الصفحة 251
قتل في سبيل اللَّه شهيداً بل وسيداً للشهداء على الإطلاق، إلاّ أنّ الذي يُقرح
القلبَ، ويصدعُ الفؤادَ هو بقاؤُهُ مع أهل بيته وأصحابه ثلاثة أيام على أرض المعركة
من غير دفن. قال السيد المقرّم في المقتل: وفي اليوم الثالث عشر من المحرّم أقبل
زينُ العابدين(ع) لدفن أبيه الشهيد(ع) لأنّ الإمامَ لا يلي أمرَهُ إلاّ امامٌ مثلُه
(1)،
ولمّا اقبل الامام السجّاد(ع) وجد
بني أسد مجتمعين عند القتلى متحيّرين لا يدرون ما يصنعون، ولم يهتدوا إلى معرفتهم
وقد فرّق القومُ بين رؤوسهم وابدانهم، فأخبرهم(ع) عمّا جاء إليه من مواراة هذه الجسوم
الطاهرة واوقفهم على اسمائهم كما عرّفهم بالهاشميين من الأصحاب فارتفع البكاء
والعويل، وسالت الدّموعُ منهم كلّ مسيل ونشرت الأسديّات الشعور ولطمن الخدود، ثمّ
مشى الامام زين العابدين(ع) إلى جسدِ أبيه واعتنقه وبكى بكاءاً عالياً وأتى إلى موضع
القبر ورفع قليلاً من التراب فبان قبرٌ محفور وضريحٌ مشقوق فبسط يديه تحت ظهره
وقال: (بسم اللَّه وباللَّه وفي سبيل اللَّه وعلى ملّة رسول اللَّه صدق اللَّهُ
ورسوله ما شاء لا حول ولا قوّة إلاّ باللَّه العظيم) وانزله وحده ولم يشاركه بنو
أسد فيه وقال لهم: (إنّ معي من يعينني)، ولمّا اقرّه في لحدِهِ وضع خدّه على منحرِه
الشريف قائلاً: (طوبى لأرضٍ تضمّنت جسدك الطاهر، فإنّ الدنيا بعدك مظلمة والآخرة
بنورك مشرقة، أما الليلُ فمسهّد والحزنُ سرمد حتى يختار اللَّه لأهل بيتك دارَك
التي انت بها مقيم وعليك مني السلام يابن رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته)
(2).
ــــــــــــــــــــ
(1) مقتل المقرّم: ص414 عن اثبات الوصيّة للمسعودي.
(2) المصدر نفسه: ص416.
الصفحة 252
سمعتُ بعض الرّاثين يقول: عندما انزل الامام زين العابدين(ع) جسدَ أبيه في القبر خرج
قبل ان يهيل عليه التراب منحني الظهر باكياً حزيناً حتى جلس على الأرض ورفع منها
شيئاً قال بعض بني اسد: حققنا النظر واذا به رفع اصبع الحسين المقطوع ليرجعه إلى
جسده الشريف:
يـحفّار گبـره زين iiوسعه ولـمّن تـنزله iiلتضعضعة
مـن حيث كلّه عظام iiگطعة يـخفاك ضلع أمه iiالبضعة
ضلعه الأصل وحسين فرعه ودوّر على مگطوع iiاصبعه
باللَّه عليك الكفة رجعة
ثمّ مشى الامام زين العابدين(ع) إلى عمّه العباس(ع) فرآه بتلك الحالة التي أدهشت
الملائكة بين اطباق السماء، وابكت الحور في الجنان، فوقع عليه يلثم نحره المقدّس
قائلاً: (على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم وعيك مني السلام من شهيد محتسب
ورحمة اللَّه وبركاته)، ثم حمله وحده وقال: (إنّ معي من يعينني)
(1).
سمعت بعض الراثين يقول: بعد ان دفن الامام زين العابدين(ع) أباه سيّد الشهداء(ع) جاءه
بعض بني اسد فقال: انّ على الشريعة جسداً كلّما رفعنا منه جانباً سقط منه جانب آخر
فجاء مسرعاً إلى مصرع عمّه أبي الفضل:
ــــــــــــــــــــ
(1) مقتل المقرّم: ص417.
الصفحة 253
إجة يبكي ويصيح بصوت يا عم عگب عـينك علينة تراكم iiالهم
شـافة مگطـعينة وسـابح iiبدم لا يـسرة ولا يـمنة ولا iiراس |
* * *
هـوه فوگه يشم نحره iiويحاكيه ويهل دموع عينة ويصفگ ايديه
(هـذا الـخفت منه طحت iiبيه) عـلى الـدنيا العفا بعدك يعباس |
* * *
يقولون: ثمّ انه(ع) أراد ان ينصرف بعد ان دفن الشهداء فقال له بعض بني أسد: بالذي
أكرمك بهذه الكرامة من أنت؟ فأرخى لثامَه وبان وجهُهُ الكريم فوقع بنو أسد على
أقدامه وهم يعزّونه بأبيه وأعمامه واخوانه وشيعته وهو يبكي ولسان الحال:
|
أبـكيهُمُ بـدموعٍ لـيس iiتنقطعُ مدى الزّمانِ ولا اذ ذاك iiأرتدِعُ
يـا لائمي لا تلمني كيف iiأمتنعُ
نذرٌ عليَّ لئن عادوا وإن رجعوا لأزرعـنّ طريقَ الطفّ iiريحانا |
لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين
الصفحة 254
الخامس والعشرون من محرّم المجلس الرابع والعشرون
شهادة الإمام زين العابدين(ع)
بـأبـي ابيَّ الضّيم لا يُعطي العدىii iiحـذرَ الـمـنـيـة منهُ فضلَ قيادِ
بـأبـي فـريـداً أسلمَتهُ يدُ الرّدىii iiفـي دار غـربـتـه لجمع أعادي
حـتى هوى ثبت الجنان إلى الثرىii iiمـن فـوق مـفتول الذّراع جوادِ
يا رأسَ مفترسِ الضياغم في الوغى iiكـيـف انـثـنيتَ فريسةَ الأوغادِ
ما أن بقيتَ من الهوان على الثرىii مـلـقـىً ثـلاثـاً في ربىً ووهادِ
إلاّ لـكـي تـقضي عليك صلاتَها iiزمـرُ الـمـلائكِ فوقَ سبعِ شدادِ
لـهـفي لرأسك وهو يُرفعُ مشرقاًii كـالـبـدر فـوق الـذّابـل الميّادِ
يـتـلو الكتابَ وما سمعت بواعظٍii iiاتـخـذَ الـقـنا بدلاً عن الأعوادِ
والـهـفتاهُ على خُزانةِ علمك ال ii iiسـجّـادِ وهـو يُقادُ في الأصفادِ
مـا لـي أراكَ ودمـعُ عينك جامدٌii iiأو مـا سـمـعـت بمحنةِ السجّادِ
ويـصـيـحُ واذلاهُ أيـنَ عشيرتي iiوسـراةُ قـومـي أيـن أهل ودادِ
مـنـهـم خلت تلك الدّيارُ وبعدهم iiنَـعَـبَ الـغـرابُ بفرقتي وبعادِ
أتـرى يـعـودُ لنا الزّمانُ بقربِهمii iiهـيـهاتَ ما للقربِ من ميعادِ(1) |
ــــــــــــــــــــ
(1) هذه القصيدة العصماء للمرحوم الشيخ أحمد النحوي.
قال السيد الأمين1 في (أعيان الشيعة) المجلد الثالث ص46:
هو أبو المعالي أحمد بن علي بن قدامة قاضي الأنبار النحوي شيخٌ فاضل فقيه جليل يروي
عن المفيد والمرتضى والرّضي، وهو من مشايخ الإجازة، وله من الكتب كتاب في علم
القوافي، وكتاب في النحو، توفي في شهر شوال سنة 486هـ.
الصفحة 255
سمعنه العليل iiيعالجونه صـبح ومسه iiيتفگدونه
وعن حاله دايم iiينشدونه مـشفنه العليل iiيگيّدونه
وبحبال خشنه iiيربطونه ومن فوگ ناگة يسيرونه
ذاك الإمـام iiالـتّعرفونه زيـن الـعباد التودّونه
* * *
ولد الامام أبوالحسن علي بن الحسين(ع) زين العابدين بالمدينة يوم الخميس الخامس من
شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة في ايّام جده امير المؤمنين(ع)، وذلك قبل شهادته
بسنتين
(1).
أمّه السيدة شاه زنان بنت كسرى يزدجرد بن شهريار بن كسرى ويقال إنَّ اسمها
(شهربانو)، وكان اميرُ المؤمنين(ع) ولي حُريث بن جابر الحنفي جانباً من المشرق فبعث
إليه ابنتي يزدجرد بن شهريار فنحلَ ابنه الحسين(ع) شاه زنان منهما فأولدها زين
العابدين(ع)، ونحلَ الاُخرى محمّد بن أبي بكر فولدت له القاسم بن محمد بن أبي بكر،
فهما ابنا خالة
(2).
روي عن النبيّ(ص) قال: (للَّهِ من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريش، ومن العجم
فارس) وكان الامام عليّ بن الحسين(ع) يقول: (أنا ابنُ الخيرتين) لأنّ جدّه رسول
اللَّه(ص) وأمّه بنت يزدجرد الملك، وأنشأ أبوالأسود الدؤلي:
ــــــــــــــــــــ
(1) كشف الغمة في معرفة الأئمة ج2 ص619، والإرشاد للشيخ المفيد: ص253.
(2) الإرشاد للشيخ المفيد: ص253.
الصفحة 256
وإنّ غلاماً بين كسرى وهاشمٍ
لأكرمُ من نيطت عليه التمائمُ
(1)
كنيتُهُ: فالمشهور أبوالحسن، ويقال أبومحمد.
وامّا لقبه: فكان له القاب كثيرة كلّها تطلق عليه، أشهرُها زين العابدين، وسيّدُ
العابدين، والزّكي، والأمين، وذو الثفنات
(*).
واما مناقبُهُ ومزاياه وصفاته فكثيرة جداً منها:
عن طاووس الفقيه اليماني قال: رأيتُه - اي الامام السّجاد(ع) - يطوف من العشاء إلى
السّحر ويتعبّد، فلمّا لم يرَ أحداً رمقَ السماءَ بطرفِه وقال: إلهي غارت نجومُ
سماواتك، وهجعت عيونُ أنامِك، وأبوابُكَ مفتّحاتٌ للسائلين، جئتك لتغفرَ لي وترحمني
وتريني وجهَ جدّي محمّد(ص) في عرصات القيامة، ثم بكى وقال: وعزّتك وجلالك ما أردت
بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتُك اذ عصيتُك وانا بك شاكٌّ ولا بنكالِكَ جاهل، ولا
لعقوبتك متعرّض ولكن سوّلت لي نفسي، وأعانني على ذلك سترُك المرخى عليَّ، فالآن من
عذابك من يستنفذني؟ وبحبل مَن أعتصمُ ان قطعتَ حبلَك عنّي؟ فواسوأتاه غداً من
الوقوف بين يديك اذ قيلَ للمخفّين جوزوا، وللمثقلين حطّوا، أمع المخفّين أجوز؟ أم
مع المثقلين أحط؟ ويلي كلّما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آنَ لي أن أستحي من
ربّي؟ ثمّ بكى(ع) وهو يقول:
ـــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار ج46 ص3.
(*) ذو الثّفنات: واحدها ثفنة، وهو ما يلامس الأرض من الأعضاء كالركبتين والجبهة،
فأطلقوا هذا على الامام زين العابدين(ع) حتى صار لقباً له، وذلك لكثرةِ عبادتِه
وسجودِه بحيث كان الموكّل يقصّ الجلد الغليظ من جبهتِه وركبتيه في السنة مرّتين.
الصفحة 257
أتُحرقني بالنار يا غايةَ iiالمنى فـأين رجائي ثمّ أين iiمحبّتي
أتيتُ بأعمالٍ قباحٍ iiزريّةٍ وما في الورى خلقٌ جنى كجنايتي
ثمّ بكى وقال: (سبحانك تُعصى كأنك لا تُرى، وتحلُم كأنك لم تُعصَ، تتودّد إلى خلقك
بحسن الصنيع كأنّ بك الحاجة إليهم، وأنت يا سيّدي الغنيّ عنهم)، ثمّ خرّ إلى الأرض
ساجداً.
قال طاووس: فدنوت منه، ورفعت رأسه ووضعتُه في حجري وبكيت حتى جرت دموعي على خدِّه،
فاستوى جالساً وقال: (مَن ذا الذي أشغلني عن ذكر ربّي؟) فقلت: أنا طاووس يابن رسول
اللَّه ما هذا الجزعُ والفزع؟ ونحن يلزمُنا أن نفعل مثلَ هذا ونحنُ عاصون جانون،
أبوك الحسين بن علي وأمّك فاطمة الزهراء وجدّك رسول اللَّه(ص) قال: فالتفت إليَّ
وقال: (هيهاتَ هيهات يا طاووس دع عنّي حديثَ أبي وأمّي وجدّي، خلق اللَّه الجنّة
لمن أطاعَه وأحسن ولو كان عبداً حبشيّاً، وخلق النار لمن عصاهُ ولو كان ولداً
قرشياً، أما سمعت قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ
بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ)
(1) واللَّهِ لا ينفعُكَ غداً إلاّ تقدمةٌ
تقدّمها
من عملٍ صالح)
(2).
قال الشاعر:
ــــــــــــــــــــ
(1) المؤمنون: الآية 101.
(2) بحار الأنوار ج46 ص81.
الصفحة 258
لعمرُكَ ما الإنسانُ إلاّ ابنُ دينه
فلا تترك التّقوى اتكالاً على النسب
فقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ
وقد وضعَ الشركُ النسيبَ أبا لهب
وفي سنةٍ حجّ هشام بن عبدالملك فلم يقدر على استلام الحجر الأسود لكثرة الزّحام،
فنُصبَ له منبرٌ فجلس عليه وأطاف به أهلُ الشام، فبينما هو كذلك اذ اقبلَ عليّ بن
الحسين(ع) وعليه إزارٌ ورداء، من أحسنِ الناس وجهاً، وأطيبهم رائحة، بين عينيه أثرُ
السجود، فجعل يطوف فاذا بلغ إلى موضع الحجر الأسود تنحى الناس عنه هيبةً له
ليستلمه، فقال رجلٌ شامي لهشام: مَن هذا يا امير؟ فقال لا أعرفُهُ، قال هذا لئلا
يرغب أهل الشام فيه، وكان الفرزدقُ حاضراً فقال: لكني أنا أعرفُه فقال الشامي: من
هو يا أبافراس؟ فقال مرتجلاً:
يـا سـائلي أين حلَّ الجودُ والكرمُii iiعـنـدي جـوابٌ إذا طـلّابُهُ قدّموا
هـذا الـذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُii iiوالـبـيـتُ يـعرفُهُ والحِلُّ والحرَمُ
هـذا ابـنُ خـيـرِ عبادِ اللَّهِ كلِّهُمُii iiهـذا الـتـقـيُّ النقيُّ الطاهرُ العلَمُ
هـذا عـلـيٌّ رسـولُ الـلَّهِ والدُهُ iiأمـسـت بـنورِ هداهُ تهتدي الأمَمُ
هـذا ابـنُ سـيّـدةِ النسوان فاطمةٍii iiوابـنُ الـوصيِّ الذي في سيفه نَقَمُ
اذا رأتـهُ قـريـشٌ قال iiقـائـلُها iiالـى مـكـارمِ هذا ينتهي =الكرمُ
ولـيـس قـولُـك من هذا بضائرِهِii الـعُـربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجَمُ
مـن مـعـشرٍ حبُّهمُ دينٌ وبغضُهُمُii iiكـفـرٌ وقـربُـهُمْ منجىً ومعتصَمُ
مـقـدّمٌ بـعـد ذكـر الـلَّهِ ذكرُهُمُii iiفـي كـلّ فـرضٍ ومختومٌ به الكَلِمُ
إن عُـدُّ أهـلُ الـتّقى كانوا أَئمَّتَهُمْii او قيل مَن خيرُ اهل الأرضِ قيل هُمُ |
الصفحة 259
يُـستدفعُ السوءُ والبلوى بحبِّهِمُ ويُـستزادُ بهِ الإحسانُ iiوالنِّعَمُ
مـا قال (ل) قطُّ إلاّ في iiتشهُّدِهِ لـولا الـتشهّدُ كانت لاؤُهُ iiنعَمُ
لو يعلمُ الرّكنُ من قد جاءَ يلثمُهُ لـخرَّ يـلثِمُ منهُ ما وطى القدَمُ
إلى آخر القصيدة العصماء هذه، فغضب هشام ومنع جائزته وقال له: ألا قلت فينا مثلَها
قال: هاتِ جدّاً كجدّه، وأباً كأبيه، وأمّاً كأمّه حتى أقول فيكم مثلَها، فحبسوه
بعُسفان بين مكّة والمدينة، فبلغ ذلك الامام عليَّ بن الحسين(ع) فبعث إليه باثني عشر
ألف درهم وقال: (اعذرنا ياأبافراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به)، فردّها
الفرزدق وقال: ياابن رسول اللَّه(ص) ما قلتُ الذي قلت إلاّ غضباً للَّه ولرسول، وما
كنت لأرزق عليه شيئاً، فردّها إليه الامام(ع) وقال: (بحقي عليك لمّا قبِلتَها فقد رأى
اللَّه مكانك وعلِمَ نيّتك فقبله).
وجعل الفرزدق يهجو هشام بن عبدالملك وهو في الحبس، فكان ممّا هجاه به قوله:
أيحبسُني بين المدينةِ والتي
اليها قلوبُ الناسِ يهوى منيبُها
يقلّبُ رأساً لم يكن رأسَ سيّدٍ
وعيناً له حولاءَ بادٍ عيوبُها
فاُخبر هشام بذلك فأخرجه من الحبس
(1).
وممّا روي عن الإمام زين العابدين(ع) من الكلمات الشريفة:
(مَن كرُمت عليه نفسُهُ هانت عليه الدّنيا، وفي نسخة - هانت عليه شهواتُه)
(2).
ــــــــــــــــــــ
(1) بحار الأنوار ج46 ص124.
(2) البحار ج78 ص135.
الصفحه 260
وقال(ع): (لا يقلُّ عملٌ مع تقوى، وكيف يَقِلُّ ما يُتقبَّلُ)
(1).
وقال(ع): (المؤمنُ من دعائه على ثلاث، إمّا أن يُدّخرَ له، وإمّا أن يُعجّلَ له،
وإمّا أن يُدفعَ عنه بلاءاً يُريدُ أن يصيبَهُ) (2).
وقال(ع): (ما استغنى أحُدٌ باللَّهِ إلا افتقرَ الناسُ إليه) (3).
وجاء رجلٌ إليه يشكو حالَه فقال(ع): (مسكينٌ ابنُ آدم له في كلّ يومٍ ثلاثُ مصائب لا
يعتَبِرُ بواحدة منهنّ ولو اعتبر بواحدةٍ منهنّ لهانت عليه المصائبُ وأمرُ
الدُّنيا، فأمّا المصيبةُ الأولى فاليومُ الذي ينقصُ من عمُرِهِ قال: وإن أصابَهُ
نقصانٌ في مالِهِ اغتمَّ به، والدّرهَمُ يخلفُ عنه والعمرُ لا يردُّهُ شيء،
والثانية أنه يستوفي رزقَهُ فإن كان حلالاً حوسبَ عليه، وإن كان حراماً عوقب عليه،
والثالثةُ أعظمُ من ذلك، قيل: وما هي؟ قال: ما من يومٍ يُمسي إلاّ وقد دنا من
القبرِ مرحله لا يدري أعلى الجنةِ أم على النار) (4).
وله (ع) كلمةٌ ذهبيّة خالدة قالها بعد ان حضرته المنية، وذلك بعد أن سمّه هشام بن
عبدالملك وكان ذلك في ملكِ الوليد بن عبدالملك، عن الامام أبي جعفر الباقر(ع) قال:
(لمّا حضرت أبي الوفاة ضمّني إلى صدره وقال: يابُنيّ أوصيك بما أوصاني به أبي حين
حضرته الوفاة، وبما ذكر أنّ أباه أوصاه
ــــــــــــــــــــ
(1) البحار ج78 ص135.
(2) البحار ج78 ص138.
(3) البحار ج78 ص161.
(4) البحار ج78 ص160.
الصفحه 261
به قال: يابُنيّ إيّاك وظلمَ من لا يجدُ عليك ناصراً إلا اللَّه)، ثمّ انّه(ع)
اُغمي عليه ثمّ فتح عينيه وقرأ (إِذَا وَقَعَتِ
الْوَاقِعَةُ)، و(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
مُبِينًا) وقال: (الحمدُ للَّه الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوّأ من
الجنّةِ حيث نشاء فنعمَ أجرُ العاملين)، ثمّ قضى الامام نحبه (1).
واسيّداه، واإماماه، وامسموماه، وامظلوماه:
اويلي عله أبوالباقر كنز iiالعلوم عگب گيدة وحديدة وذيك الهموم
گضة نحبة وسافة عليه iiمسموم مـثل جدّه علي صابر iiومظلوم
والـشيعة تـعزي الغايب iiاليوم تگلـه وتـهل دمـوعه دمـوم
يمته تاخذ بثارك من الگوم
وروي انه لمّا مات الامام زين العابدين(ع) كانت له ناقةٌ قد حجّ عليها اثنين وعشرين
حجة ما قرعها بمقرعةٍ قط، فجاءت إلى قبر الامام وضربت بجرانها على القبر وتمرّغت
عليه وصاحت وهملت عيناها، فأتى الناسُ الامامَ الباقرَ(ع) وأخبروه خبر الناقة فأتاها
وأدخلها مكانها، فما مكثت طويلاً حتى خرجت ثانياً وصنعت كما صنعت اوّل مرّة، فاُخبر
الامام الباقر(ع) فلمّا نظر إليها قال دعوها فإنها مودِّعة، فلم تلبث ثلاثة ايام حتى
ماتت.
أقول: هذه الناقة هملت عيناها حزناً لفراق الإمام زين العابدين، وفي كربلاء عاد فرس
الإمام الحسين وهو مخضّب بدمه ويصهل صهيلاً عالياً
ــــــــــــــــــــ
(1) الانوار البهيّة للمرحوم الشيخ عباس القمي: ص112.
الصفحه 262
وهو يقول: الظليمة الظليمة من أُمّةٍ قتلت ابنَ بنت نبيّها وتوجّه نحو الخيام حتى
وصل إلى العقيلة:
يـمهر حـسين گلي وين لا وين السرج خالي وتجر رجلين ويدين
يگلـلها يـزينب طـاح الحسين فـوگ الـترب ومخضّب iiبدمه
لـلحومه لـفت زيـنب iiمسرعه ودمـع الـعين دمعه بأثر iiدمعه
وصـلت شـافته مكسور iiضلعه لـنه الـخيل داست فوگ iiجسمه
* * *
فـرأت في الصعيدِ ملقىً iiحماها هـشّمت صـدرَهُ خيولُ iiالأعادي
فدعت والجفونُ قَرحى وفي القلب لـهيبٌ مـن الأَسـى ذو اتـقادِ
أحـمى الـضائعاتِ بعدك iiضعنا فـي يـدِ الـنائباتِ حَسرى iiبوادِ
لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم
وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين
الصفحه 263
مناسبات شهر صفر الخير
1 - الليلة الأولى:
- دخول السبايا إلى الشام
2 - الليلة الثانية:
- شهادة زيد بن عليّ بن الحسين(ع)
3 - الليلة السابعة:
- شهادة الإمام الحسن المجتبى(ع)
4 - الليلة السابعة عشر:
- شهادة الإمام عليّ بن موسى الرضا(ع)
5 - ليلةُ الأربعين:
- أربعين الإمام الحسين(ع)
6 - ليلة الثامن والعشرين:
- شهادة النبيّ الأكرم(ص)
الصفحه 264
الليلة الأولى من صفر
المجلس الأول
دخول السبايا إلى الشام
أنـاعـيَ قتلى الطفِّ لا زلتَ ناعياii iiتـهـيجُ على طول الليالي البواكيا
أعِـد ذكـرَهُم في كربلا إِنَّ ذكرَهمii iiطـوى جـزعـاً طيّ السجلِّ فؤاديا
ودَعْ مـقـلتي تحمرُّ بعد ابيضاضهاii iiبـعـدِّ رزايـا تـتركُ الدّمعَ داميا
سـتـنسى الكرى عيني كأنّ جفونَهاii iiحـلـفـنَ بـمن تنعاهُ أن لا تلاقيا
وتـعـطي الدّموعَ المستهلّاتِ حقّهاii iiمـحـاجـرُ تبكي بالغوادي غواديا
واعـضـاءُ مجدٍ ما توزّعت الظبىii iiبـتـوزيـعـها إلاّ الندى والمعاليا
لـئـن فـرّقتها آلُ حربٍ فلم تكنii iiلـتـجمعَ حتى الحشر إلاّ المخازيا
ومـمّـا يُـزيلُ القلبَ عن مستقرِّهِii iiويـتـركُ زنـدَ الغيظِ للحشر واريا
وقـوفُ بـناتِ الوحي عند طليقهاii iiبـحـالٍ بـها يُشجينَ حتى الأعاديا
أبـا حـسـنٍ حربٌ تقاضَتك دينَهاii الى أن أساءت في بنيكَ التقاضيا (1) |
ــــــــــــــــــــ
(1) الشاعر المرحوم السيد حيدر الحلي(ره)، الدرّ النضيد: ص351.
قال المرحوم السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء الثامن ص8 :
ولد السيد حيدر في الحلة - حيث ينتهي نسبه إلى الإمام أبي عبداللَّه الحسين(ع)- كان
مولدهُ (15) شعبان سنة 1246هـ الموافق لسنة 1830م.
وقبل أن يكمل عامه الثاني من عمره فقد والدَهُ فعاش يتيماً، وقد تولّى تربيتَهُ
عمُّهُ السيد مهدي، كان شاعراً مجيداً من أشهر شعراء العراق أديباً ناثراً جيّد
الخط نظم فأكثر ولا سيّما في رثاء الإمام الحسين(ع) فقد حلَّقَ بالرّغم من أنّ
معاصريه من فحول الشعراء وأكابر الادباء فقد فاقهم حتى اعترفوا له بالفضل، وقال
السيد الأمين في (أعيان الشيعة): وكان
|