المجالس الحسنة

 
 

الصفحة 207

الليلة العاشرة                                                                                                المجلس العشرون

شهادة عبداللَّه الرّضيع

ومرضعةٍ   هبّت   بها   iiلرضيعها      عواطفُ  أُمٍّ  أثكلتْ  طفلها  iiصبرا

رأت   مهدَهُ  بالحزن  يطفحُ  iiبعدَه      وقد  كان  فيه  قبلُ يطفحُ iiبالبُشرى

وأثقلَ   ثدييها   من  الدرِّ  iiخالصٌ      على   طفلها   فيه   تعوّدت  الدرّا

فخفّت  إلى  مثوى  الرّضيع  لعلّها      ترى   رمقاً   فيه  يُغذّى  بما  iiدرّا

فلم   ترَ   إلاّ   جثّةً   فوق  iiمذبحٍ      بها  عَلُقَ  السّهمُ  الذي ذبح iiالنحرا

فحنّت  وأحنت  فوقَهُ  من  iiتعطّفٍ      أضالعَها   ظِلّاً   تقيه   به   iiالحرّا

وضمّتهُ   مذبوحَ  الوريد  لصدرها      ومن دمِهِ المسفوحِ خضّبت الصّدرا

وودّت   ومن  أوداجِهِ  تَنفَحُ  iiالدّما      لو  أنّ  بذاك  السهم  أوداجُها iiتُفرا

وأضحت  على  مثواهُ  تُفْرِغُ iiقلبَها      حنيناً  فترثيه  بما  يفضلُ  iiالشّعرا

فطوراً    تناغيه   وطوراً   iiبلهفةٍ      تعانقُ   جِيداً  منه  قد  زيّن  iiالدّرا

وتعطفُ   طوراً    فوقَهُ   iiفتشمُّهُ      بمنحَرِهِ  الدّامي  وتلثمُهُ  iiأخرى (1)

ولسان حال أمّه الرّباب:

يبني يعبد اللَّه اعله iiفرگاك      صبري انفنه ودرّن ثداياك

يادين  يبني الحرملة iiوياك      للماي  حين شبحت عيناك

گدّر بسهمه عليك iiوارماك      وخيّب رجاي الكان iiبرباك

*  *  *

ــــــــــــــــــــ

(1) القصيدة من نظم المرحوم الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي(ره).

الصفحة 208

مياتم للحزن ننصب iiونبني      رماني حرملة بسهمه ونبني

الطفل عاده يفطمونه iiونبني      انفطم  ياناس  بسهام iiالمنيه

*  *  *

قال اللَّه تعالى في القرآن الكريم: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (1).

قال الشيخ الطبرسي(ره) في (مجمع البيان): (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) أي محنة وابتلاء وشدّة للتكليف عليكم، وشغل عن أمر الآخرة، فإنّ الإنسان بسبب المال والولد يقع في الجرائم - المعاصي - (2).

وقال السيد الطباطبائي(ره) في (الميزان): وكون الأموال والأولاد فتنة انما هو لكونهما زينة تنجذب إليهما النفس انجذاباً فتفتتن وتلهو بهما عمّا يهمّها من أمر آخرتها وطاعةِ ربّها قال اللَّه تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (3)، والجملةُ - إنما أموالكم وأولادكم فتنة - كناية عن النّهي عن التلهّي بهما والتفريط في جنب اللَّه ويؤكّدهُ قوله تعالى: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (4).

قال الشيخ الطبرسي(ره): (وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي ثوابٌ جزيل وهو الجنّة يعني فلا تعصوه بسبب الأموال والأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند اللَّه من الأجر والذّخر.

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة التغابن: الآية 15.
(2) مجمع البيان للطبرسي: المجلد الخامس ص301.
(3) سورة الكهف: الآية 46.
(4) الميزان للعلّامة الطباطبائي: ج 19 ص308.

الصفحة 209

وفي مجمع البيان عن عبداللَّه بن مسعود قال: ولا يقولنّ أحدُكُمْ أللهمّ إني أعوذ بك من الفتنة فإنه ليس أحدٌ منكم يرجع إلى مالٍ وأهل وولدٍ إلاّ وهو مشتملٌ على فتنة ولكن ليقل اللهمّ إنّي أعوذُ بك من مضلّات الفتن، قال الشاعر:

وما المالُ والأولادُ إلاّ ودائعٌ         ولابُدّ يوماً أن تُردّ الودائعُ

بعد أن فهمنا - ولو على الإجمال - تفسير هذه الآية الكريمة - تعالَ معي إلى تفصيل هاتين الفتنتين - كما عبّر القرآن الكريم - :

أمّا الأموال: ففتنةٌ واضحة يعلمها الجميع، وهي كلّما ازدادت ازداد الإنسان لها حبّاً وبها تعلّقاً، وهذا الأمر وجدانيّ لا سبيل إلى إنكاره، ففي الحديث الشريف: أتى النبيَّ(ص) رجلٌ فقال: ما لي لا أُحبُّ الموت؟ فقال له: ألك مالٌ؟ قال: نعم. قال: فقدّمتَهُ؟ قال: لا. قال: فمِن ثَمّ لا تُحبّ الموت (1).

وفي رواية أخرى قال له: قدّم مالك فإنّ قلب الرّجل مع مالِهِ إن قدّمَه أحبَّ أن يلحقَهُ وإن خلّفه أحبّ أن يتخلّف.

قال المرحوم السيّد عبداللَّه شبّر(ره) في كتابه (الأخلاق): وفي المال آفاتٌ دينيّة وهي ثلاثة أنواع:

الأول: إنّ المال يجرّ إلى المعاصي فإن الشهوات متقاضية - أي انّ الطريق إليها يكون ببذل المال - والعجز - يحولُ بين المرء والمعصية.

ــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار: ج 6 ص127.

الصفحة 210

الثاني: إنّ المال يجرّ إلى التنعّم في المباحات، أقول: التنعّم بالمباحات كالأسفار لأجل السياحة والنّزهة، والبناء للدور الكبيرة، وشراء المراكب الفارهة، وخياطة الملابس المتنوّعة من الأقمشة الفاخرة وما شابه ذلك فإنّ أقلّ ما يمكن أن يقال في هذه المباحات أنها تلفٌ للوقت الثمين، والعمر الغالي وقد جاء في الحديث الشريف: أنفاسُ المرءِ مهرُ سعادته.

وفي الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع):

حـيـاتُكَ     أنفاسٌ     تُعدّ     فكلّماii      iiمـضـى نفسٌ منها انتقصت به جُزءا
ويُـحـيـيكَ ما  يُفنيكَ  في كلِّ  حالةٍii      ويحدوك  حادٍ  ما  يريدُ بك الهزءا 
(1)

الثالث: وهو الذي لا ينفكّ عنه أحد، وهو أنّه يلهيه إصلاحُ مالِهِ عن ذكرِ اللَّه تعالى، وكلُّ ما يشغل العبد عن اللَّهِ فهو خسران، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (2).

ولذلك قال عيسى(ع): في المالِ ثلاثُ آفاتٍ: أن يأخُذَهُ من غير حلِّه فقيل له: فإن أخذه من حلِّه؟ قال: يضعُهُ في غير حقّه فقيل له: إن وضعَهُ في حقّه؟ قال: يشغَلُهُ اصلاحُهُ عن اللَّه تعالى (3).

وأمّا الأولاد: فمحنةٌ وابتلاء وشدّة في التكليف، فإنّ الإنسان مسؤولٌ

ــــــــــــــــــــ

(1) من الديوان المنسوب: ص11.
(2) سورة المنافقون: الآية 9.
(3) الأخلاق للسيّد عبداللَّه شبر(ره): ص187.

الصفحة 211

عن صالح أولاده وطالحهم، فإنه في صالح الأولاد مثابٌ ومأجور، وفي طالحهم فإن قصّر في تربيتهم وتغذيتهم بالمعارف الدينيّة الحقّةِ كان مسؤولاً عن ذلك التقصير.

قال الشيخ القرشي حفظه اللَّه تعالى في كتابه (النظام التربوي في الإسلام): إنّ الأب مسؤولٌ عن تربيةِ أبنائه تربيةً صالحة ليكونوا قرّةَ عينٍ له في مستقبله، وكان أئمةُ أهلِ البيت: يعنون بهذه الجهة ويولونها المزيد من الاهتمام يقول الإمام أمير المؤمنين(ع) المربّي الأوّل في الإسلام لولده الإمام الحسن(ع): (وجدتُكَ بعضي بل وجدتكَ كلّي حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني وكأنّ الموتَ لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي) (1).

وفي رسالة الحقوق المرويّة عن الإمام زين العابدين(ع) قال: (وأمّا حقَّ ولدك فأن تعلم أنّه منك ومضاف إليك في عاجل الدّنيا بخيره وشرّه، وأنك مسؤولٌ عمّا وليتَهُ من حُسنِ الأدبِ والدَّلالةِ على ربِّه عزّوجلّ، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عملَ مَن يعلم أنّه مثابٌ على الإحسانِ إليه معاقب على الإساءةِ إليه) (2).

إنّ الأساس الأول الذي يجب تعليمه للطّفل في سبيل التربية الصحيحة إشعارُهُ بوجود اللَّه‏والإيمان به بلسان متيسّر الفهم، فإنّ الحاجة للإيمان باللَّه تعالى موجودةٌ في باطن كلّ إنسان بفطرته الطّبيعيّة وعلى القائم بالتربية أن

ــــــــــــــــــــ

(1) النّظام التربوي في الإسلام للشيخ باقر شريف القرشي: ص89.
(2) الخصال للشيخ الصّدوق(ره): ج 2 ص568.

الصفحة 212

يستفيد من هذه الثروة الفطريّة، ويفهمُهُ أنّ الذي خلقنا والذي يرزقنا، والذي خلق جميع النباتات والحيوانات والجمادات، والذي خلق العالم، وأوجد الليلَ والنّهار هو اللَّهُ تعالى، انّهُ يراقب أعمالنا في جميع اللحظات فيثيبنا على الحسنات، ويعاقبنا على السيّئات.

هذا الحديث سهلٌ جداً وقابلٌ للإذعان بالنسبةِ إلى الطفل ونفسِهِ فنراه يؤمنُ بوجود اللَّه في مدّة قصيرة ويعتقد به، بهذا الأسلوب نستطيع أن نخلق في نفس الطّفل حبّ النظام والإلتزام ونحثّه على الإستقامة في السلوك وتعلّم الفضائل الخلقيّة والملكات العليا بالتّدريج (1).

واعلم أنّ مراقبتَهُ في سنّه المبكّر، وتعويده العادات الطيّبة، وابعاده عن النزعات الشريرة تؤدي إلى سعادته ونجاحه في الدنيا والآخرة، كما أنّ اهماله وعدم مراقبته يؤدي إلى شقائه وهلاكه (2).

يحكى أنّ ملكاً ووزيره خرجا ذات يوم في مهمّة عسكرية، فاجتازا بصبيةٍ في طريقهم إلى الدّرس فأحبّ الملك أن يسمع منهم شيئاً يسرّه وهو في طريقه إلى تلك المهمّة، فاستوقفَ أحد الصّبيان وقال له: ما اسمُك؟ قال: فتّاح قال الملك: إلى أين تذهب؟ قال: إلى المعلّم قال: وأين تقرأ؟ قال: في قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) في سورة الفتح، فاستبشر الملك بذلك وتوقّع النجاح في مهمّته ووجهته وفعلاً حصل ذلك حيث تمكن الملك من عدوّه وعاد منتصراً سالماً فقال لوزيره: مرّ بنا على المعلّم لنكرّم ذلك الطّفل

ــــــــــــــــــــ

(1) الطفل بين الوراثة والتربية للمرحوم الشيخ محمد تقي فلسفي: ج1 ص353 - 354.
(2) النظام التربوي في الإسلام: ص96.

الصفحة 213

الذي تفألنا خيراً باسمه ودرسه، فمرّا على المعلّم ودخل الملك حتى إذا استقرّ به الجلوس قال للمعلّم: ادعو لنا ذاك الصّبي فناداه المعلّم قم ياعباس وقف بين يدي الملك، فجاء حتى وقف بين يديه فقال له: ما اسمك؟ قال: عباس قال: أين تقرأ؟ قال: في قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) سورة عبس قال الملك: سألتك آنفاً فقلت: فتّاح أقرأ في سورة (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: أيّها الملك عندما استوقفتني وسألتني تنبّهتُ إلى ما تريد لأنّ مثلك لا يكلّم مثلي إلاّ لأمرٍ معقول فأجبتك بما يسرّك قال له الملك: أحسنت ثمّ أمر أن يعطوه ديناراً فامتنع الصّبيّ عن أخذه فقال له الملك: تمتنع عن أخذ هدية الملك؟ فقال: إن أخذت الدينار سألني أبي عن مصدره فإن قلت له: أنّه منك لم يصدّقني لأنّ الملوك لا يعطون القليل، فأمر الملك بإعطائه مائة دينار ثمّ ذهب الملك وهو مأنوس من ذكاء الصبيّ ونباهته فمرّ بطريق ضيّق وإذا برجلٍ نائم في الطريق فقال له الحرّاس ابتعد عن الطريق فلم يقبل فنزلوا إليه وطلبوا منه التنحّي عن طريق الملك فأسمعهم كلاماً خشناً وبلغ ذلك الكلام إلى أذن الملك نفسه فأمرَ بتأدبيه أمام الملأ ليكون عبرةً لغيره، فنودي: إنّ الملك يأمركم أن تحضروا تأديب فلان بن فلان، فحضر الناس وإذا بالصّبي عباس حضر أيضاً وطلب مقابلةَ الملك فأذن له فعندما دخل عليه وضعَ كيس الدنانير بين يدي الملك فقال له: ما هذا؟ قال: إنّ الشخص الذي أمرتم بتأديبه هو أبي وهذه الدنانير فداءٌ لأبي فقال الملك: الدنانير لك وبارك اللَّه فيك وأبعد أباك قال إن أذن لي الملك تكلّمت قال له قل ما تريد قال: بارك اللَّه بأبي وأبعد أباه قال الملك متعجّباً: وما معنى هذا؟ قال: لأنَّ أبي أدّبني


الصفحة 214

فقرّبتني تربيتُهُ من الملوك وتركَهُ أبوه ولم يؤدّبه فتعرض لسخط الملوك فأكرمه الملك ثانيةً وعفا عن أبيه.

وما أحسن ما في الديوان المنسوب:

حرِّض  بنيكَ على ‏الآدابِ في‏الصّغَرِ      كيما   تقرَّ   بهم  عيناكَ  في  iiالكِبَر

وإنّما     مثلُ     الآدابِ    iiتجمَعُها      في عنفوانِ‏ الصِّبا كالنّقشِ في ‏الحَجَرِ

هي   الكنوزُ   التي  تنمو  iiذخائرُها      ولا  يُخافُ  عليها  حادثُ  الغِيَرِ(1)

وبعد هذا فلا يخفى أنّ الولد ريحانة بها يأنس الأبوان، وبشمّها يتمتّعان، وهو موضع شفقتهما ورحمتهما.

روي أنّ رجلاً جاء إلى رسول اللَّه(ص) فقال: ما لنا نجدُ بأولادنا ما لا يجدون بنا؟ قال: لأنّهم منكم ولستم منهم، وروي هذا المعنى عن الإمام الحسن المجتبى(ع):

وإنّما      أولادُنا      iiبيننا      أكبادُنا  تمشي على iiالأرضِ

لو هبّتِ الرّيحُ على بعضهم      لامتنعت عيني عن iiالغمض

أقول: إذن ما حال الإمام أبي عبداللَّه الحسين(ع) عندما رأى طفلَه عبدَاللَّه غائرَ العينين خاوي البطن ذابل الشفتين وذلك بعد أن جفّ حليب أمّه من شدّة عطشها فأخذه الإمام(ع) وأخرجه ليطلب له قليلاً من الماء ولسان الحال:

ــــــــــــــــــــ

(1) من الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع): ص62.

الصفحة 215

أختُ  هاتيلي  رضيعي‏  أرَهُ قبلَ ii‏الفراق      فأتت   بالطّفلِ   لا  يهدأُ  والدّمعُ  مراق

يتلظّى  ظمأً  والقلبُ‏  منه  ‏في  ii‏احتراق      غائرَ العينينِ ‏طاوي ‏البطنِ ‏ذاوي ‏الشفتين

*  *  *

فبكى    لمّا    رآهُ‏   يتلظّى iiبأوام (1)     بدموعٍ‏ من ‏أماقٍ ‏تخجلُ ‏السُّحبَ ‏السجامِ

فأتى   القومَ  وفي  كفّيهِ  ذيّاك  الغلام      وهما   من  ظمأٍ  قلباهما  iiكالجمرتين

*  *  *

فدعا  في القوم ياللَّهِ من خطبٍ iiفظيع      نبّئوني  أأنا  المذنبُ أم هذا iiالرّضيع

لاحظوهُ‏  فعليه  ‏شبهُ‏  الهادي‏  iiالشّفيع      لا يكن ‏شافعُكُمْ‏ خصماًلكم ‏في ‏النشأتين

*  *  *

عجّلوا  نحوي بماءٍ أَسقِهِ هذا iiالغلام      فحشاهُ‏ من‏ أوامٍ ‏في ‏اضطرابٍ‏ iiوكِلام (2)

فاكتفى ‏القومُ ‏عن‏ القولِ ‏بتكليمِ السهام      وإذا  بالطّفلِ  قد خرّ صريعاً iiلليدين (3)

ويقال: إنّ المختار رحمه اللَّه تعالى عندما جي‏ء له بحرملة بن كاهل قال له: أنت الذي ذبحت عبداللَّه الرّضيع؟ كيف تمكّنت من ذلك!! أو ما رقّ قلبُك له؟ قال: كانت العادة الجارية أنّ الإمام الحسين(ع) إذا أراد الحملةَ على الجيش ركب فرساً، وإذا أراد الوعظ والتحذير والتذكير ركب ناقةً له، وفي هذه المرّة جاءنا ماشياً ومعه شي‏ء يظلّلُ له من حرارة الشّمس فتكلّم

ــــــــــــــــــــ

(1) الأوام: هو العطش.
(2) الكِلام: بالكسر هو الجرح.
(3) أبيات من نظم شريف لمقتل الإمام الحسين(ع) للمرحوم الشيخ حسن الدّمستاني البحراني(ره) رياض المدح والرثاء: ص459.

الصفحة 216

مع ميمنة الجيش فلم يستمعوا له، فمال إلى ميسرةِ الجيش فلم يستمعوا له، فعاد إلى قلب المعسكر فقال: ياقوم لقد قتلتم أصحابي وإخوتي وأهل بيتي إن كان ذنبٌ للكبار فما ذنبُ الصّغار ثمّ أخرج ولداً ورفعه وقال: هذا عبداللَّه اسقوه شربة من الماء فإنّه إن عاش لا يضرّكم وإن مات طولبتم بدمه، فاختلف العسكر وانقسم ثلاثاً قسماً قال: اسقوه فإنه طفلٌ رضيع، وقسماً اكتفى بالبكاء لحال الرّضيع، وقسماً قال: لا تبقوا لهذا البيت صغيراً ولا كبيراً فقال لي عمر بن سعد: ياحرملة اقطع نزاع القوم قلت: أرمي الوالد أم الولد قال: بل الولد، فتنحيت جانباً ووضعت سهماً في كبد القوس ولم يرقّ قلبي له، فنظرت أين أرميه لصغره وإذا بالهواء تكشف رقبته فحكّمت السهم ورميته فذبحتُهُ من الوريد إلى الوريد وما رقّ قلبي له، فعندما أحسّ بحرارةِ السهم أخرج يديه واعتنق والده الحسين هنا رقّ قلبي له ولسان حال الحسين(ع) بعد ذبح ولده:

تلگه  حسين  دم الطفل iiبيده      شحال  اليذبح  بحجره وليده

سال  وترس كفّه من iiوريده      وذبّه للسّمه وللأرض ما خرّ

*  *  *

عليك انفتح جفن العين iiوافتاك      وسهم نحرك بگلبي‏وگع وافتاك

بقتل  الطفل من آمرك iiوافتاك      يابن   كاهل  شله  ويَّاك  iiأذيّه

رجع به إلى المخيّم يقولون: استقبلتهُ ابنتُهُ سكينة وما كانت تتصوّر أن تبلغ بهم القسوة إلى هذا الحدّ بحيث يقتلون الطفل الرّضيع ولسان الحال:


الصفحة 217

بويه  الطفل للماي iiأخذته      بسهم  العده  مذبوح iiجبته

شنهو الذّنب خويه العملته      مذبوح   ولسانك   iiدلعته

والماي حاضر ما شربته

ولسان حال أُمّه الرباب عندما رأته مذبوحاً من الوريد إلى الوريد:

ماني  أُمّك  يعبد  اللَّه ويبعد iiأمك      ما  أنساك  وألهج  يالولد  iiباسمك

شعب گلبي السّهم من فجّره الدمّك      ياسلواي    بعدك   من   iiيسليني

*  *  *

ست  اِشهر  بعد يلما وصل iiعمرك      شذنب اللي جنيته او ينگطع نحرك

يابني  سهم  المثلث  خسف  iiبدرك      ياريت    الرماك   بسهم   iiراميني

لا  ضيرَ  في  قتل  الرجال  iiوإنما      قتلُ  الرّضيع  به  الضميرُ  iiيُضامُ

طلب  الحسينُ  الماءَ  يسقي  iiطفله      فاستقبلته     من    العداة    iiسهامُ

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحة 218

الليلة العاشرة                                                                                            المجلس الحادي والعشرون

الإمام(ع) وأصحابه ليلة العاشر

لا  خبت  مرهفاتُ آلِ iiعليٍّ      فهي  النّارُ  والأعادي  iiوَقودُ

عقدوا   بينها   وبين  المنايا      ودعوا   ههنا  توفّى  iiالعقودُ

ملأوا   بالعدى  جهنّمَ  iiحتّى      قَنِعَتْ  ما تقولُ هل لي iiمزيدُ

ومذِ  اللَّهُ  جلّ  نادى  iiهلمّوا      وهُمُ  المسرعون مهما iiنودوا

نزلوا   عن  خيولهم  iiللمنايا      وقصارى هذا النزولِ صعودُ

فقَضَوْا والصّدورُ منهم iiتلظّى      بضَرامٍ   وما  أُبيحَ  iiالورودُ

سلبوهم    برودَهم   iiوعليهم      يومَ  ماتوا  من الحُفاظ iiبرودُ

تركوهم  على  الصّعيدِ iiثلاثاً      يابنفسي  ماذا  يُقلُّ  iiالصّعيدُ

فوقَه  لو  درى  هياكلُ قدسٍ      هو   للحشرِ   فيهُمُ  iiمحسودُ

تربةُ   تعكفُ  الملائكُ  iiفيها      فركوعٌ   لهم   بها   وسجودُ

وعلى العيسِ من بناتِ iiعليٍّ      نُوَّحٌ    كلُّ    لفظها   iiتعديدُ

سلبتها  أيدي  الجُفاةِ  iiحُلاها      فخلى   معصَمٌ  وعطّلَ  جيدُ

وعليها   السياطُ  لمّا  iiتلوّت      خلفتها   أساورٌ    iiوعقودُ (1)

*  *  *

يحيدر گوم لسيوفك وسلها        يوم الطف شعب روحي وسلها

ــــــــــــــــــــ

(1) القصيدة من نظم المرحوم السيّد جعفر الحلّي(ره) الدرّ النّضيد: ص121. وقد مرّت ترجمته ص43.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى