَ كماله الأسمى، وأنموذجاً من منطقه البليغ‏الرائع حتى أنّ أباه الإمام الحسين(ع) إذا اشتاق إلى رؤية جدّه المفدّى(ص)نظر إليه، والحق أنّ عليّ الأكبر(ع) شابه جدّه في أخلاقه أجمع‏كالاخلاص والشجاعة والحلم والبشاشة في العشرة ودماثة في الخُلق،ولين‏الجانب، والخشونة في ذات اللَّه تعالى، والابتعاد عن الدنايا والرّذائل (1).

وممّا يشهد بذلك أن معاوية مع ما كان عليه من المباينة مع الهاشميين لم يسعهُ إلاّ الإعتراف أمام قومه باجتماع الفضائل في (علي الأكبر(ع)) وأنه جديرٌ بالخلافة، وقابل للزّعامة الدينيّة يوم قال لمن حضر عنده من أهل الشام وغيرهم: مَن أحقُّ بهذا الأمر؟ قالوا: أنت.

فقال معاوية: لا، أولى الناس بهذا الأمر عليّ بن الحسين بن علي،

ــــــــــــــــــــ

(1) علي الأكبر للمقرّم: ص42.

الصفحة 203

 جدّهُ رسول اللَّه(ص)، وفيه شجاعة بني هاشم، وسخاء بني أميّة (1)، وزهو ثقيف.

وهذه الكلمة الصّادرة من معاوية ترشدنا إلى أنّ عليّ الأكبر(ع) يومئذ معروف عند أهل الشام وغيرهم بأنه الجامع للقداسة الإلهية ومكارم الأخلاق بأجلى مظاهرها وإلاّ فلا يعقل أن يشير معاوية بأهلية الخلافة إلى رجلٍ غير مرموق عند الناس من جميع الفضائل (2).

وفي الطريق إلى كربلاء بدت من الأكبر معرفةٌ وشجاعة عالية يشهد لهذا حديثُ عقبة بن سمعان حيث قال: لمّا كان السّحر من الليلة التي بات الإمام الحسين(ع) فيها بقصر بني مقاتل أمرنا بالإستقاء ثمّ ارتحلنا فبينا هو يسير إذ خفقَ برأسه خفقةً وانتبه يقول: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون والحمدُ للَّه ربّ العالمين، وكرّر ذلك ثلاثاً.

فأقبل إليه ابنُهُ عليُّ الأكبر وكان على فرسٍ وقال له: جعلت فداك مِمَّ استرجعت وحمدَت اللَّه؟ قال(ع): خفقت برأسي خفقةً فعنّ لي فارسٌ يقول: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمتُ أنّها أنفسُنا نُعيت إلينا. فقال عليّ الأكبر(ع): ياأبتِ ألسنا على الحق؟

فقال الحسين(ع): بلى والذي إليه مرجعُ العباد.

ــــــــــــــــــــ

(1) قوله: سخاء بني أمية هو مدحٌ لقومه بما ليس فيهم حيث لم يُعرف بنو أميّة لا بشجاعة ولا كرم، وأما لماذا ذكر معاوية بني أمية هنا. فالجواب: هو لأنّ السيّدة ليلى أم علي الأكبر بنت ميمونة بنت أبي سفيان، فمعاوية بهذا خالٌ لليلى أُمّ علي الأكبر(ع).
(2) علي الأكبر للمقرّم: ص46.

الصفحة 204

قال الأكبر(ع): إذاً لا نبالي أن نموت محقّين فقال له الإمام: جزاك اللَّهُ من ولدٍ خير ما جزى ولداً عن والده (1)، وللَّه درُّ الشاعر حيث يقول:

في بأسِ حمزةَ في شجاعةِ حيدر      بإبا  الحسين  وفي  مهابةِ iiأحمدِ

وتراهُ  في  خَلقٍ  وطيبِ خلائقٍ      وجميلِ  نُطقٍ  كالنّبيِّ   iiمحمّدِ (2)

قال أبو الفرج الأصفهاني وغيرُهُ: وكان أوّلُ من قُتِلَ بالطفّ من بني هاشم بعد أنصار الحسين(ع) عليَّ الأكبر بن الحسين(ع)، فإنه لمّا نظر إلى وحدةِ أبيه تقدّم إليه وهو على فرسٍ له يدعى ذا الجناح فاستأذنه في البراز، وكان من أصبحِ الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً، فأرخى الإمام عينيه بالدّموع وأطرق ثمّ قال:

اللّهمّ اشهد أنه قد برز إليهم غلامٌ أشبهُ النّاس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسولك وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إليه ثمّ صاح ياابن سعد قطع اللَّه رحمك كما قطعت رحمي ولم تحفظني في رسول اللَّه(ص) فلمّا فهم الإذن من أبيه شدّ على القوم وهو يقول:

أنا عليُّ بنُ الحسين بن علي       نحنُ وبيتِ اللَّهِ أولى بالنّبي

واللَّهِ لا يحكُمُ فينا ابنُ الدّعي

فقاتلَ قتالاً شديداً ثمّ عاد إلى أبيه وهو يقول: ياأبتِ العطش قد

ــــــــــــــــــــ

(1) علي الأكبر: ص68.
(2) من قصيدة المرحوم الفقيه الشيخ عبدالحسين آل صادق(ره).

الصفحة 205

 قتلني، وثقل الحديد قد أجهدني، فبكى الإمام(ع) وهو يقول: واغوثاه وأنى لي بالماء قاتل يابني قليلاً واصبر فما أسرع الملتقى بجدّك محمّد(ص) فيسقيك بكأسه الأوفى شربةً لا تظمأ بعدها أبداً، فكرّ على الأعداء يفعل بهم فعل أبيه وجدّه.

قال حميد بن مسلم الأزدي كنت واقفاً وبجنبي مرّة بن منقذ وعليّ بن الحسين يشدّ على القوم يمنةً ويسرة فيهزمهم فقال مُرّة: عليّ آثام العرب إن مرّ بي هذا الغلام لأثكلنّ أباه فقلت له: يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه فقال: لأفعلن ومرّ بنا عليّ وهو يطرد كتيبة فطعنه برمحِهِ فانقلب على قربوس فرسه فاعتنقه فذهب به إلى جهة الأعداء فقطّعوه بالسيوف فصاح قبل أن يفارق الدنيا: السلامُ عليك ياأبتي هذا جدّي المصطفى قد سقاني بكأسه الأوفى، فشدّ الحسين(ع) حتى وقف عليه وهو مقطّعٌ بالسيوف إرْباً إرْباً فقال: قتل اللَّهُ قوماً قتلوك يابنيّ فما أجرأهم على اللَّه وعلى انتهاك حرمة الرسول ثمّ بكى وقال: على الدّنيا بعدك العفاء:

گعد عنده وشافه مغمّض العين      بدمّه   سابح   مترّب  الخدّين

متواصل طبر والرّاس iiنصّين      حنه  ظهره على بنيّه iiوتحسّر

*  *  *

يبويه   من  سمع  يمّك  iiونينك      او من شبحت لعند الموت عينك

لثلاثين    ما   وصلن   iiسنينك      وحاتفني  عليك  الدّهر  iiالأكشر

ــــــــــــــــــــ

(1) ابصار العين في أنصار الحسين: ص22.

الصفحة 206

وروى أبو مخنف: عن حميد بن مسلم أنه قال: وكأني أنظر إلى امرأةٍ خرجت من المخيّم - الفسطاط - وهي تنادي ياحبيباه ياابن أخيّاه فسألت عنها فقالوا: هذه زينب بنت علي فجاءت حتى انكبت عليه فجاء الحسين إليها وأخذ بيدها إلى الفسطاط ولسان الحال:

شافه   والنبل  شابك  علي  iiراح      هوه فوگه وصفگ راحٍ علي راح

صاح  بصوت يازينب علي iiراح      يخويه    ظلمّت    الدنيا    iiعليّه

ولسان حال الإمام الحسين(ع):

صـدّعت  قـلبي يابنيَّ iiتأسفا      وتـركتني أدعـو أسىً iiوتلهُّفا
أنا لاحقٌ بك ياشبيهَ iiالمصطفى
فلتذهب الدّنيا على الدّنيا العفى      مـا بعد يومِكَ من زمانٍ iiأرغدِ

*  *  *

أنا لم أخَل قبلي سيرديك الرّدى     فلك الفدى نفسي لو أنّك تفتدى

أتركتني شجواً أنوحُ مردّداً

يانجعةَ الحيّينِ هاشمَ والنّدى     وحمى الذّمارين العلى والسؤدَدِ (1)

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

ــــــــــــــــــــ

(1) التخميس للمرحوم السيّد عبدالرّسول الكفائي.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى