المجالس الحسنة

 
 

الصفحة 234

 فيخبطه على سرجه ويدوسه برجله، حتى قتل جماعة، ثمّ تمرّغ في دم الحسين(ع) ثمّ قصد الخيمة وله صهيلٌ عال، وهو يضرب بيديه الأرض ويقول في صهيله:

الظليمةُ الظليمة من أمّةٍ قتلت ابن بنت نبيّها!!

قال: فخرجت زينب بنت علي(ع) من الفسطاط تنادي:

واأخاه، واسيّداه، ليت السماءَ اُطبقت على الأرض وليت الجبال تدكدكت على السّهل، يابن سعد أيقتلُ أبو عبداللَّه وأنت تنظر إليه؟!

فصرف وجهَهُ الخبيث عنها ودموعُهُ تسيلُ على لحيته المشؤومة، والحسين في كلّ ذلك مغمىً عليه، تحاماه الناس (1).

ثمّ نادى عمر بن سعد: أما فيكم من يذبحُ الحسين ويأتيني برأسه؟ فبدر إليه الشمر فرفسه برجله وجلس على صدره، وقبض على شيبته المقدّسة، وضربه بالسيف اثنتي عشرة ضربة واحتزّ رأسه المقدّس:

                   واإماماه، واسيّداه، واحسيناه، وامظلوماه

ومـرَّ يـحزُّ النّحرَ غيرَ مراقبٍii      iiمـن الـلَّهِ لا يخشى ولا يتوجّلُ
وزُلزلت الأرضونَ وارتجّت السّما      وكـادت لـه أفلاكُها تتعطّلُ 
 (2)

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

ــــــــــــــــــــ

(1) إلى هنا نقلته عن (مقتل الحسين(ع)) للمرحوم آية اللَّه الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء1، تحقيق الخطيب فضيلة الشيخ هادي الهلالي.
(2) من قصيدة عصماء للمرحوم الشيخ هاشم الكعبي.

الصفحة 235

يوم الثالث عشر                                                                                                 المجلس الثالث والعشرون

دفنُ الأجساد الطّاهرة

لـم  أنـسَـهُ اذ قام فيهم خاطباًii      iiفـاذا هُـمُ لا يـمـلكون خطابا
يـدعو  ألستُ أنا ابنَ بنتِ نبيّكم      iiومـلاذَكـم  إذْ صرفُ دهرٍ نابا
هـل جئتُ في دينِ النبيِّ ببدعةٍii      iiأم  كـنـتُ فـي أحكامِهِ مرتابا
أم  لـم يـوصِّ بنا النبيُّ وأودعُ      iiالـثّـقـلـين فيكم عترةً وكتابا
إن لـم تَـدينوا بالمعادِ فراجعواii      iiأحـسـابَـكـم  ان كنتُمُ أعرابا
فـغدوا حيارى لا يرونَ لوعظهii      iiإلاّ الأسـنّـةَ والـسّـهام جوابا
حـتـى إذا أَسِـفَتْ علوجُ أميّةٍii      iiأن لا تـرى قـلبَ النبيِّ مصابا
صلّت على جسمِ الحسين سيوفُهم      iiفـغـدى  لساجدةِ الظُّبى محرابا
ومـضى  لهيفاً لم يجد غيرَ القناii      ظِـلاً ولا غـيـرَ النجيعِ شرابا
ظـمـآنَ  ذابَ فـؤادُهُ من غُلّةٍii      لـو مَـسّت الصخرَ الأصمَّ لذابا
لهفي  لجسمكَ في الصعيد مجرّداً      iiعُـريـانَ  تـكسوهُ الدّماءُ ثيابا
تـربَ  الجبين وعينُ كلِّ موحّدٍii      ودّت  لـجـسمك لو تكون تُرابا
لـهفي لرأسِكَ فوق مسلوبِ القناii      iiيـكـسـوهُ  مـن أنوارِهِ جلبابا
يـتلو  الكتابَ على السّنانِ وإنماii      iiرفـعوا بِهِ فوقَ السنانِ كتابا
(1)

ــــــــــــــــــــ

(1) القصيدة العصماء هذه للمرحوم السيد رضا الموسوي الهندي رحمه اللَّه تعالى.
قال المرحوم السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء التاسع ص242:
السيد رضا الهندي شيخ الأدب في العراق، العالم الجليل والمؤرّخ والبحّاثة الشّهير هو ابن

الصفحة 236

نعي

ثـلث  تيام ظل مطروح iiالحسين      على  الرّمضا وهو عزّ iiالمسلمين

وحوله  مطرّحه كل هله iiالطيبين      واصـحابه  الـصناديد iiالميامين

جـثث مـله عشيره ولاله iiمعين      بس زينب بگت تصفگ بالايدين

وتـهيل  دموعه دم على iiالخدّين      وتـصيح  بألم وبلوعات صوتين

صـوتٍ  يـا عـلي iiيالبالغريين      وصـوتٍ  يـاليوث الـهاشميين

ــــــــــــــــــــ

السيد محمد بن السيد هاشم الموسوي الهندي - ينتهي نسبُهُ إلى الإمام العاشر من أئمة أهل البيت: وهو الإمام الهادي(ع) -.
ولد(ره) في الثامن من شهر ذي القعدة سنة 1290هـ في (النجف الأشرف)، وهاجر إلى سامراء بهجرةِ أبيه سنة 1298هـ وذلك حين اجتاح النجف وباءُ الطاعون، ومكث يواصل دروسه في سامراء، وكان موضع عناية آية اللَّه المجدّد الشيرازي لذكائه وسرعة بديهتِهِ وسعة اطلاعه، وفي النجف الأشرف واصل جهوده العلمية على أساطين العلم حتى نال درجة الاجتهاد، وشهد له مراجع الطائفة كالشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، والشيخ الشربياني والملا محمد كاظم الخراساني (صاحب الكفاية)، وقد انتدبه المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني (وكيلاً) عنه للإرشاد.
ومن روائعه التي اشتهرت وحفظها القاصي والدّاني قصيدته (الكوثرية) في مدح أمير المؤمنين(ع).
وأما الرّائعة التي ختم بها حياته وطلب أن تكون معَهُ في قبره فهي هذه القطعة الوعظية (ومطلعُها):
أرى عمري مؤذَناً بالذّهابِ          تمرُّ لياليه مرَّ السَّحابِ
كانت وفاتُهُ بالمشخاب فجأةً وذلك بعد ظهر يوم الأربعاء 22 جمادى الأولى سنة 1362هـ المصادف 26 مارس سنة 1943م وحمل جثمانه على الأعناق إلى قضاء أبي صخير فالنجف في صبيحة اليوم الثاني وكان يوماً مشهوداً حتى دفن بمقبرة الأسرة الخاصّة، وأقام زعيم الحوزة العلمية السيد أبو الحسن الفاتحة على روحه في مسجد الشيخ الأنصاري(ره).

الصفحة 237

تعالوا يا أهلنه ودفنوا الحسين     وشوفوا شعمل بينه خلافه البين

*  *  *

روي ان الامام الحسين(ع) كان كثيراً ما ينشدُ هذه الأبيات:

لـئـن كـانـت الأفعالُ يوماً لأهلهاii      iiكـمـالاً فـحسنُ الخُلْقِ أبهى وأكملُ
وإن  كـانـت الأرزاقُ رزقاً مقدّراًii      فـقـلّةُ  جُهدٍ المرءِ في الكسب أجمَلُ
وإن  كـانـت الـدنـيـا تُعَدُّ نفيسةًii      iiفـدارُ ثـوابِ الـلَّـه أعـلى وأنبلُ
وإن كـانـت الأموالُ للتركِ جمعُهاii      iiفـمـا  بـالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ
وإن  كـانـت الأبدانُ للموتِ اُنشِئتii      فقتلُ امرئٍ بالسيفِ في اللَّهِ أفضلُ
(1)

تعرّض الامام(ع) في هذه الأبيات لذكر مجموعةٍ من المفاهيم التي يحتاجُها الانسان المسلم في حياته اشدّ الإحتياج، وسأبدأُ - بعد الإستعانة باللَّه - بشرحها ولو على نحو الإختصار.

البيت الأول: ذكر فيه الامام الحسين(ع) أفعال الإنسان وأنّ أكملها وأبهاها هو حسن الأخلاق، وقد ذكر القرآنُ الكريم ذلك في معرض مدح رسول اللَّه(ص) حيث قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (2) مع أنّ النبيّ(ص) كان عظيماً في كلّ خصاله لا يدانيه فيها أحد من الخلق، إلاّ أنّه تعالى خصّ فيه هذه الخصلة الشريفة بالذكر، ووصفها ب (خُلُقٍ عظيم) لأنها أكملُ الأفعال وأحسن الخصال، وقد حفلت السنّةُ الشريفة بأحاديث جمّة

ــــــــــــــــــــ

(1) الأنوار البهيّة للمرحوم الشيخ عبّاس القمّي: ص98.
(2) سورة القلم: الآية 4.

الصفحة 238

 تثني وتبشّر صاحب الخلق الحسن بسعادة الدّارين منها على سبيل المثال:

عن النبيّ(ص): (ما يوضع في ميزان امرئٍ يوم القيامة أفضلُ من حسن الخُلُق) (1). وأفضل في هذا الحديث الشريف بمعنى أثوب.

وعن الإمام الصادق(ع) عن جدّه رسول اللَّه(ص) قال: (إنّ صاحبَ الخُلُقِ الحسن له مثلُ أجرِ الصّائم القائم) (2).

يعني أنّ ثواب صاحب الأخلاق الحَسنة، كثوابِ المؤمن الذي يصوم نهارَه، ويقوم ليلَه ما دامَ حيّاً.

وسئل النبيّ(ص): أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: (حسنُ الخلق) (3).

وقال(ص): (أكثر ما تلجُ - اي تدخل - به أمّتي الجنة تقوى اللَّه وحسنُ الخلق، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار) (4).

وفي الكافي عن الامام أبي جعفر محمّد بن علي الباقر(ع) قال: (إنّ أكملَ المؤمنين إيماناً أحسنُهم خلقاً) (5).

وعن الامام أبي عبداللَّه جعفر بن محمّد الصادق(ع) قال: (ما يتقدّم المؤمنُ على اللَّه عزّوجلّ بعملٍ بعد الفرائض أحبُّ إلى اللَّه تعالى من أن يسع الناس بخلقه) (6).

ــــــــــــــــــــ

(1) الأخلاق للمرحوم السيد عبداللَّه شبّر: ص5.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق: ص5 و 6.
(4) المصدر السابق.
(5) المصدر السابق.
(6) المصدر السابق نفسه.

الصفحة 239

البيت الثاني: ذكر فيه الامامُ(ع) رزق اللَّه تعالى لعباده، وأكد أن الرزق مقدّرٌ فلا تصرفوا الوقت كلّه في طلبه، وانما أجملوا فيه. روي عن النبيّ(ص) قال: (اقتصدوا في الطلب فإنّ ما رُزقتموه أشدُّ طلباً لكم منكم له، وما حُرمتموه فلن تنالوه ولو حرصتم) (1).

وقد ورد الحثّ على التكسّب في القرآن الكريم والسنّة الشريفة.

فأما القرآن الكريم فكقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاة فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (2).

وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (3).

وأما السنّة الشريفة فكثيرٌ منها:

عن النبيّ(ص) قال: (من طلب الدنيا حلالاً تعفّفاً عن المسألة، وتوسيعاً على عياله، وتعطّفاً على جاره لقيَ اللَّهَ ووجهُهُ كالقمر ليلة البدر) (4).

وعن الامام الصادق(ع) قال: (الكادُّ على عيالِهِ كالمجاهد في سبيل اللَّه) (5).

وروي أنّ النبيّ عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام رأى رجلاً فقال له: ما تصنع؟ فقال: أتعبّد قال: ومَنْ يعولُكَ؟ قال: أخي قال: أخوك أعبدُ منك (6).

ــــــــــــــــــــ

(1) نور الحقيقة للشيخ عز الدين الحسين بن عبد الصّمد والد الشيخ البهائي: ص158.
(2) الجمعة: الآية 10.
(3) الملك: الآية 15.
(4) المحجّة البيضاء ج3 ص140.
(5) المحجّة البيضاء ج3 ص143.
(6) المحجّة البيضاء ج3 ص141.

الصفحة 240

وعن أبي حمزة الثمالي عن الامام أبي جعفر الباقر(ع) قال: قال رسول اللَّه(ص) في حجّة الوداع: ألا إنّ الروح الآمين نفث في رُوعي أنّه لا تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها فاتّقوا اللَّه عزّوجلّ وأجملوا في الطّلب ولا يحملنّكم استبطاءُ شي‏ءٍ من الرزق أن تطلبوه بشي‏ءٍ من معصيةٍ اللَّه عزّوجلّ فإنّ اللَّه تبارك وتعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالاً ولم يقسّمها حراماً، فمن اتقى اللَّه عزّوجلّ وصبر أتاه اللَّه برزقه من حلِّه، ومن هتك حجابَ السّتر وعجّل فأخذ من غير حلّه قُصّ به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة (1).

أقول: أمر النبيّ(ص) في كلامه الشريف هذا بالإجمالِ في طلب الرزق، ولم يقل اتركوا الرزق، ولا اصرفوا وقتكم وجهدكم كلّه فيه، بل أَمَرَ بالإجمال فيه.

وفي الكافي عن أبي عبداللَّه الصادق(ع) قال: (إنّ محمّد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أنّ عليّ بن الحسين(ع) يَدَعُ خَلَفاً أفضَلَ منه حتى رأيت ابنَهُ محمّد بن علي(ع) فأردتُ أن أعظه فوعظني فقال له أصحابُهُ: بأيّ شي‏ء وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيني أبوجعفر محمّد بن علي - الباقر - (ع) وهو متكئ على غلامين أسودين فقلت في نفسي: سبحان اللَّه شيخٌ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا أما لأعظنّه، فدنوت منه فسلّمت عليه فردّ

ــــــــــــــــــــ

(1) المحجة البيضاء ج3 ص142.

الصفحة 241

 عليّ السلام وهو يتصابُ عرقاً فقلت: أرأيت لو جاء أجلُك وانتَ على هذه الحال ما كنت تصنع؟ فقال(ع): لو جاءني الموت وأنا على هذه الحال جاءني وأنا في طاعةٍ من طاعات اللَّه عزّوجلّ، أكفّ بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس، وانّما كنت أخاف أن لو جاءني الموت وأنا على معصيةٍ من معاصي اللَّه فقلت: صدقت يرحمك اللَّه أردت أن أعظك فوعظتني) (1).

يحكى أنّ رجلاً صالحاً متقياً كان يعيش في إحدى المدن المهمّة اسمه (أبوالعلى)، ذهب في يوم من الأيّام لزيارة أحد العلماء فسأله قائلاً: أيّها العالم أخبرني عن أفضل أعمال الدنيا التي تنفعني في الآخرة فقال العالم: أفضل الأعمال تقوى اللَّه تعالى، فسأَلَ الرجل ثانياً فقال: أخبرني عن أحسن الطرق التي من خلالها أستطيع الحصول على لقمة حلال فقال العالم: اللقمة الحلال تأتي بها من خلال عمل اليدين وعرق الجبين، فعندما سمع الرجل ذلك من العالم قال: إذا كان كذلك فسأدرس العلم النافع نهاراً، واشتغل بصنعةٍ ما في بيتي ليلاً، وفعلاً دام على هذا مدّة طويلةً، وفي ليلةٍ من الليالي رأى في عالم الرؤيا نفسه واقفاً على متن جبل، وفي صفحة الجبل ثقوبٌ يخرج منها الماء، وهذه الثقوب فيها الواسع والأوسع، وفيها الضيّق والأضيق حتى رأيت بعضها يقطر قطرات متوالية والآخر يقطر بين كلّ فترةٍ واخرى قطرةً واحدة، فتعجّبت ممّا رايت ولم أفهم المقصود من ذلك، فرأيت جماعةً جالسين فسألتهم عن الماء الزلال وعن الثقوب التي يخرج منها الماء، ولماذا لم تكن متساوية؟ فقال لي أحدهم: هذه أرزاق العباد،

ــــــــــــــــــــ

(1) الكافي ج5 ص73.

