المجالس الحسنة

 
 

الصفحة 18

الشيعة تحزن بعاشور من هل      ودمعها يشبه الطوفان من iiهل

دگلـي يـلدفنت حسين iiمنهل      تـرابه وجمّع أوصاله iiالرّميّة

*  *  *

جـديرةٌ بـالفضل iiوالـثناءِ      مـآتـمٌ تُـعـقَدُ iiلـلـعزاءِ

يـقيمُها الـرّجالُ iiوالـنّساءُ      يـدعو  إليها الحبُّ iiوالولاءُ

مصابُ أهلِ البيت فيها يُذكَرُ      وذنبُ  مَن يبكي عليهم iiيُغفَرُ

يُـنشَرُ  فيها ذِكرُ أهلِ iiالذِّكرِ      يُـحيى بـها أمرُ وُلاةِ الأمرِ

مـجالسٌ  قـال الإمامُ iiمعلِنا      إنّـي  أحـبُّها فأحيوا iiأمرنا

ــــــــــــــــــــ

أديبٌ شاعر خطيبٌ ماهر، وهو خطيبٌ الذاكرين لمصيبة الامام الحسين(ع) في عصره لا يماثلهُ أحدٌ منهم لا يكون إلقاؤه في مجالس ذكره أقلّ من ساعة يصغي إليه فيها المستمعون بكلّهم وبغير ملل، ويستفيدون وتفيض منهم العيون، وهو مع ذلك ضعيف الصّوت، وله شعرٌ جيّد في مديح أهل البيت: ورثائهم، عالمٌ بالعربية يتكلّم في إلقائه باللغة الفصحى فلا يلحن كما قال فيه السيد جعفر الحلي:
عـربيٌّ لـه فـصاحةُ سحبا      نَ ذكـيٌّ لـه ذكـاءُ إيـاس
مدحُهُ في بني النبوّةِ لا في الـ      ـعـبشميينَ  أو بـني العبّاس
تـتمنّى  مـنابرُ الذكر أن لا      يـرتقي  غـيرُهُ من iiالجلّاسِ
وله ديوان شعرٍ كبير في المراثي الإمامية رأيناه في النجف الأشرف بخطّ بعض أولادِهِ ومن شعره قوله:
تـمسّك بحبِّ المرتضى علمِ الهدى      فـما  خـابَ يـوماً مَنْ به يتمسّكُ
وأمـسِكْ أقـرّ الـلَّهُ ديـنَكَ بالذي      به الأرضُ والسبعُ السماواتُ تُمسَكُ
فـلا  أرشـدَ اللَّهُ امرءً غيرَ سالكٍ      سـبيلَ عـليٍّ وهـو للرّشدِ مسلكُ
فـتىً  حـارَ كـلُّ العالمين بكنهِهِ      فـفي  أمـرِهِ تـحيى أناسٌ وتهلَكُ

الصفحة 19

دعـا لمحيي أمرِهِمْ بالرّحمة      فـيالها مـن مِنّةٍ iiونعمة(1)

إنَّ من السُننَ الخيّرة - الحسنة - التي اعتاد عليها أتباعُ أهل البيت: في كلّ عامٍ من عشرةِ شهر المحرّم هي إقامةُ مجالس العزاءْ، وإظهار الحزن، وإبراز الحداد إحياءً لذكرى وقعة الطّف الفجيعة التي أورثت الأئمة: وشيعتهم الحزنَ والبلاء إلى يوم الإنقضاء.

فتجد المآتم في الحسينيّات والمساجد، والمدارس والأسواق، والدور والطرقات في الأماكن العامّة والخاصّة على حدِّ سواء.

وإلى ذلك يشير المرحوم السيد جعفر الحلّي في احدى روائعه:

في كلِّ عامٍ لنا في العشر واعيةٌ          تطبّقُ الدّورَ والأحياءَ والسِّككا

وكان هذا بإيعاز مباشرٍ من أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسّلام، فهاهو الإمام الصّادق جعفر بن محمّد(ع) وهو سادس أئمة الحقّ والخلق من آل ‏محمّد(ص)  يقول لأحد أصحابه وهو الفضيل بن يَسار: (أتجلِسون وتتحدّثون؟

قال: نعم جعلت فداك قال(ع) : إنَّ تلك المجالس أُحبُّها فأحيوا أمرَنا يافضيل فرحمَ اللَّهُ مَن أحيى أمرنا، يافضيل مَن ذكرَنا أو ذُكِرنا عنده فخرج من عينهِ مثلُ جَناحِ الذّباب غفر اللَّه له ذنوبَهُ ولو كانت أكثرَ من زَبَدِ البحر) (2).

ــــــــــــــــــــ

(1) المقبولة الحسينيّة للمرحوم الشيخ هادي كاشف الغطاء: ص37.
(2) بحار الأنوار: ج44 ص282.

الصفحة 20

وكان هذا الإمام العظيم الشأن يقيمُ بنفسه مجلس عزاءِ جدِّه السبط الشهيد(ع)  وذلك في داره بالمدينة حيث يدخل عليه الشعراء والقرّاء فينشئون وينشدون بين يديه المراثي المقرّحة للقلوب والأكباد. وكان يضرب السّتارَ للنساء ويأمرهنّ بالجلوس والاستماع للنّدبة.

روى المرحوم الشيخ ابن قولويه في (كامل الزّيارات) عن أبي عمارة المنشد عن أبي عبداللَّه الصادق(ع) قال: قال لي يا أبا عمارة أنشدني للعبدي(1) فأنشدته فبكى ثمّ أنشدتُهُ فبكى ثمّ أنشدته فبكى قال: فواللَّه ما زلتُ أنشده ويبكي حتى سمعتُ البكاء من الدّار فقال لي(ع) : يا أبا عَمارة من أنشد في الحسين شعراً فأبكى خمسين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى أربعين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنة، ومن أنشد في الحسين(ع)  شعراً فأبكى واحداً فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنّة (2).

واعلم أنَّ لهذه المجالس - المآتم - فوائدَ ومنافع وبركات كثيرة جداً، وذلك إذا نظرنا إليها بعين المتفحّص البصير، وإليك طائفةً منها:

ــــــــــــــــــــ

(1) هو أبو محمد سفيان بن مصعب العبديّ الكوفي، من شعراء أهل البيت: المتزلّفين إليهم بولائه وشعره، المقبولين عندهم لصدقِ نيّته وانقطاعه إليهم، عدّه‏ شيخ ‏الطائفة في ‏رجاله من أصحاب الإمام الصادق(ع) ، اُنظر: ترجمته في الغدير: ج2ص294.
(2) كامل الزيارات: ص104، المطبعة المرتضوية سنة 1356.

الصفحة 21

الأوّل: مواساة النبيّ(ص)  وأهل بيته:، فإنّه حزين لقتل وُلدِهِ بلاريب، وقد دلّت عليه جملةٌ من الأحاديث، وأيُّ أمرٍ أهمُ وأوجبُ وأعظمُ فائدةً من مواساة رسول اللَّه(ص) ؟! وهل يمكن ان يكونَ المرءُ صادقاً في دعوى حبِّه للنبيّ(ص) وأهل بيته:، وهو لا يحزن لحزنهم، ولا يفرح لفرحهم، أو يتّخذ يوم حزن النبيّ(ص)  يوم عيدٍ وسرور؟

الثاني: إنَّ فيها نصرةً للحق وإحياءً له، وخذلاناً للباطِل وإماتةً له، وهي الفائدة التي من أجلها أوجب اللَّهُ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المُنكر بالقلب وباللسان وبالجوارح، فإن لم يمكن بالجوارح اقتصر على اللسان والقلب، فإن لم يمكن باللسان اقتُصِرَ على القلب.

الثالث: انها مدرسةٌ يسهل فيها التعلّم والاستفادة لجميع طبقات النّاس، فيتعلمون فيها التأريخ والأخلاق والتفسير والخطابة والشّعر واللغة وغير ذلك كثير، ووقوف السامع على بليغ الكلام من نظم ونثر زيادةً على ما فيها من تهذيب النفوس وغرس الفضيلة فيها.

الرّابع: إنّها نادٍ للوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر وما يجري هذا المجرى ففيها جلبٌ إلى طاعةِ اللَّه، وإبعادٌ عن معصيته بأحسن الطّرق وأنفعها بما يلقى فيها من المواعظ المؤثّرة، وقضايا الصّالحين والزّهاد والعبّاد وغير ذلك.

الخامس: انها من أهم السّبل في دعوةِ النّاس إلى الدّين الإسلامي ومذهب أهل البيت(ع) في جميع أنحاء المعمورة بأقوى الوسائل وأنفعها وأسهلها وأبسطها وأشدّها تأثيراً في النّفوس بما تودعه في قلوب المستمعين من بذل أهل البيت(ع)


الصفحة 22

الذين هم رؤساءُ الدّين الإسلامي أنفسهم وأموالهم ودماءَهم في نصرة هذا الدّين الحنيف، وما تشتملُ عليه من إظهار محاسن الإسلام ومزاياه، وآياته ومعجزاته التي أبانوا عنها بأقوالهم وأفعالهم وشؤونهم وأحوالهم ممّا لا يدانيه ما تبذل عليه الأموال الطّائلة من سائر الأُمم وتتحمّل لأجله المشاق العظيمة.

السادس: إنَّ فيها عزاءً عن كلّ مصيبة، وسلوةً عن كلّ رزية، فإذا رأى الإنسان أنّ سادات المسلمين بل سادات النّاس وآل بيت المصطفى(ص) جرى عليهم من أنواع الظّلم والمصائب ما جرى هانت عليه كلُّ مصيبة وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:

أنست رزاياكُم رزايانا التي     سلفَتْ وهوّنت الرّزايا الآتية

السابع: هي أنَّ المصلحة التي استُشهد الإمام الحسين(ع) من أجلها وفي سبيلها، والغاية السّامية التي كان يرمي في جهاده واستشهاده إليها وهي إحياء دين اللَّه تعالى، وإظهار فضائح المنافقين، هذه الغايات تقتضي استمرار هذه المآتم طول الدّهر، وإقامة التذكار لها في كلِّ عصر، وإظهارها للخاصّ والعام تقويةً لتلك المصلحة وتثبيتاً لها.

فلولا قتل الإمام الحسين(ع) لما ظهر للخاصّ والعام فسقُ يزيد بن معاوية وكفرُهُ وفجوره، وقبائحُ مَنْ مهّدَ له، ومكّنه من رقاب المسلمين، وذلك لأنَّ الذين دفعوا أهل البيت عن حقّهم ظهروا للنّاس بمظهر النّيابة عن رسول اللَّه(ص)، وتظاهروا بتأييد الدّين فخفي أمرُهُم على أكثر الناس، وبدّلوا من أحكام الشريعة ما شاؤوا واتّبعهُم على ذلك جلُّ الأمّة جهلاً أو


الصفحة 23

 رغبةً أو رهبة، وأمّروا على الاُمّة أعوانَهم وأتباعهم، وأقصوا أولياءَ اللَّه وأبعدوهم وحرموهم وساموهم أنواع الأذى من القتل والضّرب والنّفي والصّلب، ولعنوا أميرَ المؤمنين(ع) على منابر الإسلام، وأظهروا للاُمّة أنّهم هم آلُ رسول اللَّه(ص)  وهم قرابتُهُ، والأحقّ بمقامه، وقد قال أهلُ الشام لبني العباس - عندما أخذوا السلطة من بني اُمية - إنّهم ما كانوا يعرفون قرابةً لرسول اللَّه(ص)  إلاّ بني اُميّة، ولو دام الحالُ على ذلك لأصبح الّدين أثراً بعد عين (1).

قال الشاعر الموالي في ذلك مخاطباً الإمام الحسين(ع) :

شاطرتَ جدّكَ في الرّسالة انّها      ثـمرٌ  لغرسِ جهادكَ iiالمتأخّرِ

أنـتَ  المجدِّدُ والنّبيُّ iiمؤسِّسٌ      وأبـوكَ لـلإسلام خيرُ iiمعمِّرِ

قـبرتهُ  آلُ امـيّةٍ فبعثتَهُ iiحيّاً      ولـولا  كـفرُهم لـم iiيُـقبَرِ

يُنقل أنّ شاباً موالياً لأهل البيت(ع) من أهل البحرين ذهب إلى بريطانيا لإكمال دراسته العلمية والحصول على شهادة عُليا، وفي أحد الأيام دخلَ احدى المكتبات العامة لأجل المطالعة، فوقعت عينُه على كتابِ مذكّرات لأحد الضبّاط الإنجليز الذي كان ضمن المجموعة التي ذهبت إلى العراق أيام الانتداب البريطاني، وإذا به يقرأ حادثة كان لها أكبر الأثر في تغيير مسيرة حياته بعد ذلك.

وحاصِلُها: انَّ هذا الضابط قد تكوّنت له صداقةٌ مع احدى العائلات الطيّبة الملتزمة دينيّاً في بغداد، وكان يزورهم بين آونةٍ واُخرى، وهم بالُمقابل يحسنون

ــــــــــــــــــــ

(1) إقناع اللائم على إقامة المآتم للمرحوم السيد محسن الأمين: ص314.

الصفحة 24

 إليه ويضيّفونه في بيتهم، ويتبادلون الآراء ويتجاذبون أطراف الحديث. استمرت هذه الصّداقة حتى نهاية مدّته المعيّنة في العراق حيث قرّر العودة إلى بلاده فجاء إلى هذه العائلة زائراً كعادته وقال: إنّكم أحسنتم إليّ كثيراً طيلة هذه السنوات وكنتم لي كالأهل والأحبّة، وأنا أحبُّ أن اُجبر هذا اللطف وأقابل هذا الإحسان بدعوتكم لقضاء مدّةٍ طيّبة عندنا في بريطانيا إذا وافقتم على ذلك.

فوعدوه خيراً وطلبوا منه مهلةً لتداول الأمر بينهم ويخبروه بعد ذلك. وحدث ما كان يحبّ هذا الرّجل البريطاني حيث وافقوا على سفر الأب والاُم معه إلى بريطانيا وفعلاً سافروا جميعاً إلى هناك، وبعد وصولهم توجّهوا إلى دار الضابط وكانت واسعةً واقعةً في احدى ضواحي العاصمة، فأفرد لهما بيتاً مستقلاً كان موصولاً بداره وعيّن لهم خادماً يخدمهم وكانا لايغيبان عن نظره وتفقّده.

وفي صباح أحد الأيّام استيقظت الزوجة وقالت لزوجها: يا أبا فلان إني أشعرُ بضيقٍ واحتباس صدر وهمٍّ لا أعلمُ لماذا؟ فقال الزوج: وأنا كذلك أشعر بهمٍّ وحزن!! فقالت: لعلّ أحد الأولاد أصابه مكروه أو أحد الأقارب أو أحد الأصدقاء فبينما هم في هذا وأمثاله إذ صرخت المرأة قائلةً: أبا فلان عرفت السّبب!! فقال لها الرجل: وما هو باللَّه عليك؟ فقالت وقد ترقرقت دموعها: دخل علينا شهر محرّم كما أعتقد.


الصفحة 25

فقام الرجل مسرعاً ونظر في تقويم الأيام فعرف أنّ ما تقوله زوجته صحيح وأنّهم في بداية شهر محرّم الحرام.

فقالت: أسفي على دخول هذا الشهر ونحنُ في هذا المكان البعيد حيث لانسمع قراءةً ولا نستطيع الذهاب إلى المآتم وبدأت بالبكاء والنحيب.

فقال لها الرجل: لا عليك أنا أقرأ لكِ شيئاً مما حفظته من المجالس، قومي وأحضري المنبر فقامت وجاءته بالمنبر ولبس الرّجل زيّه العربي وجلس على المنبر وبدأ يقرأ ويندب الإمام الغريب أبا عبداللَّه الحسين(ع) ويبكي والمرأة تستمع وتبكي وتندب وتعزّي فاطمة الزهراء(ع) حتى انتهى المجلس. فجلسا على الأرض فرحين حيث أدّيا حقّ ذلك اليوم من الأيام العشرة الاُولى من المحرّم.

فما مضت مدّة حتى طُرِقَ الباب وإذا بصديقهم يقول لهم: لماذا لم تخبروني بقدوم الضيوف إليكم حتى نقوم بالواجب؟!

فقال له الرجل: مَن يعرفنا هنا حتى يأتي لزيارتنا؟

فقال له: أنا رأيت بعيني الناس يدخلون هذا المكان، وهم يلبسون الملابس العربية، ورأيت معهم امرأةً محتشمة.

فبكى الرّجل حتى سالت دموعُهُ كلّ مسيل، وأخبره أنهم أقاموا مجلس عزاء الإمام الحسين(ع) كما كانوا يفعلون ذلك في العراق، وأنَّ أمثال هذه المجالس يرعاها أهل البيت عليهم الصلاة والسلام في حياتهم وبعد مماتهم.


الصفحة 26

أقول: هذا مجلسٌ بعد رحيل أهل البيت: عن هذا العالم وهناك مجلس آخر كان في حياة الإمام أبي الحسن الرّضا (ع). وذلك عندما دخل عليه دعبل الخزاعي ومعهُ قصيدته التائيّة الخالدة.

قال السيّدُ الأمين: حكى دعبلُ الخزاعي قال: دخلت على سيدي ومولاي عليّ بن موسى الرّضا(ع)  في أيام عشرة المحرّم فرأيته جالساً جِلسَةَ الحزين الكئيب وأصحابُه من حولِه فلمّا رآني مقبلاً قال لي: (مرحباً بناصرنا بيده ولسانه)، ثمّ أنّه وسّع لي في مجلسه وأجلسني إلى جنبه ثمّ قال لي: (يادعبل أُحبُّ أن تنشدني شعراً فإنّ هذه الأيّام أيّام حزنٍ كانت علينا أهل البيت وأيّام سرور كانت على أعدائنا خصوصاً بني اُميّة)، ثمّ إنّه(ع)  نهض وضرب ستراً بيننا وبين حرمه وأجلس أهلَ بيته وراءَ السّتر ليبكوا على مصابِ جدّهم الحسين(ع) ، ثمّ التفت إليّ وقال لي: (يادعبل إرثِ الحسين فأنت ناصرُنا ومادُحنا ما دمت حيّاً فلا تقصِّر عن نصرنا ما استطعت)، قال دعبل فاستعبرت وسالت عبرتي وأنشأت أقول: (1)

مـدارسُ  آيـاتٍ خلَت من iiتلاوةٍ      ومـنزلُ  وحـيٍ مُقفرُ iiالعرصاتِ

لآلِ رسـولِ اللَّه بالخَيفِ من iiمِنى      وبـالبيتِ والـتعريفِ iiوالجمراتِ

مـنازلُ  كـانت لـلرّشادِ iiوللتُّقى      ولـلصّومِ  والـتطهيرِ والصّلواتِ

ديـارُ  عـليٍّ والـحسينِ iiوجعفرٍ      وحـمزة والـسجاد ذي iiالـثفِناتِ

ــــــــــــــــــــ

(1) المجالس السَّنيّة: ج1 ص38.

الصفحة 27

إلى أن قالَ معدّداً قبور بني هاشم ومعزّياً فاطمة الزهراء(ع):

فـاطمُ  قومي ياابنةَ الخيرِ iiواندبي      نـجومَ سـماواتٍ بـأرض iiفلاتِ

قـبورٌ  بـكوفانٍ واُخـرى iiبطيبةٍ      واُخـرى بـفَخٍ نـالها iiصـلواتي

قبورٌ بجنبِ النهرِ من أرضِ كربلا      مـعـرَّسُهم فـيها بـشطِّ فـراتِ

تُـوفُّوا عَـطاشى بالفراتِ iiفليتني      تـوفّيتُ فـيهم قـبلَ حينِ iiوفاتي

*  *  *

ثمّ أفرد الحسينَ بالذّكر فقال معزّياً أُمُّه الزهراء(ع):

أفـاطمُ  لـو خلتِ الحسينَ iiمجدّلاً      وقـد  مـاتَ عطشاناً بشطِّ iiفراتِ

إذن  لـلطمتِ الـخدَّ فـاطمُ iiعندَهُ      وأجـريتِ دمعَ العينِ في الوجنات

*  *  *

يــا  فـاطمة يـم iiالـبدور      يلگبرك خفي من دون الگبور

جـيبي  سـدر لبنك iiوكافور      اخبرك  بصدر حسين مكسور

ظامي الكبد بالترب معفور

أيا ناعياً إن جئت طيبةً مقبلاً           فعرّج على مكسورةِ الضلعِ مُعوِلاً

وحدِّث بما مَضَّ الفؤادَ مفصّلاً

أفاطمُ لو خلت الحسينَ مجدّلاً             وقد مات عطشاناً بشطِّ فرات

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحة28

الليلة الثانية                                                                                         المجلس الثالث

فضائل الإمام الحسين(ع)

رحـلوا  ومـا رحلُ أهيلُ iiودادي      إلا بـحـسنِ تـصبُّري وفـؤادي

سـاروا  ولـكن خـلّفونيَ iiبعدهم      حُزناً أصوبُ الدّمعَ صوب iiعهادي

وسـرتْ بـقلبي المستهامِ iiركابُهم      تـعلو بـه جـبلاً وتـهبطُ iiوادي

وخـلت  مـنازلُهم فها هي iiبعدهم      قـفرا ومـا فـيها سـوى iiالأوتادِ

تـأوي  الوحوشُ بها فسربٌ رائحٌ      بـفناءِ  سـاحتِها وسـربٌ iiغادي

ولـقد  وقـفتُ بـها وقوفَ iiمولَّهٍ      وبـمهجتي  لـلوجدِ قـدحُ زنادي

أبـكي بـها طوراً لفرطِ iiصبابتي      وأصـيحُ  فـيها تـارةً iiوأُنـادي

يـادارُ أيـن مضى ذووكِ أما iiلهم      بـعد الـترحُّلِ عـنكِ يـومَ iiمعادِ

يـادارُ قد ذكّرتني بعراصِك iiالقفرا      عـراصَ  بـني الـنبيّ الـهادي

لـمّا سـرى عنها ابنُ بنتِ iiمحمّدٍ      بـالأهـل والأصـحاب iiوالأولاد

بـقـيت عـليلتُهُ تـنوحُ iiبـعولةٍ      وتصيحُ ذابَ من الفراقِ فؤادي(1)

ــــــــــــــــــــ

(1) هذه القصيدة للخطيب الأديب المرحوم السيد مهدي الأعرجي، والبيت الأخير للخطيب الأديب الشيخ محسن الفاضلي النجفي.
قال السيد جواد شبر في (أدب الطفّ) الجزء التاسع ص192:
ولد السيد مهدي في النجف الأشرف سنة 1322هـ ، ودرس فنّ الخطابة على خاله الخطيب الشهير الشيخ قاسم الحليّ، زاول نظم الشعر وعمره أربعة عشر سنة، وأول قصيدة نظمها كانت في رثاء الإمام الحسن السبط(ع):

الصفحة29

نعي

سـار حسين وامسه الحرم مغبر      أويـلي  والـمدينة غدت تصفر

طـلعوا  آل هـاشم عن iiوطنهم      او  ظل خالي حرم جدهم iiبعدهم

سـاروا  لـيلهم وابـعد iiظعنهم      اولن صوت العليلة ابگلب محتر

ــــــــــــــــــــ

قضى الزكيّ فنوحوا يامحبّيه           وابكوا عليه فذي الأملاك تبكيه
كان طيّب القلب إلى أبعد حدود الطيب، ولم يك في الناس ممن رآه ولم يهواه ويحبّه لصفائه إذ هو لا يستخفّ بأحدٍ ولا يحقدُ على مخلوق، وكان فطناً يقوم بواجبه أحسن قيام متديّن ورع لم يعبأ بالعسر الذي لازمه وألحّ عليه.
ومن طريف شعره في ذلك حيث كتب رسالة للمرجع الديني المرحوم السيد أبوالحسن الإصفهاني فقال:
جاء الشتا وليس لي من عدّةٍ       أعتدُّ فيها من طوارقِ الزّمن
وهـا أنـا أريـدُ لي عباءةً      وإنّ من أهلِ العبا أبو الحسن
وإلى جانب هذه الموهبة بالفصحى فهو ذا ملكةٍ قويةٍ بالنظم باللغة الدارجة متفنّنٌ فيها ففي الموال والأبوذية والشعر الدارج لا يجارى.
أما ولاؤه لأهل البيت: وتفانيه في حبِّهم فهو من ألمع ميزاته، ولا زلت أتمثّلُهُ في المآتم الحسينيّة يجهش بالبكاء، وقد أفنى عمره في خدمة المنبر الحسيني الشريف.
ومن نظمه تخميسُهُ بيتين للمرحوم السيد رضا الهندي في وداع السيدة زينب لأخيها الحسين:
مرّت بهم زينبٌ لمّا نووا سفرا        بها العدى فأطالت منهُمُ نظرا
ومذ رأت صنوَها في الترب منعفرا    همّت لتقضي من توديعِهِ وطرا
 وقد أبى سوطُ شمرٍ أن تودّعَهُ
إذا دنت منه سوطُ الشّمرِ أرجعها     ورمحُ زجرٍ ما تَبكيه قنّعَها
فلم تودّع محاميها ومفزِعَهَا          ففارقتهُ ولكن رأسُهُ معها
وغاب عنها ولكن قلبُها معَهُ
توفي رحمه اللَّه تعالى سنة 1359هـ غريقاً في شط الحلة يوم الخامس من شهر رجب.

الصفحة30

دريـضوا  هـنا يـهلنا للعليلة      يـهلنه فـراگكم مـاليش iiحيلة
يـهلنا بـعدكم مـا نـام لـيلة      او عـيني من بعدكم دوم iiتسهر
صـاح  حـسين يافاطم iiدردّي      دردّي لـلمدينة وطـن iiجـدي
أوديـلچ  عـلي ابنيّي iiاوكبدي      اولابـد مـا يـجي يمك iiمخبّر
ردّت لـلمدينة وسـار iiأبـوها      اوظـلّت  ترتقب عمها وأخوها
ظـنّت  فـاطمة لـنهم iiيجوها      أخوها والبطل عمها المشكّر
(1)

ــــــــــــــــــــ

(1) النصّاريات للمرحوم الشيخ محمّد نصّار.
قال المرحوم السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء السابع ص232:
الشيخ محمد بن الشيخ علي بن إبراهيم آل نصار الشيباني النجفي المعروف بالشيخ محمد نصار.
توفي1 في جمادى الآخرة سنة 1292هـ في النجف الأشرف ودفن في الصحن الشريف عند الرأس وهو من أسرة أدبٍ وعلم.
وكان فاضلاً أديباً له شعر باللغتين الفصحى والدارجة، وقلّ ما ينعقد مجلسٌ عزاءٍ للحسين(ع) فلا يقرأ فيه من شعره الدارج، ولعلّ السرّ في ذلك هو أن الناظم كان من أهل التقوى، ولشدّة حبّه لأهل البيت: سمّى كلّ أولاده باسم علي وجعل التمييز بينهم في الكنية فواحد يكنى بأبي الحسن والثاني بأبي الحسين وهكذا.
وحدّث صاحب كتاب (التكملة) فقال: عاشرته ورافقتُهُ مدّةً فكان خفيف الروح كثير الدعابة إلى تقى وديانة وتمسّك بالشّرع جداً.
ومن طريف ما حدّث به انه قال: قصدت قبر الإمام عليّ ابن موسى الرضا(ع) بخراسان في سنة 1285هـ فامتدحته بقصيدةٍ - وأنا في الطريق - على عادة الشعراء في قصدهم الملوك، واكملتها قبل دخولي المشهد الشريف بيوم واحد وكان مطلعها:
ياخليليَّ غلّسا لا تُريحا         أوشكت قبةُ الرّضا أن تلوحا
ومنها قوله:

الصفحة31

قال الشاعرُ الموالي مخاطباً الإمام الحسين(ع):

يـاصفوةَ  النورين أنت iiزجاجةٌ      قـدسيّةٌ  فـي هيكلٍ من iiجوهرِ

وسـلالةٌ  نـبويّةٌ قـد أُنـزلت      مـن  جنّةِ المأوى وماءِ iiالكوثرِ

من  أهل بيتٍ أذهبَ اللَّهُ iiالعمى      والرّجسَ عنهم أطهراً عن أطهر

شـاطرت جدَّك في الرِّسالة إنها      ثـمرٌ  لـغرسِ جهادِكَ iiالمتأخّر

أنـت  الـمجدِّدُ والنبيُّ iiمؤسِّسٌ      وأبـوك لـلإسلام خـيرُ iiمعمِّر

ُولدَ الإمامُ أبو عبداللَّه الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم الصلاة والسلام بالمدينة الطيّبة يوم الثالث من شهر شعبان للسنة الرابعة للهجرة الشريفة (1).

قال المرحوم السيّد عبداللَّه شبّر في (جلاء العيون): المشهور بين علماء الشيعة أنّه - أي الإمام الحسين(ع) - ولد بالمدينة لثلاثٍ خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة (2).

ــــــــــــــــــــ

إِنّ قبراً لا طفت فيه ثراهُ      منع المسكَ طيبُهُ أن يفوحا
قال؛: فلما دخلت المشهد الشريف وزرتُهُ ونمت تلك الليلة، رأيت في منامي الإمام الرضا(ع) جالساً على كرسي في روضتِهِ فسلّمت عليه وقبلت يديه فرحّب بي وأدناني وأعطاني صرّة وقال: افتحها ففيها مسك، ففتحتها فوجدت فيها فتاتاً لا رائحةَ له فقلت لا رائحة له فتبسّم(ع) وقال: ألست القائل:
إِنّ قبراً لا طفت فيه ثراهُ            منع المسكَ طيبُهُ أن يفوحا
فهذا مسك أذفر منع طيبُ ثرى قبري رائحتَهُ، فانتبهت وأنا فرح بما شاهدت.
توفي رحمه اللَّه تعالى في جمادى الأولى سنة 1292هـ وقد ناهز عمرهُ الستين، ودفن في (النجف الأشرف) في رأس الساباط من الصحن الشريف بين قبر المرحومَين: ميرزا جعفر القزويني وقبر السيّد حيدر الحلي.
(1) اُنظر: مسار الشيعة للشيخ المفيد: ص37.
(2) جلاء العيون: ج2 ص2.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى