المجالس الحسنة

 
 

الصفحه 285

الليلة السابعة                                                                                                                  المجلس الثالث

شهادة الإمام الحسن المجتبى(ع)

لـلَّـهِ رزءٌ بـه كـم للرشادِ هوىii      iiركـنٌ  وكـم فيه بيتٌ للضلالِ بُني
رزءٌ بـه عـرصاتُ العلم قد بقيتii      iiدوارسـاً  مـن فروضِ اللَّهِ والسُّنَنِ
لا غـروَ إِن تكن الأكوانُ قد خلعتii      iiثوبَ ‏المحاسِن‏ من ‏حزنٍ ‏على الحَسنِ
فـإنّـه  كـانَ فـي الأشياءِ بهجتهاii      iiقـد قـامَ فيها مقامَ الرّوح في البدنِ
لـم  أنـسَ يومَ عميد الدّينِ دس بهii      iiلـجـعـدةَ  الـسمَّ سرّاً عابدُ الوَثنِ
كـيـمـا تـهدَّ من العليَا دعامَتها ii      iiفـجـرّعته  الرّدى في جرعة اللبنِ
فـقـطـعـت كـبداً ممّن غدا كبداًii      iiلـفـاطـمِ وحـشاً من واحدِ الزَّمَنِ
حـتـى  قـضى بنقيعِ السُمِّ ممتثلاًii      iiلأمـر  بـارئـهِ فـي السرِّ والعلنِ
مـن مبلغُ المصطفى والطهرَ فاطمةii      iiأنّ  الـحسينَ دماً يبكي على الحسنِ
لـهـفـى  لـزينبَ تدعوهُ ومقلتُهاii      عبرى  وأدمعُها كالعارضِ الهَتُن 
(1)

ــــــــــــــــــــ

(1) عينُ هَتُونُ الدّمع: تصبُّ الدّمع، والعارض: هو السّحاب.
والقصيدة من نظم المرحوم الشيخ عبدالحسين شكر العراقي(ره).
قال السيد الأمين(ره) في (أعيان الشيعة) المجلد 7 ص438:
آل شكر أسرةٌ قديمة من الأسر العربية الشهيرة بالنجف الأشرف عرفت باسم (شُكر) أحد أجوادها الأقدمين، وأصلهم من عرب الحجاز هبطوا العراق منذ قرونٍ بعيدة واستوطنوا قرية (جبة) القرية المعروفة من أعمال بغداد ذكرها الحموي وغيره من أرباب المعاجم، ثمّ انتقلوا إلى النجف الأشرف واتخذوها موطناً لهم.
وقال المرحوم السيد جواد شبر في (أدب الطف) الجزء 7 ص187:

الصفحه 286

ولسان حالها:

أويلي اعله خويه الحسن مسموم      مـنّه  الـكبد والگلـب iiمهموم

راح  الـلي گضه العمر iiمظلوم      وظـلـينه‏بعده  بـسـودالهدوم

نـبكي  وتـسيل دموعنه iiدموم      وانـعه  وتـجاوبني أم كـلثوم

*  *  *

عن جنادة بن أبي أميّة قال: دخلت على (الامام) الحسن بن علي بن أبي‏طالب(ع) في مرضه‏الذي‏توفي‏فيه، وبين يديه طست‏يقذف‏عليه‏الدّم‏من السمّ الذي اسقاه معاوية، فقلت له عِظني ياابن رسول اللَّه قال: (نعم استعد لسفرك وحصّل زادك قبل حلولِ أجلك، واعلم أنك تطلبُ الدنيا والموت يطلبك، ولاتحمل همَّ يومِك الذي لم يأتِ على يومك الذي أنت فيه) (1).

قال الشيخ المفيد(ره) في (الإرشاد): الامام بعد أمير المؤمنين(ع) ابنه الحسن وابن سيّدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد سيّد المرسلين صلّى اللَّه عليه وآله الطاهرين.

وكنيتُهُ أبو محمّد ولد بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث

ــــــــــــــــــــ

هو الشيخ عبدالحسين بن الشيخ أحمد بن شكر النجفي، توفي بطهران سنة 1285هـ، وكان والده الشيخ أحمد من العلماء المصنّفين.
رثى أهل البيت: بقصائد كثيرة تزيد على الخمسين منها روضة مرتبة على الحروف، وشعره يرويه رجال المنبر الحسيني في‏المحافل الحسينية، وله في رثاء الامام الحسين(ع) هذه القصيدة وهي من أشهر قصائده ومطلعها:
البدارَ البدارَ آلَ نزارِ           قد فنيتم ما بين بيضِ الشفارِ
(1) الأنوار البهيّة: ص79.

الصفحه 287

من الهجرة، وجاءت به أمّه فاطمة(ع) إلى النبيّ(ص) فسمّاه حسناً وَعَقّ عنه كبشاً (1).

هو الولد الأول من عليٍّ وفاطمة(ع)، والسبط المبارك لرسول اللَّه(ص)، وهو مع أخيه الحسين(ع) ريحانتاه من الدنيا ففي الخبر الشريف أنّ النبيّ(ص) قال: إِنّ ابنيّ هذين ريحانتاي من الدنيا (2).

وكان النبيّ(ص) يحبهما، ويوصي بحبهما، ويبشّر محبّهما بالجنة ففي الخبر الشريف أنّه(ص) أخذ بيد الحسن والحسين وقال: من أحبّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمَّهما كان معي في درجتي في الجنة يوم القيامة.

وقد نظمه أبو الحسين في نظم الأخبار فقال:

أخذ  النبيُّ يدَ الحسينِ iiوصنوِهِ      يوماً  وقالَ وصَحبُهُ في iiمجمَع
مَـن ودّني يا قومُ أو هذين iiأو      أبويهما فالخلدُ مسكنُهُ معي 
(3)

وروي أن الامام الحسن(ع) كان يحضر مجلس رسول اللَّه(ص) وهو ابن سبع سنين، فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي إلى أمّه فيلقي إليها ما حفظه، وكان أمير المؤمنين(ع) كلّما دخل على الصديقة فاطمة(ع) وجد عندها علماً بالتنزيل، فسألها عن ذلك فقالت: من ولدك الحسن(ع)، (فأحبّ أمير المؤمنين(ع) أن يستمع إلى ولده وهو يقرأُ الوحي على أمّه) فتخفى يوماً في

ــــــــــــــــــــ

(1) الإرشاد: ص187.
(2) البحار ج43 ص271 ح38.
(3) المصدر السابق.

الصفحه 288

 البيت وقد دخل الحسن(ع) وكان قد سمع الوحي فأراد أن يلقيه إليها فارتج (1) فعجبت أمّه من ذلك فقال: لا تعجبي يا اُماه قلّ بياني وكلّ لساني لعلّ سيّداً يرعاني، فخرج أمير المؤمنين(ع) وقبّله (2).

ومن مناقبه العالية كان(ع) أعبدَ أهل زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ حجّ ماشياً وربما مشى حافياً، وكان(ع) إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراطِ بكى، وإذا ذكر العرضَ على اللَّه تعالى شهق شهقةً يُغشى عليه منها، وكان(ع) إذا قام إلى الصلاة ترتعدُ فرائصُهُ بين يدي اللَّه تعالى.

وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطرابَ السّليم وسألَ اللَّهَ الجنة وتعوّذ به من النار، وكان لا يقرأ من كتاب اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلاّ قال لبيك اللهمّ لبيك، ولم يُرَ في شي‏ءٍ من أحوالِهِ إلاّ ذاكراً للَّه سبحانه.

وكان(ع) أصدقَ الناس لهجةً، وكان إذا توضأ ارتعدت مفاصلُهُ واصفرّ لونه فقيل له في ذلك فقال: حقّ على كلّ من وقف بين يدي ربّ العرش أن يصفرّ لونُهُ وترتعد مفاصلُهُ، وكان إذا بلغ باب المسجد رفع رأسَهُ وقال: إلهي ضيفك ببابك يامحسنُ قد أتاك المسي‏ء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميلِ ما عندك ياكريم، وكان إذا فرغ من صلاة الفجر لم يتكلّم حتى تطلع الشمس.

ولقد حجّ عليه الصلاة والسلام خمساً وعشرين حجّةً ماشياً وإِنّ

ــــــــــــــــــــ

(1) أي فاضطرب، من الحاشية.
(3) الأنوار البهيّة للمرحوم الشيخ عباس القمي: ص76.

الصفحه 289

النجائب (1) لتقادُ معَهُ، وقاسم اللَّهَ تعالى مالَهُ مرّتين وروي ثلاث مرّات حتى انه كان يعطى من ماله نعلاًويمسك خفاً (2).

ومن حمله (ع) روي أنّ رجلاً من أهل الشام رآهُ راكباً فجعل يلعنُهُ، والامام الحسن (ع) لا يردّ عليه حتى فرغ الرجل عندها أقبل الامام الحسن(ع) وسلّم عليه وتبسّم في وجههِ وقال له: أيّها الشيخ أظنك غريباً ولعلّك شبّهت فلو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك، لأنّ لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً، فلمّا سمع الرجل الشامي كلام الامام(ع) بكى ثمّ قال: أشهد أنك خليفة اللَّه في أرضِهِ، اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته، كنت أنت وأبوك أبغضَ خلق اللَّه إليَّ، ثمّ حوّلَ رحله إلى الامام(ع) وكان ضيفَهُ إلى أن إِرتَحلَ وصار معتقداً لمحبتهم.

وروي أنه لمّا مات الامام الحسن(ع) أخرجوا جنازتَهُ فحمل مروان بن الحكم سريره - جنازته - فقال له الامام الحسين(ع): تحمل اليوم جنازته وكنتَ بالأمس تجرّعه الغيظ قال: نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمُهُ الجبال (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) النجيب مؤنثه نجيبة وجمعها نجائب: وهي كلّ نفيسٍ في نوعه كالفرس والبعير. لسان العرب ج6
(2) الأنوار البهيّة ص75. والخف دون النعل: فكان(ع) يعطي الأحسن من مالِهِ.
(3) الأنوار البهيّة: ص77-76.

الصفحه 290

ومن مواعظه وكلماته الشريفة ما رواه العلّامة المجلسي(ره) في البحار منها:

قوله(ع): (القريبُ من قرّبته المودّةُ وإِن بَعُدَ نسبُهُ، والبعيدُ من باعدتهُ المودّةُ وإن قربَ نسبُهُ) (1).

وقوله(ع): (الفرصةُ سريعة الفوت بطيئةُ العود) (2).

وقيل له: كيف أصبحت ياابن رسول اللَّه(ص)؟ قال: (أصبحتُ ولي ربٌّ فوقي، والنارُ أمامي، والموتُ يطلبني، والحسابُ محدقٌ بي، وأنا مرتهنٌ بعملي لا أجدُ ما أحبّ ولا أدفعُ ما أكره، والأمورُ بيد غيري، فإن شاءَ عذّبني وإن شاءَ عفا عني، فأيّ فقيرٍ أفقرُ منّي) (3).

وكان يقول(ع): (ياابنَ آدم إِنك لم تزل في هدم عمرِكَ منذ سقطتَ من بطن أُمّك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فإنّ المؤمنُ يتزوّد والكافرُ يتمتّع،وكان ينادي‏مع‏هذه‏الموعظة: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (4) ) (5).

ومن كراماته وكرمه ما رواه العلّامة المجلسي(ره) عن الامام الصادق عن آبائه: أنّ الامام الحسن(ع) خرج إلى مكّة ماشياً فتورّمت قدماه فقيل له لو ركبت ليسكن عنك هذاالورم فقال: كلا ولكنّا إذا أتينا المنزل (6)

ــــــــــــــــــــ

(1) بحار الأنوار ج78 ص106.
(2) البحار ج78 ص113.
(3) البحار ج78 ص113.
(4) سورة البقرة / 197.
(5) البحار ج78 ص117.
(6) المنزل: هو المحل الذي يرتاح فيه المسافرون على الطريق.

الصفحه 291

فإنه يستقبلكم رجل أسود معه دهن يصلح لهذا الورم فاشتروا منه ولا تماكسوه (1) فقال له بعض مواليه ليس أمامنا منزل فيه أحد يبيع هذا الدواء؟ فقال الامام(ع): بلى إنّه أمامنا وساروا أميالاً فإذا الأسود قد استقبلهم فقال الامام لأحد مواليه: دونك‏الرجل فخذ منه الدّهن بثمنه، وفعلاً أخذه منه فقال الأسود لمن تأخذ هذا الدّهن؟

قال: للحسن بن علي بن أبي طالب: قال: انطلق بي إليه، فلمّا وصلَ‏إلى الإمام قال الرجل الأسود: ياابن رسول اللَّه أنا من مواليكم ادع اللَّه‏أن يرزقني ولداً ذكراً سويّاً يحبّكم أهلَ البيت فإني خلّفتُ امرأتي تمخض فقال: انطلق إلى منزلك فإنّ اللَّه تعالى قد وهب لك ولداً ذكراً سويّاً وهو من شيعتنا فرجع الرجل من فوره فإذا امرأته قد ولدت غلاماً سويّاً ثمّ رجع الأسود إلى الإمام الحسن(ع) ودعا له بالخير بولادة الغلام له، ثمّ ان الامام الحسن(ع) قد مسح رجليه بذلك الدهن فما قام عن موضعه حتى زال الورم (2).

وعرف الامام الحسن المجتبى(ع): ب (كريم أهل البيت(ع)) وهي الصفة الغالبة في حياته وإلاّ فجميع أهل البيت: كرماء بطبعهم وإلى ذلك يشير الشاعر الموالي:

كريمُ أهلِ البيتِ أكرمْ به     وكلّهم بالطّبع أهلُ الكرمْ

ــــــــــــــــــــ

(1) ماكَسَ: استحطه الثمن واستنقصَهُ إياه، ويسمى باللغة العامية (معاملة).
(2) البحار ج43 ص324.

الصفحه 292

لكن لكلِّ منهُمُ خصلةٌ     شاعَتْ له فهو بتلك عَلَمْ (1)

ومن ذلك ما رواه العلامة المجلسي(ره) في البحار فقال: خرج (الامام) الحسن والحسين وعبداللَّه بن جعفر: حُجاجاً ففاتهُمْ (2) أثقالُهم، فجاعوا وعطشوا فمرّوا بعجوزٍ في خباءٍ لها فقالوا: هل من شراب؟ فقالت: نعم، فنزلوا وليس لها إلاّ شويهة في الخيمة فقالت: احلبوها وامتذقوا لبنَها، ففعلواذلك وقالوا لها: هل من طعام؟ قالت: لا إلاّ هذه فليذبحها أحدكم حتى أهيئ لكم شيئاً تأكلون، فقام إليها أحدهم فذبحها وكشطها ثمّ هيأت لهم‏طعاماً فأكلوا ثمّ أقاموا حتى أبردوا (3) فلما أرادوا الرحيل قالوا لها: نحن‏نفرٌ من قريش نريدُ هذا الوجه، فإذا رجعنا سالمين فألمّي بنا فإنّا صانعون ‏إليكِ خيراً ثمّ ارتحلوا. وأقبل زوجُها وأخبرته عن القوم والشاة فغضب‏ الرجل وقال: ويحك تذبحين شاتي لأقوامٍ لا تعرفينهم ثمّ تقولين: نفرٌ من‏قريش ثمّ بعد مدّة ألجأتهم الحاجة لدخول المدينة، فمرّت العجوز في بعض‏طرق المدينة فرآها الامام الحسن(ع) فعرفها فقال لها: ياأمة اللَّه تعرفيني؟ قالت لا قال: أنا ضيفك يوم كذا فقالت العجوز: بأبي أنت وأمي فأمرلها الامام الحسن(ع) بألف شاة وألف دينار وبعث معها رسولاً إلى الامام‏الحسين(ع) فأمر لها بمثل ما أمر الامام الحسن(ع) وبعث معها رسولاًإلى عبداللَّه بن جعفر فأمر لها بمثل ذلك العطاء، فرجعت إلى زوجها بذلك ‏كلّه (4).

ــــــــــــــــــــ

(1) هذان البيتان للخطيب الأستاذ الشيخ محسن الفاضلي النجفي.
(2) بمعنى تقدّمت عليهم القافلة التي فيها الماء والطعام وتأخرو عنها.
(3) أبردوا بمعنى زالت حرارة المس وبرد الهواء وهو الوقت المناسب للمسير.
(4) البحار ج43 ص348.

الصفحه 293

وروي عنه(ع) هذه الأبيات في السخاء:

إنّ السخاءَ على العبادِ فريضةٌii      لـلَّـهِ يُـقـرأُ في كتابٍ محكمِ
وعـدَ  الـعبادَ الأسخياءَ جنانَهُii      iiوأعـدَّ لـلـبـخلاءِ نارَ جهنّمِ
مـن  كـان لا تندى يداه بنائلٍii      للراغبين  فليس ذاك بمسلم
 (1)

وكتب إليه أعرابي يقول:

لـم يـبقَ لي شي‏ءٌ يباعُ iiبدرهمٍ      يكفيكَ رؤيةُ منظري عن مخبري
إلاّ  بـقايا مـاءٍ وجـهٍ iiصـنتُهُ      إلاّ يـباعَ وقـد وجدتك iiمشتري

فأجابه(ع):

عـاجلتنا فـأتاكَ وابلُ iiبِرِّنا      طَـلّاً ولـو أمهلتنا لم نقصِرِ
فخذ القليلَ وكن كأنك لم iiتبع      ما صِنتَهُ وكأننا لم نشتر
ِ (2)

أعودُ إلى الرواية الشريفة التي افتتحتُ بها المجلس عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلت على الحسن بن علي بن أبي طالب(ع) في مرضه الذي توفّي فيه، وبين يديه طستٌ يقذف الدم فيه، ويخرج كبده قطعةً قطعةً من

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار ج43 ص552.
(2) معالي السبطين الطبعة الحجرية ص12.

الصفحه 294

 السم الذي أسقاه معاوية فقلت يامولاي مالك لا تعالج نفسك فقال: ياعبداللَّه بماذا أعالج الموت!؟ قلت: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ثمّ التفت إليّ فقال: واللَّهِ لقد عهِدَ إلينا رسول اللَّه(ص) أنّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد عليٍّ وفاطمة(ع) ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول، فقلت له: عظني ياابن رسول اللَّه(ص) قال: نعم استعد لسفرك وحصّل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل همَّ يومك الذي لم يأتِ على يومكَ الذي أنت فيه وساق الكلام في ذكر موعظته(ع) إلى أن قال: ثمّ انقطع نفسُهُ واصفرّ لونُهُ حتى خشيتُ عليه، ودخل عليه الإمام الحسين(ع) وانكبّ عليه حتى قبّلَ رأسه وعينيه.

يقولون وفي هذه الأثناء وإذا بالصرخة على الباب فالتفت الامام الحسن إلى أخيه الحسين وهو يقول له: أبا عبداللَّه ارفع هذا الطست عنّي فلا أحبّ أن تراه أختنا زينب:

يحسين شيل الطشت عنّي     خواتك يبو السجاد اجني

يردن يشبعن شوف منّي      ويردن يخوية يودّعني

للَّه صبرُ العقيلة زينب حيث انها بعد فقد جدّها وأمّها وأبيها ها هي ترى الامام الحسن(ع) بهذه الحالة مطروحاً على فراش المنية وقد اصفرّ لونُه.

ثمّ أخذ الامام الحسن يوصي أخاه الامام الحسين(ع) وممّا قال له: إذا أنا متّ فهيّئني ثمّ وجهني إلى قبر جدّي رسول اللَّه(ص) لأجدّد به عهداً


الصفحه 295

ثمّ ردّني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فادفني هناك، وستعلم ياابن أمي أنّ القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول اللَّه(ص) فيجلبون (1) في ذلك ويمنعونك منه، وباللَّه أقسم عليك أن لا تهرق في أمري محجَمَة (2) دم، ثمّ وصّى إليه بأهله وولده وتركاته وما كان أوصى إليه أمير المؤمنين(ع) حين استخلفه (3).

كأني بالامام(ع) قد استقبل القبلة ومدّد يديه ورجليه وغمّض عينيه وخمد أنينُه، وعرق جبينُه وفاضت روحُهُ الطاهرة واسيداه واإِماماه وامسموماه.

والـحسين  ودمـعته بـخده جـريه      حط راسه‏ بحجره ‏وگضه‏ نحبه‏ الشفيه

يـنادي  يبو محمد يخويه گطعت iiبيه      ودعـتك  الـلَّه يالحسن ياگرة iiالعين

عگب ذيـك الـمصيبة وذيك iiالهموم      تـالـيها  رحـت والـكبد iiمـسموم

عـيد أصـبح لـهالي الشام هل iiيوم      يـخوية وعـل هـواشم أصبح أظلم

ولمّا قُبض الامام الحسن(ع) غسّله الامام الحسين(ع) وكفّنه وحمله على سريره وانطلق به إلى قبر جدّه ليجدّد به عهداً، ولم يشك مروان بن الحكم وبنو أمية أنّهم سيدفنونه عند رسول اللَّه(ص) فتجمّعوا ولبسوا السلاح وأقبلوا بجمعهم ولحقتهم الحميراء على بغل وهي تقول: مالي ولكم تريدون

ــــــــــــــــــــ

(1) أجلَبَ القوم: تجمّعوا للحرب وضجّوا واختلطت أصواتُهم.
(2) آلة الحجّام وهي شي‏ءٌ كالكأس، الحاشية.
(3) الأنوار البهيّة ص80.

الصفحه 296

 أن تدخلوا بيتي من لا أحب وجعَلَ مروان يقول: ياربَّ هيجاء هي خيرٌ من دَعَه أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبيّ لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف وكادت الفتنة أن تقع بين بني هاشم وبني أمية (1)، يقولون: كان الامام الحسين(ع) يقول لبني هاشم: اللَّه اللَّه في وصيّة أخي الحسن فإنه أمرني أن لا أهرق في أمره محجمة دم ولكنه التفت وإذا بأبي الفضل العباس قد سلّ سيفه لقتال القوم حيث رموا جنازة الإمام الحسن بسبعين سهماً، فوضع الحسين يده على سيف أبي الفضل وقال: أخي أبا الفضل اغمد هذا السيف فإنّ له يوماً آخر ألا وهو يوم كربلاء:

الـدنيه  خـاليه امن الفرح iiبسهام      صدگ نعش الحسن ينصاب بسهام

وبـوفاضل  بـسل السيف iiبسهام      مـثل  عـوده تگيّـد iiبـالوصيه

وعندما علم الأمويّون أن ليس من نيّة بني هاشم دفن الامام الحسن(ع) عند جدّه رسول اللَّه(ص) تركوهم حتى جدّدوا به عهداً بزيارة قبر جدّه ثمّ جاءوا به إلى البقيع ودفنوه عند قبر جدّته فاطمة بنت أسد، وجلس الامام الحسين على القبر الشريف وهو يقول:

أأدهنُ رأسي أم تَطيبُ iiمحاسني      ورأسُـكَ مـعفورٌ وأنت iiسليبُ

بـكائي  طويلٌ والدموعٌ iiغزيرةٌ      وقـبرك قـلبي والمزارُ iiقريبُ

غريبٌ وأطراف البيوت تحوطُهُ      ألا كلّ مَن تحت التراب iiغريب

ــــــــــــــــــــ

(1) الأنوار البهيّة ص81.

الصفحه 297

وليس حريباً من أصيب بمالِهِ     ولكنّ من وارى أخاه حريبُ (1)

كأني بالهاشميين وقد تقدّموا إلى سيّدهم وزعيمهم الامام الحسين(ع) وأقاموه من قبر أخيه الامام الحسن الشهيد، وعادوا به إلى داره يحوطونه من كلّ جانب، وللحسين جلوس آخر، عند أخٍ شهيد آخر، ليت شعري من أقامه، ومن عزّاه، ومن أحاط به، وذلك عندما جلس عند أبي الفضل وقد رآه مقطوع الشمال واليمين، والسهم نابتُ في العين، والمخ سائلٌ على الكتفين عندها نادى الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمت بي عدوّي.

يقولون خرجت امرأة من المخيم تقوم وتقعد شابكةً عشرها على رأسها وهي تنادي: واأخاه واعباساه، عندما رآها الامام ترك أخاه على المشرعة وقرب منها وإذا بها العقيلة زينب، فأخبرها الامام بمصرع أبي‏الفضل وعزّاها.

يگلله يزينب راح عباس      راح الضيغم البيه نرفع الراس

وظل يبكي عليه الدرع والطاس

كأني بالعقيلة وقد حاولت أن تفلت من يد الامام الحسين لتأتي لمصرع كفيلها أبي الفضل والامام يقول: إلى أين يازينب:

أنا رايحه العباس أشوفه     وركب اعله زنوده كفوفه

ــــــــــــــــــــ

(1) معالي السبطين ص36 الطبعة الحجرية، والحريب: الذي أخذ مالُهُ كلُّهُ. لسان العرب

الصفحه 298

وشيل السهم والدم أروفة     ابن والدي واشلون أعوفه

*  *  *

عباس تسمع زينباً تدعوك من    لي ياحماي إذا العدى نهروني

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين


الصفحه 299

السابع عشر من صفر                                                                                                         المجلس الرابع

شهادة الإمام أبي الحسن الرّضا(ع)

أَقـوَتْ  مـعـالِـمُ دينٍ أنتَ حاميهِii      iiوكـادَ  يُـنـسـخُ ثـقلٌ أنت ثانيهِ
تُـغضي وقد أصبحَ الإسلام منطمسَii      iiالأعـلامِ قـد حُكسسّمت فيه أعاديه
وعـاد فـيـنـا غريباً لا نصيرَ لهii      iiكـأنّـه وهـو فـردٌ فـي مـباديه
وإنّ  ديـنـاً أقـامـتـهُ صوارمُكُمii      iiقـد  قـامت اليومَ في الدُّنيا نواعيه
ألـسـتَ  تسمعُ ياابنَ الصيدِ دعوتَهُii      iiوهـل سـواكَ مجيبٌ صوتَ داعيه
يـاحـجّـةَ اللَّه قد ضاق الخناقُ بناii      iiفـأيَّ هـولٍ مـن الـدُّنـيا نقاسيهِ
جـورَ العدى أم هوانَ الغاصبينَ لناii      iiأم  طـولَ غـيبةٍ مولىً عن مواليه
أكُـلُّ  يـومٍ لـكـم ياابن الزّكيِّ دمٌii      iiيُـطـلُّ  هـدراً ولا مـن ثائرٍ فيه
فـمـن قتيلٍ قضى بين الظُبا عطشاًii      iiوبـيـنَ عُجفِ المطا سيقت ذراريهِ
ومـن طـريـدٍ لـكـم لم يحوهِ بلدٌii      iiولـم يـجدْ ملجأً في الأرضِ يؤويهِ
وبـين  مَن ماتَ صبراً بعدما سُقيتii      iiبـالـسُّـمِّ  أحـشـاؤُهُ ويلٌ لساقيهِ
يـاطـاويَ  البيدِ يرجو نيلَ مقصَدِهِii      iiأرحْ بـطـوسَ تـفُـز فيما ترجّيهِ
إِنـزل وحـيِّ بها عنّي ضريحَ عُلاًii      iiأهـلُ الـسـماواتِ لا زالت تحييهِ
فـيـه عليُّ بنُ موسى لم يَخِبْ أبداًii      iiلاجٍ  إلــيــهِ ولا راجٍ أيـاديـهِ
أفـدي  غريباًعن‏الأوطانِ‏قد شحطتii      iiبـهِ  الـنّـوى عـن مغانيهِ وأهليهِ
لـم أنسَ مذ غالَهُ المأمونُ حيثُ غداii      يُبدي له غيرَ ما في القلبِ يُخفيه 
(1)

ــــــــــــــــــــ

(1) هذه القصيدة العصماء من نظم المرحوم الشيخ محمد علي اليعقوبي(ره).
قال المرحوم السيد جواد شبر(ره) في (أدب الطفّ) الجزء العاشر ص190:
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى
 

#up