الصفحة 242

 منهم من قدّر اللَّه تعالى له رزقاً وافراً، ومنهم من قدّر له رزقاً قليلاً، ومنهم الوسط بين هذا وذاك فقلتُ: ومن أيّ الثقوب قدّر اللَّه تعالى رزقي؟ قال لي: أعطني اسمك واسمَ أبيك ففعلت قال: فأخرج كتاباً نظر فيه ثمّ قام وقال: رزقك من هذا الثقب قال: فنظرت واذا هي قطرات تخرج من ذلك الثقب بين فترةٍ واُخرى، فاضطربت من ذلك وقمت من نومي وانا في حالة الإضطراب وقلت: سبحان اللَّه العظيم لقد قدّر اللَّه تعالى لي بحكمته رزقاً قليلاً فشكراً له على ذلك. وبقي أبو العلى مداوماً على عمله حيث كان يشتغل بتحصيل العلم النافع نهاراً، وفي الليل بصنعةٍ يؤمّنُ منها معاشه، وكان والي البلد يخرج من قصره في بعض الليالي متنكراً بلباس الفقراء ليطلع على أحوال رعيّته وأهل بلده. وفي ليلة من الليالي مرّ الوالي وهو متنكر على بيت (أبو العلى) فسمع صوته وهو في المناجاة، فأطال الوالي الوقوف وأعجبه ما سمع، وفي الليلة الثانية جاء الوالي أيضاً ووقف عند البيت وسمع أبا العلى وهو يناجي ربّه، وهكذا جاء في الليلة الثالثة فطرق عليه الباب فأسرع أبو العلى وفتح الباب وإذا بالوالي يقول: أنا رجلٌ غريب عن هذا البلد، وفقير ليس عندي من حطام الدنيا شي‏ء، فإن كنت تحبّ الضيف فأنا ضيفك هذه الليلة فقال له: ياأخي الضيف حبيب اللَّه وهو هديّة اللَّه لعباده فمرحباً بك تفضّل.

فدخل حتى إذا استقرّ به الجلوس جاء أبو العلى ومعه طبق فيه خبز وابريق من الماء وضعه أمامه وقال: الضيف يأتي ومعه رزقه، فأكل الوالي وتحادثا ساعة ثمّ قام أبو العلى ودلّ ضيفه على فراشه لينام، وفعلاً تمدّد الوالي على الفراش ولكنّهُ لم ينم، وعاد أبو العلى إلى عمله ومناجاته،


الصفحة 243

 لم تمض مدّة طويلة حتى قام الوالي من فراشه وقال: أخبرنى ما هذا الذي تعمل وما سرّ هذه المناجاة؟ فأخبره أبو العلى بحاله وطلبه العلم والمنام الذي رآه، فتعجب الوالي وقال في نفسه: الواجب عليّ أن أُخْرِجَ هذا الرجل الصالح من حال الفقر الذي هو فيه، وعندما أصبح الصباح ودّعه وخرج من بيته، وذهب إلى مقرّ الوالي في القصر، فأمر طبّاخه ان يعدّ طعاماً مهمّاً ويأتي به إليه قبل وقت الإفطار، وفعلاً حُمل الطعام إلى الوالي فعندما رفع الطبق واذا هو بطعامٍ من اطعمة الملوك والأمراء، فأخرج الوالي ما جادت به نفسه من نفيس الجواهر والدرر ودسّه في الطعام وأرجع الغطاء، وأمر أن يحمل إلى بيت الرجل الفقير (أبو العلى)، وفعلاً جاء به الخادم وطرق عليه الباب فلمّا فتح أبو العلى الباب ناولَه الخادم الطعام وانصرف، فدخل أبو العلى مع الطعام إلى داخل المنزل وكشف الغطاء واذا برائحة الطعام اللذيذ الذي لم يأكل مثله قط، فهشّت نفسه ومالت إلى الطعام، فالتفت إلى نفسه وقال: إذا أكلتُ هذا الطعام فسوف لن أجد للخبز الخالي الذي آكله كلّ يوم لذةً ولا طعماً، ولذا قف امام مشتهيات نفسك ولا تعطيها كلّ ما تريد وإلاّ أخذتك يميناً وشمالاً حيث المشتهيات والمكروهات وما لا تحمد عاقبته، فأنزل هذا الطعام منزلة العدم ولا تأكل منه شيئاً ثم قال: سأذهب به إلى فلان التاجر حيث وصل منزله هذه الليلة ولم يأكل شيئاً إلى الآن، وفعلاً قام ومعه ذلك الطعام وذهب إلى بيت التاجر وطرق عليه الباب وسلّم وبارك له سلامة الوصول، وقدّم له الطعام وعاد إلى بيته، فرفع التاجر الطبق واذا بطعام حسن لذيذ مدّ يده فأكل حتى وصل إلى الجواهر والدّرر فأخرجها متعجباً


الصفحة 244

وعرف قيمتها العالية فقال: هذا رزقٌ ساقه اللَّه لي وهو يكفيني إلى آخر عمري، وسوف لا احتاج بعد هذا المال إلى السفر والتجارة، بل سأتفرّغ لعبادة ربي تبارك وتعالى.

وعاد أبو العلى إلى عمله ومناجاته، ومرّ الوالي على بيته في تلك الليلة فرآه على حاله لم يتغيّر منه شي‏ء، فطرق عليه الباب وقال له: وصل اليك طعام حسن أكلت منه؟ قال: لا ولكني حملته إلى رجل تاجر وصل في هذه الليلة من السفر إلى أهله عملاً بهذه الآية الكريمة (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (1) فعملت بهذه الآية وآثرته على نفسي، فكان من نصيبه لا من نصيبي، فتعجّب الوالي ممّا سمع وتيقّن أنّ الأرزاق بيد اللَّه تعالى، قدّرها بحكمته، وقسّمها بعدله، ثمّ قام وودعه وانصرف (2).

وفي الديوان المنسوب:

رضيتُ بما قَسَمَ اللَّهُ لي      وفوّضتُ أمري إلى خالقي

كما أحسنَ اللَّهُ فيما مضى    كذلك يُحسنُ فيما بقي (3)

البيت الثالث: ذكر فيه الامامُ(ع) ثوابَ الآخرة وقال إنّها أعلى من ثواب الدّنيا وأنبل وأبقى.

لا شك أن الدنيا مزرعة الآخرة - كما في الحديث الشريف - فيحمل

ــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحشر: الآية 9.
(2) جامع التمثيل فارسي بتصرّف.
(3) الديوان المنسوب للامام أمير المؤمنين(ع): ص90.

الصفحة 245

 الإنسان منها ما يدّخره للآخرة، كما لا شك أنها العونُ بل نعم العون - كما في الحديث الشريف - للآخرة حيث منها يتزوّد المؤمن الأعمال الصالحة، والعبادات الرابحة، وهي - أي الدنيا - من جهة اُخرى بلاء ومحنة وفتنة، حيث حفّت بالمكاره والشهوات، فلا يعصي الإنسان ربّه إلاّ فيها ففي الحديث الشريف: (من هوان الدنيا على اللَّه أنّه لا يُعصى إلاّ فيها، ولا يُنال ما عنده إلاّ بتركه).

ولكن ما هو المعيار الذي به نميّز الدنيا الممدوحة من المذمومة، يقول المرحوم السيد عبداللَّه شبر في كتابه (الأخلاق):

إنّ من كان مشغولاً بالعلم والعبادة والحج والصدقات وأداء الزكوات وقضاء الحوائج، وزيارة الأخوان، وعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وحضور الجمعة والجماعات والمواظبة على النوافل وسائر الطاعات قد يصدق عليه أنّه طالبُ الدنيا وأنّ أعماله مردودة غير مقبوله وذلك لأنه لم يَقْصُدْ بها وجه اللَّه تعالى، وربّ رجلٍ كثير المال والخدم والحشم، حسن الطعام والمشرب، وجيّد الزي والملبس ذي ديار وسيعة وعمارات عالية ونساء متعدّدة ومراكب حسنة، وهو من أهل الآخرة واعماله مقبولة وسعيه مشكور لأنه قصد بذلك وجه اللَّه تعالى، وأراد رضاه.

اذن صار بيدنا المعيار لمعرفة الدنيا الممدوحة والمذمومة وهو:

الدنيا - المذمومة - عبارة عن كلّ شي‏ءٍ يوجب البعد عن اللَّه وان كان صلاة وصوماً وحجاً وجهاداً وانفاقاً وزهداً وقناعة، والآخرة - الدنيا الممدوحة - كل شي‏ء يوجب القرب من اللَّه تعالى وان كان مالاً ونساءاً وخدماً وحشماً (1).

ــــــــــــــــــــ

(1) الأخلاق للمرحوم السيد عبداللَّه شبر: ص178 - 179 بتصرّف.

الصفحة 246

وفي الرواية عن الامام محمد الباقر(ع) قال: (مَن طلب الرزقَ في الدنيا استعفافاً عن الناس وسعياً على أهله وتعطّفاً على جاره لقى اللَّه عزوجلّ ووجهُهُ مثلُ القمر ليلة البدر).

هذا الحديث الشريف يؤكد الحقيقة التالية: وهي أنّ طلب الدنيا - الرزق - لحفظ ماء الوجه أو التوسعة على العيال، وصلة الرحم والجيران، هو من أعمال الآخرة وصاحبها مأجور مثاب له عند اللَّه تعالى الأجر الجزيل، وفي هذا المعنى جاءت الرواية عن الامام الصادق(ع) حيث قال له رجل: واللَّه إنّا لنطلب الدنيا ونحبّ أن نؤتاها فقال له الامام(ع): (تحبّ ان تصنع بها ماذا؟) قال: أعود بها على نفسي وعيالي، وأصل بها وأتصدّق بها وأحجّ وأعتمر فقال(ع): (ليس هذا طلبُ الدنيا هذا طلب الآخرة) (1).

ولنختم هذا الباب بحديث عن النبيّ(ص) حيث يذكر فيه ثواب الدنيا والآخرة فيقول: (ما الدنيا في الآخرة إلاّ كَمِثْلِ ما يجعل أحدكم اصبعَهُ في اليم - البحر - فلينظر بم يرجع إليه من الأصل) (2).

يعني ان الدنيا هي قطرة والآخرة هي البحر العميق الغير متناهي، فليت شعري أي عاقل يترك هذا الثواب العظيم الدائم، ويأخذ بالحقير الزائل مع ما فيه من المحن والبلوى.

ــــــــــــــــــــ

(1) الأخلاق للمرحوم السيد عبداللَّه شبّر: ص180.
(2) المصدر السابق: ص184.

الصفحة 247

البيت الرّابع:

وإن كانت الأموالُ للتّركِ جمعُها   فما بالُ متروكٍ به المرءُ يبخَلُ

ذكر فيه الامام(ع) الأموال وقال إنها تبقى ويموتُ صاحبُها، فاذا كان الحال كذلك، فلماذا يبخل الإنسان ببذل هذا المال الزائل في وجوه الخير الباقية!!

وما أشار له الامام الحسين(ع) هو عينُ الحق حيث ان المال بيد الإنسان الغني عارية يتصرّف به زماناً ثمّ يرحل عنه ويتركه فيذهب إلى غيره وهكذا قال الشاعر:

إنما الدّنيا iiعواري      والعواري مستَردَّة
شـدّةٌ  بعد iiرخاءٍ     ورخـاءٌ بعد iiشدَّة

وباستطاعة المرء الغني ان يشتري الجنّة الباقية بالأموال الفانية، ويكسب رضا اللَّه القدير بالمال القليل الحقير، يحكى أنّ عبداللَّه بن المبارك كان ولعاً بالحجّ شديد المداومة عليه في كلّ عام قال: ففي بعض السنين لمّا قرب التأهّبُ للحجّ تأهّبتُ انا أيضاً، فقمتُ وشددتُ على وسطي كيساً فيه خمسمائة دينار وخرجتُ إلى سوق الإبل لأشتري جمالاً للحج فلم أرَ ما يصلح للطريق فرجعت إلى منزلي فرأيت امرأة جالسة على المزبلة وقد أخذت دجاجة ميّتة وهي تنتف ريشها من حيث لا يشعر بها أحد، فدنوت منها وقلت: لِمَ تفعلين هكذا يا أمةَ اللَّه؟ فقالت: امضِ لشأنك واتركني فقلت:


الصفحة 248

سألتك باللَّه إلاّ ما أعلمتيني بحالك، قالت: اذ ناشدتني باللَّه اعلم أني امرأة علوية من بنات الامام علي(ع) ولي ثلاث بنات علويات صغار وقد مات زوجي ولنا ثلاث ليال بأيّامهنّ لم نأكل شيئاً وليس عندنا شي‏ء، وقد خرجتُ عنهنّ وهنّ يتضوّرن جوعاً لألتمس لهنّ شيئاً فلم يقع في يدي غير هذه الدجاجة الميّتة فأردت اصلاحها لنأكلها فقد حلّت لنا الميتة، قال: فلمّا سمعتُ ما قالت وقف شعري واقشعرّ جلدي وقلت في نفسي: يابن المبارك وأيُّ حجِّ أعظمُ من هذا؟ فقلت: أيتها العلوية انّ هذه الدجاجة حُرّمت عليكم إفتحي حجرك حتى أعطيك شيئاً من النفقة ثمّ فتحت الكيس وصببتُ الدنانير في حجرها بأجمعها، فقامت مسرورة عجلة ثمّ دعت لي خيراً وانصرفت، فرجعتُ إلى منزلي وقد نزع اللَّه ارادة الحج من قلبي فلزمت منزلي واشتغلت بالعبادة حتى خرجت قوافلُ الحج متوجّهةً إلى مكة فودّعتهم مع الناس، فلمّا عاد الحجّاج خرجت أيضاً لإستقبالهم فصافحتهم، وكنت لا ألقى أحداً فأقول له: جعل اللَّه حجّك مبروراً، وسعيك مشكورا حتى يقول: يابن المبارك الم تكن معنا ألم أشاهدك في الطواف، وآخر يقول الم أشاهدك في منى، وآخر يقول: ألم أشاهدك في عرفات وهكذا فتعجّبت من ذلك غاية التعجّب، فلمّا رجعت إلى منزلي وبتّ تلك الليلة رأيت في منامي رسول اللَّه(ص) وهو يقول لي: يابن المبارك انّك لمّا أعطيت الدنانير لإبنتنا وفرّجت كربها واصلحت شأنها وشأن ايتامها بعث اللَّه ملكاً على صورتك فهو يحجّ في كلّ عام، ويجعل ثواب الحج لك إلى يوم القيامة، فما عليك ان حججتَ بعد أو لم تحج فإنّ ذلك الملك لا يترك الحج عنك إلى يوم القيامة (1).

ــــــــــــــــــــ

(1) كشكول البحراني ج2 ص281.

الصفحة 249

البيت الخامس:

وإن تكن الأبدانُ للموتِ اُنشئت       فقتلُ امرئٍ بالسيف في اللَّهِ أفضل

ذكر فيه(ع) الموت وقال إنّ النهاية الحتمية لكلّ انسان هي الموت، وخروج الإنسان من عالم الدنيا إلى البرزخ، إلاّ انّ القتلَ في سبيل اللَّه تعالى هو أفضل أنواع الموت.

وفي حتمية الموت صرّح القرآن الكريم وذلك كقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِْكْرَامِ) (1) وقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (2) وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (3).

وأمّا الأحاديث الشريفة الواردة عن النبي وآله المعصومين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين فقد كان الكثيرُ منها يتحدث عن الموت وحتميته، فعن‏النبي(ص) قال: (إنّ روح القدس نفثَ في رُوْعي: أحبب ما أحببت فإنّك مفارقُه، وعِش ما شئت فإنك ميّت، واعمل ما شئت فإنّك مجزى به) (4).

ــــــــــــــــــــ

(1) الرحمن: الآية 26 - 27.
(2) العنكبوت: الآية 57.
(3) الجمعة: الآية 8.
(4) أعلام الدين في صفات المؤمنين للديلمي: ص242.

الصفحة 250

ومن خطبة الامام الحسين(ع) قبل خروجه من مكة إلى العراق قال: (خُطّ الموتُ على وُلد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة).

وفي الديوان المنسوب لأمير المؤمنين(ع):

الـمـوتُ لا والـداً يُبقي ولا ولداًii      هـذا الـسّبيلُ إلى أن لا ترى أحداً
كـان الـنـبـيُّ ولـم يَخْلُد لأمّتِهِii      iiلـو خـلّـدَ الـلَّـهُ خلقاً قبلَهُ خَلَدا
لـلـمـوتِ  فينا سهامٌ غيرُ خاطئةٍ      من  فاتهُ اليومَ سهمٌ لم يفُتهُ غدا
 (1)

وكتب رجلُ لأحد الزهّاد هذا البيت وأراد منه الجواب عليه:

الموتُ بابٌ وكلُّ الناسِ يدخلُهُ     يا ليتَ شعري بعد الباب ما الدّارُ

فأجابه بهذين البيتين:

الـدّارُ جـنَّةُ عدنٍ إن عملت iiبما      يُـرضي الإلهَ وأن خالفتَ iiفالنّارُ
هـما  مـحلّانِ ما للنّاسِ غيرُهما      فانظر لنفسِكَ أيَّ الدار تختارُ 
(2)

أقول: إذا كان الموت حتماً في رقاب العباد المخلوقين، فإنّ أشرفه وأفضله القتلُ في سبيل اللَّه تعالى كما قال الامام الحسين(ع) وفعل حيث

ــــــــــــــــــــ

(1) الديوان المنسوب: ص48.
(2) نور الحقيقة: ص283.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى