الصفحة 219
گوم أنظر متن زينب وسلها
تگول سياط زجر أثرت بيّه
* * *
والسّبطُ والصَّحْبُ اولو الوفاءِ باتوا بتلكَ الليلةِ iiاللّيلاءِ
لَهم دوىُّ كدويِّ iiالنّحلِ من ذاكرٍ للَّهِ أو iiمصلِّ
صلاةَ عبدٍ خاشعٍ iiمودّعِ يدعوهُ بالخضوعِ iiوالتضرّعِ
أحيَوا جميعَ الليل iiبالعبادة فأدركوا سعادةَ iiالشّهادة
(1)
قال السيد ابن طاووس(ره) في (الملهوف): ثمّ جاء الليل - ليلة العاشر فجمع الحسين(ع)
أصحابَهُ، فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: أمّا بعدُ فإني لا أعلمُ أصحاباً خيراً
منكم، ولا أهلَ بيتٍ أفضلَ وأبرَّ من أهل بيتي، فجزاكم اللَّه عنّي جميعاً خيراً،
وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلُّ رجلٍ منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي
وتفرّقوا في سوادِ هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم فإنّهم لا يريدونَ غيري.
فقال له أخوتُهُ وأبناؤه وأبناء عبداللَّه بن جعفر: ولِمَ نفعل ذلك لنبقى بعدك لا
أرانا اللَّه ذلك أبداً، وبدأهم بهذا القول العبّاس بن علي(ع) ثمّ تابعوه، ثمّ قام
مسلمُ بن عوسجة وقال: نحن نخلّيك هكذا وننصرف عنك وقد أحاط بك هذا العدوّ، لا
واللَّهِ لا يراني اللَّهُ أبداً وأنا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم
بسيفي ما ثبت قائمُهُ بيدي، ولو لم يكن لي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ولم
أفارقك أو أموت دونك.
قال الرّاوي: وقام سعيد بن عبداللَّه الحنفي فقال: لا واللَّهِ ياابن رسول اللَّه
ــــــــــــــــــــ
(1) من المقبولة الحسينيّة لآية اللَّه الشيخ هادي كاشف الغطاء(ره): ص74.
الصفحة 220
لا نخلّيك أبداً حتى يعلم اللَّهُ أنّا قد حفظنا فيك وصيّةَ رسولهِ محمّد(ص)، لو
علمتُ أنّي أقتلُ فيك ثمّ أحيى ثمّ أحرق حيّاً ثمّ أذرّى يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما
فارقتك حتى ألقى حِمامي من دونك، فكيف وإنما هي قتلة واحدة ثمّ أنال الكرامة التي
لا انقضاءَ لها أبداً.
ثمّ قام زهير بن القين وقال: واللَّهِ ياابن رسول اللَّه(ص) لوَدِدْتُ أني قتلتُ ثمّ
نشرت ألف مرّة وأنّ اللَّهَ يدفعُ بذلك القتل عنك وعن هؤلاء الفتيةِ من أخوتك وولدك
وأهل بيتك.
قال الراوي: وتكلّم جماعة من أصحابِهِ بمثل ذلك وقالوا: أنفُسُنا لك الفداء نقيك
بأيدينا ووجوهِنا، فإذا نحنُ قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربّنا وقضينا ما علينا.
وقيل لمحمّد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد أُسِرَ إبنُكَ بثَغر الرّي
(1) فقال: عند
اللَّه أحتسبُهُ ونفسي، وما كنتُ أُحِبُّ أن يؤسر وأن أبقى بعدَه فسمع الحسين(ع) قوله
فقال: رحمكَ اللَّه أنت في حلٍّ من بيعتي، فاعمل في فكاكِ إبنك، فقال: أكلتني
السّباعُ حيّاً إن فارقتُك فقال(ع): فأعطِ إبنك هذه البُرود (2) يستعينُ بها في
فكاكِ أخيه، فأعطاه خمسةَ أثوابٍ قيمتها ألف دينار (3).
ــــــــــــــــــــ
(1) الثَّغْر: جمعُهُ ثُغور وهو المكان الذي يخاف منه هجوم العدوّ، وهو مأخوذ من
ثغر الجدار.
والرّي: مدينة معروفة آنذاك تقع الآن جنوب طهران العاصمة.
(2) البُرْد: ثوبٌ مخطط، وقد يقال لغيرالمخطّط أيضاً، وجمعُهُ بُروْد. مجمع
البحرين: ج3ص13.
(3) الملهوف: ص153 - 154.
الصفحة 221
أقول: انظر بعين البصيرة إلى تفاني أنصار أبي عبداللَّه الحسين: في نصرته والذّب
عنه بحيث قدّموا نصرته على حياتهم، وعيالهم، وأولادهم وهم يعلمون يقيناً أنهم لن
يقابلوا جيشاً تعدادهُ ثلاثون ألفاً من فرسان المصر وأبطال العرب ممّن مارسوا الحرب
وعرفوها، ولكنّها المعرفة، والمحبّة، ونداء الواجب، وأداء الوظيفة والتكليف، ومن
هنا صار شهداء الطّف سادات الشهداء، لا يفوقهم سابق، ولا يَلحقهم لاحق قال الشاعر:
نصروا ابنَ بنت نبيّهم طوبى لهم نـالوا بـنصرته مـراتبَ iiسامية
قـد جـاوروه هـهنا iiبـقبورهم وقصورُهم يوم الجزا متحاذية (1)
قال السيد ابن طاووس(ره): قال الرّاوي: وبات الحسين(ع) وأصحابُهُ تلك الليلة ولهم دويٌّ
كدويِّ النّحل، ما بين راكعٍ وساجد وقائمٍ وقاعد.
يصفهم المرحوم السيد حيدر الحليّ في احدى روائعه الخالدة:
سِمَةُ العبيدِ من الخشوعِ عليهمُ
للَّهِ إنْ ضمّتهُمُ الأسحارُ (2)
وروى أبو حمزة الث’ُّمالي عن الإمام زين العابدين(ع) قال: قال عليّ ابن الحسين(ع) كنت
مع أبي في الليلةِ التي قُتل في صبيحتها فقال لأصحابه: هذا الليل قد غشيكُمْ
فاتّخذوه جُنة، فإنّ القومَ انّما يريدونني ولو
ــــــــــــــــــــ
(1) من قصيدة للمرحوم الشيخ محمّد علي الأعسم(ره).
(2) الدُّر النَّضيد: ص158.
الصفحة 222
قتلوني لم يلتفتوا إليكم وأنتم في
حلٍّ وسعة فقالوا: واللَّهِ لا يكون هذا أبداً فقال: انكم تقتلون غداً كلّكم ولا
يفلت منكم رجل قالوا: الحمدُ للَّهِ الذي شرّفنا بالقتل معك، ثمّ دع(ع) فقال لهم:
ارفعوا رؤوسكم وانظروا فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنّة وهو يقول لهم:
هذا منزلك يافلان، فكان الرّجل منهم بعد ذلك يستقبل الرّماح والسيوف بصدره ووجهِهِ
ليصل إلى منزله من الجنّة (1).
وقال الشيخ المفيد(ره): قال الإمام عليّ بن الحسين(ع): إني لجالسٌ في تلك العشيّة التي
قتل أبي في صبيحتها وعندي عمّتي زينب تمرّضني إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جون
مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول:
يادهرُ أفٍّ لك من iiخليلِ كم لك بالإشراقِ والأصيلِ
من صاحبٍ وطالبٍ iiقتيلِ والدَّهرُ لا يقنَع iiبالقليلِ
وانّما الأمرُ إلى iiالجليل وكلُّ حيٍّ سالكٌ iiسبيلِ
فأعادها مرّتين أو ثلاثاً حتى فهمتُها وعرفتُ ما أراد، فخنقّتني العبرة فرددتها
ولزمتُ السكوت وعلمتُ أنّ البلاء قد نزل.
وأمّا عمّتي زينب فإنّها سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأنِ النّساء الرّقّة فلم تملك
نفسها أن وثبت تجرُّ ثوبَها حتى انتهت إليه فقالت: واثُكلاه ليت الموتَ أعدمني
الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن،
ــــــــــــــــــــ
(1) نفس المهموم للمرحوم الشيخ عبّاس القمّي(ره): ص231.
الصفحة 223
ياخليفةَ الماضي. وثِمالَ (1) الباقي، فنظر إليها الحسين(ع) وقال لها: ياأخيّة لا
يذهبنّ بحلمك
الشيطان، وترقرقت عيناه بالدّموع وقال: لو تُرك القَطا ليلاً لنام ثمّ لطمت وجهها
وأهوت إلى جيبها فشقّته وخرّت مغشيةً عليها فقام إليها الإمام الحسين(ع) فصبّ على
وجهها الماء وقال لها: ياأختاه تعزّي بعزاء اللَّه واعلمي أنّ أهلَ الأرض يموتون
وأنّ أهلَ السّماء لا يبقون وأنّ كلّ شيءٍ هالِكٌ إلاّ وجهُ اللَّه الذي خلق الخلق
بقدرتِهِ ثمّ قال لها: ياأخيّة إني أقسمتُ عليك فأبرّي قسمي لا تشقّي عليّ جيباً
ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تَدعي بالويل والثبور إذا أنا هلكت - قضيت نحبي -، ثمّ
رجع(ع) إلى مكانه، فقام الليل كلّه يصلّي ويستغفر ويدعو ويتضرّع، وقام أصحابُه كذلك
يصلّون ويدعون ويستغفرون، فباتوا ولهم دويٌّ كدويِّ النّحل ما بين راكع وساجد وقائم
وقاعد، وكذا كانت سجيّةُ الإمام الحسين(ع) في كثرة صلاته وكمال صفاته وكان صلوات
اللَّه عليه كما وصفه إبنُه إمامُنا المهدي صلوات اللَّه عليه: للقرآن سنداً،
وللأمّةِ عضداً، وفي الطّاعة مجتهداً حافظاً للعهد والميثاق ناكباً عن سبلِ الفسّاق
باذلاً للمجهود طويل الرّكوع والسجود زاهداً في الدّنيا زهدَ الرّاحل عنها ناظراً
إليها بعين المستوحشين منها.
ــــــــــــــــــــ
(1) الثِّمال ككتاب: الغياث والذي يقوم بأمر قومه، يُقال فلانٌ ثِمالُ قومه أي غياث
لهم، وفي حديث أبي طالب(ع) يمدح ابن أخيه رسول اللَّه(ص):
وأبيضَ يُستسقى الغَمامُ بوجهِهِ
ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للأرامِلِ.
مجمع البحرين: ج 5 ص332.
الصفحة 224
وروي أنّه لمّا كان وقت السّحر خَفِقَ الحسين(ع) برأسه خفقةً ثمّ استيقظ فقال:
أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ فقالوا: وما الذي رأيت ياابن رسول اللَّه(ص)؟ فقال:
رأيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليّ لتنهشني وفيها كلبٌ أبقع رأيته أشدّها علي أظنُّ أنّ
الذي يتولّى قتلي رجلٌ أبرص من بين هؤلاء القوم (1).
أقول: وكان ذلك اللعين هو شمر بن ذي الجوشن بعد أن سقط الإمام(ع) على الأرض جريحاً،
يقول إمامنا المهدي عجّل اللَّه تعالى فرجه الشريف في الزيارة المرويّة عنه
المعروفة ب (زيارة الناحية المقدّسة): فهويت إلى الأرض جريحاً تطؤُكَ الخيولُ
بحوافرها وتعلوكَ الطغاةُ ببواترها قد رشحَ للموتِ جبينُكَ واختلفت بالإنقباضِ
والإنبساطِ شمالُك ويمينك تُديرُ طرفاً خفيّاً إلى رَحلِكَ وبيتك وقد شُغلتَ
بنفسِكَ عن ولدكَ وأهاليك وأسرع فرسُكَ شارداً إلى خيامِكَ قاصداَ محمحماً باكياً
فلمّا رأينَ النّساءُ جوادَكَ مخزيّاً وسرجكَ عليه ملويّاً برزنَ من الخدور ناشراتِ
الشعور على الخدودِ لاطمات وبالعويلِ داعيات وبعد العزّ مذلّلات
(2).
يقول المرحوم الكعبي في ذلك:
وأقبلْنَ ربّاتُ الحجالِ iiوللأسى تفاصيلُ لا يُحصي لهنَّ iiمفصِّلُ
فواحدةٌ تحنو عليه iiتضمُّهُ وأخرى عليه بالرّداءِ iiتظلّلُ
وأخرى بفيضِ النّحرِ تصبَغُ وجهها وأخرى لما قد نالها ليس iiتعقلُ
ــــــــــــــــــــ
(1) نفس المهموم: ص233 - 234.
(2) الصحيفة المهديّة للمرحوم الشيخ إبراهيم بن المحسن الكاشاني1: ص 213 - 214.
الصفحة 225
وأخرى على خوفٍ تلوذُ iiبجنبِهِ وأخرى تفدّيه وأخرى iiتقبّلُ
تكفّ الدّما عنهُ وتهملُ iiمثلها دموعاً فلم تبرح تكفّ iiوتُهملُ
وجاءت لشمرٍ زينبُ ابنةُ iiفاطمٍ تعنّفُهُ عن أمرِهِ iiوتعذّلُ
تقولُ له مهلاً فهذا ابنُ iiأحمدٍ وشبلُ عليِّ المرتضى المتفضِّلُ
إلى أن يقول عزّ على المؤمنين والمؤمنات:
ومرّ يحزّ النّحرَ غيرَ iiمراقِبٍ من اللَّهِ لا يخشى ولا iiيتوجّلُ
وزُلزلتِ الأرضونَ وارتجّت السما وكادت له أفلاكها iiتتعطّلُ
واحسيناه واسيّداه واشهيداه..
ولسان حال اُخته العقيلة:
يخويه بيش أضمّك وين أودّيك يخوية اشلون أصد عنّك iiوخليّك
تراني تحيّرت يامهجتي iiبيك يخوية بيش أظلّلك امن iiالحر
هوت يمّه تشم كسر البضلعه أخويه الماطبع يشبه iiالطبعه
غابت روحه وفزّت iiتودعه اولن راسه ابراس الرّمح مزهر
* * *
لمّن شافته صفگت iiبديها اوشگت ثوبها ويلي iiعليها
ما تنلام من شافت iiوليها فوگ الرّمح راسه يلوح بالبر
(1) * * *
ــــــــــــــــــــ
(1) من النّصاريات الخالدة للمرحوم الشيخ محمّد نصار(ره).
الصفحة 226
طأطِئوا الروسَ إنّ رأسَ iiحسينٍ رفعتهُ فوق القَنا iiالخَطّار
لا تذوقوا المعينَ واقضوا ضمايا بعد ظامٍ قضى بحدِّ iالغِرار
(1)
لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين
ــــــــــــــــــــ
(1) من قصيدة للمرحوم الشيخ عبدالحسين شكر العراقي(ره) والغِرار: هو حدُّ السّيف.
الصفحة 227
يوم العاشرالمجلس الثاني والعشرون
مقتل الإمامِ الحسين عليه السلام
مـن ذا يقدّمُ لي الجوادَ ولامتيii iiوالـصَّحْبُ صرعى والنصيرُ قليلُ
فـأتتهُ زينبُ بالجوادِ تقودُهُii iiوالـدّمـعُ من ذكرِ الفراقِ يسيلُ
وتـقـولُ قد قطّعتَ قلبي يا أخيii حُـزنـاً فياليتَ الجبالَ تزولُ
فـلمن تنادي والحماةُ على الثرىii iiصـرعـى ومنهم لا يُبلُّ غليلُ
مـا فـي الخيامِ وقد تفانى أهلُهاii iiإلاّ
نـسـاءٌ ولَّهٌ وعليلُ
أرأيـتَ أخـتاً قدّمت لشقيقهاii iiفـرسَ الـمنونِ ولا حمىً وكفيلُ
فـتـبادرت منه الدّموعُ وقال ياii iiأخـتـاهُ صبراً فالمصابُ جليلُ
فـبـكت وقالت يابن أمّي ليس لي iiوعـليكَ ما الصّبرُ الجميلُ جميلُ
يـا نـورَ عيني يا حُشاشةَ مهجتي iiمـن للنساءِ الضّائعاتِ دليلُ
ورنـت إلـى نحوِ الخيامِ بعولةٍii iiعـظمى تصبُّ الدّمعَ وهي
تقولُ
قـومـوا إلى التوديعِ إنّ أخي دعاii iiبـجوادِهِ إنّ الفراقَ طويلُ
فـخـرجنَ ربّاتُ الخدورِ عواثراًii iiوغـدا لها حولَ الحسينِ عويلُ
الـلَّـه ما حالُ العليلِ وقد رأىii iiتـلـكَ المدامعَ للوداعِ تسيلُ
فـيـقومُ طوراً ثمّ يبكو تارةًii iiوعـراهُ مـن ذكرِ الوداعِ نحولُ
فـغـدا ينادي والدّموعُ بوادرٌii iiهـل لـلوصولِ إلى الحسينِ سبيلُ
هـذا أبيُّ الضّيم ينعى نفسَهii يا ليتني دونَ الأبيِّ قتيلُ (1) |
* * *
ــــــــــــــــــــ
(1) قصيدة عصماء من نظم المرحوم الشيخ محمّد نصّار(ره) أدب الطف ج7 ص232، وقد تقدّمت
ترجمتُهُ ص34.
الصفحة 228
قال الامام الحسين(ع) يوم العاشر من المحرّم في ضمن خطبةٍ له:
(ألا وإنّ الدّعيَّ بنَ الدّعي قد ركز بين اثنتين بين السلّةِ والذلّة وهيهاتَ منّا
الذلّة يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُهُ والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهُرت، وأنوفٌ حميَّة،
ونفوسٌ أبيّة، من أن نؤثر طاعةَ اللئام على مصارعِ الكرام، ألا وإنّي زاحفٌ بهذه
الأسرة على قلّةِ العدد وخذلانِ النّاصِر)
(1).
قال الشيخ المفيد(ره) في (مسار الشّيعة):
في اليوم العاشر من المحرّم قُتِلَ سيّدُنا أبو عبداللَّه الحسين بن علي(ع) سنة 61
إحدى وستين من الهجرة، وهو يومٌ تتجدّد فيه أحزانُ محمّدٍ وآلمحمّد(ص) وشيعتهم،
وجاءت الرّوايةُ عن (الأئمّة) الصّادقين: باجتناب الملاذ فيه، وإقامةِ سنن المصائب،
والإمساك عن الطّعام والشّراب إلى أن تزول الشّمس، والتغذّي بعد ذلك بما يتغذّى
أصحابُ المصائب من الألبان وأشباهها دون اللذيذ من الطّعام والشّراب، ويستحبّ فيه
زيارة المشاهد، والإكثار من الصلاة على محمّدٍ وآله(ص)، والابتهالِ إلى اللهِ تعالى
باللعنةِ على أعدائهم وظالميهم.
ورُويَ من زار قبرَ الحسين(ع) يوم عاشوراء فكأنّما زار اللَّهَ في عرشه، ورويَ من
زاره وبات عنده ليلة عاشوراء حتى يُصبح حشره للَّه تعالى ملطّخاً بدم الحسين(ع) في
جملة الشهداء معه، ورويَ أنّه من أراد أن يقضي حقّ رسولِ اللَّه(ص) وحق أمير المؤمنين
وفاطمة والحسن
ــــــــــــــــــــ
(1) إبصارُ العين للمرحوم الشيخ محمّد السَّماوي ص11.
الصفحة 229
والحسين: فليزر قبر الحسين(ع) في يوم عاشوراء (1).
فاللازم على الموالي المتأسّي بالنبيِّ الأعظم(ص) الباكي على ولدِهِ بمجرّد تذكر
مصابه أن يقيم المأتم على سيّد الشهداء ويأمر مَن في دارِهِ بالبكاء عليه وليعزّ
بعضهم بعضاً بالحسين(ع) فيقول كما في حديث الإمام الباقر(ع): (عظّمَ اللَّهُ أجورَنا
بمصابِنا بالحسين وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثأرِهِ مع ولدِهِ المهديّ من آلِ
محمّد(ص)) (2).
وفي الحديث أنه دخل عبداللَّه بن سنان على أبي عبداللَّه الصادق: في يوم عاشوراء
فرآه كاسف اللون، ظاهر الحزن، ودموعه تنحدر على خدّيه كاللؤلؤ فقال له: مِمَّ
بكاؤكَ يابن رسول اللَّه قال(ع): (أوَ في غفلةٍ أنت، أما علمت أنّ الحسين أُصيب في
هذا اليوم ثمّ أمرَهُ أن يكون كهيئة أرباب المصائب يحلّل أزرارَهُ، ويكشف عن ذراعيه
ويكون حاسراً، ولا يصوم يوماً كاملاً وليكن الإفطار بعد العصر بساعة على شربةٍ من
ماء ففي ذلك الوقت تجلّت الهيجاء عن آلِ محمّد(ص)) ثمّ قال(ع): (لو كان رسول اللَّه
حيّاً لكان هو المعزّى به).
وأما الإمام الكاظم(ع) فلم يُر ضاحكاً أيام العشرة وكانت الكآبةُ غالبةً عليه ويوم
العاشر يوم حزنه ومصيبته.
ويقول الإمام الرّض(ع): (فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، إنّ يوم الحسين أقرح
جفوننا وأذلّ عزيزَنا بأرض كربٍ وبلاء).
ــــــــــــــــــــ
(1) مسار الشيعة: ص24 - 25.
(2) كامل الزيارات: ص326 طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.
الصفحة 230
وفي زيارة الناحية يقول حجّةُ آلِ محمّد عجّل اللَّه تعالى فرجَه الشريف مخاطباً
جدّه الحسين: (فلأندبنكَ صباحاً ومساءاً ولأبكينّ عليك بدلَ الدّموعِ دماً)
(1).
وقال الشيخ القمّي رحمه اللَّه تعالى في (مفاتيح الجنان): (وينبغي للشيعة أن يمسكوا
فيه عن السّعي في حوائج دنياهم وأن لا يدخروا فيه شيئاً لمنازلهم وأن يتفرّغوا فيه
للبكاء والنّياح وذكر المصائب وأن يقيموا مأتم الحسين(ع) كما يقيمونه لأعزّ أولادهم
وأقاربهم) (2).
وها نحن نذكر هنا مصائب الإمام الحسين(ع) وما جرى عليه بعد أن قُتل أصحابُه وأهل
بيته وبقي وحيداً لا ناصر له ولا معين قال الراوي: ثمّ أنّ الحسين(ع) لمّا نظرَ إلى مصارع
أنصارِه وأهلِ بيته والتفت يميناً فلم يرَ أحداً، والتفت شمالاً فلم يرَ أحداً،
استعبر واستغاث استغاثته الثانية ونادى: (هل من ذابٍ يذبّ عن حُرَمِ
(3) رسول اللَّه؟ هل من موحّدٍ يخاف اللَّه فينا؟ هل من مغيثٍ يرجو اللَّهَ في
إغاثتنا؟) فلم يجبه سوى الإمام زين العابدين(ع) فمنعتهُ أمّ كلثوم لما بِهِ من المرض
فقال: دعيني ياعمتاه أقاتلُ بين يدي ابن رسول اللَّه فصاح الإمام الحسين(ع): (خذيه
ياأختاه لئلّا تبقى الأرض خاليةً من نسل آل محمّد(ص)
ثمّ عزم على لقاءِ القوم بنفسِهِ فجاء إلى الخيام للتوديع ثاني مرّة فنادى:
ــــــــــــــــــــ
(1) مقتل المقرّم: ص273 - 274.
(2) مفاتيح الجنان للمرحوم الشيخ عباس القمّي: ص288.
(3) حُرَم
رسول اللَّه: ما لا يجوز انتهاكُهُ.
الصفحة 231
(يا زينب، ياأم كلثوم، ياسكينة، يا فاطمة عليكنّ مني السلام) ثمّ جعل يوصيهنّ بالصّبر
والسكينة والتسليم لقضاءِ اللَّه.
وقال لهنّ: (استعدّوا للبلاء، واعلموا أنّ اللَّهَ حافظُكُم وحاميكم، وسينجّيكم من
شرّ الأعداء، ويعذّب أعداءكم بأنواع العذاب، ويعوّضكم عن هذه البليّة بأنواع
النّعَم والكرامة، فلا تشكّوا، ولا تقولوا بألسنتكم ما يُنقصُ من قدركم ويحبط
أجركم).
قال أرباب المقاتل: انه حين بقي وحيداً وتقدّم للحرب صار يتقدّم إليه من جندِ ابن
سعد من صناديد الأبطال وفرسان الرّجال واحدٌ بعد واحد فيقتله(ع)، فصاح عمر بن سعد
بأصحابه: الويلُ لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال
العرب، فاحملوا عليه بأجمعكم حملة رجلٍ واحد.
فحملوا عليه من كلّ جانب حتى جعلوه في مثل الدائرة وهو(ع) يغوص في الأوساط ويقلب
الميمنة على الميسرة حتى قتل عامّتهم، وأقام قيامتهم، ولم يزل يقتلُ في كلّ حملةٍ
جملة، وفي كلّ كرّةٍ كثرة، وفي كلّ زحوفٍ اُلوف.
قال حميد بن مسلم: فواللَّهِ ما رأيتُ مكثوراً قطّ قد قُتِلُ ولدُهُ وأصحابُهُ
أربطَ جأشاً ولا أمضى جَناناً ولا أشدّ إقداماً منه قط، وإن كانت الرجال لتشدّ عليه
فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذّئب ولقد كان يحملُ
فيهم وقد تكاملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون من بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر.
وكان(ع) يقاتلُ في كلّ برهة فارساً على فرسه (المرتجز) واُخرى
الصفحة 232
على غيره، ولكنّ الظاهر
أن الحجرَ المشؤوم والسّهمَ المسموم ذي الثلاث شعب وطعنة صالح بن وهب أوجبت في
وجوده المقدّس ما لا يستطيع القلمُ أن يسطّره ولا اللسان أن يذكره، ولكن لمّا خلا
سرجُ ذي الجناح من هيكل الوحي والتنزيل، أو فقل هوى على الأرض عرش الملك الجليل
جعل(ع) يقاتل وهو راجل قتالاً أقعد الفوارس وأرعد الفرائص وأذهل عقولَ فرسان العرب،
قال ابن الأثير (1):
قاتل (ع) راجلاً قتال الفارس الشجاع يتّقي الرمية، ويتفرّس العودة ويشدّ على الخيل
وهو يقول: (ويحكم أعلى قتلي تجتمعون؟!) ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول: (لا حول ولا
قوّة إلاّ باللَّه العليّ العظيم).
قال العلّامة المجلسي رحمه اللَّه في البحار:
ثمّ حمل عليهم كالليث المغضب فجعل لا يلحقُ أحداً إلاّ بعجه بسيفه فقتله، والسهامُ
تأخذُهُ من كلّ ناحية وهو يتّقيها بنحره وصدرِه ويقول: (ياأُمّة السوء بئسما خلفتهم
نبيّكم محمّداً في عترته).
ولم يزل(ع) على هذا وأمثاله حتى اقتطعوه وحالوا بينه وبين رَحْلِه فصاح: (ويحكم
ياشيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لاتخافون المعاد، فكونوا أحراراً في
دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم وأنسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون) فناداه شمر: ما
تقول يابن فاطمة؟
قال: (أقول أنا الذي اُقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم
عن التعرّض لحُرَمي ما دمتُ حيّ).
ــــــــــــــــــــ
(1) الكامل في التأريخ ج4 ص78، طبعة دار صادر بيروت.
الصفحة 233
فقال الشمر: لك ذلك يابن فاطمة ثمّ قال: اقصدوه بنفسه فلعمري لهو كفؤٌ كريم، ثمّ
جعل يحملُ ويحملون عليه وهو في ذلك يطلب شربة من الماء ويتلظّى كبدُه من الظمأ،
ويلوك لسانه من شدّة العطش وقد صار كالخشبة اليابسة.
ثمّ لمّا اشتدّ به الاعياء والعناء، وضعف عن القتال وقف ليستريح هنيئة ولكنّ طعنة
سنان ابن أنس وضربة سيف بن زرعة لم يتمكن الإمام معهما حتى من الوقوف على الأرض
وكان قد أعيا فقعد.
وبينا هو (ع) جالس على الرّمضاء خرج من الخيام غلامٌ كأنّ وجهَهُ فلقةُ قمر، وفي
أذنيه قرطان يتذبذبان، فجعل يعدو ويركض حتى جاء إلى عمّه الحسين(ع)، وكأنه لمّا رأى
عمّه (على) تلك الحال والدماءُ تسيلُ من جميع جوانبِه وجوارِحِه أُدهِشَ وذهل،
وبينا هو واقف ينظر إلى عمّه مبهوتاً أهوى بحرُ بن كعب إلى الحسين(ع) بسيفه ليضربه،
فقال له الغلام، أتضرب عمّي؟ يابن الخبيثة، فعدل بضربته إلى الغلام فأصابت يده
فأطنّها من المرفق وإذا هي معلّقة، فصاح الغلام، واعمّاه فأخذه عمُّه وضمّه إليه
وأجلسه في حجره، فرماه حرملةُ بن كاهل فذبحه وهو في حجر عمّه فاحتسبه عند اللَّه
وقال: (هوّنَ عليّ ما نزل بي أنّه بعين اللَّه)، ثمّ انتهى به الحال(ع) أنه من كثرة
نزف الدماء، ومن شدّة العطش، ومن حرارة الشمس ولفح الهجير، وترادف المصائب والرزايا
لم يتمكّن حتى البقاء جالساً على الأرض فصنع له وسادةً من الرّمل ونام عليها قال بن
شهرآشوب:
لمّا صرع الحسين(ع) جعل فرسُهُ يحامي عنه، فيثب على الفارس |