المجالس الحسنة

 
 

الصفحه 300

ــــــــــــــــــــ

 = ولد الشيخ محمد علي اليعقوبي في النجف الأشرف في شهر رمضان عام 1313هـ ، ونشأ برعاية والده الخطيب التقي والواعظ الشهير.
هاجر والدُهُ إلى مدينة الحلّة الفيحاء فنشأ الشيخ محمد علي في مستهلّ صباه ومطلع شبابه في مدينة الأدب والشّعر وكان عندما يختار له والدُهُ القصيدة يحفظها وينشدها في الجامع الذي يصلّي فيه العلّامة السيد محمّد القزويني بمحضر من المصلّين هناك.
وفي سنة 1329هـ انتقل والده إلى رحمة ربّه فانقطع حينذاك إلى ملازمة العلّامة السيد محمّد القزويني فغمره بألطافِهِ، وأفاضَ عليه من علمِهِ وأدبهِ الجمّ وأخلاقه العالية، وكان اليعقوبي دائماً يشكر هذا الفضل.
وكان اليعقوبي في كلِّ ما يقوله من نظم ونثر سهلٌ ممتنع لا تكاد تفوته مناسبة من المناسبات إلاّ ونظم فيها البيتين والثلاث أو القطعة المسكوكة كسبيكة الذهب تتداولها العقول والأفواه معجبة بها مستلذّة بترديدها مع أنه قد نظمها بلا تكلّف إنما أرسلها إرسالاً فاسمعه حين يداعب الشيخ محمّد السماوي يوم أحيل على التقاعد في عهد السيد محمد الصدر رئيس الوزراء:
قل للسماويِّ الذي      فلكُ القضاء به يدور
الناسُ تضربها الذيول     وأنت تضربك الصدور
ودخلتُ عليه مرةً أعودُهُ وكان يشكو ألماً حادّاً من عينيه ورأسه ولا أنسى أنه كان يوم 27 من رجب يوم توافدت الوفود لزيارة مخصوصةٍ لأمير المؤمنين علي بن أبي‏طالب(ع) فأنشدني هو:
أبا حسنٍ عذراً إذا كنتُ لم أُطقِ       زيارةَ مثواكَ الكريم مع الناس
فلولا أذى عيني ورأسي لساقني       إليك الولا سعياً على العينِ والرأسِ
وقال:
غرستُ بقلبي حبَّ آلِ محمّدٍ       فلم أَجِنِ غيرَ الفوز من ذلك الغرسِ
ومَن حادَ عنهم واقتفى إثرَ غيرهم      فقد باعَ منه الحظَّ بالثمنِ البخسِ
وكان - رحمه اللَّه تعالى - بالاضافة إلى الخدمة المنبرية والتبليغ باللسان فقد أضاف

الصفحه 301

 مات‏ الرضا وصارت زلازل في أرض طوس      والـحور حـطوله عزه ولطمن على iiالروس

حـطت  عـزيه فـاطمه الـزهرا iiبـالجنان      اعـله  غـريبٍ مـات فـي بـلدة iiخراسان

والـسم  ضـاگه فـي عـنب مع حب iiًرمان      سـم  الـرضا المأمون وخله الگلب iiمحموس

*  *  *

واحر گلبي اعلى الذي سمّه الميشوم      وگطع فؤاده وكبدته من حر السموم

 

ــــــــــــــــــــ

إليها الخدمة القلمية والخدمة بالبيان فقد ألف كثيراً وخلّفَ آثاراً لها قيمتُها منها:
1- البابليات وهو ثلاثة أجزاءٍ في تراجم الشعراء من أهل الحلّة طبع في سنة 1372هـ.
2- المقصورة العلية وهي قصيدة تناهز (450) بيتاً في سيرة أمير المؤمنين(ع) طبعت سنة 1344هـ.
3- عنوان المصائب في مقتل الامام علي بن أبي طالب(ع) طبع سنة 1347هـ.
4- ديوانه الذي يحتوي على ما نظمه من الشعر خلال مدة تتجاوز الأربعين عاماً طبع سنة 1376هـ.
5- الذخائر وهو ديوان شعرٍ خاص يحتوي على حوالي خمسين قصيدة ومقطوعة نظمها في أهل البيت: مدحاً ورثاءاً وقد طبعت سنة 1369هـ وأوصى رحمه اللَّه أن يدفن معه في قبره وقد صدره بالبيتين التاليين:
سرائرُ ودٍّ للنبيِّ ورهطهِ       بقلبي ستبدو يوم تُبلى السرائرُ
وعندي ممّا قلتُ فيهم ذَخائِرٌ     ستنفعني في يوم تفنى الذّخائرُ
توفي في فجر يوم الأحد 21 جمادى الثانية سنة 1385هـ الموافق 1965/10/17م فرحمةُ اللَّه تعالى عليه.

الصفحه 302

وخلاه مرمي اعله الفرش ما يگدر يگوم     وذوب فؤاده من ونينه شمس الشموس

*  *  *

واحر  گلبى اعله الذي في الفرش مطروح      مـرمي  عـلى فراشه يعالج نزعة الروح
ناحت  على مصابه البتوله بگلب iiمجروح      ياليت روحي اله فده وسكنت الرموس 
(1)

*  *  *

عن الإمام أبي الحسن علي بن محمّد الهادي(ع) قال: (من كانت له إلى اللَّه عزّوجلّ حاجة فليزر قبر جدّي الرّضا(ع) بطوس وهو على غسل، وليصلِّ عند رأسه ركعتين، وليسأل اللَّه تعالى حاجته في قنوته، فإنّه يستجيبُ له، ما لم يسأل في مأثم أو قطيعة رحم فإنّ موضعَ قبره لبقعةٌ من بقاع الجنة لايزورها مؤمنٌ إلاّ أعتقَهُ اللَّهُ تعالى من النار وأحلّه دار القرار) (2).

ولد الإمام أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا(ع) في الحادي عشر من ذي القعدة يوم الخميس أو الجمعة بالمدينة سنة 148 ثمان وأربعين ومائة. وذلك بعد وفاة جدّه الإمام الصادق(ع) بأيّامٍ قليلة (3)، وكان الإمام الصادق(ع)

ــــــــــــــــــــ

(1) الفائزيات الكبرى: ص184.
(2) الأنوار البهيّة للمرحوم الشيخ عباس القمي(ره) ص203.
(3) أقول: قضى الإمام الصادق(ع) شهيداً في سنة 148هأ. وذلك في شهر شوال، إلاّ أنّ

الصفحه 303

يتمنى إدراكه، ففي الخبر عن الإمام موسى بن جعفر(ع) قال: سمعت أبي جعفر بن محمد(ع) غير مرّة يقول لي: إِنّ عالمَ آلِ محمّد(ص) لفي صلبك وليتني أدركتُهُ فإنّه سميّ أمير المؤمنين(ع).

أمّه ذات العلى والمجد السيّدة نجمة، ويُقالُ لها تُكْتَمْ أيضاً، وكنيتُها أمّ‏البنين، ولمّا ولدت الإمام الرّض(ع) لقّبها الإمام الكاظم(ع) ب(الطاهرة) (1).

وأمّا عبادته ومكارم أخلاقه ومعالي أموره فقد روي أنه كان يجلس في الصيف على حصير، وفي الشّتاء على مُسُحْ (2)، وكان يلبس الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيّن لهم، وكان(ع) إذا صلّى الغداة - الفجر - وكان يصلّيها في أول الوقت - يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشّمس، وكان(ع) يكلّم الناس قليلاً، وكان كلامه وجوابه وتمثّله انتزاعات من القرآن المجيد، وكان يختم القرآن في كلّ ثلاث ويقول: لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت ولكني ما مررتُ بآيةٍ قط إلاّ فكّرت فيها وفي أيِّ شي‏ءٍ أنزلت، وفي أيِّ وقت ولذلك صرتُ أختم في كلِّ ثلاثةِ أيام.

وقال إبراهيم بن العباس: ما رأيت أبا الحسن الرّضا(ع) جفا أحداً بكلامه قط، ولا شتمَ أحداً من مواليه ومماليكه قط، ولا رأيتُهُ يقهقهُ في

ــــــــــــــــــــ

المشهور والذي عليه العمل خصوصاً في العصور المتأخرة هو يوم 25 من شوال، فعلى هذا تكون المدة بين وفاة الإمام الصادق(ع) وميلاد الإمام الرضا(ع) هي 15 أو 16 يوماً واللَّه العالم.
(1) الأنوار البهيّة ص177.
(2) المُسُح: واحدُه المِسْح وهو الكساءُ من الشَّعْر، لسان العرب

الصفحه 304

 ضحكه قط بل كان ضحكُهُ التبسّم، وكان(ع) قليلَ النوم بالليل كثير السّهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصّبح، وكان كثيرَ الصّيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشّهر ويقول ذلك صوم الدّهر (1)، وكان(ع) كثير الصّدقةِ والمعروف في السرّ وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، وكان(ع) إذا جلس على الطعام أتي له بصحفة فتوضع قرب المائدة فيعمد إلى أطيب الطعام ممّا يؤتى به فيأخذ من كلّ شي‏ء شيئاً فيوضع في تلك الصحفة ثمّ يأمر بها للمساكين ثمّ يتلو هذه الآية: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) (2).

ثمّ يقول: علمَ اللَّهُ عزّوجلّ أن ليس كلّ إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم سبيلاً إلى الجنة (3).

أقول: أراد(ع) أنّ اللَّه تعالى يعلم أن ليس كلّ أحد من خلقه قادراً على عتق رقة في سبيله، فجعل لهم طريقاً آخر أقل مؤنة وهو إطعام اليتامى والمساكين.

وعن موسى بن سيّار رحمه اللَّه تعالى قال: كنت مع الإمام الرّضا(ع) وقد أشرف على حيطان طوس وسمعتُ واعيةً فاتبعتُها فإذا نحنُ بجنازة،

ــــــــــــــــــــ

(1) قال المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (دام ظلّه) في كيفيّته: هو صوم أول خميس من الشّهر، وآخر خميس منه، وأول أربعاء من العشر وسط الشّهر، الأحكام الفقهيّة ص174.
(2) سورة البلد، الآيات: 11 - 14.
(3) الأنوار البهيّة ص180.
(4) قال في (لسان العرب): قال ابن الأثير: الواعيةُ: هو الصراخ على الميّت ونعيُهُ.

الصفحه 305

فلمّا بصرتُ بها رأيت سيّدي وقد ثنى رجلَهُ عن فرسه ثمّ أقبل نحو الجنازة فرفعها ثمّ أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلةُ بأمِّها، ثمّ أقبل عليّ وقال: ياموسى بن سيّار من شيّعَ جنازةَ وليٍّ من أوليائنا خرج من ذنوبِهِ كيومِ ولدتْهُ أمُّهُ لا ذنبَ عليه. حتى إذا وضع الرّجل على شفير قبره رأيت سيّدي قد أقبل فأفرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميّت فوضع يده على صدرِهِ ثمّ قال: يافلانَ بن فلان أبشر بالجنة فلا خوفٌ عليك بعد هذه الساعة فقلت جعلت فداك هل تعرف الرجل؟ فواللَّه إِنّها بقعةٌ لم تطأها قبل يومكَ هذا؟ فقال لي: ياموسى بن سيّار أما علمتَ أنّا معاشر الأئمة تُعرض علينا أعمالُ شيعتنا صباحاً ومساءاً، فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا اللَّهَ تعالى الصّفح لصاحبه، وما كان من العلو سألنا اللَّه تعالى الشكر لصاحبِهِ (1).

أقول: إذا كانت أعمالنا تعرض على الإمام(ع) في الصّباح والمساء فالحريُّ بنا التدقيق في أفعالنا وأقوالنا حتى لا يصل إليه منّا إلاّ ما يحبّه ويؤنسُه، فإنّ ما يصل إليه من أعمال أهل العالم ممّا لا يسرّه ولا يُرضيه الكثير الكثير.

ومن غرر كلماته الخالدة ما روى الشيخ القمّي(ره) عنه حيث قال(ع):

صديقُ كلِّ امرئ عقلُهُ، وعدوُّهُ جهلُهُ.

وقال(ع): (التودّدُ إلى النّاس نصفُ العقل).

وقال(ع): (يأتي على الناس زمانٌ تكون العافيةُ فيه عشرةَ أجزاء، تسعةً في اعتزال الناس، وواحدةً في الصّمت).

ــــــــــــــــــــ

(1) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب ج4 ص341.

الصفحه 306

وقال(ع): (إنّ اللَّه يبغض القيل والقال، وإضاعةِ المال، وكثرةِ السؤال).

أقول: أراد(ع) بكثرة السؤال طلب الحوائج من الناس بكثرة.

وروى السيد الجليل المرحوم عبدالعظيم الحسيني(ره) عن الإمام أبي‏الحسن الرّضا(ع) قال هذه الوصيّة الشريفة للشيعة: (ياعبدالعظيم أبلغ أوليائي السلام وقل لهم أن لا يجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلاً، ومرهم بالصّدق في الحديث وأداء الأمانة، ومرهم بالسكوتِ وتركِ الجدال فيما لا يعنيهم، واقبالِ بعضهم على بعض والمزاورة فإنّ ذلك قربة إِليّ، ولا يشغلوا أنفسهم بتمزيق بعضهم بعضاً، فإني آليت على نفسي أنّه من فعل ذلك وأسخط وليّاً من أوليائي دعوتُ اللَّهَ ليعذّبه في الدّنيا أشدّ العذاب وكان في الآخرة من الخاسرين) (1).

ومن كريم أخلاقه(ع) ما رواه الشيخ المجلسي(ره) في البحار بسنده إلى اليسع بن حمزة قال: كنت أنا في مجلس أبي الحسن الرّضا(ع) أحدّثه وقد اجتمع إليه خلقٌ كثير يسألونه عن الحلالِ والحرام، إذ دخل عليه رجلٌ فقال له: السلامُ عليك ياابن رسول اللَّه(ص) أنا رجل من محبيك ومحبّي آبائك وأجدادك: مصدري من الحج وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ به مرحله، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي، وللَّه عليّ إذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي تعطيني عنك فلستُ موضعَ صدقة فقال له: اجلس رحمك اللَّه، وأقبل على الناس يحدّثهم حتى تفرّقوا، وبقي هو وسليمان والجعفري وخثيمة وأنا فقال: أتأذنون لي في الدخول؟ فقال له سليمان: قدّم اللَّهُ أمرك،

ــــــــــــــــــــ

(1) الأنوار البهيّة ص186.

الصفحه 307

فقام فدخل الحجرة وبقي مدّة ثمّ خرج وردّ الباب وأخرج يدَه من أعلى الباب وقال: أين الخراساني؟ فقال: ها أنا ذا فقال: خذ هذه المأتي دينار واستعن بها في مؤنتك ونفقتك وتبرّك بها ولا تتصدّق بها عنّي، واخرج فلا أراك ولا تراني ثمّ خرج(ع) فقال له سليمان: لقد أجزلت ورحمت فلماذا سترت وجهك عنه؟ فقال: مخافةَ أن أرى ذلّ السؤال في وجهِهِ لقضائي حاجته أما سمعت حديث رسول اللَّه(ص): المستترُ بالحسنة تعدلُ سبعين حجّة، والمذيعُ بالسيئةِ مخذولٌ والمستتر بها مغفورٌ له، أما سمعتَ قول الأوّل:

متى آتِهِ يوماً لأطلُبَ حاجةً     رجعتُ إلى أهلي ووجهي بمائه (1)

أقول: هنا قَضَى الإمام(ع) حاجة رجلٍ من محبيه في حياته، وهناك كرامة أخرى حيث قضى الإمامُ(ع) حاجةَ امرأة مريضة من محبيه بعد وفاته وإليك الكرامة، ففي كتاب - كرامات رضوية - تأليف المرحوم الشيخ علي أكبر مروّج الإسلام، وتحت عنوان - الكرامة السادسة - قال: تزوّج أحد المؤمنين واسمه علي أكبر النجار امرأةً شابةً مؤمنة في مدينة مشهد المقدسة الإيرانية وذلك في حدود سنة 1964م، ولم تمضِ على زواجهما مدّة حتى مرضت المرأة بالمرض المعروف - بالحصبة - ولازمت على أثر ذلك الفراش، وبعد مراجعة الأطباء واستعمال الدواء تحسّنت حالتُها ولكن وبسبب ترك الحمية ومخالفة ارشادات الأطباء عاد إليها المرضُ ثانيةً

ــــــــــــــــــــ

(1) البحار ج49 ص101، ح 19.

الصفحه 308

 وبشكلٍ قوي هذه المرة حيث انتهى الحال بها إلى موت - توقّف - قدميها ويدها اليمين حتى عجزت عن الحركة فضلاً عن القيام والقعود.

وبقيت على هذا الحال مدة 7 أشهر قضتها في مراجعة الأطباء ولم تحصل على الفائدة المرجوّة حتى وُصِفَ لها طبيب ألماني يمتاز بالخبرة ويستعمل الآلات الطبية الحديثة، وبعد مراجعته كتب لها دواءاً تستعمله ظناً منه أنه شخّص المرض وسيدفعه بهذا الدواء إلاّ أن حالتها تدهورت أكثر حتى اُصيب وجهها بالشلل ولم تستطع فتح فمها حيث أطبقت الأسنان على الأسنان وتحيّروا في طعامها ودوائها، فأرجعوها إلى الطبيب الألماني فلمّا نظر إليها قال ليس لهذه المرأة دواء عند الأطباء خذوها إلى الأطباء الروحانيين ليعالجوها بالأدعية والتوسلات الشرعية.

واستمرت هذه الحالة عندها (ع) أيام ما كانت تقدر على تناول الطعام والدواء ولا حتى الكلام وكادت أن تهلك من شدّة المرض وصعوبة العلاج.

يقول الزوج ونحن في هذه الفترة لم نترك مراجعة الأطباء ومشاورتهم حتى استقرّ رأيهم على إعطائها جرعة قوية من الدواء عن طريق الوريد باستعمال الأبر لعلّهم يوفّقوا في ارجاع الوجه إلى حالته الطبيعيّة، وفعلاً تمكنوا من ذلك حيث عاد وجهها إلى حالته الأولى وتمكنت من فتح فمها لأجل الطعام والدواء وحتى الكلام أيضاً غير أنّ بقية البدن بقي على حاله حيث ما كانت تقدر أن تحرّك يدها ولا قدميها وباتت ملقاة في احدى زوايا المنزل يائسة من شفائها، وقد تركنا مراجعة الأطباء لأجل أنهم عجزوا عن مداواتها يقول الزوج وفي ليلةٍ من الليالي نادتني زوجتي وشكرتني على


الصفحه 309

صبري معها وهي مريضة واعتذرت لي بسبب المتاعب التي سببتها لي وقالت إنك لم ترَ مني خيراً أبداً ولكنك طوقتني بجميلٍ لا أنساه لك أبداً، ولي منك طلبٌ أخير إن سمحت به قلت وما هو؟ قالت الليلة المقبلة هي ليلة الجمعة وأريد منك أن تنقلني إلى حرم سيدي ومولاي الامام أبي الحسن الرّضا(ع) وتضعني قريب الضريح الشريف وتتركني هناك لأطلب من الامام(ع) شفائي أو موتي ونجاتي ممّا أنا فيه فقلت يكون إن شاء اللَّه تعالى ما تريدين.

وفعلاً حملتها في الليلة المقبلة ومعنا أمّها حتى أوصلتها إلى حرم الامام أبي الحسن الرضا(ع) ووضعتها قرب ضريح الامام(ع) وعدت إلى المنزل، وقالت لها أمّها أنا ذاهبة إلى مسجد النساء لأستريح قليلاً تقول الزوجة المريضة فبقيت وحدي وتوجّهت إلى الإمام(ع) بقلبي وروحي وجميع حواسي وقلت له سيّدي ياأبا الحسن أيّها الامام الرؤوف أطلب منك شفائي أو موتي وخلاصي ممّا أنا فيه ثمّ بكيتُ كثيراً فبينا أنا كذلك ولا أدري أنائمة أنا أم مستيقظة إذ رأيت الضريح الشريف قد انفتح وخرج منه سيّدٌ جليل عليه ثيابٌ خضرٌ تعلوه الهيبة والنور تكلّم معي بلغتي - التركية - وقال: قومي فلم أجبه فقال ثانيةً: قومي فلم أجبه فقال ثالثة: قومي قلت سيدي كيف أقوم وأنا مريضة لا أقدر الوقوفَ على قدمي قال: قومي واذهبي إلى مسجد -گوهرشاد واسبغي الوضوء وصلّي هناك ثمّ عودي واجلسي هنا.

تقول سمعت منه هذا وعدت إلى نفسي وإذا أنا لا زلت قريب الضريح


الصفحه 310

والنساءُ الزائرات حولي ولكني لم أجد في بدني ألماً أبداً، ورأيت يدي اليمنى تتحرّك حتى أني قمت ووقفت على قدمي كأيّ إنسان سالم معافى ولم أصدق ذلك حتى مشيت خطوات داخل حرم الامام(ع) عندها تيقّنت أنّ الامام الرضا(ع) نظر إليّ ثمّ ذهبت مسرعةً لاُبشّر أمي فعندما نظرت إليّ قلت لها أماه إنَّ ضامن الغرباء منّ عليّ بالشفاء فقامت وضمّتني إلى صدرها طويلاً غير مصدّقة ما تشاهده عيناها، وبكينا من شدّة الفرح والسرور ساعةً كاملة (1).

أقول: عاش الامام الرضا عليه السلام في خراسان مدّة قصيرة من عمره الشريف، ولكنّها كانت من أشدّ الفترات وطأةً عليه حتى أنه(ع) تمنى الموت لأجل الخلاص ممّا هو فيه، روى الشيخ الصدوق(ره) عن علي بن إبراهيم عن ياسر الخادم قال: كان الرض(ع) يقول في دعائه: اللهمّ إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت فعجّل لي الساعة، ولم يزل مغموماً مكروباً إلى أن قبض صلوات اللَّه وسلامه عليه (2).

أمّا كيفيّة مقتله(ع) فقد روى الشيخ الصدوق(ره) في (عيون الأخبار) عن أبي الصلت الهروي قال قال لي الإمام(ع): ياأبا الصلت غداً أدخلُ على هذا الفاجر - يعني المأمون فإن أنا خرجت وأنا مكشوف الرّأس فتكلّم أكلّمك، وإن أنا خرجت وأنا مغطى الرّأس فلا تكلّمني قال أبو الصلت: فلمّا أصبحنا من الغد لبس ثيابه وجلس في محرابه ينتظر فبينما هو كذلك إذ

ــــــــــــــــــــ

(1) كرامات رضوية ج1 ص99.
(2) الأنوار البهيّة ص195.

الصفحه 311

دخل عليه غلام المأمون فقال له: أجب أمير المؤمنين، فلبس نعلَهُ ورداءه وقام يمشي وأنا أتبعُهُ حتى دخل على المأمون وبين يديه طبق عليه عنب وأطباق فاكهة، وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه، فلمّا أبصر الرضا(ع) قام إليه فعانقه وقبل بين عينيه وأجلسه معه ثمّ ناوله العنقود وقال ياابن رسول اللَّه ما رأيت عنباً أحسنَ من هذا فقال له الامام(ع): ربما كان عنباً حسناً يكون من الجنة فقال له كل منه فقال له: تعفيني منه فقال لابُدّ من ذلك وما يمنعك منه لعلّك تتهمُنا بشي‏ء فناوله العنقود فأكل منه الإمام الرضا(ع) ثلاث حبّات ثمّ رمى به وقام فقال المأمون إلى أين؟ فقال: إلى حيث وجهتني، فخرج(ع) مغطى الرّأس فلم أكلّمه حتى دخل الدار فأمر أن يغلق الباب ثمّ نام على فراشه مهموماً محزوناً فبينما أنا كذلك إذ دخل عليّ شابٌ حسن الوجه قطط (1) الشّعر أشبه الناس بالامام الرّضا(ع) فبادرت إليه فقلت له: من أين دخلت والباب مغلق؟ فقال: الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق فقلت له: ومَن أنت؟ فقال لي: أنا حجة اللَّه عليك ياأبا الصّلت، أنا محمّد بن علي ثمّ مضى نحو أبيه فلمّا نظر إليه الامام الرّضا(ع) ضمّه إلى صدره وقبّل ما بيه عينيه (2).

أويلي اعله الرضا من طاح بخراسان      بـعيد الـدار والأحـباب والـخوّان

اجـه بهمّه الجواد او من حضر iiيمّه      شـاف الـسم يـولي مـأثّر iiبجسمه

شـبگ فـوگه يودعه او قبله iiوشمه      وغده دمع العيون امن الحزن iiغدران

ــــــــــــــــــــ

(1) قال الفيومي في (المصباح المنير) شعرٌ قَطَطْ بفتحتين: شديد الجعود.
(2) عيون أخبار الرّضا للشيخ الصدوق(ره) ج2 ص243.

الصفحه 312

قال أبو الصلت الهروي: رأيت الامام الرضا(ع) يسارُّ ولده - وكأنه يوصيه بوصاياه - لم أفهم ما يقول له آجركم اللَّه فلم يقم الامام الجواد من عند والده المفدّى إلى أن قضى نحبَهُ ومضى إلى ربّه مسموماً غريباً شهيداً واإماماه واسيّداه:

فائزي

لمن گضه ضامن الجنة تزلزل الكون     والمصطفى أمسى ابوسط الگبر محزون

*  *  *

او  مـكسورة الأضلاع في الروضة iiحزينه      اتـنادي  الـرضا ثـامن اولادي iiسـامينه

مدري شحال ابنه محمد عگب عينه محزون      ومـصـاب الأبـوا عـله الـولد مـيهون

*  *  *

ضاگت  على اولادي بلاد اللَّه الوسيعةii      كـل  يـوم ينصابون بمصيبة وفجيعه
نـصـبوا  مآتمكم على أولادي يشيعهii      وخلّوا الدمع يهمل او فوگ الخد مهتون
بـوجـهـي هـل دهـر ما يوم بسّمii      iiومـن وجـدي غديت انلظم بالسم
(1)
مـثـل الـرضـا الضامن مات بالسم      iiيـحگ نـبـكـي عليه صبح ومسيه

*  *  *

وقبرٌ بطوسٍ يالها من مصيبةٍ      ألحّت على الأحشاءِ بالزفراتِ

إلى الحشرِ حتى يبعث اللَّه قائماً (2)   يفرّج عنّا الهمَّ والكُرباتِ

لاحول ولا قوة إلاّ باللَّه العليّ العظيم

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون والعاقبة للمتقين

ــــــــــــــــــــ

(1) السّم هنا بمعنى ابرة الخيّاط.
(2) من المناسب تبديل هذا اللقب الشريف إلى لقب (حجّةً) تخفيفاً على المستمعين من القيام، وحتى يبقى خشوع المستمعين وشجاؤهم إذا أراد الخطيب إطالة المجلس أكثر من هذا.

الصفحه 313

العشرون من صفر                                                                                                            المجلس الخامس

يوم الأربعين

قم جدّدالحزنَ ‏في‏ العشرينَ من ‏صفرِii      iiفـفـيـه ردّت رؤوسُ الآلِ لـلحفرِ
يـازائـري  بـقـعةً أطفالُهُم ذُبحتii      iiفـيها  خذوا تربَها كحلاً إلى البصرِ
والـهـفـتا  لبناتِ الطهرِ حين رنت      إلـى مـصـارعِ قـتـلاهنّ والحفرِ
رمـيـنَ بالنفسِ من فوقِ النياقِ على      تـلـك الـقـبورِ بصوتٍ هائلٍ ذَعِر
فـتـلـك تـدعو حسيناً وهي لاطمةٌ      مـنـهـا الخدودَ ودمعُ العين كالمطرِ
وتـلـك تـصـرخُ واجـدّاه واأبتاهii      وتـلـك تـصرخُ وايتماه في الصغرِ
فـلـو  تـروا أمَّ كـلـثـومٍ مناشدةًii      iiولـهـى وتـلثمُ تربَ الطفِّ كالعِطْرِ
يـادافـني الراس عند الجثة احتفظوا      بـالـلَّـهِ  لا تـنثروا ترباً على قمرِ
لا  تـغـسلوا الدمَ عن أطرافِ لحيتهِii      iiخـلّوا  عليه خضابَ الشيبِ والكِبَرِ
لا  تُـخرجوا أسهماً في جسمِهِ نشِبَتْii      خوفاً  يفورُ دماً يطمو على البشر
ِ (1)

نعي

من  لاح الگبر سحت دموع iiالعين      ونادت  ويل گلبي ذاك گبر iiحسين
الجثة بالگبر والراس اصيحن وين      عـلى  راس الـرّمح مدّه iiيبارينه

*  *  *

اويلي لاح گبر حسين لعيوني       يهلنه للمدينة امشوا وخلّوني

أخافن لن بني هاشم ينشدوني       شگولن لليگول حسينكم وينه

ــــــــــــــــــــ

(1) هذه القصيدة العصماء من نظم المرحوم السيّد هاشم السبتري البحراني(ره).

الصفحه 314

لـفن يـم الگبر ودموعهن iiتهمي      وزينب صارخه وتصيح يابن امي

وسـكنه تـندب الـعباس iiياعمي      مـن ذل الـيسر لگبـوركم جينه

*  *  *

روي عن الامام أبي محمد الحسن بن علي العسكري(ع) أنه قال: (علاماتُ المؤمن خمسٌ: صلاةُ احدى وخمسين، والجهرُ ببسمِ اللَّه الرّحمن الرّحيم، والتختّمُ في اليمين، وتعفيرُ الجبين، وزيارةُ الأربعين) (1).

الأولى: وهي صلاة احدى وخمسين في اليوم والليلة عبارة عن سبعة عشرة ركعة فريضة، وأربعة وثلاثين ركعة نافلة، والفرائض هي الصبح والظهرين والعشاءين واعدادها معروفة واضحة، وأما النوافل فهي ثمان للظهر قبلها وثمان للعصر قبلها، وأربع للمغرب بعدها، واثنان من جلوس للعشاء بعدها تعدّان ركعة واحدة، وركعتان للصبح قبلها، وإحدى عشرة ركعة نافلة الليل ثمان هي نافلة الليل ثمّ الشفع والوتر، وبإضافاتها إلى الفرائض يكون المجموع احدى وخمسين ركعة، وهذا ما اختصت به الفرقة الناجية التابعة لأهل البيت:، فإنّ أهل السنة - المخالفين - وإن وافقوهم بعدد الفرائض إلاّ أنهم افترقوا في النوافل ففي كتاب (فتح القدير) لإبن همام الحنفي ج1 ص314 قال إنها ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، واثنان بعدها، وأربع قبل العصر وإن شاء ركعتين، وركعتان بعد المغرب، وأربع قبل العشاء وأربع بعدهاوإن شاء ركعتين فهذه ثلاثة وعشرون ركعة، واختلفوا في نافلة الليل إنها ثمان ركعات أو ركعتان أو ثلاث عشرة ركعة أو

ــــــــــــــــــــ

(1) مقتل المقرم1 ص473 عن تهذيب الشيخ الطوسي(ره).

الصفحه 315

أكثر، فالمجموع من نوافل الليل والنهار مع الفرائض لا يكون احدى وخمسين، فاذا تكون احدى وخمسين من مختصات الفرقة الحقة الإمامية لا غير (1).

الثانية: وهي الجهرٌ بالبسملة فإنّ الشيعة - الإماميّة - تديّنوا إلى اللَّه تعالى به وجوباً في الصلاة الجهرية واستحباباً في الصلاة الاخفاتية تمسكاً بأحاديث أئمتهم عليهم الصلاة والسلام، وفي ذلك يقول الفخر الرازي: ذهبت الشيعة إلى أنّ من السنّةِ الجهرُ بالتسمية - البسملة - في الصلاة الجهريّة والإخفاتية وجمهور الفقهاء - السنّة - يخالفونهم، وقد ثبت بالتواتر أنّ عليّ بن أبي طالب كان يجهرُ بالتسمية ومن اقتدى في دينه بعليِّ فقد اهتدى والدليل عليه قول النبيّ(ص): (اللهمّ أدر الحقّ مع عليٍّ حيث دار).

وخالف أهلُ السنّة في مسألةِ الجهر بالبسملة وقالوا: الجهرُ غير مسنون في الصلاة (2).

الثالثة: وهي التختّم باليمين وقد التزم به الإماميّةُ تديّناً برواياتِ أئمتهم: وخالفهم جماعةٌ من أهل السنّة.

هذا وقد وردت الروايات الشريفة المروية عن النبيّ وآله (ص) وهي تحثّ المؤمنين التختّمَ باليمين، وأن لا تخلو اليد من خاتم فصّه عقيق منها:

عن الامام الصادق(ع): (ما رفع كفٌّ إلى اللَّه عزّوجلّ أحبّ إليه من كفّ فيها خاتمٌ عقيق) (3).

ــــــــــــــــــــ

(1) و(2) مقتل المقرّم ص477.
(3) عدّة الدّاعي لابن فهد الحِلّي(ره) ص118.
 
الصفحة السابقةالفهرسالصفحة اللاحقة

 

طباعة الصفحةأعلى